|
تمهيد لرسالة يهوذا
|
كاتب الرسالة
زمن كتابة الرسالة
أسباب كتابة الرسالة
|
رسالة يهوذا من الرسائل القصيرة في العهد الجديد، والتي تتكون من أصحاح واحد فقط.
شأنها في ذلك شأن الرسائل إلى فيلمون، ورسالتي يوحنا الثانية والثالثة. ورسالة
يهوذا من الرسائل التي عالجت خطر الهرطقات وتفشي روح البدع داخل كنيسة المسيح،
كرسالة بطرس الثانية ورسائل يوحنا الثلاثة. فهي تنذر المؤمنين من خطر الهرطقات
والمهرطقين كي يكونوا على حذر من سمهم المميت.
ومع أن الرسالة قصيرة للغاية إلا أنها غنية بالأفكار والتعليم، لذا فهي جديرة
بالدرس والتأمل، خاصة وأنها تعالج موضوعاً خطيراً، كان ولا يزال يهدد كيان الكنيسة.
والمعلمون الكذبة في كل عصر ومصر يستللون طمعاً بإحباط وإفساد روح الكنيسة الطاهرة
والتي لن تقوى عليها أبواب الجحيم.
كاتب الرسالة:
عند استلام أية رسالة نبدأ أولاً بالبحث عن كاتبها، ثم من أين كُتبت ومتى، وأخيراً
عن مضمون الرسالة ومحتواها.
تبدأ رسالة يهوذا هذه بالعبارة: »يَهُوذَا، عَبْدُ يَسُوعَ الْمَسِيحِ، وَأَخُو
يَعْقُوبَ«. هذا كل ما يقدمه كاتب الرسالة للتعريف عن شخصه. فمن يكون يهوذا هذا؟
وهل اسمه هذا مستعار؟ وإن كان كذلك فالشخص إذا مجهول وغير معروف. إلا أنه يعرّف
شخصه أكثر بكونه أخا يعقوب.
نعرف أن اسم يهوذا اسم شائع ودارج في الأوساط اليهودية. ففي العهد الجديد نجد خمسة
أشخاص يحملون هذا الاسم:
يهوذا الدمشقي: (أعمال الرسل 9:11) نزل شاول في بيته في بداية اهتدائه، حيث كان
شاول يصلي هناك.
يهوذا برسابا: (أعمال الرسل 15:22 و27 و32) حمل هذا مع سيلا قرار مجمع أورشليم
عندما فتحت الكنيسة أبوابها للأمم.
يهوذا الاسخريوطي: وهذا غني عن التعريف، فخيانته ليسوع جعلته مضرب مثل في الخيانة.
وليس بين هؤلاء الأشخاص الثلاثة من يعتبر جديراً بانتساب الرسالة إليه. فيبقى
المجال إذاً مفتوحاً أمامنا في البحث في الشخصين الباقيين وهما:
يهوذا، واحد من بين الاثني عشر تلميذاً: وقد ميّزه الرسول يوحنا بيهوذا ليس
الاسخريوطي (يوحنا 14:22)، كما نجده أيضاً في (إنجيل لوقا 6:16) وفي (أعمال الرسل
1:13) يُعرف بيهوذا أخي يعقوب حسب ترجمة فاندايك العربية. إلا أن كلمة أخ حسب الأصل
اليوناني تأتي بهذا الشكل: يهوذا يعقوب أو يهوذا بن يعقوب أو يهوذا الذي ليعقوب.
وهذا يعني أن يهوذا الذي جاء ذكره في قائمة الرسل الاثني عشر هو ابن يعقوب وليس
أخاه، وبهذا لا يوجد شخص اسمه يهوذا وله أخ اسمه يعقوب غير صاحب هذه الرسالة. أما
ترتوليانوس وأرويجانس فقد اعتبرا أن مؤلف هذا السفر هو يهوذا أحد الاثني عشر
تلميذاً.
يهوذا أخو الرب: (متى 13:55) »‚أَلَيْسَ هذَا (يسوع) ابْنَ النَّجَّارِ؟
أَلَيْسَتْ أُمُّهُ تُدْعَى مَرْيَمَ، وَإِخْوَتُهُ يَعْقُوبَ وَيُوسِي وَسِمْعَانَ
وَيَهُوذَا؟« وأغلب الظن أن هذا الأخير هو صاحب الرسالة. لكن لماذا لم يذكر بأنه
أخو يسوع؟
أ - بعد اهتدائه وإيمانه بدعوة المسيح اختبر الفرق الشاسع بينه وبين يسوع، وعرف
حقاً من هو يسوع، خاصة وأنه منذ البداية لم يقبل دعوة المسيح له ورفض الإيمان به،
إذ نقرأ: »إِخْوَتَهُ أَيْضاً لَمْ يَكُونُوا يُؤْمِنُونَ بِهِ« (يوحنا 7:5).
ب - عدم وجود يسوع بالجسد، وبالتالي فيعقوب كان له مركز مرموق في كنيسة المسيح.
وكان هذا كافياً بالتعريف به. ثم ربما كونه أصغر من يعقوب اكتفى بالإشارة إلى
انتسابه ليعقوب.
ج - بدافع التواضع لم يشأ أن يشير إلى نفسه بهذا اللقب العظيم. ففضل أن يكون عبداً
وخادماً ليسوع، وهذا أعظم شرف اعتبره. إذاً كاتب الرسالة هو يهوذا أخو يسوع في
الجسد. وهذا هو الرأي السائد عند علماء الكتاب المقدس.
زمن كتابة الرسالة:
يعتقد البعض أن رسالة يهوذا كتبت في زمن متأخر. وهذا الرأي مبني على ما جاء في
العدد ذ7 من هذه الرسالة: »وَأَمَّا أَنْتُمْ أَيُّهَا الْأَحِبَّاءُ فَاذْكُرُوا
الْأَقْوَالَ الَّتِي قَالَهَا سَابِقاً رُسُلُ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ«. وهنا
يشير على أن الرسالة كتبت في زمن رقد فيه الرسل. إلا أننا نجد في الأصحاح الثاني من
رسالة بطرس الثانية ارتباطاً وثيقاً بينهما مما يؤكد على أن واحداً من الاثنين كانت
في حوزته رسالة رفيقه ونقل عنها. ويؤكد باحثو الكتاب المقدس بأنّ رسالة يهوذا كانت
في حوزة بطرس الرسول، وإذا كان هذا الاعتقاد صحيحاً فمن المرجح أن تكون قد كتبت بين
سنة 65 و67 م. أما إذا كان يهوذا هو ا لذي أخذ عن بطرس (مع أن علماء الكتاب المقدس
يرفضون هذا الاستنتاج) فالرسالة كتبت في وقت متأخر. مع العلم، أنّ جميع هذه الأمور
هي مجرد استنتاجات غير مؤكدة.
كما أن الاعتقاد السائد بين أوساط باحثي الكتاب المقدس هو أن الرسالة كتبت في
المكان ذاته الذي كتبت فيه رسالة بطرس الثانية، أي من رومية إلى المؤمنين في آسيا
الصغرى. هذه الرسالة تعتبر من الرسائل العامة، بمعنى أنها موجهة إلى كل الكنائس
وليس إلى كنيسة واحدة.
أسباب كتابة الرسالة:
يتضح لنا سبب كتابة الرسالة من خلال الرسالة ذاتها، وذلك بسبب الخطر الذي كان يهدّد
كنيسة ا لمسيح بتسرب التعليم المنحرف عن جادة الإنجيل، وانحطاط السلوك المسيحي بسبب
دخول ذئاب في شكل حملان. والحقيقة أننا لا نستطيع أن نسمّيهم مسيحيين لأنه لم يكن
فيهم أية سمة مسيحية تجعلهم مستحقين لحمل هذا اللقب الجليل. فهم مثلما وصفهم يهوذا
بقوله: »أُنَاسٌ قَدْ كُتِبُوا مُنْذُ الْقَدِيمِ لِهذِهِ الدَّيْنُونَةِ،
فُجَّارٌ، يُحَّوِلُونَ نِعْمَةَ إِلهِنَا إِلَى الدَّعَارَةِ، وَيُنْكِرُونَ
السَّيِّدَ الْوَحِيدَ: اللّهَ وَرَبَّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحَ« (عدد 4).
لا نجد في الرسالة رداً على هؤلاء المنحرفين ولا على المضلين الزنادقة، بل نجده
يكتب بأسلوب رادع لاذع، وبلهجة تدين أولئك الذين تسللوا خلسة لينفثوا سمومهم بين
قطيع المسيح، فيحذر الذين انخدعوا بزيف المزيفين وأكاذيب الكذابين.
إنّ أكبر خطر واجهته الكنيسة هو خطر التعاليم الفاسدة التي كانت تتسرب من خلال بعض
المعلمين الكذبة، وبسبب انخداع بعض البسطاء. ولا بدّ لي هنا من الإشارة إلى أنّ
المسيحية واجهت منذ ظهورها خطرين وهما:
خطر الديانة
اليهودية:
ظهرت المسيحية في وسط يهودي. أو بكلمة أدق، تعود جذور المسيحية إلى ما جاء في أسفار
العهد القديم. كما لا ننسى أن تلاميذ المسيح كانوا من اليهود، والمسيح ذاته كان
يهودي المنشأ. فلا غرابة إذا قام اليهود بمحاولة محق هذا البرعم الذي خرج من وسطهم.
وقد تجلّى هذا الخطر في مظهرين:
أولهما: محاربة رجال الدين اليهودي لكل من له صلة بالمسيحية والمسيحيين.
ثانيهما: دخول بعض اليهود إلى المسيحية، ومحاولتهم إدخال بعض التعاليم اليهودية
إليها. واعتبروا أن الدخول للمسيحية يستوجب أولاً العبور على اليهودية. فتمسكوا
ببعض الطقوس اليهودية كأمور مسلم بها لا رجعة عنها، كحفظ السبت والختان، والامتناع
عن بعض الأطعمة المحرمة في التوراة.
خطر الفلسفة اليونانية:
بسبب انتشار الدعوة المسيحية في مناطق متعددة، خاصة العالم اليوناني والروماني، حيث
كانت الفلسفة اليونانية قد بلغت أوجها. فاصطدمت المسيحية بالمذاهب الفلسفية الكبرى
آنذاك وهي: الأفلاطونية والرواقية والأرسطوطالية والأبيقورية، وهذه الأخيرة هي
المشار إليها في رسالة يهوذا.
انطلقت الفلسفة الأبيقورية من أساس تحرير الإنسان من مخاوفه المتعددة: الخوف من
الله ومن العقاب على أعماله، والخوف من الموت لسبب ما قيل له عن الحياة بعد الموت.
وضيعت هذه المخاوف عليه سعادته، وكان عليه أن يعمل لإزالتها لأنها أكبر عائق يعوق
سعادته. كما أنهم كانوا لا يرون في الوجود سوى المادة. فكل شيء مكوّن من ذرات،
والنفس ذاتها ليست إلا مجموعة ذرات تتفرق عند الموت. وعليه ألا يخاف الموت وأن لا
يفكر في الآخرة، لأن الإنسان يضمحل بعد الموت. لذا فعليه أن يبحث كيف يعيش سعيداً
في أيامه التي يعيشها هنا والآن، فشددوا على اللذة، وجعلوها وحدها غاية الإنسانه،
فانطلقوا يسرفون في هذا الطلب حتى صار لفظ »أبيقوري« عنواناً للإلحاد والاستهتار
والفسق والدعارة بكل أشكالها. فتسرب أصحاب هذا الفكر في بعض الأوساط المسيحية، مما
دفع يهوذا بالكتابة ليحذرهم من أهل البدع والضلال.
أسئلة:
من هو يهوذا كاتب هذه الرسالة؟
ما هو الدافع لكتابة الرسالة؟
من هم الأبيقوريون؟
|