|
تمهيد لسفر أيوب
ليست لدينا معلومات واضحة، عن مصدر
سفر أيوب. ولكن بعض الآراء، البالغة القدم، ترجح أنَّ موسى كتبه، حين كان يرعى
قطعان حميه يثرون بالقرب من سيناء. وحجة أصحاب هذا الرأي، أنه يستحيل على كاتب
عبراني، قبل موسى، أن يعبّر بهذا الأسلوب الكامل، عن بعض الأنظمة التشريعية
المتشابهة للأنظمة الموسوية، دون تناقض.
ولكن هناك سببين، يمنعاننا من
الانضمام إلى أصحاب هذا الرأي: الأول غياب الاصطلاحات، التي تميزت بها أسفار موسى
الخمسة، عن جميع كتب الأدب العبري. والثاني، احتواء نصوص سفر أيوب على أفكار
فلسفية، فيها شيء من الاعتراض على عدالة السماء، بالنسبة للبلايا التي حلّت بأيوب.
أما الأحداث التي وردت في السفر، فقد
تضاربت الأفكار حولها. فمن قائل أنها أحداث تاريخية وقعت فعلاً، وقائل آخر يعتقد
بأنها قصة مجازية قُصد بها معالجة موضوع الألم. حتى أن بعض الربانيين، ذهب إلى
القول بأن أيوب لم يكن شخصاً تاريخياً، وإنما بطل قصة رمزية.
بيد أن المصلح مارتن لوثر عارض هذا
الفكر، فقال إنه بالفعل، وُجد رجل، اسمه أيوب. وهو إنسان صالح أصابته نكبات قاسية
احتملها بصبر. فصار مثالاً لجميع المصابين في كل جيل وعصر. ثم قام شاعر لم يعرف
اسمه، ولا زمانه، وكتب قصته بأسلوب شعري جميل.
وعلى أي حال. يمكننا القول بالتأكيد
إنَّ الكاتب، كان يهودياً مخلصاً، أبى أن يذعن للاعتقاد، الذي كان شائعاً بين
العامة، والذي يربط بين الخطية والألم. وبالإجماع نرى أنَّ السفر المذكور مدهش،
لعدم كفاءة الأفهام البشرية لإدراك مشكلة الألم.
تبدأ قصة أيوب بفصل تمهيدي، فيه سرد
للنكبات القاسية. التي حلّت بأيوب، ابتداءً من خسارة ممتلكاته، فموت بنيه وبناته،
ثم ضرب جسمه بالقروح. فحزن واكتأب، وجلس في وسط الرماد. فجاء أصحابه أليفاز
التيماني وبلدد الشوحي وصوفر النعماتي ومعهم أليهو بن برخئيل، ليرثوا له ويعزوه في
محنته. لكن حين بدأ أيوب خطابه بسب يومه، واستذناب القضاء، دخل الأصحاب معه في
محاورات جدلية، عبّروا فيها عن الاعتقادات الشائعة في زمنهم. والتي مفادها أن
المصائب التي تقع على الإنسان، إنما هي نتيجة للخطايا التي يقترفها ضد الله.
أما أيوب فرفض هذه الآراء وفندها
بحدة، منوهاً بتقواه واستقامة قلبه، ومؤكداً أنه لم يقترف ذنباً، يستحق عقاباً
كهذا. وليس هذا فقط، بل أيضاً حين نقرأ الأصحاح العاشر من السفر، نرى أن الجرأة
بلغت بأيوب، أن يطلب إلى الله نفسه، أن يعلن له ما هي الذنوب، التي يتهمه بها،
والتي جعلها سبباً لقصاصه. فحسب الأصحاب هذا الكلام تجديفاً، فراحوا يقدمون له
مواعظهم المليئة بالوعيد، إلى أن ضاق صدره بكلامهم.
حينئذ تقدم أليهو الشاب، فبيّن أن
الآلام، قد تكون تأديباً غايتها خير المؤدب بها. ثم اعترض على أيوب لأنه حسب نفسه
أبر من الله، وعلى أصحابه لضعف حججهم، وهكذا أصلح غلطات الفريقين، وبرر الله في كل
طرقة مع الإنسان. وشدد على وجوب الخضوع لله، والتسليم بصلاحه.
صحيح أنَّ مشكلة الألم، لم تحل، لا
بكلام أيوب، ولا بكلام أصحابه الثلاثة، ولا بكلام أليهو. لأن الأفهام البشرية أعجز
من أن تفهم كل طرق الرب. فإننا نعرف من الجهة الواحدة، أنَّ الله عادل وقادر على كل
شيء، وأنه يحب الإنسان. ونعرف من الجهة الأخرى أنَّ الخطية في العالم، وأنَّ شعب
الله يتألمون، ويضطهدون، ويظلمون. ولا نقدر، أن نوفق بين الأمرين. هنا يبدأ عمل
الإيمان بصلاح الله، الذي يدبر كل شيء حسناً.
إنَّ المشاكل التي يثيرها سفر أيوب،
وأنّات التوجع التي سمعت من خلال فصوله، تجعل السفر كغيره من أسفار العهد القديم
يتطلع إلى يسوع رجل الأوجاع ومختبر الحزن، لكي يجد علاجاً عنده لكل هذه الأمور.
والواقع أنَّ سفر أيوب. يأخذ مكانه في الشهادة على ممر العصور، إنَّ في القلب
البشري فراغاً، لا يستطيع أحد أن يملأه إلا يسوع المسيح وحده. |