|
الأصحاح
الأربعون
1‚وَقَالَ الرَّبُّ لِأَيُّوبَ: 2‚»هَلْ يُخَاصِمُ
الْقَدِيرَ مُوَبِّخُهُ، أَمِ الْمُحَاجُّ اللّهَ يُجَاوِبُهُ؟«. 3‚فَأَجَابَ
أَيُّوبُ الرَّبَّ: 4‚»هَا أَنَا حَقِيرٌ، فَمَاذَا أُجَاوِبُكَ؟ وَضَعْتُ يَدِي
عَلَى فَمِي. 5‚مَرَّةً تَكَلَّمْتُ فَلَا أُجِيبُ، وَمَرَّتَيْنِ فَلَا أَزِيدُ«.
عملت الكلمة الإلهية
في أيوب، وحطمت اعتداده بنفسه. لأنه بعد أن تلقى التفسيرات المؤثرة لعجائب الطبيعة،
وما فيها من كائنات حية أو جامدة، وتأمل في الجمالات التي أسبغها الله على كل منها،
والعناية التي خصها بها، انفتح ذهنه ليرى مجد الله، الذي صنع كل شيء بحكمة. وحينئذ
تحول من خصم معاند إلى عابد وديع.
لقد سطعت رؤيا القدير في قلبه، فاستنار لبه، وعرف نفسه في ضوء وجه
الله. ثم نظر إلى حياته في وضع الإيمان، الذي بدونه لا يمكن إرضاء الله. وما أن
تأمل في أعمال عناية الله، حتى شعر بخطيته، وتبكت ضميره. وفي مثل هذه الحال، يقل
الكلام. لأن التائب توبة حقيقية لا يكثر الكلام. هكذا علمنا الإنجيل في مثل العشار،
الذي اقتصر كلامه على تضرّعٍ قصير: »ارحمني اللهم أنا الخاطي«.
صحيح أنَّ أيوب لم يتفوه باعتراف صريح. ولكنه ما أن حوّل نظره عن
بره الذاتي، حتى رأى تفاهته أمام الله. ولم يلبث أن قال: »حقير أنا فماذا أجاوبك؟«
إنه الآن يحمد الله، ولا يجادله.
نعم. إن ما عجزت كلمة الإنسان عنه في اقتياد أيوب إلى التوبة
والتسليم لله، فهذا عملته كلمة الله. فقد أثرت في وجدانه. وحطمت تكبره. وأحدثت
تحولاً كبيراً في موقفه. الأمر الذي يؤكد لنا أنه حين تعجز حكمة الإنسان عن إيضاح
سر الألم، فإن كلمة الله تثير فيه الإيمان بصلاح الله، في كل ما يسمح بوقوعه على
الإنسان لأجل تهذيبه.
قال الرسول: »لِأَنَّ كَلِمَةَ اللّهِ حَيَّةٌ وَفَعَّالَةٌ
وَأَمْضَى مِنْ كُلِّ سَيْفٍ ذِي حَدَّيْنِ، وَخَارِقَةٌ إِلَى مَفْرَقِ النَّفْسِ
وَالرُّوحِ وَالْمَفَاصِلِ وَالْمِخَاخِ، وَمُمَيِّزَةٌ أَفْكَارَ الْقَلْبِ
وَنِيَّاتِهِ« (عبرانيين 4:12)، بعكس الكلام الكثير، الذي تفوه به أليفاز وبلدد
وصوفر وأليهو، الذي لم يأت لأيوب لا باقتناع ولا بتعزية. وكذلك أجوبة أيوب، عجزت عن
تفسير مشكلة الألم بالرغم من أفكاره العميقة. كما أنه بكل اجتهاده ومنطقه، لم يستطع
إقناع أصحابه ببراءته. على العكس فقد أثارهم ضده، لأنه بأقواله عوج القضاء.
أما كلمة الله، فقد وضعت حداً لنزاع الألفاظ القاسية. وقد أحدثت هذا
الأثر، لأنها أتت عن طريق رؤيا جديدة عن الله الحي. وجل ما في أمرها، أنها أقنعت
أيوب بأنه يستطيع أن يثق في إله كهذا. إله عنايته أكثر اهتماماً بالإنسان مما تصور
أيوب!
40: 6‚فَقَالَ
الرَّبُّ لِأَيُّوبَ مِنَ الْعَاصِفَةِ: 7‚»الْآنَ
شُدَّ حَقْوَيْكَ كَرَجُلٍ. أَسْأَلُكَ فَتُعْلِمُنِي. 8‚لَعَلَّكَ تُنَاقِضُ
حُكْمِي. تَسْتَذْنِبُنِي لِتَتَبَرَّرَ أَنْتَ! 9‚هَلْ لَكَ ذِرَاعٌ كَمَا لِلّهِ،
وَبِصَوْتٍ مِثْلِ صَوْتِهِ تُرْعِدُ؟ 10‚تَزَيَّنِ الْآنَ بِالْجَلَالِ
وَالْعِّزِ، وَالْبِسِ الْمَجْدَ وَالْبَهَاءَ. 11‚فَرِّقْ فَيْضَ غَضَبِكَ،
وَانْظُرْ كُلَّ مُتَعَظِّمٍ وَاخْفِضْهُ. 12‚اُنْظُرْ إِلَى كُلِّ مُتَعَظِّمٍ
وَذَلِّلْهُ، وَدُسِ الْأَشْرَارَ فِي مَكَانِهِمِ. 13‚اُطْمُرْهُمْ فِي التُّرَابِ
مَعاً، وَاحْبِسْ وُجُوهَهُمْ فِي الظَّلَامِ. 14‚فَأَنَا أَيْضاً أَحْمَدُكَ
لِأَنَّ يَمِينَكَ تُخَلِّصُكَ.
كلم الرب أيوب كلاماً، ولم يسكته بإظهار عظمته بالرعد والزلزلة،
ولكنه أقنعه بالكلام. ولم تكن غاية كلام الرب زيادة ارتباك أيوب، وإقناعه بأنَّه لا
يقدر أن يفهم أعمال الله في الطبيعة. بل كانت غايته له المجد أن يعلن ذاته لأيوب
لأن الله نور، والنور يطرد الظلمة.
كان أيوب قد تذمر، ونسب لله ظلماً. وبأقواله حكم على الله، وجعل
نفسه في مكانه. لهذا سأله الله: ألعلك تناقض حكمي العادل، لكي تبرر نفسك؟ والواقع
أن أيوب اعترض على حكم الله، والله سأله أن يثبت أنه يقدر أن يحكم في الكون حكماً
أفضل من حكم الله، وإذ ذاك يمكن أن يقال إنَّه قادر كالله! هذه العبارات الإلهية
وضعت أيوب في دائرة النور، فتواضع أمام جلال الله، متنازلاً عن بره الذاتي، ومعطياً
المجد لله.
صحيح أنَّ الله لم يجب على المشكلات، التي كانت في عقل أيوب، ولكنه
شفى جراحات نفسه، ووضع في قلبه فكر التسليم الكامل للمشيئة الإلهية. ومع أنَّ أيوب
كان بعيداً عن عهد الصليب، إلا أنَّ كلمة الله. التي جعلت منه عابداً، لم تكن عاجزة
عن أن ترسم له الجلجثة بالآلام.
هل تتصرف مثل أيوب في البداية فتستذنب الله لتبرر نفسك، أم تعترف
بخطاياك. لكي يبررك الله؟ تعلم المثل من داود حين قال: »قُلْتُ: »أَعْتَرِفُ
لِلرَّبِّ بِذَنْبِي« وَأَنْتَ رَفَعْتَ أَثَامَ خَطِيَّتِي« (مزمور 32:5).
الصلاة:
نحمدك ونهلل لك أيها الرب القدير، لأن كلمتك ما زالت تعمل
في القلوب. تستأصل منها محبة الإثم، وتزرع فيها محبة البر والفرح والسلام. اجعل
كلمتك أن تعمل في قلوبنا، لكي تردنا إليك في توبة شاملة، ولك الشكر يا إلهنا. آمين.
40: 15‚»هُوَذَا
فَرَسُ الْبَحْرِ الَّذِي صَنَعْتُهُ مَعَكَ.
يَأْكُلُ الْعُشْبَ مِثْلَ الْبَقَرِ. 16‚هَا هِيَ قُوَّتُهُ فِي مَتْنَيْهِ
وَشِدَّتُهُ فِي عَضَلِ بَطْنِهِ. 17‚يَخْفِضُ ذَنَبَهُ كَأَرْزَةٍ. عُرُوقُ
فَخْذَيْهِ مَضْفُورَةٌ. 18‚عِظَامُهُ أَنَابِيبُ نُحَاسٍ، وَأَضْلَاعُهُ حَدِيدٌ
مُطَرَّقٌ. 19‚هُوَ أَوَّلُ أَعْمَالِ اللّهِ. الَّذِي صَنَعَهُ أَعْطَاهُ
سَيْفَهُ. 20‚لِأَنَّ الْجِبَالَ تُخْرِجُ لَهُ مَرْعىً وَجَمِيعَ وُحُوشِ الْبَرِّ
تَلْعَبُ هُنَاكَ. 21‚تَحْتَ السِّدْرَاتِ يَضْطَجِعُ فِي سِتْرِ الْقَصَبِ
وَالْغَمِقَةِ. 22‚تُظَلِّلُهُ السِّدْرَاتُ بِظِلِّهَا. يُحِيطُ بِهِ صَفْصَافُ
السَّوَاقِي. 23‚هُوَذَا النَّهْرُ يَفِيضُ فَلَا يَفِرُّ هُوَ. يَطْمَئِنُّ وَلَوِ
انْدَفَقَ الْأُرْدُنُّ فِي فَمِهِ. 24‚هَلْ يُؤْخَذُ مِنْ أَمَامِهِ؟ هَلْ
يُثْقَبُ أَنْفُهُ بِخِزَامَةٍ؟
بهيموث جمع بهيمة في العبرية. ولما كان الجمع في الإصطلاح العبري،
يشير إلى التعظيم، يكون معنى بهيموث (بهيمة عظيمة) وقد رجّح بعض المفسرين أنَّ
الحيوان المقصود هنا هو فرس الماء، الذي يعيش بقرب الأنهر الكبيرة، وخصوصاً في
إفريقيا. وطول هذا الحيوان نحو خمسة عشر قدماً. وارتفاعه سبعة أقدام. وقوائمه
قصيرة، ورأسه كبير. ويبلغ طول أنيابه القدمين أحياناً. وهذا الحيوان. لا يأكل إلا
النباتات. وقد جاء في النص أنه أول مخلوقات الله من الحيوانات من جهة الكبر والقوة.
ومع ذلك فهذا الحيوان الضخم. القوي في متنه وفي عضل بطنه وعروق فخذيه، والمتسلح
بأنياب كبيرة حادة، لم يحاول التزعم على الحيوانات الأخرى. فكم بالحري أيوب الإنسان
الضعيف. غير مؤهل للسيادة على النظام الأدبي، الذي وضعه الله. والذي يحدد الموقف،
الواجب أن يتخذه الإنسان أمام خالقه؟!
|