الرئيسية|تفاسير|مقدمات ومعاجم|كنسيات|عقائد|الحياة المسيحية|العائلة|بدع وهرطقات|أسئلة وأجوبة| دروس | تحميل| ارتباطات

الصفحة الرئيسية : شرح وتفسير: سفر أيوب: الإصحاح 12

الأصحاح الثاني عشر

 1فَقَالَ أَيُّوبُ:" 2صَحِيحٌ إِنَّكُمْ أَنْتُمْ شَعْبٌ وَمَعَكُمْ تَمُوتُ الْحِكْمَةُ! 3‚غَيْرَ أَنَّهُ لِي فَهْمٌ مِثْلَكُمْ. لَسْتُ أَنَا دُونَكُمْ. وَمَنْ لَيْسَ عِنْدَهُ مِثْلُ هذِهِ؟ 4‚رَجُلاً أُضْحُوكَةٌ لِصَاحِبِهِ صِرْتُ. دَعَا اللّهَ فَاسْتَجَابَهُ. أُضْحُوكَةٌ هُوَ الصِّدِّيقُ الْكَامِلُ. 5لِلْمُبْتَلِي هَوَانٌ فِي أَفْكَارِ الْمُطْمَئِنِّ، مُهَيَّأٌ لِمَنْ زَلَّتْ قَدَمُهُ. 6‚خِيَامُ الْمُخَرِّبِينَ مُسْتَرِيحَةٌ، وَالَّذِينَ يُغِيظُونَ اللّهَ مُطْمَئِنُّونَ، الَّذِينَ يَأْتُونَ بِإِلهِهِمْ فِي يَدِهِمْ!

إلى هنا أعطى أيوب انتباهاً ضئيلاً لعواطف أصحابه. والآن يسلط كلامه في التهكم عليهم بسبب ادعائهم السطحي. بأن لهم الحق بالتكلم إليه بترفع. وقد وجد في لهجتهم، كأن كلامهم معروف ومصدق من الناس. ومما زاد في استيائه ادعاؤهم المعرفة السامية عن أعمال الحكمة الإلهية.

كانت لهجة صوفر قد أهاجت أيوب، وأثارت حفيظته. فحمل على أصحابه وحكم على منطقهم بالسطحية، مظهراً أنَّ له بعض الفهم، ولا حاجة له إليهم أن يكلموه عن حكمة الله وعظمته. إنَّه يعرف ذلك.

من ليس عنده مثل هذه، قال أيوب؟  وبذلك أجاب على كلام صوفر في 11" 7-12 . ومعنى هذا أنَّ أيوب يبين الآن معرفته لكل شيء قالوه، عن حكمة وقوة الله . وهو عارف أنَّ كل نفس، هي في يد الله.

فأيوب كان قد دعا الله فاستجابه. ولكن المدهش أنه هو الصدّيق الكامل، صار سخرة لأصحابه. فإنهم بكلامهم الركيك وإنذارهم جعلوه رجلاً عديم المعرفة وبلا اعتبار وهذا لا يليق به.

لقد أوضح أصحاب أيوب رأيهم في سياسة الله للناس، فقالوا إنَّ الأشرار يتألمون لا الأبرار. ولكن أيوب المبتلى، منطلقاً من اعتقاده ببره، أراهم أنَّ الأمر بعكس ذلك. أي أنه يغلب أن يكون الأشرار مغيظو الله ناجحين مطمئنين. ورأى أيوب في ذلك مناقضة. أي أنَّ الله ينجح الذين يغيظونه.

12: 7»فَاسْأَلِ الْبَهَائِمَ فَتُعَلِّمَكَ وَطُيُورَ السَّمَاءِ فَتُخْبِرَكَ. 8‚أَوْ كَلِّمِ الْأَرْضَ فَتُعَلِّمَكَ وَيُحَدِّثَكَ سَمَكُ الْبَحْرِ. 9‚مَنْ لَا يَعْلَمُ مِنْ كُلِّ هؤُلَاءِ أَنَّ يَدَ الرَّبِّ صَنَعَتْ هذَا! 10‚الَّذِي بِيَدِهِ نَفَسُ كُلِّ حَيٍّ وَرُوحُ كُلِّ الْبَشَرِ. 11أَفَلَيْسَتِ الْأُذُنُ تَمْتَحِنُ الْأَقْوَالَ كَمَا أَنَّ الْحَنَكَ يَسْتَطْعِمُ طَعَامَهُ؟ 12‚عِنْدَ الشَّيْبِ حِكْمَةٌ، وَطُولُ الْأَيَّامِ فَهْمٌ.

بعد كلام أيوب في معاملة الله للناس، وتفوق الأقوياء على الضعفاء، ذكر أنَّ معاملة الله لخلائقه غير الناطقة كمعاملته للناس. لأن في يده نفس كل حي، ومنه كل ما يجري من الحياة والموت. بمعنى أنَّ الحكمة التي افتخر بها أصحابه، ليست لهم وحدهم. فكل الذين لهم عيون، يستطيعون أن يروا أعمال الله في نشاطات وحوش البرية وطيور السماء وأسماك البحر. وبعدما ذكر ما يتعلمه الناس بالنظر إلى الخليقة. ذكر ما يتعلمونه بواسطة الأذن من أقوال الحكماء. وما يتعلمه الناس بالأذن أوسع مما يتعلمونه بالنظر، لأن اختبار كثيرين في أجيال كثيرة، أوسع من اختبار واحد فقط. وكما أن للإنسان حنكاً يميز  به الطعام، هكذا له ذوق أو فهم في الأمور الأدبية والروحية، ليميز  الحق من الباطل.

12: 13»عِنْدَهُ الْحِكْمَةُ وَالْقُدْرَةُ. لَهُ الْمَشُورَةُ وَالْفِطْنَةُ. 14‚هُوَذَا يَهْدِمُ فَلَا يُبْنَى. يُغْلِقُ عَلَى إِنْسَانٍ فَلَا يُفْتَحُ. 15‚يَمْنَعُ الْمِيَاهَ فَتَيْبَسُ. يُطْلِقُهَا فَتَقْلِبُ الْأَرْضَ. 16عِنْدَهُ الْعِزُّ وَالْفَهْمُ. لَهُ الْمُضِلُّ وَالْمُضَلُّ. 17‚يَذْهَبُ بِالْمُشِيرِينَ أَسْرَى وَيُحَمِّقُ الْقُضَاةَ. 18‚يَحُلُّ مَنَاطِقَ الْمُلُوكِ وَيَشُدُّ أَحْقَاءَهُمْ بِوِثَاقٍ. 19‚يَذْهَبُ بِالْكَهَنَةِ أَسْرَى وَيَقْلِبُ الْأَقْوِيَاءَ. 20‚يَقْطَعُ كَلَامَ الْأُمَنَاءِ وَيَنْزِعُ ذَوْقَ الشُّيُوخِ. 21يُلْقِي هَوَاناً عَلَى الشُّرَفَاءِ وَيُرْخِي مِنْطَقَةَ الْأَشِدَّاءِ. 22يَكْشِفُ الْعَمَائِقَ مِنَ الظَّلَامِ، وَيُخْرِجُ ظِلَّ الْمَوْتِ إِلَى النُّورِ. 23‚يُكَثِّرُ الْأُمَمَ ثُمَّ يُبِيدُهَا. يُوَسِّعُ لِلْأُمَمِ ثُمَّ يُشَتِّتُها. 24‚يَنْزِعُ عُقُولَ رُؤَسَاءِ شَعْبِ الْأَرْضِ وَيُضِلُّهُمْ فِي تِيهٍ بِلَا طَرِيقٍ. 25‚يَتَلَمَّسُونَ فِي الظَّلَامِ وَلَيْسَ نُورٌ وَيُرَنِّحُهُمْ مِثْلَ السَّكْرَانِ.

يتصور أيوب أنَّ قوة الله، تكتسح بدون تمييز. ومن زاوية آلامه المبرحة، رأى أن بين الناس تمييزاً. ولكن الضالين والمضلين عند الله على حد سواء.

القضاة والملوك والكهنة تحت سلطانه. ينزع فهم الشيوخ، ويكشف أفكار الناس ومقاصدهم السرية، يوسع للأمم تخومهم، ثم يضيقها، فيعمل بهم كما يشاء. يحمق مشورة رؤسائهم، فيتلمسون في الظلام، وليس من نور لهديهم.

كل هذا رآه أيوب وعرفه. كما زعم أصحابه أنهم يعرفونه. ليس هو دونهم في هذا. وقد استخدموا معرفتهم ضده، لكن أفكارهم ليست صحيحة. لقد اعتبرهم ملفقي كذب، مشيرين بطالين. كان لهم آراء عن أعمال الله في أحوال مخصوصة، أي أنه يعاقب الشرير. وإن أرسل مصائب على البار، يزعمون أنها كانت لأنه ارتكب جرماً سابقاً. فطلب أيوب أن يتركوه وشأنه. وليصبه مهما أصابه، فإنه يحتمله. وإن قتله الله فإنه ينتظره (3:15).

الصلاة:  يا رب إلهنا نشكرك من كل القلب، لأجل رحمتك التي هي لنا في كل صباح ومساء. ولأجل رحمتك الغنية بالصفح والغفران. ولأجل عنايتك التي ترعانا، وتهتم بنا. ولأجل نعمتك المخلصة، التي علمتنا أن ننكر الفجور، الذي في العالم بالشهوة. قونا في الإيمان والرجاء والمحبة. آمين.