الرئيسية|تفاسير|مقدمات ومعاجم|كنسيات|عقائد|الحياة المسيحية|العائلة|بدع وهرطقات|أسئلة وأجوبة| دروس | تحميل| ارتباطات

الصفحة الرئيسية  :  تفاسير وشروحات الكتاب المقدس  :   الحق والحياة الجزء 3

 
 

الحكم على المسيح

الإنجيل حسب يوحنا 19: 1 – 22

إن تاريخ البشرية حافل بالمحاكمات الصورية التي جرت لبعض الناس والذي حكم عليهم بالموت مع أنهم لم يستحقوا الموت. فمع أن الإنسان يعلم في قرارة قلبه بأنه يخضع لشريعة تعلو على أفكاره وآرائه الخاصة إلا أنه، نظراً للخطية المسيطرة عليه، يحاول بكل ما أوتي من قوى عقلية بأن يسخّر القانون لمصلحته الذاتية. وهكذا نلاحظ بأن الذين صمموا مسبقاً على التخلص من إنسان بريء، يأتون به إلى محاكمة تظهر شرعية بينما كانوا قد عملوا سراً على إجهاض الحق.

وهذا حدث بالفعل للسيد المسيح عندما قبض عليه أعوان رؤساء الكهنة في القدس. كان هؤلاء الزعماء الدينيون قد صمموا منذ بدء سيرة المسيح العلنية بأن يقضوا عليه قضاء مبرماً لأنه كان، حسب زعمهم، يهدد مركزهم الخاص في مجتمع الأرض المقدسة. وقد سنحت لهم الفرصة الذهبية للقبض على المسيح بدون لفت أنظار أتباعه الأوفياء وذلك عندما صمم يهوذا الإسخريوطي، وهو أحد تلاميذ المسيح، على تسليم سيده إلى أعدائه تحت جناح الليل.

صمّم أعداء المسيح على قتله ولكنهم لم يكونوا متمتعين بصلاحية إعدام أي بشري في فلسطين. فقد كانت البلاد المقدسة قد وقعت تحت سيطرة الاستعمار الروماني قبل نحو خمسين عاماً من ميلاد المسيح يسوع. وقد قسّموا فلسطين إلى عدة أقسام وكان القسم الأوسط منها والذي عرف آنئذ باسم مقاطعة اليهودية، خاضعاً للحكم الروماني المباشر وكان اسم الحاكم بيلاطس البنطي. وجيء بالسيد المسيح في منتصف الليل إلى دار الولاية الرومانية وبعد أن فحص بيلاطس القضية قال: "إني لا أجد علة ما". هذه كلمات صريحة للغاية. لم يجد ممثل الإمبراطورية الرومانية التي اشتهرت بتمسكها بأهداب القانون، علة في المسيح تستوجب الموت. وإذ أراد أن يرضي زعماء اليهود في القدس لم يطلق سراح المسيح بل قرر أن يهينه أمام الملأ واضعاً إياه على مرتبة المجرمين الذين كان يطلق سراحهم بمناسبة عيد الفصح.

"إني لا أجد علة ما، وإن لكم عادة أن أطلق لكم واحداً في الفصح، أفتريدون أن أطلق لكم ملك اليهود؟" تفوّه بيلاطس بهذه الكلمات تهكّماً بالمسيح وبأعدائه في نفس الوقت. لكن الغوغاء الذين كانوا قد تجمّعوا في أواسط الليل لمشاهدة محاكمة المسيح صرخوا قائلين: "ليس هذا بل باراباس، وكان باراباس لصاً".

وجد الوالي الروماني نفسه في مأزق حرج للغاية. كان يعلم في قرارة قلبه أن المسيح كان بريئاً من كل جرم وأن أعداءه كانوا قد جاؤوا به حسداً. ولكنه لضعفه لم يكن قادراً على الصمود في وجه من كانوا قد حاكوا مؤامرة للتخلص من يسوع الناصري. فصار يساوم اليهود ويحاول إرضاءهم من ناحية وعدم الرضوخ لمطالبيهم الجائرة من ناحية أخرى.

فعمد الوالي الضعيف إلى التنكيل بالمسيح وتعريضه للإهانة أمام الناس، وهكذا نقرأ في نص الإنجيل عن صباح يوم الجمعة ما يلي:

"فأخذ بيلاطس عندئذ يسوع وجلده. وضفر الجند إكليلاً من شوك ووضعوه على رأسه وألبسوه رداء من أرجوان. وأخذوا يقبلون عليه ويقولون السلام يا ملك اليهود! ويلطمونه. فخرج بيلاطس أيضاً وقال لهم: ها أنا أخرجه إليكم لتعلموا أني لا أجد فيه علة ما. فخرج يسوع وعليه إكليل الشوك ورداء الأرجوان. فقال لهم بيلاطس: ها هو الإنسان! فلما أبصره رؤساء الكهنة والشرط صرخوا قائلين: اصلبه! اصلبه! قال لهم بيلاطس: خذوه أنتم واصلبوه فإني لا أجد فيه علة. أجابه اليهود: إن لنا شريعة وبحسب الشريعة يجب أن يموت لأنه جعل نفسه ابن الله. فلما سمع بيلاطس هذا الكلام ازداد خوفاً. ودخل إلى دار الولاية وقال ليسوع: من أين أتيت؟ فلم يردّ يسوع عليه جواباً. فقال بيلاطس: ألا تكلمني؟ ألست تعلم أن لي سلطاناً أن أطلقك ولي سلطاناً أن أصلبك؟ أجاب يسوع: ما كان لك علي من سلطان البتة لو لم يُعطَ لك من فوق. لذلك فالذي أسلمني إليك له خطيئة أعظم".

لابد أننا لاحظنا من جواب رؤساء الكهنة أنهم تعرضوا لذكر التهمة الدينية التي قالوا بأنها كانت كافية لقتل المسيح. ماذا كانت تلك التهمة؟ "لأنه جعل نفسه ابن الله!" يا لهم من قوم أغبياء! كان الله قد أخبر أنبياءه في أيام ما قبل الميلاد أي أيام النظام القديم بأنه كان سيرسل مسيحه للقضاء على الخطية والشر ولفداء الإنسان من عبوديته للشيطان. وفي الوقت المحدد من قبل الله جاء المسيح إلى دنيانا هذه وعرّف به النبي يوحنا بن زكريا المعروف بالمعمدان. فقد قال للذين ظنوا بأنه هو المسيح المنتظر: "أنا صوت مناد في البرية، مهدوا طريق الرب". وقال عن المسيح: "هوذا حمل الله الذي يرفع خطية العالم! هذا هو الذي قلت عنه يأتي بعدي إنسان قد تقدّم عليّ لأنه كان قبلي". لم يكن المسيح مجرد نبي بل كما عرّفنا به الرسول يوحنا في فاتحة الإنجيل:

"في البدء كان الكلمة، والكلمة كان عند الله، وكان الكلمة الله. كان هو في البدء عند الله. كل الأشياء به كوّنت ومن دونه لم يكن شيء مما تكوّن. فيه كانت الحياة والحياة كانت نور الناس والنور يضيء في الظلمة والظلمة لم تدركه... والكلمة صار جسداً وحل بيننا ورأينا مجده مجد الابن الوحيد للآب ممتلئاً نعمة وحقاً".

لم يرتكب المسيح أية جريمة ولم يكسر الشريعة الموسوية عندما شهد للحق وبالحق. إنه كلمة الله الأزلي الذي كان في البدء عند الله الآب والذي كان منذ الأبد يتمتّع بالألوهية. فهو إن وجد صورة الإنسان فإن ذلك كان من أجلنا نحن البشر ومن أجل خلاصنا تجسّد وصار ابن الإنسان ولكنه كان منذ الأزل ابن الله.

اضطرب الوالي الروماني لدى سماعه لكلمات المسيح الذي لم ينكر أنه كان ابن الله. وأفهم الوالي بأن زمام الأمور لم يكن قد أفلت من يد الله القدير الذي كان المسيطر على الموقف. وكلما حاول بيلاطس البنطي بأن يطلق سراح المسيح البريء، كلما اشتدت مقاومة زعماء اليهود لهكذا خطة. وإذ علموا علم اليقين بأن تهمة دينية مبنية على تفسيرهم للشريعة الموسوية لم تكن ذات وزن لدى ممثل رومية غيروا تكتيكهم وألصقوا بالمسيح تهمة سياسية! فقال اليهود لبيلاطس: "أن أنت أطلقت هذا الإنسان فلست محباً لقيصر، فإن كل من يجعل نفسه ملكاً يقاوم قيصر!"

يا لهم من قوم منافقين! متى صاروا محبّي الإمبراطور الروماني وجحافله المستعمرة لبلادهم؟ ومتى انقلبوا إلى متعاونين مع الأجنبي المبغوض من قبل عامة الناس؟ "فلما سمع بيلاطس هذا الكلام أخرج يسوع وجلس على كرسي القضاء فقال لليهود متهكّماً: ها هو ملككم! فصرخوا: خذه! خذه! اصلبه!" وتابع بيلاطس تهكّمه على اليهود وعلى السيد المسيح قائلاً: "أأصلب ملككم؟ فأجاب رؤساء الكهنة: ليس لنا ملك إلا قيصر! عندئذ أسلمه إليهم ليصلب".

كذب رؤساء الكهنة عندما قالوا: ليس لنا ملك إلا قيصر لأنهم كانوا يمقتون القيصر وممثليه. وأظهر الوالي الروماني ضعفه الهائل عندما استسلم لرغبات هؤلاء الذين كانوا قد باعوا ضمائرهم وأضحوا قاتلي المسيح!

"فأخذوا يسوع ومضوا به، فخرج يحمل صليبه إلى الموضع المسمى الجمجمة وبالعبرانية يسمى جلجثة. حيث صلبوه وصلبوا اثنين آخرين معه، من هنا ومن هنا ويسوع في الوسط. وكتب بيلاطس عنواناً ووضعه على الصليب وكان مكتوباً فيه: يسوع الناصري ملك اليهود. وقرأ هذا العنوان كثيرون من اليهود لأن الموضع الذي صلب فيه يسوع كان قريباً من المدينة وكان مكتوباً بالعبرانية واللاتينية واليونانية. فقال رؤساء الكهنة اليهود لبيلاطس: لا تكتب ملك اليهود بل إن هذا الإنسان قال: أنا ملك اليهود. أجاب بيلاطس ما كتبت فقد كتبت".

لابد لنا من أن نصاب بدهشة كبيرة إذ نقرأ هذه الكلمات المستقاة من الفصل التاسع عشر من الإنجيل حسب يوحنا. كيف سمح الله القدير لهؤلاء الناس بأن يهينوا المسيح ويحكموا عليه بالإعدام صلباً؟ أهذا ممكن؟ أين العدل؟ أين الاستقامة؟ وإن حاولنا الإجابة على هكذا أسئلة مستعينين فقط بالعقل البشري لن نجد أي حل لهذه المعضلة. ولكننا إذا أصغينا إلى الوحي الإلهي نتعلّم أن ما حدث للمسيح في ذلك اليوم الحاسم كان ضمن تدبير وبرنامج الله لخلاص البشرية. فمنذ سقوط الإنسان الأول في حمأة الشر والخطية ابتدأ الله القدير بالكشف عن خطته الخلاصية والفدائية ذاكراً إياها لآدم وحواء وبعد ذلك لنوح وإبراهيم وموسى وغيرهم من أنبياء تلك الأيام. وعندما نظم الله موضوع العبادة في أيام وموسى النبي أعطى بني إسرائيل التعليمات الخاصة بنظام الذبائح التي كانت تشير إلى عمل المسيح الفدائي الذي كان سيتم على الصليب.

فصلب المسيح وموته وقيامته من بين الأموات شكّل الحجر الأساسي لخبر الإنجيل الذي نادى به رسل المسيح في القرن الأول الميلادي. مثلاً، كتب الرسول بولس لأهل الإيمان في مدينة كورنثوس اليونانية:

"إني أعرّفكم أيها الإخوة بالإنجيل الذي بشّرتكم به وقبلتموه وتقومون فيه وبه أيضاً تخلصون إن حافظتم على الكلام الذي بشّرتكم به إلا إذا كنتم قد آمنتم عبثاً. فإني سلّمت إليكم أولاً ما تسلّمته أنا أيضاً: أن المسيح مات من أجل خطايانا حسب الكتب وأنه دفن وأنه قام في اليوم الثالث حسب الكتب".

جميعنا نحزن لدى تلاوتنا للنص المتعلق بمحاكمة السيد المسيح. فلقد عومل كمجرم وحكم عليه بالموت صلباً وهو الذي لم يقترف أي ذنب بل عاش حياة طاهرة ومقدسة. ولكنه يجدر بنا أن نرضخ لتدبير الله وبرنامجه الفدائي ونحمده لأنه لم يحجم عن إرسال ابنه الوحيد ليموت عنا نحن الخطأة والأثمة وليكفّر عن معاصينا العديدة. نحن لا نقلّل من مسؤولية الذين ارتكبوا هذه الجريمة لكونها قد آلت، حسب التدبير الإلهي، إلى خلاصنا. ما نعنيه هو أن حكمة الله تفوق عقلنا البشري المحدود وأنه تعالى هو الذي عمل لنا خلاصاً عظيماً بواسطة آلام وموت وقيامة المسيح من بين الأموات، آمين.