الصفحة الرئيسية : شرح وتفسير: سفر أيوب: الإصحاح 19

الاصحاح 19

19: 21‚تَرَاءَفُوا! تَرَاءَفُوا أَنْتُمْ عَلَيَّ يَا أَصْحَابِي، لِأَنَّ يَدَ اللّهِ قَدْ مَسَّتْنِي. 22‚لِمَاذَا تُطَارِدُونَنِي كَمَا اللّهُ، وَلَا تَشْبَعُونَ مِنْ لَحْمِي؟

لم يكن لأصحاب أيوب الحق بالتكلم إليه بترفع، لأنهم ليسوا أبر منه أولاً. وثانياً لأنه لا يليق بالمؤمن أن يزدري بالآخرين، حتى ولو كانوا خطاة. لأن المسيح وهو ديان كل الأرض، لم يترفع عن الخطاة. وحين انتقده الفريسيون بسبب مجالسة الخطاة، قال لهم:   »لَا يَحْتَاجُ الْأَصِحَّاءُ إِلَى طَبِيبٍ بَلِ الْمَرْضَى... لَمْ آتِ لِأَدْعُوَ أَبْرَاراً بَلْ خُطَاةً إِلَى التَّوْبَةِ« (متى 9:12 و13).

بيد أنَّ حوار الأصحاب مع أيوب، لم يكن عبثاً. فقد حمل أيوب على الاعتراف، بكل ما قالوه عن حكمة الله وقدرته وعنايته بمخلوقاته. وبأنَّ حكمة الله وقدرته، تظهران في الطبيعة وبهائم الحقل. أما السؤال الذي بقي يزعج عقله، والذي لم يشأ الأصحاب أن يواجهوه، فيختص بكيفية استعمال الله لقدرته. إنه لم يكن مستعداً، أن يقبل الأمور بدون فحص آراء الآخرين، مهما كان نصيبها من القدم والتواتر. لذلك بقي الأصحاب عاجزين عن إقناعه بما ظنوه صواباً. هذا شأن الإنسان المتشامخ الروح، يحتاج إلى تأديبات الرب، لكي يتنازل عن شموخه ويقر بضعفه.

بعد أن عبّر أيوب عن عدم صبره على كلام بلدد القاسي، وعلى اتهامة بالشر، الأمر الذي أثر فيه تأثيراً ساحقاً، فتاق إلى المؤاساة البشرية. وإذ لم يجدها تضرع إلى أصحابه أن يترأفوا به. فلماذا يقسون قلوبهم على إنسان حزين كسير؟  ألا يكفيه أنَّ الله يطارده؟!  فلماذا يتخذون على أنفسهم القيام بذلك؟!  ولكن توسله الصادر من قلب منكسر، لم يأت بفائدة. لأن أصحابه، كانوا قد انخدعوا بنظرية خاطئة من جهة الموقف كله، ولا يزالون يعتقدون، بأنه يقاسي ما يقاسيه بسبب خطاياه. إن إدراك الحقيقة إن يد الرب تبليه، كان ينبغي أن تثير رأفتهم عليه. ولكن بسبب اعتقادهم بمذنوبيته لم يقدروا أن يرأفوا به. بمعنى أنه كان عليهم أن يختاروا بين صديقهم وبين إيمانهم.

إن الكلمة »لماذا تطاردونني كما الله« تعلن بتأكيد مقدار ديننا لربنا يسوع المسيح بخصوص اعتقادنا في الله. ففي عهد النعمة، أعلن لنا أنَّ الله في المسيح إله صفوح سموح (أفسس 4:32). إنّه الآب الذي يسر بأن يسامح إلى سبعين مرة سبع مرات.

19: 23 لَيْتَ كَلِمَاتِي الْآنَ تُكْتَبُ. يَا لَيْتَهَا رُسِمَتْ فِي سِفْرٍ 24‚وَنُقِرَتْ إِلَى الْأَبَدِ فِي الصَّخْرِ بِقَلَمِ حَدِيدٍ وَبِرَصَاصٍ. 25‚أَمَّا أَنَا فَقَدْ عَلِمْتُ أَنَّ وَلِيِّي حَيٌّ وَالْآخِرَ عَلَى الْأَرْضِ يَقُومُ 26‚وَبَعْدَ أَنْ يُفْنَى جِلْدِي هذَا وَبِدُونِ جَسَدِي أَرَى اللّهَ. 27‚الَّذِي أَرَاهُ أَنَا لِنَفْسِي وَعَيْنَايَ تَنْظُرَانِ وَلَيْسَ آخَرُ. إِلَى ذلِكَ تَتُوقُ كُلْيَتَايَ فِي جَوْفِي. 28‚فَإِنَّكُمْ تَقُولُونَ: لِمَاذَا نُطَارِدُهُ؟ وَالْكَلَامُ الْأَصْلِيُّ يُوجَدُ عِنْدِي. 29‚خَافُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ مِنَ السَّيْفِ لِأَنَّ الْغَيْظَ مِنْ آثَامِ السَّيْفِ. لِكَيْ تَعْلَمُوا مَا هُوَ الْقَضَاءُ«.

حين رفض الأصحاب توسلات أيوب، تحول عنهم والتجأ إلى المستقبل ليلتمس الرجاء الذي أنكره عليه الحاضر، فيشع مرة أخرى. فتمنى أن تسجل قضيته. فبكل تأكيد كانت الأجيال القادمة، ستظهر عطفاً عليه وتبرر موقفه. وبغتة تأتينا رؤية عجيبة في أمر هذا الرجل. محام إلهي يظهر بغته، ليسترجعه من ظلال الموت، التي انحدر إليها في عار. وليجعله يسمع الحكم عليه بالتبرير الذي تاقت إليه نفسه. فيقول:  »أما أنا فقد علمت أن وليي حي« فقد ركز  نظره أخيراً في وجه المدافع الإلهي الذي هو ولي شعبه (إشعياء 54:5) وهو ولي المؤمنين أفراداً (مزمور 19:14).

ما من مسيحي يقرأ الأعداد 25:27، بدون أن يكتشف أنَّ هذه الفقرة من سفر أيوب مرآة لذاك الولي الحي يسوع، الذي هو حي في كل حين يشفع فينا (عبرانيين 7:25)، الذي أنار الحياة والخلود بالإنجيل (تيموثاوس الثانية 1:10).

لقد آمن أيوب بأنه سيرى الله، إلا أنه لم يدرك كيف سيراه. وآمن أيضاً بأنه هو نفسه يراه وعيناه تنظرانه، وأنه سيبرره، ولا يكون تبريره في غيابه بل في حضوره.

وأيضاً أصحابه سينظرون تبريره، فيقولون:  لماذا نطارده؟  أي أنهم سيقتنعون بأن أيوب بريء مما كانوا قد اتهموه به. ويقول إنَّ الكلام الصحيح عنده هو، وعليهم إذن أن يخافوا من غضب الله عليهم، بسبب غيظهم على أيوب، الغيظ الذي هو من آثام السيف، أي الآثام التي تستحق القتل بالسيف. وفي كلمة أخرى أنَّ أيوب ختم كلامه بتهديد أصحابه بأن ظهور الله الذي ينتظره برجاء وفرح، سيكون سبب خوف لهم. فإذا بقوا مصرين على اتهامهم له، بأن سبب آلامه هو الخطية فليحذروا، لأنه لا بد من وقوع العقاب عليهم.

الصلاة:  نشكرك اللهم لأجل الولي الحي ربنا ومخلصنا يسوع المسيح، الذي هو وسيط صلحنا معك، وشفيعنا قدامك. ثبتنا في المسيح، لكي يثبت المسيح فينا، ويكون لنا رجاء القدوم إليك، قديسين وبلا لوم في المحبة. آمين.