|
الافتتاحية
1‚يَهُوذَا، عَبْدُ يَسُوعَ الْمَسِيحِ، وَأَخُو يَعْقُوبَ، إِلَى الْمَدْعُّوِينَ
الْمُقَدَّسِينَ فِي اللّهِ الْآبِ، وَالْمَحْفُوظِينَ لِيَسُوعَ الْمَسِيحَِ
2‚لِتَكْثُرْ لَكُمُ الرَّحْمَةُ وَالسَّلَامُ وَالْمَحَبَّةُ.
يفتتح يهوذا رسالته بالتعريف عن نفسه ليس كأخ ليسوع وإنما كعبد. ودور العبد هو خدمة
سيده. فيشير بهذا إلى سيادة يسوع عليه. فهو عبد بمعنى خادم له، وخدمته ليسوع تتجلى
في حمله رسالة المسيح والكرازة بها. فيهوذا أظهر بهذا تواضعه ومساواته كأي مؤمن
خادم للمسيح، فلم يستغل شرف نسبه إلى يسوع من الناحية الإنسانية الجسدية، ولم يجسر
أن يتقدم إلى جماعة المسيح حاملاً لقباً يتسلط به عليهم، بل كخادم وعبد للمسيح خاطب
أولئك المدعوين والمقدسين في المسيح واكتفى بالإشارة إلى نفسه فقط بأنه أخو يعقوب
للدلالة على قرابته بيسوع. كما لا ننسى المكانة التي كان يحظى بها يعقوب في كنيسة
المسيح ودوره المرموق في قيادة الكنيسة في أورشليم، وهذا كان يكفي للتعريف عن
يهوذا. كما أن هذه الطريقة من التعريف معروفة وشائعة في الشرق، حيث يُتخذ اسم الأخ
المعروف والمرموق للتعريف بالإخوة الآخرين.
ثم يتحول يهوذا من التعريف بنفسه إلى وصف رائع ودقيق لمن وجهت إليهم رسالته. فأول
لقب يطلقه عليهم هو »المدعوين«. وهي كلمة تحمل معاني عدة في اللغة اليونانية، منها:
معنى دعوة للقيام بالواجب، وهذا ما دُعيت إليه جماعة المسيح لحمل المسؤولية التي
وكلت إليها من المسيح وهي الكرازة بالإنجيل حسب وصية المسيح لأتباعه القائلة:
»اذْهَبُوا إِلَى الْعَالَمِ أَجْمَعَ وَاكْرِزُوا بِالْإِنْجِيلِ لِلْخَلِيقَةِ
كُلِّهَا« (مرفس 16:15).
وتعني أيضاً دعوة لحفل أو لوليمة. وبهذا فكل مؤمن مدعو للحياة الأبدية مركز السعادة
الأزلية. حيث محضر الله، هناك ينعم أتقياؤه بالفرح الدائم، ويا له من حفل ويا لها
من وليمة أن يحظى الإنسان بالحضور في مسكن الله.
كما تعني أيضاً دعوة للمثول أمام القضاء من أجل الدينونة. فكل إنسان سيقف أمام
العدالة الإلهية ليقدم حساباً عما فعله وعن قبوله أو رفضه لدعوة الله له في الخلاص
الذي أعدّه لجميع بني البشر دون استثناء.
ولهذا فالمؤمن المسيحي مدعو لكل هذه الأنواع الثلاثة. فهو مدعو لخدمة سيده وفاديه،
مدعو للوليمة الإلهية التي أعدها في المحبوب يسوع حمل الله، وهو مدعو ليقدم حساباً
عن الوزنات المقدمة له، وعن الحقل الذي سلم له لخدمته والإتيان بثمر لسيده، وهي
بالحقيقة دعوة لنوال الإكليل المعدّ لخائفيه والعاملين مرضاته وتكريم المؤمنين
الأتقياء، ودينونة للعصاة المستكبرين على الله.
ثم اللقب الثاني ا لذي يطلقه على المؤمنين هو »المقدسين«. فالمؤمن بالمسيح شخص
مقدس، والقداسة في معناها الأصلي تفوق الطهارة والعفة.
مقدس تعني مخصص، مفرز لعمل خاص. والمؤمن بالمسيح أصبح بهذا المعنى من خاصة الله
وحده، ملكاً له. والملكية هنا لا تعني التسلط والتعسف من قبل المالك على المملوك،
بل ملكية المحبة. والإنسان يصبح عبداً لربه بمحض إرادته وطوعاً منه.
وقف مرة سيد يبيع عبده في السوق. وكان العبد يرتجف من شدة الخوف والهلع من أن
يشتريه سيد آخر يبطش به كما كان يفعل سيده الأول. فتقدم أحد الأثرياء ودفع ثمن
العبد. وهنا ازداد رعب العبد من هذا الثري معتقداً أن الشر الذي يعرفه أفضل من شر
لا يعرف. ولكن الرجل الثري كان من الذين يسعون لتحرير العبيد. وفي هذه الأثناء نظر
السيد الثري إلى العبد المسكين المرتعب وقال له: »لقد دفعت ثمناً لحريتك لا
لاستعبادك، فأنت من الآن حر طليق، فاذهب حيث تشاء«. لكن العبد لم يصدق ما سمعته
أذناه واتسعت عيناه من العجب ولم يستطع أن يكتم انفعاله من شدة الفرح، فتلعثم لسانه
ولم يعرف إن كان ما سمعه حلماً أم يقظة، وقال للسيد بكلمات متقطعة والدمع يسيل من
مآقيه: »هل تسمح لي يا سيد بأن أكون عبداً لك؟ فها أنا بمحض إرادتي أريد أن أخدمك.
فهل تقبل ذلك؟«.
وهكذا هو الحال مع المؤمن، فهو عبد دُفع ثمن حريته، فأصبح عبداً بمحض إرادته،
»لِأَنَّهُ هكَذَا أَحَبَّ اللّهُ الْعَالَمَ حَتَّى بَذَلَ ابْنَهُ الْوَحِيدَ،
لِكَيْ لَا يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ بَلْ تَكُونُ لَهُ الْحَيَاةُ
الْأَبَدِيَّةُ« (يوحنا 3:16).
مقدس تعني أيضاً مختلفاً عن غيره، وذلك بالطهارة وصفاء الروح، وعدم السلوك في
نجاسة العالم. والدعوة من الله للمؤمن هي: »لَا تُشَاكِلُوا هذَا الدَّهْرَ، بَلْ
تَغَيَّرُوا عَنْ شَكْلِكُمْ بِتَجْدِيدِ أَذْهَانِكُمْ، لِتَخْتَبِرُوا مَا هِيَ
إِرَادَةُ اللّهِ الصَّالِحَةُ الْمَرْضِيَّةُ الْكَامِلَةُ« (رومية 12:2).
وبهذا فالمؤمن مختلف عن غيره، بمعنى أنه مميّز بميرات خاصة: »وَأَمَّا أَنْتُمْ
فَجِنْسٌ مُخْتَارٌ، وَكَهَنُوتٌ مُلُوكِيٌّ، أُمَّةٌ مُقَدَّسَةٌ، شَعْبُ
اقْتِنَاءٍ، لِكَيْ تُخْبِرُوا بِفَضَائِلِ الَّذِي دَعَاكُمْ مِنَ الظُّلْمَةِ
إِلَى نُورِهِ الْعَجِيبَِ الَّذِينَ قَبْلاً لَمْ تَكُونُوا شَعْباً، وَأَمَّا
الْآنَ فَأَنْتُمْ شَعْبُ اللّهِ« (1بطرس 2:9 و10).
والمؤمن مقدس ليكون هيكل الله ومسكنه، ومفروز لعمل مميّز وهو خدمة ربه وسيده الذي
اشتراه بثمن ثمين لا للعبودية بل للحرية.
ولم يتوقف يهوذا عند هذا الحد من أنّ المؤمن مدعو ومقدس، بل محفوظ أيضاً ليسوع
المسيح. وهذا هو سر دعوة المؤمن وقداسته، أنه محفوظ في المسيح يسوع. فهو منذ الوهلة
الأولى التي سلّم فيها دفة حياته للمسيح أصبح المسيح هو القائد. ويا له من قائد
ماهر. وهذا يشبه إلى حدّ بعيد ما كان يحدث مع إحدى البواخر القديمة، التي كانت كلما
تدخل الميناء تصطدم بشيء أو بآخر محدثة خسائر فادحة. وذات مرة دخلت الميناء بكل دقة
ويسر، فصاح أحد البحارة الواقفين على الرصيف مبتهجاً ومتهللاً: »ماذا حدث لك أيتها
الباخرة العجوز؟« فردّ عليه آخر قائلاً: »لقد جاءها قبطان جديد«. نعم هذا هو سر
دخولها آمنة. وهذا عينه سر المؤمن في كونه محفوظاً لأن دفة حياته استلمها قائد ماهر
هو الروح القدس الساكن في المؤمنين. فهو في وحدة مع المسيح الذي يحفظ المؤمنين
ويشفع فيهم. كيف لا وهو الذي صلّى إلى أبيه السماوي قائلاً: »أَيُّهَا الْآبُ
الْقُدُّوسُ، احْفَظْهُمْ فِي اسْمِكََ الَّذِينَ أَعْطَيْتَنِي، لِيَكُونُوا
وَاحِداً كَمَا نَحْنُ« (يوحنا 17:11). فالمسيحي المؤمن هو في وحدة مع سيده. إنه في
أمان. وكما يعتني الراعي الصالح بخرافه ويحفظها من الشر والأذى هكذا يعتني يسوع
برعيته ويحفظها من الشرير لتكون معه في الأمجاد السماوية: »أَيُّهَا الْآبُ أُرِيدُ
أَنَّ هؤُلَاءِ الَّذِينَ أَعْطَيْتَنِي يَكُونُونَ مَعِي حَيْثُ أَكُونُ أَنَا،
لِيَنْظُرُوا مَجْدِي الَّذِي أَعْطَيْتَنِي« (يوحنا 17:24). فالمؤمن محفوظ للحياة
الأبدية ولأمجاد يسوع وليكون دوماً وأبداً في محضر الله ومسكنه.
صلاة:
أبي السماوي، أشكرك لأنك تقودني إلى الأمان والسلام وتحفظني من الخطر والهلاك، لأنك
تريدني أن أكون حيث تكون أنت، لأن معك وحدك السلام والاطمئنان. آمين.
سؤال:
ما هي المعاني التي تحملها كلمة دعوة؟
|