|
الأصحاح الثامن
1‚فَأَجَابَ بِلْدَدُ الشُّوحِيُّ:
2‚»إِلَى مَتَى تَقُولُ هذَا وَتَكُونُ أَقْوَالُكَ رِيحاً شَدِيدَةً! 3‚هَلِ
اللّهُ يُعَوِّجُ الْقَضَاءَ أَوِ الْقَدِيرُ يَعْكِسُ الْحَقَّ؟ 4‚إِذْ أَخْطَأَ
إِلَيْهِ بَنُوكَ دَفَعَهُمْ إِلَى يَدِ مَعْصِيَتِهِمْ. 5‚فَإِنْ بَكَّرْتَ أَنْتَ
إِلَى اللّهِ وَتَضَرَّعْتَ إِلَى الْقَدِيرِ - 6‚إِنْ كُنْتَ أَنْتَ زَكِيّاً
مُسْتَقِيماً، فَإِنَّهُ الْآنَ يَتَنَبَّهُ لَكَ وَيُسْلِمُ مَسْكَنَ بِرِّكَ.
7‚وَإِنْ تَكُنْ أُولَاكَ صَغِيرَةً فَآخِرَتُكَ تَكْثُرُ جِدّاً.
في رده على أيوب، اتخذ بلدد الشوحي
وجهة أخرى. فإنَّ أيوب كان قد أبان أن دعواه عادلة، وإنه لم يتكلم في غير حق (1 ص
6: 29-30) وفي الأصحاح السابع نسب لله أنه أبقاه في العبودية. فجواباً على ذلك يؤكد
بلدد أنَّ الله يعمل بتمييز إدراك. أي أنه يكافئ البار ويعاقب الشرير. ويتعجب من
أن أيوب يتهم الله بعدم الإنصاف.
وقد حرص بلدد في كلمته على الاستشهاد
بأقوال الحكماء. وبدأ خطابه بتوبيخ أيوب، من أجل كلماته الطائشة. وقد شبه كلامه
بالريح الشديدة، لأنه أطلقه بحدة، منتقداً معاملات الله معه خاصة، ومع جميع البشر
عامة. وبعد أن حمل على كلام أيوب، الذي به نسب إلى الله تعويج القضاء، أشار إلى
مصرع أبنائه بخشونة. إذ قال أنهم زرعوا شراً، وكان لا بد أن يحصدوا وبالاً. أي أنهم
أخطأوا فدفعهم الله إلى يد معصيتهم، أي العقاب الذي استوجبته خطيتهم. ثم وجه كلامه
إلى أيوب وحثه على التوبة والزكوة والاستقامة، لينتبه الله إليه. ويكافئ توبته، بأن
يعطيه النعمة ليعمل مسكنه مسكن بر.
8:8‚»اِسْأَلِ الْقُرُونَ الْأُولَى
وَتَأَكَّدْ مَبَاحِثَ آبَائِهِمْ. 9‚لِأَنَّنَا نَحْنُ مِنْ أَمْسٍ وَلَا
نَعْلَمُ، لِأَنَّ أَيَّامَنَا عَلَى الْأَرْضِ ظِلٌّ. 10‚فَهَلَّا يُعْلِمُونَكَ.
يَقُولُونَ لَكَ وَمِنْ قُلُوبِهِمْ يُخْرِجُونَ أَقْوَالاً قَائِلِينَ 11‚هَلْ
يَنْمُو الْبَرْدِيُّ فِي غَيْرِ الْمُسْتَنْقَعِ، أَوْ تَنْبُتُ الْحَلْفَاءُ
بِلَا مَاءٍ؟ 12‚وَهُوَ بَعْدُ فِي نَضَارَتِهِ لَمْ يُقْطَعْ يَيْبَسُ قَبْلَ
كُلِّ الْعُشْبِ. 13‚هكَذَا سُبُلُ كُلِّ النَّاسِينَ اللّهَ، وَرَجَاءُ الْفَاجِرِ
يَخِيبُ، 14‚فَيَنْقَطِعُ اعْتِمَادُهُ، وَمُتَّكَلُهُ بَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ!
15‚يَسْتَنِدُ إِلَى بَيْتِهِ فَلَا يَثْبُتُ. يَتَمَسَّكُ بِهِ فَلَا يَقُومُ.
16‚هُوَ رَطْبٌ تُجَاهَ الشَّمْسِ وَعَلَى جَنَّتِهِ تَنْبُتُ أَغْصَانُهُ.
17‚وَأُصُولُهُ مُشْتَبِكَةٌ فِي الرُّجْمَةِ فَتَرَى مَحَلَّ الْحِجَارَةِ.
18‚إِنِ اقْتَلَعَهُ مِنْ مَكَانِهِ يَجْحَدُهُ قَائِلاً: مَا رَأَيْتُكَ. 19‚هذَا
هُوَ فَرَحُ طَرِيقِهِ وَمِنَ التُّرَابِ يَنْبُتُ آخَرُ.
يستند بلدد إلى التقليد، ويتقدم إلى
إثبات صحتة بالإشارة إلى اختبار الأجيال السالفة. ورأيه هنا ليس جديداً، فإنَّ
الحكماء الأقدمين تمسكوا به. ويقتبس مثلاً شائعاً أنَّ البردي والحلفاء لا يمكن أن
ينموَا في غير الغمقة والماء، وإلا فإنهما يموتان حالاً. كذلك عندما ينسى الناس
الله، فإنهم يهلكون هلاكاً عادلاً. في الواقع أنَّ الإنسان بدون نعمة الله، يكون
بلا رجاءٍ فيجف وييبس روحياً.
تشبيه آخر، إنَّ بيت الفاجر، وإن كان
من حجارة متينة ولصاحبه رجاء بأنه هو ونسله يسكنون فيه إلى الأبد، فهو في نظر الله
أوهى من بيت العنكبوت.
والفاجر يشبه أيضاً بيقطينة يونان، في
مكان معرض للشمس وأصولها مثبتة في الرجمة. فقد تنمو خراعيبها، ولكن ما أن تهب عليها
ريح خمسينية، حتى تذبل وتيبس. هكذا رجاء الفاجر، لا ينجيه لأنه ليس في الله ولهذا
ينهار سريعاً.
أما رجاء المؤمن، فهو موضوع على الرب
الحي. صحيح أنه تعالى يسمح أن نجرب لامتحان إيماننا. ولكن امتحان الإيمان يزكي
الصبر ويشدد الرجاء، والرجاء لا يخزي. لأنه يتطلع إلى وعود الله، ويتوقع خيراً
قادماً بالصبر، الذي تشيعه محبة الله المنسكبة في القلب بالروح القدس.
صحيح أنَّ طريقنا خشنة وطويلة، لكن
المسيح فينا رجاء المجد. والمسيح آت، وسيكافئ رجاء كل الذين انتظروه. ولعله بوحي من
هذه الحقيقة، قال الرسول بولس: » لِأَنَّنَا بِالرَّجَاءِ خَلَصْنَا« (رومية
8:24).
8: 20‚»هُوَذَا اللّهُ لَا يَرْفُضُ
الْكَامِلَ وَلَا يَأْخُذُ بِيَدِ فَاعِلِي الشَّرِّ. 21‚عِنْدَمَا يَمْلَأُ فَمَكَ
ضَحِكاً وَشَفَتَيْكَ هُتَافاً، 22‚يَلْبِسُ مُبْغِضُوكَ خِزْياً. أَمَّا خَيْمَةُ
الْأَشْرَارِ فَلَا تَكُونُ«.
هكذا ختم بلدد خطابه، قائلاً خلاصة
تعليم القدماء إنَّ الله لا يرفض الكامل بل يأخذ بيده. وقد قال: »لِأَنِّي أَنَا
الرَّبُّ إِلَهُكَ الْمُمْسِكُ بِيَمِينِكَ، الْقَائِلُ لَكَ: لَا تَخَفْ. أَنَا
أُعِينُكَ... أَنَا الرَّبَّ قَدْ دَعَوْتُكَ بِالْبِرِّ، فَأُمْسِكُ بِيَدِكَ
وَأَحْفَظُكَ وَأَجْعَلُكَ عَهْداً لِلشَّعْبِ وَنُوراً لِلْأُمَمِ« (إشعياء 41:13،
42:6) أما الأشرار الذين يصرون على شرورهم فيهلكون. هكذا قال المسيح: » إِنْ لَمْ
تَتُوبُوا فَجَمِيعُكُمْ كَذلِكَ تَهْلِكُونَ« (لوقا 13:3) وهذا ما دعا بلدد أيوب
إليه أن يتوب ويرجع إلى الله، فيغدق الله عليه على أسباب السرور والضحك والهتاف،
عوضاً عن الحزن والتذمر، ويخزى مبغضوه عندما يرون رجوعه إلى حاله الأولى.
الصلاة:
شكراً لك يا إلهنا، من أجل نعمة الرجاء الحي. املأ قلوبنا بهذا الرجاء، حتى نعيش في
سلام. جدد توبتنا إليك بفعل الروح القدس. أعطنا القوة حتى نلاحظ سيرتنا، ونسلك
كأولاد نور في بر وصلاح وحق. آمين. |