|
يسوع نور
العالم
8: 12- 20
12ثُمَّ كَلَّمَهُمْ يَسُوعُ أَيْضاً قَائِلاً: «أَنَا هُوَ
نرى في هذا الفصل: أولاً شهادة 8: 12. ثانياً: اعتراض
8: 13. ثالثاً: جوابا 8: 14-19. رابعاً: كلمة تاريخية 8: 20.
عدد 12. أولاً: شهادة يسوع عن نفسه أنه نور العالم – أو – الإعلان الثاني في بشارة
يوحنا " . . . أنا هو نور العالم".
"في الصبح" وقد أشرقت شمس الطبيعة من وراء جبل الزيتون, طلع أيضاً "شمس البر" من
وراء الجبل عينه, وأشرقت أنواره في أرجاء الهيكل فنادى سامعيه قائلاً: "أنا هو نور
العالم".
في ذلك الوقت كان رب الهيكل قد دخل إلى هيكل الرب, ونطق بهذا الكلام: "في الخزانة
وهو يعلم في الهيكل". وهنالك تجاه الخزانة كانت منارتان مضيئتين في الليل مدة
العيد, في دار النساء. وكانت أنوارهما ساطعة في أرجاء أورشليم كما يقول الرابيون,
وفي ضوء أنوارهما كان يطرب المعيدون ويقول بعضهم أن المسيح أشار إلى المنارتين عند
ما قال: "من يتبعني فلا يمشي في الظلمة". على أنه من المحقق أن هاتين المنارتين,
كانتا رمزاً لعمود النار, الذي كان يقود الإسرائيليين ليلاً مدة ارتحالهم في البرية
الموحشة المظلمة. فيكون المسيح إذاً, قد حول أنظار سامعيه عن المنارتين, وعن عمود
النار, إلى شخصه العجيب قائلاً: "يا أيها الناس حولوا أنظاركم عن الرمز إلى
الحقيقة, وانصرفوا عن الظلال إلى الجوهر. إن عمود النار كان يضيء على
نُورُ الْعَالَمِ.
جماعة قليلة في البرية. أما أنا فإني نور العالم بأسره".
هذا هو الإعلان الثاني الذي فاه المسيح عن نفسه في هذه البشارة.
إن لهذا الإعلان جانبين: أولهما – يتصل بالمسيح نفسه: "أنا هو نور العالم".
وثانيهما – يتصل بتابعيه: "من يتبعني فلا يمشي في الظلمة".
الجانب الأول يصف المسيح: في شخصه وفي طبيعته, وفي عمله. فالمسيح نور في شخصه – هذه
شهادة ضمنية للاهوت المسيح. فالله نور في تجلياته, وفي صفاته. ظهر الله لموسى في
هيئة نار (خروج 3: 31), وعند ارتحال بني إسرائيل من سكوت ونزولهم في طرف البرية
"كان الرب يسير أمامهم . . ليلا في عمود نار ليضيء لهم (خروج 3: 20و21). ويقول
داود: "الرب نوري" (مزمور 27: 1) ومن المحقق أن كل الأوصاف التي قيلت عن "يهوه" في
العهد القديم هي بعينها أوصاف المسيح الذي هو"الله ظهر في الجسد".
المسيح نور في طبيعته – "لا ظلمة فيه البتة", "من منكم يبكتنى على خطية"؟ "يأتي
رئيس هذا العالم وليس له في شيء" "هو نور من نور. إله حق من إله حق". هو "النور
المضيء في الظلمة والظلمة لم تدركه".
المسيح نور في عمله. ومن عمل النور: حفظ الحياة, والإضاءة, والشفاء, والهداية,
والعزاء.
المسيح نور العالم لا نور اليهود وكفى, لأنه نشر نوره ساطعاً على كل شيء في الوجود,
فأرانا كل شيء في قيمته الحقيقية. لقد ألقى نوراً ساطعاً على
مَنْ يَتْبَعْنِي فلاَ يَمْشِي
الطفولة إذ
رجب بالأطفال: "دعوا الأولاد يأتون إلي". ولقد أحاط المرأة الضعيفة بنور سماوي فرفع
قيمتها. وقدسها إذ ولد من امرأة. ولقد أنار الحياة والخلود بالإنجيل. قبله كان
القبر مظلماً ذا باب واحد, يأخذ الأحياء ويضمهم إلى هاويته العميقة التي لا تشبع.
لكن بموت المسيح وقيامته صار القبر مضيئاً مشرقاً, إذ فتح فيه باب آخر يطل على عالم
الخلود فصار القبر يعطي كما يأخذ. فمن يأخذهم في عالم الفناء, يقدمهم إلى دار
البقاء.
وقد أشعل المسيح نور الحكمة في صدور كل الحكماء في العالم
على ممر الأجيال. فهو نور أغسطينوس, وسقراط, والغزالي, وغاندي "كان النور الحقيقي
الذي ينير كل إنسان آتياً إلى العالم" باعتبار كونه كلمة الله (1: 9).
الجانب الثاني من الشهادة يتعلق بتابعي المسيح: "من يتبعني فلا يمشي في الظلمة بل
يكون له نور الحياة" – الإشارة هنا إلى موقف الإسرائيليين في البرية, حين كانوا
يتبعون عمود النار (عدد 9: 16و17).ومن الأهمية بمكان, أن نلاحظ, أن المسيح مع كونه
نور العالم. إلا أنه لا يعلن لنا نوره إلا خطوة خطوة. فهو لا يعلن لنا نور الخطوة
الثانية إلا بعد أن نكون قد خطونا الخطوة الأولى بأمانة. إنه لا يقدم لنا خريطة
الحياة بأكملها, لنراها دفعة واحدة, لئلا نؤخذ بمفشلاتها فنضجر, وتبهرنا مشجعاتها
فنفخر. لكنه يرينا من خريطة الحياة ما يكفي لسيرنا ساعة فساعة, يوماً فيوماً. نعم
هو يكشف لنا جعالة دعوة الله, لكن في مسيرنا اليومي يقدم نور الكفاف
فِي الظُّلْمَةِ بَلْ يَكُونُ لَهُ
لأرجلنا,
لكي يحفظنا على الدوام قريبين منه, موالين له مطيعين لإرشاداته, معتبرين بتحذيراته.
فمن واجبنا أن نسير وراءه متمهلين غير متباطئين, نشطين غير مستعجلين. فلا نتباطأ
لئلا يسبقنا فلا نراه, ولا نستعجل لئلا نسبقه فنضل الطريق. وليس النور للكسالى
المتنعمين بل للمجاهدين المتقدمين.
ومتى قبلناه وتبعناه, صار حقنا أن نتمتع بالبركة الموعودة: "فلا يمشي في الظلمة" –
هذا وعد سلبي- والظلمة رمز الخطية والشك, والحزن, واليأس. "بل يكون له نور
الحياة"- هذا وعد إيجابي – والنور رمز الخلاص, واليقين, والفرح, والرجاء.
يراد بنور الحياة, ذلك النور الذي: (أ) ينبع من الحياة (1: 4) "فيه كانت الحياة
والحياة كانت نور الناس". (ب) وينشيء الحياة. فالحياة منبعه ومآله. منها يأتي
وإليها يؤول. وكما أن المسيح هو "خبز الحياة" و"ماء الحياة".
لم يضع المسيح نفسه جنباً لجنب مع سائر المعلمين. فهو لم يقل: "أنا أعطي نوراً", بل
أردنا أنه نور, فلن نحظى بالنور إلا إذا قبلنا المسيح نفسه في قلوبنا. وليس نوراً
ينال نفعه بالنظر إليه, بل بقبوله والاستفادة منه. هنا تمت لليهود تلك النبوات
الجليلة التي تحدث عنها أشعياء: "الشعب السالك في الظلمة أبصر نوراً عظيماً" (إش 9:
2و60: 3).
نُورُ الْحَيَاةِ». 13فَقَالَ لَهُ الْفَرِّيسِيُّونَ: «أَنْتَ تَشْهَدُ
لِنَفْسِكَ. شَهَادَتُكَ لَيْسَتْ حَقّاً».
أما كلمة:
"أيضاً" التي في مقدمة هذا العدد, فهي تفيد انتقالاً في الفكر. فكما كلمهم المسيح
في الإصحاح السابق, عن شخصه باعتبار كونه الصخر الحي الذي كان صخر البرية رمزاً له
(7: 37), كذلك كلمهم هنا عن شخصه باعتبار كونه النور الكامل, الذي كان نور البرية
رمزاً له.
إن موضوع الحديث الأول, هو الحياة, وموضوع الحديث الثاني هو النور الذي ينبع من
الحياة ويؤدي إليها. إن واجبنا تلقاء نعمة الحياة, أن نقبلها. وواجبنا حيال نعمة
النور, أن نتقدم إليه ونقدم للآخرين. فالواجب الأول يعبر عنه بالإيمان, والواجب
الثاني يعبر عنه بالحياة العملية.
عدد 13. ثانياً: اعتراض الفريسيين: "فقال له الفريسيون . .". من أقوال الرابيين
المأثورة: "ليس من حق إنسان أن يشهد لنفسه". بناء عليه, قدم الفريسيون اعتراضهم.
فلم يقصدوا بقولهم: "ليست حقاً", أنها شهادة كاذبة, بل أنها غير مبنية على أساس
متين. أنهم لم يستجوبوه عن طبيعتها, بل عن سلطانها. ومع أن سلطانها أفحمهم, إلا
أنهم أناس "رسميون", كانوا يطلبون سلطاناً "رسمياً". فاعتراضهم كان منصباً على
"الشكل" لا على "الموضوع" – هذا ينم عن حقيقة حياتهم: "لهم صورة التقوى لكنهم
ينكرون قوتها". ولعلهم في اعتراضهم هذا, قصدوا أن يستغلوا كلام المسيح الذي فاه به
في 5: 31 "إن كنت أشهد لنفسي فشهادتي ليست حقاً".
14أَجَابَ يَسُوعُ: «وَإِنْ كُنْتُ أَشْهَدُ لِنَفْسِي فَشَهَادَتِي حَقٌّ لأَنِّي
أَعْلَمُ مِنْ أَيْنَ أَتَيْتُ وَإِلَى أَيْنَ أَذْهَبُ.
عدد 14. ثالثاً: جواب المسيح على اعتراض الفريسيين "أجاب يسوع وقال لهم . . . " 8:
14-19. في هذه الأعداد أجابهم المسيح مدافعاً عن: (أ) شهادته في موضعها وجوهرها (8:
14), (ب) شهادته في شكلها وسلطانها (8: 15-18).
(أ) دفاعه عن شهادته في موضوعها وجوهرها: "أجاب يسوع وقال لهم . . ."- إن شهادته
حق, لأنها شهادة الواثق المتيقن. فهو عالم موقن, ليس فقط بما يقول, بل بمن يقول.
ولقد جمع في عالمه طرفي الأزل والأبد إذ جاز إن يكون لهما طرفان: "لأني أعلم من أين
أتيت وإلى أين أذهب". إن كلام المسيح هنا, لا يتناقض مع كلامه في 5: 31. لأنه أثبت
حقه في الشهادة هناك, فلا داع لتكرار هذا الإثبات هنا. نطق بقوله السابق, قبل أن
يؤيد شهادته بشهادة الآب, وشهادة يوحنا المعمدان, وشهادة المعجزات. أما وقد أيدها,
فمن حقه أن يقول: "وإن كنت أشهد لنفسي فشهادتي حق", زد على ذلك أن شهادته هنا,
شهادة وجدانية ذاتية, كشهادة النور لذاته.
تتضمن شهادته هذه شعوراً ذاتياً بـ :
(أ) وجدانه الحالي: "لأني أعلم . ." (ب). أصله: "من أين أتيت".
(ج) مآله:
"وإلى أين أذهب" – هذه دعامة مثلثة.
كان من مقتضيات كلامه في 5: 31, أن يتخذ طوعاً واختباراً موقف
وَأَمَّا أَنْتُمْ فلاَ تَعْلَمُونَ مِنْ أَيْنَ آتِي وَلاَ إِلَى أَيْنَ أَذْهَبُ.
15أَنْتُمْ حَسَبَ
الشاهد
العادي, فدعمها بشهادة الآخرين. ولكن من مقتضيات كلامه هنا, بعد أن توغل أعداؤه في
الخصومة, وتمادوا في الاعتراض, أن يتبوأ مقامه الممتاز, المخول له, بحق نسبته
الفريدة إلى الآب. فمن حقه أن يستخدم جلال لاهوته, ومن حقه أن يتخلى عنه. فمن حق
القائد أن يستل سيفه, ومن حقه أيضاً أن يغمده (أنظر 8: 17و18).
لا يوازي علم المسيح بحقيقة نفسه, سوى جهل الفريسيين به: "وأما انتم فلا تعلمون من
أين أتى ولا أين ذهب". في هذه العبارة يقرر المسيح حقيقة راهنة,ويوجه اتهاماً إلى
خصومه, الذين زعموا أنهم حملة مفاتيح العلم: "وأما أنتم فلا تعلمون". إن جهالتهم
اختيارية, تبرعوا بها لأنفسهم, لأنهم أغلقوا قلوبهم ضد النور. فهم وحدهم المسئولون
عن هذه الجهالة. ولو شاءوا لعلموا من نيقوديموس ومن سواه, من أين جاء المسيح, وإلى
أين يذهب(يوحنا 3: 9-13). بل كان في إمكانهم إن يعلموا ذلك من أعمال المسيح, وحياته
الفريدة الناطقة بذلك.
عدد 15.
(ب)شهادته في شكلها وسلطانها (8: 15-18) "أنتم حسب الجسد تدينون". يشير المسيح
بقوله هذا إلى إدانة الفريسيين له, التي ينم عنها اعتراضهم عليه (عدد 13). يراد
بقوله "حسب الجسد": (أ) المظهر الخارجي الذي يحيط بمن يجعلونه موضوعاً لدينونتهم –
هذا بمثابة القول : "أنتم تحكمون حسب الظاهر" (7: 24). هذا قول عام. ومن قبيل
التخصيص
الْجَسَدِ تَدِينُونَ أَمَّا أَنَا فَلَسْتُ أَدِينُ أَحَداً.
ينطبق
عليهم في إدانته المسيح. لأنهم في حكمهم عليه, نظروا فقط إلى رداء الجسد الذي كان
متسربلاً به, فلم يعرفوا "من أين هو",ولا "إلى أين يذهب".لأن نظرهم لم يتعد أفق
عائلته الوضيعة فتصوروه ابن مريم ويوسف "على ما كان يظن" (7: 27. (بالحجاب المادي
الذي حجب عيونهم عن النظر إلى العمق, والروح, والحقيقة.لأنهم لم يحكموا بالعقل
الباطني المستنير, بل بمرأى عقولهم المادية الطبيعية, والتي يرتد بصرها حسيراً أمام
الروحيات, وبالأولى أمام شخص المسيح.
إذا كانت الأشياء تتميز بضدها, فإن أنوار رحمة المسيح تجلت وسطعت تجاه لوحة
تصرفاتهم السوداء. "أنتم تدينون حسب الجسد. أما أنا فلست أدين أحداً" يشير المسيح
بهذا, إلى القصد الأولى من مجيئه إلى العالم "لأنه لم يرسل الله ابنه إلى العالم
ليدين العالم بل ليخلص به العالم": (3: 17). "لست أدين أحداً"- ألا يحمل قوله هذا,
إشارة ضمنية إلى كلامه للمرأة: "ولا أنا أدينك" (8: 11)؟ بلى. لم يأت المسيح ليدين
أحداً سوى ذاك الذي يرفض النور, فيجلب الدينونة على نفسه. لأنه وإن كان النور قد
أعطى أصلاً ليضيء. لكن من ضرورات وجوده أنه يحكم على الظلمة. فليست الدينونة غاية
مجيئة, بل هي إحدى نتائج مجيئه "لم يرسل الله ابنه ليدين العالم . . وهذه هي
الدينونة أن النور قد جاء إلى العالم وأحب الناس الظلمة أكثر من النور لأن أعمالهم
كانت شريرة" (3: 17و19).هذه حلقة الاتصال بين هذا العدد وما بعده.
16وَإِنْ كُنْتُ أَنَا أَدِينُ فَدَيْنُونَتِي حَقٌّ لأَنِّي لَسْتُ وَحْدِي
عدد 16.
الشاهد يصبح قاضياً: "وإن كنت أنا أدين فدينونتي حق لأني لست وحدي
بل أنا والآب الذي أرسلني". وفي هذا العدد, تدرج المسيح من الكلام عن نفسه كشاهد
(عدد 14), إلى الكلام عن شخصه كديان – والدينونة نتيجة الشهادة. فكلمة: "حق"في عدد
14, تشير إلى موضوع شهادته. وكلمة: "حق" في هذا العدد تشير إلى السلطان المخول له
كديان.
ولئلا يتطرق إلى ذهن الفريسيين, أن المسيح ليس أهلاً للدينونة, أراهم في هذا العدد,
أن له كل المؤهلات ليدين, متى جاء ميعاد الدينونة. كأنه في العدد السابق, أشار إلى
القصد الأساسي من مجيئه الأول إلى العالم: "ليخلص لا ليدين",لكنه في هذا العدد أشار
إلى الغاية من مجيئه الثاني: "ليدين لا ليخلص".
يعتقد بعضهم أن المسيح أراد بقوله: "لست أدين أحداً", أنه"لا يدين
بَلْ أَنَا وَالآبُ الَّذِي أَرْسَلَنِي. 17وَأَيْضاً فِي نَامُوسِكُمْ مَكْتُوبٌ:
أَنَّ شَهَادَةَ رَجُلَيْنِ حَقٌّ. 18أَنَا هُوَ الشَّاهِدُ لِنَفْسِي
أحداً" على
الطريقة الفرنسية: "حسب الجسد". ويقول جودي أن المسيح نفى إدانته للأفراد, وقرر
إدانته للجماعات وللعالم.
أما سلطانه
في الإدانة, فإنه مستمد مع شركته مع الآب "لأني لست وحدي بل أنا الآب الذي أرسلني".
فالآب يفحص ويحكم. والمسيح ينطق بالحكم. فهو إذا حاكم بلسان وسلطان الله الآب, ديان
الأحياء والأموات.
عدد 17و18. الشهادة المزدوجة "وأيضاً في ناموسكم مكتوب . . ." بعد أن أقام المسيح
الحجة في الأعداد السابقة على أن شهادته لنفسه حق كشهادة النور لنفسه, أراد –
تنازلاً منه – أن يماشي محاجيه, فأثبت لهم من ناموسه أن شهادته ليست فردية وإنما هي
مشفوعة بشهادة "الآب الذي أرسله". وقد خاطبهم المسيح بقوله: "ناموسكم" لا
"ناموسنا", لأنهم كانوا يتمسحون بالناموس ويتخذونه حجتهم في إدانتهم المسيح,
ويعتقدون أنهم قيمون عليه, فمن كلامهم دانهم. ومن جعبتهم امتشق سهماً وطعنهم. فضلاً
عن ذلك فإن نسبتهم إلى الناموس, غير نسبة المسيح إليه. هذا من قليل قول المسيح:
"أبي وأبيكم" (يو 20: 17). فهو ناموسهم المفروض عليهم, ليخضعوا له جبراً واضطراراً.
لكنه ناموس المسيح, الذي وضعه هو وخضع له حباً واختياراً (متى 3: 15؛ 17: 27).
ليست شهادة الآب للمسيح, قاصرة على المعجزات, التي هي إحدى
وَيَشْهَدُ لِي الآبُ الَّذِي أَرْسَلَنِي». 19فَقَالُوا لَهُ: «أَيْنَ هُوَ
أَبُوكَ؟» أَجَابَ يَسُوعُ: «لَسْتُمْ تَعْرِفُونَنِي أَنَا وَلاَ أَبِي. لَوْ
عَرَفْتُمُونِي لَعَرَفْتُمْ أَبِي أَيْضاً».
البينات
على مرافقة الآب له, لكنها تعني أيضاً ذلك الجلال الرهيب الذي كان يحف بالمسيح بشكل
لا تميزه العين المجردة.
أقبس المسيح في رده عليهم ما جاء في تث 17: 6و19: 15. ومراده من إيراد القول على
هذه الصورة, أن يثبت لهم أنه إذا كانت شهادة رجلين, مقبولة شرعياً, فكم بالأولى
شهادة أعظم شخصين – الآب والمسيح.
عدد 19. سؤالهم وجواب المسيح: (أ) سؤالهم: فقالوا له أين هو أبوك؟ لم يسألوه هذا
السؤال, على سبيل الاستنارة, بل على سبيل الاستنكار, والتحدي والتحقير. "أين هو
أبوك"؟- أحضره إن استطعت, لتسمعنا شهادته. هذا سؤال قد نفثوا فيه سموم ازدرائهم
بالمسيح, والآب الذي أرسله.
(ب) جواب المسيح: "لستم تعرفونني . .". في هذا الجواب بين لهم أن سؤالهم نم عن
جهلهم بالله, الذي يدعون أنهم في مقدمة عارفيه. وأن برهان جهلهم بالله, هو جهلهم
بالمسيح المرسل منه. لأن الله الآب قد أعلن ذاته في المسيح وحده. فمن لم ير في
المسيح سوى ذاته الناسوتية, فقد غابت عنه رؤية الله الذي أرسله. ولكن أنى للعيون
الجسدية أن ترى من لا يرى, متجلياً في من يرى!؟ "لستم تعرفونني أنا ولا أبي. لو
عرفتموني لعرفتم أبي أيضاً". حقاً "لا يستطيع أحد أن يقول إن يسوع المسيح رب إلا
بالروح القدس".
20هَذَا الْكلاَمُ قَالَهُ يَسُوعُ فِي الْخِزَانَةِ وَهُوَ يُعَلِّمُ فِي
الْهَيْكَلِ. وَلَمْ يُمْسِكْهُ أَحَدٌ لأَنَّ سَاعَتَهُ لَمْ تَكُنْ قَدْ جَاءَتْ
بَعْدُ.
عدد 20.
رابعاً: كلمة تاريخية: "هذا الكلام قاله يسوع . . " كان تأثير هذا الكلام عظيماً,
لدرجة أن نصف قرن لم يستطع أن يمحوه من ذاكرة يوحنا البشير, ذلك المكان الخاص الذي
قال فيه المسيح ذلك الكلام: "في الخزانة".
كلمة:
"الخزانة" كانت تطلق غالباً على كل المكان الذي كانت تحفظ فيه التقدمات المجموعة
لأجل الهيكل وخدماته. ويستفاد من مرقس 12: 14 ولوقا 21: 1, أن الصناديق وهي على شكل
أبواق وتعرف عند اليهود بالـ "شوفيروت" وعددها ثلاثة عشر – كانت موضوعة في المكان
المعروف "بالخزنة" أي في دار النساء. وبما أن مجلس السنهدريم, كان يلتئم عادة في
البهو المعروف ب "الجازت" بين دار النساء والدار الداخلية, وبما أن المسيح قال هذا
الكلام, والسنهدريم ملتئم, فمن المحقق أن كلامه هذا قد بلغ آذان أعضاء السنهدريم
(7: 45-52). ولعل البشير ذكر المكان الذي قال فيه المسيح هذا الكلام, لكي ينبهنا
إلى هذه الحقيقة الأخيرة, وليبين لنا, أن الفادي لم يقل كلامه في الخفاء, بل في قلب
الهيكل, الواقع في قلب أورشليم, وعلى مسمع من أكبر هيئة دينية رسمية. ومع ذلك "لم
يمسكه أحد" لأن الرؤساء كانوا يهابون الشعب الذي كان يكن للمسيح كل أنواع الاحترام,
ولأن المسيح كان يحف به نطاق رهيب من المجد والكرامة, ولم يمكنهم اختراق هذا النطاق
"لأن ساعته لم تكن جاءت بعد". (انظر شرح 7: 8و30؛ 2: 4)
وكذلك كل
خادم خالد, حتى تأتي "ساعته".
21قَالَ لَهُمْ يَسُوعُ أَيْضاً: «أَنَا أَمْضِي وَسَتَطْلُبُونَنِي وَتَمُوتُونَ
فِي
"أنا هو" 8: 21- 29
أعلن المسيح لليهود, في كلامه السابق, أنه هو الصخر الحقيقي الذي
كانت صخرة البرية رمزاً له (7: 37 - 39), وأنه هو النور الحقيقي الذي كان عمود
النار في البرية ظلاً له (8: 12). فكان من واجبهم أن يؤمنوا أنه هو المسيح, وأن
يسيروا في النور ما دام النور موجوداً معهم. لأنه سيأتي وقت فيه يرفع عنهم فيتركهم
في ظلامهم يعمهون.
عدد 21. إنذار في أوانه: "قال لهم يسوع أيضاً" – بعد
أن شلت يديهم عن إلقاء القبض عليه: "أنا أمضي" – بالموت, والقيامة, والصعود-
"وستطلبونني" – فلا تجدونني – "وتموتون في
خطيتكم" – لأني جئت لأنقذكم من حالة الموت التي أنتم فيها, فلم تريدوا, لذلك
ستتركون في حالتكم الطبيعية, حال الخطية والموت.
"حيث أمضي أنا لا تقدرون أن تأتوا" – لأن الهوة عظيمة
بين السماء التي سأكون أنا فيها, وبين الهاوية التي أنتم فتها, سيما بعد أن تكونوا
قد رفضتم شخصي الذي جاءكم سلم اتصال بين سمائي وهاويتكم.
في نس المكان الذي فاه المسيح فيه بكلامه السابق (7:
37- 8: 20) استطرد في ذكر هذا الكلام اللاحق (8: 21), فقدم لليهود: (أ) انذاراً
"أنا أمضي". ولقد أتاهم هذا الانذار في أوانه. لأن هذا كان آخر يوم في
خَطِيَّتِكُمْ. حَيْثُ أَمْضِي أَنَا لاَ تَقْدِرُونَ أَنْتُمْ أَنْ تَأْتُوا»
22فَقَالَ الْيَهُودُ:
آخر عيد, اجتمع فيه المسيح باليهود كمجموع, فلم تبقى سوى بضعة
أشهر على حلول عيد الفصح الذي فيه رفع المسيح على الصليب فصحاً لنا. إن هذه الحقيقة
تكسب هذا الإنذار مسحة من الرهبة والوقار. (ب) نبوة: "ستطلبونني" – بعد فوات الفرصة
حيث لا ينفع الندم بعد العدم إن قول المسيح هنا اشد منه في 7: 33-34. لأن طلب
اليهود إياه فيما بعد, ليس طلن الإيمان, بل طلب افنقاد من الضيقات الزمنية, التي
ستحيط بهم عند خراب أورشليم, وتشتت شملهم كأمة. (ج). حكماً: "وتموتون في خطيتكم".
ذكرت كلمة: "خطية" بالمفرد, إشارة إلى حالة قلوبهم الطبيعية في بعدها عن الله, وعدم
إيمانها بالمسيح. فالمفرد يصف الأصل – كقولنا "تينة" للتعبير عن شجرة التين. والجمع
يصف الأفرع والثمر, كقولنا "تين" في التعبير عن الثمر. (د) إعجازا: "حيث أمضي أنا
لا تقدرون أنتم أن تأتوا". إن الهوة العظيمة التي كانت بينهم وبين المسيح, والتي
كان في إمكانهم أن يرتقوها بسلم الإيمان, ستثبت بواسطة عدم إيمانهم ويختم
عليها(انظر لوقا 16: 36). هذا هو الموت الروحي الأبدي – انفصال النفس نهائياً عن
المسيح – وهو يختلف كل الاختلاف عن الافتراق الوقتي, الذي تحدث عنه المسيح مع
تلاميذه في يو 13: 33 حين وعدهم أن يأتي ويأخذهم إليه (14: 3)
عدد 22. رد اليهود. "فقال اليهود ألعله يقتل نفسه".
كان قول المسيح في العدد السابق كطعنة نجلاء, جرحت كبرياءهم. فقصدوا أن ينتقموا
لأنفسهم,
«أَلَعَلَّهُ يَقْتُلُ نَفْسَهُ حَتَّى يَقُولُ: حَيْثُ أَمْضِي أَنَا لاَ
تَقْدِرُونَ أَنْتُمْ أَنْ تَأْتُوا؟» 23فَقَالَ لَهُمْ: « أَنْتُمْ مِنْ أَسْفَلُ
أَمَّا أَنَا فَمِنْ فَوْقُ. أَنْتُمْ مِنْ هَذَا الْعَالَمِ أَمَّا أَنَا فَلَسْتُ
ويردوا الطعنة إلى صدر المسيح, فقالوا: "ألعله يقتل نفسه"؟ فجاءت
طعنتهم هذه أحد منها في 7: 35 . لقد آلمهم قول المسيح: "لا تقدرون أنتم أن تأتوا",
وفي ثورة كبريائهم ألصقوا به تهمة الانتحار- وعقاب الانتحار كما كان معروفاً لديهم,
عن حق, هو الانحدار إلى الهاوية (تاريخ يوسيفوس الجزء الثالث الفصل الثامن). فإذا
سلموا معه بعجزهم عن اللحاق به, فما هذا إلا- حسب ادعائهم- عجز السماويين عن أن
ينحدروا إلى الهاوية!
عدد23. جواب المسيح 8: 23و24"فقال لهم انتم من أسفل .
." لقد شهد عليهم كلامه السابق, بأنهم كانوا في أنفسهم مخدوعين لذلك أراد الفادي أن
يكشف لهم حقيقة حالهم, فبين لهم أنهم واهمون, وأن الأمر على عكس ما يزعمون. فإن
عجزهم عن اللحاق به, ليس سوى عجز أبناء الهاوية السفلى, عن أن يصلوا إلى ابن الله.
وهو عجز الأرضيين عن أن يدركوا ابن السماء الذي رضي, تواضعاً منه وتنازلاً, أن
يقابلهم بنفسه مقابلة مزدوجة :(أ) من حيث الطبيعة:"أنتم من أسفل. أما أنا فمن فوق".
(ب) من حيث الأميال والإرادة: "أنتم من هذا العالم" – تعملون إرادتكم المنافية
لإرادة الله – "أما انا فلست من هذا العالم" – لأن طعامي, أن أعمل مشيئة الذي
أرسلني وأتمم عمله. فهو يختلف عنهم أصلاً, وطبعاً, وإرادة, وعملاً. فإذا كانوا قد
مِنْ هَذَا الْعَالَمِ. 24فَقُلْتُ لَكُمْ إِنَّكُمْ تَمُوتُونَ فِي خَطَايَاكُمْ
لأَنَّكُمْ إِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا أَنِّي أَنَا هُوَ
أجازوا لأنفسهم أن ينسبوا إليه نية الانتحار الذي ينتهي
بالهاوية, فما ذلك إلا لأنهم هم من أبناء الهاوية.
عدد 24. من أنذر فقد أعذر: "فقلت لكم إنكم تموتون في
خطاياكم" . وردت كلمة "خطايا" في هذا العدد, بصيغة الجمع, على خلاف وردها في عدد 21
بصيغة المفرد. فالكلام في عدد 21 يتناول الخطية في أصلها الواحد – حال العداوة لله.
والكلام هنا, يتناولها في مظاهرها المنوعة. " إن أجرة الخطية هي موت" . فهم أبناء
الموت بحكم خطاياهم. لأن الخطية تنقدهم أجرتها على آخر قسط. وما من أحد يغير
طبيعتهم الخاطئة, ويخلصهم من سلطان الخطية وذنبها, سواه "هو" . ولا سبيل إلى
اتصالهم بالمسيح سوى الإيمان. "إن لم تؤمنوا أني هو تموتون في خطاياكم". إن قول
المسيح: "إني أنا هو" – في معناه, ومبناه حسب الترجمة السبعينية – هو ذلك القول
عينه الذي نطق به الرب "يهوه"في العهد القديم (تث 23: 39وإشعياء 43: 10). إن رسالة
الله في العهد القديم هي: "أنا أنا هو وليس إله معي". ورسالته في العهد الجديد هي.
"أنا أنا هو الفادي وليس غيري مخلص". ويعتقد جودي أن المسيح قصد أن يقول لليهود :
"إن لم تؤمنوا أني أنا هو مسيحكم المنتظر تموتون في خطاياكم", وأنه حدث كلمة "مسيحكم
المنتظر", ليكون بلاغه أوقع في نفوسهم. وما المسيح سوى "يهود" إله العهد القديم,
الذي ظهر في الجسد.
تَمُوتُونَ فِي خَطَايَاكُمْ». 25فَقَالُوا لَهُ: «مَنْ أَنْتَ؟» فَقَالَ لَهُمْ
يَسُوعُ: «أَنَا مِنَ
وردت كلمة: "أنا هو" , ثلاث مرات في هذا الفصل(عدد
24و28و58).
عدد 25. سؤالهم وجواب المسيح عليه 8: 25-29: (أ)
سؤالهم (عدد 25(أ)): "فقالوا له". لم يسألوا سؤالهم هذا بلهجة المستفهمين
المستنيرين, بل بلهجة الهازئين الساخرين, المتحفزين لوقوع كلمة منه من سكونه بها,
ويتقدمون به إلى القضاء. (ب) جواب المسيح (عدد 25(ب)- 29) . يقع جواب المسيح في
ثلاثة أشطر. أولها يختص بشخصه (عدد 25(ب)) وثانيها يتعلق بهم (عدد26). وثالثها
يتعلق بشخصه أيضاً (عدد 28و29). أما عدد 27فهو كلمة تفسيرية.
(1) الشطر الأول (عدد 25(ب)) ز هذا جواب غاية في
الحكمة مفاده: "ليس لكم أن تتنظروا مني إعلاناً جديداً عن شخصي فوق ما أعلمتكم به
منذ بدء خدمتي وكرازتي. فاستجمعوا أقوالي السابقة عن نفسي, تعرفوا من أنا. إن
حاجتكم ليست إلى إعلان جديد بل إلى قلوب جديدة تفهم الإعلانات التي سبقت فقلتها منذ
بدء خدمتي". ويجمل بنا الآن أن نستعرض الإعلانات التي فاه بها المسيح عن نفسه فيما
مر بنا من هذه البشارة:فهو الكلمة الأزلى (ص 1) وهو الهيكل الحقيقي(ص 2), وهو
المخلص الحقيقي (ص 3), وهو الماء الحي (ص 4),وهو الابن الحقيقي (ص 5), وهو الخبز
الحي (ص 6), وهو الصخر الحقيقي(ص 7), وهو
الْبَدْءِ مَا أُكَلِّمُكُمْ أَيْضاً بِهِ. 26إِنَّ لِي أَشْيَاءَ كَثِيرَةً
النور الحقيقي(ص 8),فلو كانت لهم عقول مستنيرة, وقلوب متجددة,
وبصائر تقدر الحقائق, لهتفوا بملء أفواههم قائلين مع بطرس: "نحن قد آنا وعرفنا أنك
أنت المسيح ابن الله الحي" (6: 69). ولكن أنى للذين من أسفل أن ينقوا بلغة
السماء؟!.
ويقول ويستكوت إن كلام المسيح يفهم على هذا الوجه: "إن
شخصي هو تعليمي". ويعتقد هنجستنبرج, إن معنى كلام المسيح في هذا العدد : "إني أنا
منذ الأزل هو يهوه المتجسد الذي أكلمكم عنه الان" لكن العقبة في سبيل الأخذ بهذا
الرأي الأخير هي قوله: "ما أكلمكم به", لا "من أكلمكم به". ويميل غيرهما إلى تفسير
كلام المسيح على الوجه الآتي: "أنا منذ الأزل ما صرحت به الآن" – أي "إني أنا هو".
ونميل نحن إلى الرأي الأول الذي أوضحناه: أي إن كلمة"من البدء" كما استعملت هنا ,
معناها: "منذ بدء خدمتي", لا "منذ الأزل".
عدد 26. (2) الشطر الثاني:"إن لي أشياء كثيرة .." إذاً
لم يكن أولئك القوم في حاجة إلى إعلانات جديدة عن المسيح, بل كانوا في مسيس الحاجة
إلى إعلانات جديدة عن أنفسهم. فالعقبة الكؤود في سبيل إيمانهم به, لم تكن فيه, بل
فيهم هم . لقد تقدموا إليه وهم متخذون, بالنسبة له, موقف الحكم المتحكم, فأراهم هو
أنهم هم المتهمون الذين عليهم أن يسمعوا حكمه عليهم"إن لي أشياء كثيرة أتكلم وأحكم
بها من نحوكم". وفي
أَتَكَلَّمُ وَأَحْكُمُ بِهَا مِنْ نَحْوِكُمْ لَكِنَّ الَّذِي أَرْسَلَنِي هُوَ
حَقٌّ. وَأَنَا.
الحقيقة أن كل حكم يصدره الإنسان على المسيح أوله, إنما هو حكم
يصدره الإنسان على نفسه أولها
.
"إن لي أشياء كثيرة أتكلم وأحكم بها." . بهذه الكلمات
وما بعدها تابع المسيح حديثه المذكور في عدد 24, وفعلاً قد أسمعهم هذه الأحكام
المدونة في عدد 34 و37 و40 و41 و43 و44 و49 و55. "ولكن الذي أرسلني هو حق" – شعر
المسيح أن أحكامه عليهم ستكون أليمة وشديدة الوقع. "ولكن" – لم يكن لديه بد, مع أن
يسمعهم هذه الأحكام وذلك لسببين – أولهما: انه مكلف برسالة. فمن الضروري أن يؤديها
على أكمل وجه, وإن تكن أداتها أليمة عليه وعلى غيره : "لكن الذي أرسلني .." .
ثانيهما: إن هذه الرسالة حق. لأنها صادرة من الله الحق: "الذي أرسلني هو حق". ومهما
يكن الحق مراً, فلا بد من أن يقال. إذاً كان الله هو "الحق" في جوهره فمن المحقق ان
رسالته هي "الحق" في ظهوره. إن نسبة رسالته إليه كنسبة أشعة الشمس إلى جرمها. "وأنا
ما سمعته منه فهذا أقوله للعالم" – لا يقتصر كلام المسيح هنا على ما سمعه من الآب
منذ الأزل بل يتناول بالأولى الكلام الذي كان يسمعه من الآب باستمرار حتى قبيل
تكلمه مع اليهود, وذلك بحكم صيغته الدائمة, المستمرة مع الآب. (قابل هذا بما جاء في
5: 19 و8:28). يتكلم المسيح هنا عن نفسه باعتبار كونه
مَا سَمِعْتُهُ مِنْهُ فَهَذَا أَقُولُهُ لِلْعَالَمِ». 27وَلَمْ يَفْهَمُوا
أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ لَهُمْ عَنِ الآبِ. 28فَقَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: «مَتَى
رَفَعْتُمُ
"كلمة الله". الذي أعلن إرادة الله للعالم. وهو أيضاً على هذا
الاعتبار, الوسيط الأوحد بين الله والناس.
عدد 37. كلمة تفسيرية. "ولم يفهموا أنه كان يقول لهم
عن الآب" هذه الكلمة التفسيرية, سجلها قلم يوحنا البشير ليعطينا صورة دقيقة لعقلية
أولئك اليهود, الذين كانوا يعتقدون أن الفهم هجر عقول جميع الناس, واستقر في
أدمغتهم وحدهم. فكلن جميلا ذلك الوصف الذي خلعه البشير عليهم. "ولم يفهموا . . . "
– كانت عقولهم في واد, وكلام المسيح في واد. وكيف يأتي للعقل الطبيعي أن ما لروح
الله؟ إن الفهم المقصود هنا هو فهم التمييز. فمع أن المسيح لم يذكر لفظة "الآب"
تصريحاً, وحديثه الأخير (عدد21 - 27) إلا إنه ذكره تلميحاً في قوله: "الذي أرسلني".
. "ما سمعته منه".
كان أولئك القوم ماديين منتظرون مسيحاً مادياً
سياسياً, فلم يميزوا أن الذي كان يخاطبهم هو المسيح المرسل من الآب.
عدد 28. (3) الشطر الثالث. الحجة القاطعة. "فقال لهم
يسوع متى رفعتم" إن الحر تكيفه الإشارة. لكن أولئك اليهود كانوا عبيداً (عدد 34),
فلم يفهموا الكلام الصريح, لذلك أنبأهم المسيح بآية عملية تكون حجة قاطعة نهائية –
هي آية "رفع ابن الإنسان". ومتى تمت هذه الآية أمام عيونهم, فحينئذ يفهمون أنه هو
المسيح. إن الصليب هو المقصود بالذات في قوله:
ابْنَ الإِنْسَانِ فَحِينَئِذٍ تَفْهَمُونَ أَنِّي أَنَا هُوَ وَلَسْتُ أَفْعَلُ
شَيْئاً مِنْ نَفْسِي بَلْ أَتَكَلَّمُ بِهَذَا كَمَا عَلَّمَنِي أَبِي.
"متى رفعتم" وإن يكن الصليب والقيامة, والصعود, وعطية الروح
القدس, متضمنة كلها في معنى "رفع ابن الإنسان". أليس من المحزن أن اليهود يظلون غير
مقدرين قيمة المسيح, حتى يفرغوا من جريمتهم برفع إياه على الصليب؟ عندئذ يفهمون –
لكنه من لا يقدر قيمة النور إلا بعد أن يغمره الظلام, ومن لا يفهم قيمة تاج الصحة
إلا بعد أن يبتلي بالعلل, ومن لا يدرك قيمة الحياة, إلا عند مجيء ساعة المنون.
على أن الصليب في ذاته, لم يكن كافياً لإعلان شخص
المسيح لليهود, لو لم يجعله الله في تدبيره سلماً للقيامة, والصعود إلى عرش العظمة
في الأعالي. كأن المسيح قال لهم مؤنباً: متى صلبتموني وأدركتم بعد ذلك أنكم بصلبكم
إياي قد أجلستموني على العرش, فحينئذ تعلمون:
(1) حقيقي شخصي: "إني أنا هو". لقد وصف نفسه بقوله:
"ابن الإنسان" دلالة على مظهره الوضيع الذي بسببه خفيت عنهم حقيقته, "فلم يفهموه".
هذه الكلمات تعيد إلى أذهاننا كلمات يهوه في العهد
القديم: "فلا تشفق عليك عيني: . . فتعلمون أني أنا الرب" (حزقيال 7: 4). (أنظر
أيضاً حزقيال 11: 10و12: 20 وخروج 10: 2ومت 12: 39و26: 64).
(2) حقيقة تعليمي:"لست أفعل شيئاً من نفسي" – إن كلام
المسيح جزء من عمله الموكول إليه – "بل أتكلم بهذا كما علمني أبي"(انظر 7: 16و17).
29وَﭐلَّذِي أَرْسَلَنِي هُوَ مَعِي وَلَمْ يَتْرُكْنِي الآبُ وَحْدِي لأَنِّي فِي
كُلِّ حِينٍ أَفْعَلُ مَا يُرْضِيهِ».
عدد 29.(3)حقيقة معيتي الربانية"والذي أرسلني هو معي. ولم يتركني الآب
وحدي . . " بهذه الكلمات أراهم البوم العظيم بين موفقهم بالنسبة له, وبين موقف الآب
معه. إذ كانوا هم سيرفضونه, فإن الآب معه. فإذا بهم إذاً انطفأت كل الشموع وظل وجه
الشمس مشرقاً؟!.
إن طاعة المسيح الكاملة الاختيارية للآب, هي الضمان الأكيد لمرافقة الآب
له. "لأني في كل حين أفعل ما يرضيه". لا لأن إرادة الآب فرضت على المسيح فرضاً,
كناموس خارجي عنه, بل لأنها في أحشائه, فمن الطبيعي أن يعملها: "طعامي أن أعمل
مشيئة الذي أرسلني وأتمم عمله". ليس وجه العجب أن المسيح عاش متمماً إرادة الآب, بل
أن يكون هو المسيح ابن الله, ويقصر في أمر منها.
بما أنه جعل إرادة الآب, إرادته, لذلك صارت إرادته
هو, إرادة الآب.
"في كل حين أفعل ما يرضيه". ليس هذا وصفاً لأعمال
المسيح وكفى, لكنه وصف للبواعث التي كانت تدفع المسيح للقيام بأي فعل:"أفعل ما
يرضيه"إن من يتجاسر أن يقول هذه الكلمة, لا يكون فقط واثقاً من أنه لم يرتكب خطية,
بل إنه أيضاً لم يجد أمراً مرضياً لله إلا وأنجزه. ليس فقط أن كل أعماله كانت مرضية
للآب, بل أن كل ما وجده مرضياً للآب قد أجراه بالتمام. كذلك كان المسيح – والمسيح
وحده. ذلك لأنه "لم يكن وحده" 16: 32.
30وَبَيْنَمَا هُوَ يَتَكَلَّمُ بِهَذَا آمَنَ
عدد 30. شعاع من النور في ليلة ظلماء: "وفيما هو يتكلم بهذا آمن به
كثيرون". على رغم الاعتراضات التي وجهها اليهود إلى المسيح, وجد كثيرون ممن آمنوا
به, فلم تخل ليلتهم الظلماء من كواكب شاهدة لنور الفادي. "آمن به كثيرون " - هذه
العبارة تعني أنهم ألقوا اعتمادهم على شخص المسيح. وهي كما وردت في الأصل, تختلف عن
تلك التي وردت في عدد 31 "آمنوا به", التي تعني تصديقهم لكلام المسيح. في عدد 30,
كما وردت كلمة: "آمنوا" متبوعة بحرف الجر"بـ" أو "على". وفي عدد 31,وردت كلمة
"أمنوا", مجردة , وترجمتها الحرفية "صدقوا المسيح".فالإيمان, كما يصفه عدد 30,متوجه
إلى شخص المسيح. وكما يوضحه عدد30, متجه إلى كلام المسيح. فكل من العددين يصف فرقة
من اليهود غير التي يصفها الآخر. عدد 30, يصف قوماً استمعوا للمسيح, فصدقوا كلامه.
ثم اعتمدوا على شخصه. ولكن عدد 31, يصف قوم آخرين استمعوا للمسيح, ثم صدقوا كلامه
ووقفوا عند هذا الحد. فأراد المخلص أن يتقدم بهم خطوة جديدة في سبيل الإيمان إذ قال
لهم "إن ثبتم في كلامي فبالحقيقة تكونون تلاميذي" كلمة: "آمنوا به", كما جاءت في
عدد 30, تكررت مراراً عدة في هذه البشارة – 2: 11؛ 3: 16و18و36؛ 4: 39؛ 6:
29و35و40و47؛ 7: 5و31و38و48و9: 35؛ 10: 42؛ 11: 25و 45و48؛ 12: 11و36و42و44و46؛ 14:
1و12و16: 9؛ 17: 20. مع أنها لم ترد سوى مرة واحدة في البشائر الأخرى
بِهِ كَثِيرُونَ. 31فَقَالَ يَسُوعُ
لتصف إيمان"الصغار" – إيمان البساطة (مت 18: 6). فهي إذا من
الكلمات التي أختص يوحنا البشير.
"أنتم وأنا" 8: 31 – 59
انتهينا مكن الحوار الذي دار بين المسيح واليهود, ونحن شاعرون أن
المسيح لم يبلغهم بعد, رسالته إلى أقصى حدودها. لأنه أوقفنا وإياهم عند حد قوله
لهم: "إن لي أشياء كثيرة أتكلم وأحكم بها من نحوكم". وبما أن كل ممنوع مرغوب, فمن
المحقق أن من يسمع هذا القول, لا يتمالك نفسه من التساؤل عن هذه الأشياء الكثيرة
التي كانت لدى المسيح, ولم ينطق بها بعد.
لقد جاد علينا المسيح بخير جواب على هذا التساؤل, في
الجزء الأول من هذا الحديث (8: 31 - 47). أما الجزء الثاني منه (8: 48 - 59), فقد
وقفه على شهادته لبنوته وأزليته. فلنا أن نعتبر هذا الحديث بجزئيه, خير مفسر لقول
المسيح في حديثه السابق: "إن كنت أنا أدين فدينونتي حق . . . أنا هو الشاهد لنفسي
ويشهد لي الآب الذي أرسلني" (8: 16 و18). فالجزء الأول من هذا الحديث يفسر قوله
الأول (8: 16), والجزء الثاني يوضح قوله الثاني (8: 18).
الجزء الأول من الحديث – حكم المسيح على اليهود 8: 31
– 47. في هذا الجزء أصدر المسيح على اليهود أربعة أحكام مؤلمة – الثلاثة الأولى
سلبية, والرابع إيجابي. فالثلاثة الأحكام السلبية هي: (أ) "لستم أحراراً" (8: 31 -
36). (ب) "لستم ذرية إبراهيم" (8: 37 - 40).(ج) "لستم أولاد الله" (8: 41 - 43).
وأما الحكم الرابع الإيجابي فهو
لِلْيَهُودِ الَّذِينَ آمَنُوا بِهِ:
(د) "أنتم من أب هو إبليس" (8: 44-47). وعند اختتام هذا الجزء
الأول من الحديث, بعد عجز اليهود أن يردوا الأحكام الصادقة التي وجهها إليهم
المسيح, لم يجدوا ما يروون به غليلهم سوى تهمة شنيعة وجهوها إلى "قدوس الله" (8:
48), فأجابهم عنها المسيح بترفع من غير كبرياء (8: 49 - 50).
(أ) الحكم الأول: "لستم أحرارأً": (2: 31 - 36). يتضمن
هذا الفصل ثلاث حلقات: (1) كلام المسيح (8: 31 - 32). (2) اعتراض اليهود عليه (8:
33). (3) جواب المسيح على اعتراضهم (8: 34 - 36).
عدد 31 و 32. كلام المسيح. "فقال يسوع لليهود الذين
آمنوا به . . " قد يعجب المرء, لأول وهلة, إذ يجد أن هؤلاء اليهود الذين يصفهم
البشير بالقول: "الذين أمنوا بالمسيح", هم بذاتهم الذين يقول لهم المسيح: "أنتم من
أب هو إبليس". لكن لدى التأمل, ينكشف لنا السبب, فيبطل العجب. لم يكن إيمان هؤلاء
متجه إلى شخص المسيح, كما كان إيمان أولئك المذكورين في العدد السابق,
لكنه كان متوجهاً فقط إلى كلام المسيح. هؤلاء كانوا مصدقين كلامه لكنهم لم يلقوا
اعتمادهم بالتمام على شخصه. فقد يشاهد أحدهم في ساعة خطر, سلماً قائماً بين الأرض
وبين دور علوي في إحدى ناطحات السحب, ثم يصدق كل ما يقال عن متانة تلك السلم. لكنه
على رغم ذلك يظل خائفا فلا يلقي بنفسه على السلم. فالتصديق شيء والاعتماد شيء آخر,
«إِنَّكُمْ إِنْ ثَبَتُّمْ فِي كلاَمِي
التصديق من فعل العقل. الاعتماد من عمل القلب (راجع تفسير عدد
30).
إن هؤلاء المذكورين في عدد 31, صدقوا أن يسوع هو
المسيح, لكنهم كانوا يبيتون في قلوبهم أفكاراً غير صحيحة, عن حقيقة. لذلك لم يكونوا
قد اعتمدوا عليه بعد. لقد فتحوا عيونهم للنور, فرأوا المسيح كمن يرى خيالاً في ضوء
الفجر, وكان في إمكانهم أن يصلوا إلى نور النهار الكامل لو تبعوا السير والتقدم.
والظاهر من قول المسيح لهم "إن ثبتم في كلامي" إنهم من النوع الذي وصفه يعقوب في
قوله: "سامعين فقط خادعين نفوسهم . . . . . . رجلاً ناظراً وجه خلقته في مرآة. فإنه
نظر ذاته ومضى. وللوقت نسي ما هو.. ولكن من اطلع . . . وثبت . . . ." (يع 1: 22 -
25).
إن قوماً كهؤلاء قد يكونون مستنيرين لكنهم لا يضيئون.
قد يذوقون لكنهم لا يأكلون ويشبعون. نصيبهم من التأثر بالحق قد لا يزيد عن تأثير
جدران المكان الذي كان الرسل مجتمعين فيه (أعمال 4: 31).
في هذين العددين قدم لهم المسيح: (أ) شرطاً: "إن ثبتم
في كلامي". إن المسيح بوضعه هذا الشرط, رحب بالخطوات التمهيدية التي خطوها في سبيل
الإيمان, وشجعهم على التقدم والمثابرة, ليتقدموا من ضوء الفجر إلى نور النهار
الكاهل: "إن ثبتم في كلامي"- أي إن كان كلام المسيح بالنسبة لهم كالماء للسمك,
وكالهواء للطير, وكالتربة الجيدة للنبات الحي, وكجذع الشجرة للأفرع. فالثبوت في
كلام المسيح, يفيد الجلوس باستمرار
فَبِالْحَقِيقَةِ تَكُونُونَ تلاَمِيذِي 32وَتَعْرِفُونَ
عند قدميه والتمكن منه والإغتذاء بعصارته. (ب) وعداً :
"فبالحقيقة تكونون تلاميذي" هذا وعد يقيني في طبيعته, لأن المسيح استهله بقوله:
"بالحقيقة", وهو مثلث في محتوياته. ما أشبه محتوياته, بكؤوس الورد, تتفتح إحداها من
الأخرى. فالكأس المركزية في هذا الوعد, هي التلمذة الحقة "فبالحقيقة تكونون
تلاميذي", ومنها تتفرع الكأس الثانية وهي: معرفة الحق "وتعرفون الحق" (عدد 32). ومن
هذه الكأس الثانية, تتفرع الكأس الثالثة وهي: حرية الحق: "والحق يحرركم". بل ما
أشبه محتويات هذا الوعد بقمم جبل منيف, لا يرى الصاعد عليه سوى القمة الأولى. وبعد
أن يرتقيها يجد القمة الثانية, ثم الثالثة. قمم عالية يأخذ بعضها بيد بعض. أنوار
يأخذ بعضها برقاب بعض. هذا وعد متين – فالتلميذة الحقيقة غرته: "بالحقيقة تكونون.
.", والحق عماده: "وتعرفون الحق", والحرية تاجه: "والحق يحرركم. ". الحق
هو خلاصة كلام المسيح, بل هو كلام المسيح متأنساً. فهو إذا المسيح نفسه, الذي هو
كلمة الله النهائية للبشر.
يمتاز الحق عن الصدق, في أن الصدق هو ما وافق عقيدة
المتكلم. ولكن الحق هو ما وافق الواقع. فالصدق نسبي لكن الحق مطلق. "والحق يحرركم"
– الحق والحرية صنوان لا يفترقان, فالحق يلد الحرية والحرية تدعم الحق. الحق يحرر
من عبودية الموت والخوف, وعذاب الضمير,
الْحَقَّ
والأضاليل, والذات المتمردة, والحرية الزائفة, التي هي العبودية
بعينها. فكم من حريات بلا حرية. فالحرية الحقيقية لا تقوم بإطلاق العنان للشهوات
والأميال العاطلة ليعمل المرء ما يريد ويهوى, بل هي القدرة على عمل ما هو واجب. هي
الإرادة المتجددة, التي تريد ما يريده الله. فقد تخرج الأفعى من حجرها, لكنها تظل
عبدة لغريزة الأذى المنطبعة عليها. فهي لن تتمتع بالحرية الحقيقية إلا متى تحررت من
طبيعتها المؤذية, ولبست طبيعة جديدة تسعى وراء الخير, وتأنف الأذى.
هذا وعد جميل في ذاته, غني بمحتوياته لكنه لمزيد الأسف
لم يصادف قبولاً لدى أولئك اليهود, الذين كانوا ينتظرون حرية سياسية من نير
الرومان. فبدلاً من أن تتجه قلوبهم إلى محاسن هذا الوعد ليجتلوها, إذاً بهم قد
بحثوا عن الوجه الجارح فيه, فاستنتجوا منه أن المسيح يتهمهم بالعبودية. وعوضاً عن
أن يرحب بالوعد, حصنوا أنفسهم ضده, واحتجوا. بدلاً من أن يقبلوا المسيح مخلصاً
ومسيحاً, اتخذوا منه خصماً, فاستجمعوا كل قواهم لمعارضته.
اعتراض اليهود -8: 33و39و41و48و53و57
وهنا يجدر بنا أن نلقي نظرة عامة على اعتراضاتهم, لنرى
من وراء ظلالها أنوار كلمات المسيح. لقد قدموا ستة اعتراضات: - (1) "إننا: لم
نستعبد لأحد قط" (عدد 33). (2) "أبونا هو ابراهيم" (عدد 39). (3) "إننا لم نولد من
زنا. لنا أب واحد وهو الله" (عدد 41). (4) "ألسنا نقول حسناً
وَالْحَقُّ يُحَرِّرُكُمْ».
إنك سامري وبك شيطان" (عدد 48)؟ (5) "ألعلك أعظم من أبينا الذي
مات" (عدد 53)؟ (6) ". . أفرأيت إبراهيم" (عدد 57)؟.
ولدى التأمل يتضح لنا انه في الثلاثة الاعتراضات
الأولى, دافعوا عن أنفسهم. وفي الثلاثة الأخيرة هاجموا المسيح.
في دفاعهم تحصنوا بـ: (1) حريتهم الزائفة (عدد 33).
(2) نسبهم الوراثي (عدد 39). (3) امتيازاتهم الدينية (عدد 41). وفي هجومهم طعنوه:
(1) شخصه (عدد 48). (2) سلطانه (عدد 53). (3) أزليته (عدد 57).
جواب المسيح 8: 34 -47و49-51و54- 56و58.
على هذه الاعتراضات والمهاجمات, أجاب المسيح بستة أجوبة سديدة,
نافذة بقوتها كستة سهام قوية : - بالثلاثة السهام الأولى دفع اعتراضاتهم على كلامه,
فحكم على أشخاصهم. بالثلاثة السهام الأخيرة, صد النبال التي صوبوها إلى شخصه.
أما حكمه على أشخاصهم, فهو حكم مثلث : (1) "إنهم ليسوا
أحراراً" (عدد 34-36), (2) "ليسوا أولاد ابراهيم" (عدد 37-42), (3) بل"أولاد ابليس"
(عدد 43-47).
وأما فيما يختص بشخصه فقد قرر لهم: (1)أنه "ابن الله"
(عدد 49-50). (2) إن كلامه يهب الحياة للموتى (عدد 51-53). (3) إنه كائن قبل أن
يكون ابراهيم (عدد 54-58).
33أَجَابُوهُ: «إِنَّنَا ذُرِّيَّةُ إِبْرَاهِيمَ وَلَمْ نُسْتَعْبَدْ لأَحَدٍ
قَطُّ. كَيْفَ تَقُولُ
عدد 23. اعتراضات اليهود – (أ) إعتراضهم الأول – إفتخارهم
بحريتهم الزائفة: "أجابوه أننا ذرية ابراهيم ولم نستعبد لأحد قط. . ". إن كلام
المسيح عن حرية الحق, وقع على نفوسهم وقعاً أليماً. فكان كمياه باردة. صبت على
أمالهم الوطنية "الغالية". فبدلاً من أن يتقدموا خطوة إلى الأمام في سبيل الإيمان
نكصوا على أعقابهم. وعوضاً عن أن يعترفوا بحقيقة حالهم, ركبوا منطاد الغرور,
وقالوا: "إننا ذرية ابراهيم". وبدلا من أن ينضعوا فيقبلوا هبة الحرية التي لوح بها
أمام عينهم, نراهم وقد تمردوا, واحتجوا فاستعاروا كلمة نيقوديموس قبل أن تنفتح
عيناه للنور, وقالوا: "كيف"!؟. إن اعتراضهم هذا مركب من ثلاثة عناصر: (أ) كبرياء:
"إننا ذرية ابراهيم". (ب) مكابرة: "لم نستعبد لأحد قط" – وما رأيهم في المصريين
الذين أذلوهم, والبابلين الذين سبوهم والرومان الذين كان "نسرهم" باسطاً جناحيه فوق
هيكلهم؟؟! هذا الضرب من ضروب خداع الخطية, فانها تعمي العين عن حقيقة الواقع, فتجعل
العبد يفخر بالسلاسل كأنها حلي وجلاجل؟ ألعلهم في قولهم هذا, تعلقوا بأهداب
النظريات المعسولة, وأغمضوا عيونهم عن الواقع؟ ولكن ما النفع من حرية الطفولة
ومرحها لمن يقضي رجولته في غياهب السجون؟ بل ما قيمة الأهرام التليدة لمصري يقضي
حاضره في كوخ متهدم؟ يعتقد هنجستنبرج أن اليهود إنما كانوا يفخرون هنا بحريتهم
الدينية, أي أنهم لم يستعبدوا قط لوثن. ويقول جودي أنهم قصدوا حريتهم كأفراد, على
اعتبار على أن الشريعة الموسوية, كفلت لهم حريتهم
أَنْتَ: إِنَّكُمْ تَصِيرُونَ أَحْرَاراً؟» 34أَجَابَهُمْ يَسُوعُ: «ﭐلْحَقَّ
الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ كُلَّ مَنْ يَعْمَلُ الْخَطِيَّةَ
الفريدة (لاويين ص 35). (ج) احتجاجا: "فكيف تقول أنت . . "؟ يلوح
لأن كلمة: "أنت" يحيط بها جو من التحقير والإزدراء.
عدد 34. جواب المسيح – الشطر الأول من جواب المسيح على
اعتراضهم الأول: "لستم أحرارا" (8: 34 - 36): "أجابهم يسوع الحق الحق أقول لكم . .
." أفتخر اليهود في اعتراضهم السابق لأمرين: بنوتهم لابراهيم وحريتهم. فنقض المسيح
من فخرهم من أساسه, مبتدئاً بهدم الأساس الثاني – حريتهم (عدد 34 - 36), ثم عقب
عليه بهدم الأساس الأول – بنوتهم (عدد 37 و 38). فضلاً عن كون هذا الجواب نافذاً
كالسهم, فهو أيضاً قاطع كالسيف, راسخ كالصخر, فاستهله بقوله: "الحق الحق" كعادته –
في هذه البشارة – كلما أراد أن يعلن حقاً جديداً, ممتازاً (انظر شرح 3: 3 و 5).
في الشطر الأول من جواب المسيح الذي هدم به ثقة اليهود
من حريتهم الموهومة, أعلن لهم: (أ) حقيقة حالهم (8: 34): "إن كل من يعمل الخطية هو
عبد الخطية". هذا مبدأ عام, لأنه يضم بين ذراعيه جميع الجنس البشري, وهو أيضا مبدأ
خاص لأنه ينطبق على الناس أفرادا لا جماعات: "كل منت". كلمة: "يعمل" تشير إلى حال
الخطية المولود فيها الإنسان, وإلى ارتكاب الخطية, وإلى العيش في الخطية. فهي تناول
الخطية من حيث كونها حالة طبيعية, وفعلاً, وعادة, وخلقاً. لأن من يزرع فكراً يحصد
هُوَ عَبْدٌ لِلْخَطِيَّةِ. 35وَﭐلْعَبْدُ لاَ يَبْقَى فِي الْبَيْتِ إِلَى
الأَبَدِ أَمَّا الاِبْنُ فَيَبْقَى إِلَى الأَبَدِ.
فعلاً, من يزرع فعلاً يحصد عادة, ومن يزرع عادة يحصد خلقاً, ومن
يزرع خلقاً يحصد مصيراً.
من أقوى تأثيرات الخطية على مرتكبها, أنها تستعبده.
لأن كل من يقع فيها المرء في الخطية, تسهل عليه العودة في ارتكابها, لأنها تضعف فيه
قوة المقاومة, وتستأثر عقله وتستبعد إرادته, "وتسيبه إلى ناموس الخطية والموت"
(رومية 7: 23). في بدء حياة الشر, ليسير الإنسان في منحدر متدرج. لأن هذا الانحدار
يصير فيما بعد عمودياً. فليست العبودية أو الحرية قضية سياسية, لكنها حالة روحية
نفسية.
عدد 35. (ب) غاية مآلهم (8: 35). (1) الجانب السلبي:
"والعبد لا يبقى في البيت إلى الأبد". بهذا الحكم نقد المسيح ادعائهم الكاذب لأنهم
"ذرية إبراهيم", وأهل بيت الله – فلن يستطيع الإنسان أن يكون عبداً للخطية وابناً
لله في آن واحد. وحاشى لله أن يكون أبناءه عبيداً لسواه إلى الآن, كان اليهود في
بين الله, لكن بحكم عبوديتهم, قد أمسوا غريبين عن "البيت", على رغم كونهم متمتعين
ببعض مزاياه الخارجية. فليست البنوة لإبراهيم أب المؤمنين, مسألة محلية جغرافية,
ولا هي قائمة بالتسلسل التاريخي, وإنما هي اختيار قلبي روحي: "منا خرجوا لكنهم لم
يكونوا منا لأنهم لو كانوا منا لبقوا معنا" (1 يو 2: 19). وليس للعبد أن يبقى في
البيت غلا على قدر الوقت الذي ينتفع به سيده منه. فمن الجائز أن يباع العبد في أي
وقت, أو
36فَإِنْ حَرَّرَكُمْ الاِبْنُ فَبِالْحَقِيقَةِ تَكُونُونَ
يطرد. وقد حدث هذا بالفعل في عائلة ابراهيم – فإن اسماعيل ابن
الجارية طرد, وتركز الوعد في اسحاق.
(2)الجانب الإيجابي "أما الابن فيبقى إلى الأبد".
الاشارة هنا إلى البنوة بوجه عام مقابل العبودة. وإنما من قبيل التطبيق تشير إلى
المسيح بالذات.
عدد 36. (ج) وعداً: "فإن حرركم الإبن فبالحقيقة تكونون
أحراراً". بعد أن أبان لهم المسيح حقيقة حالهم – إنهم عبيد (عدد 34), وغاية مآلهم:
الطرد من بيت الله (عدد 35), أراهم نوراً ساطعاً من الرجاء في شكل وعد يقين (عدد
36). كلمة: "الابن" في هذا العدد. تشير إلى المسيح ابن الله.
إذا ألقينا مجملة إلى هذه الثلاثة أعداد (عدد 34 و 35
و 36), ألفينا بينها تدرجاً فكرياً مزدوجاً - فمن العبودية بالخطية (عدد 34),
ينتقل الفكر إلى العبودية بالله (عدد 35) ومن البنوة العامة في عدد 35, ينتقل الفكر
إلى البنوة الخاصة لله – بنوة المسيح ابن الله الوحيد (3: 16). ولكونه هو الابن
الأوحد, قد آلت غليه كل حقوق البيت. فهو لا يتمتع بالحرية وكفى, لكنه يهيب الحرية
للعبيد ليسيرهم أبناء, لأنه صاحب الحرية وربها. لذلك يصبح تلاميذ المسيح أبناء الله
بواسطة الإيمان بابن الله الوحيد. (غل 3: 26) فالمسيح هو الابن الأصيل, لكن
المؤمنين به هم أبناء بالتبني. إن بنوة المسيح حق لكن بنوة المؤمنين هبة يمنحونا
إياها بتحريرهم من الخطية بواسطة المسيح. على أن هذا لا يمنع بنوة المؤمنين بنوة
حقيقية:
أَحْرَاراً. 37أَنَا عَالِمٌ أَنَّكُمْ ذُرِّيَّةُ إِبْرَاهِيمَ. لَكِنَّكُمْ
تَطْلُبُونَ أَنْ تَقْتُلُونِي
"فبالحقيقة" – في الروح, وفي الداخل, وفي عين الحقيقة والواقع,
على خلاف بنوة اسرائيل التي كانت سطحية وخارجية, وهمية. وردت كلمة: "بالحقيقة" في
الأصل, في هذا المكان وحده في بشارة يوحنا. إن خير مفسر لهذه الأعداد هو ما جاء في
غلاطية ص 3و4.
إن الابن الذي يحرر المؤمنين, هو الحق بعينه (عدد 32).
(انظر 14: 6 و1يو 5: 20).
إذا كانت الخطية بغرورها, وبطلها, واستعبادها, قد صيرت
الأبناء عبيدا وطردتهم من بيت أبيهم, فان المسيح, بحقه وحريته, يجعل العبيد
أحراراً, ويردهم إلى البيت الذي منه طردوا.
عدد 37. (2) الشطر الثاني من جواب المسيح على اعتراضهم
الأول: "لستم ذرية إبراهيم" (8: 37 - 42). بدأ المسيح حكمه هذا: (أ) بتسليمه معهم
بأنهم أولاد إبراهيم حسب الجسد "أنا عالم أنكم ذرية إبراهيم" – حسب السجل المدني
التاريخي. (ب) ثم أورد لهم حجة دامغة تفصم حلقات هذا التسلسل الجسداني, فبين لهم أن
ثمار حياتهم الأدبية, تدل على أنهم متفرعون روحياً من شجرة أخرى غير زيتونة إبراهيم
(مت ص3, ورومية ص9, وغلاطية ص3). فالقتل ليس من ثمار زيتونة إبراهيم الطيبة: "لكنكم
تطلبون أن تقتلوني". (ج) ثم تعمق في البحث فوصل إلى العلة الدفينة لهذا الموقف
الإجرامي الذي وقفوه تجاهه. فالعلة الحقيقية ليست فيه هو, بل فيهم
لأَنَّ كلاَمِي لاَ مَوْضِعَ لَهُ فِيكُمْ. 38أَنَا أَتَكَلَّمُ بِمَا رَأَيْتُ
عِنْدَ أَبِي وَأَنْتُمْ تَعْمَلُونَ مَا رَأَيْتُمْ
هم –في قلوبهم. فقد أوصدوها ضد كلامه: "لأن كلامي لا موضع له
فيكم". لأن الحقد, والتعصب الأعمى, والجهل المطبق – كل هذه قد خنقت كلام المسيح,
فلم يجد له متسعاً في قلوبهم, للنمو والإثمار. الكلمة المترجمة: "موضع" معناها
الحرفي. "تقدم أو سير إلى الأمام". فخي تستعمل في لغة الإغريق. عن السهم النافذ,
والنبت المزدهر, والمال المتكاثر, والماء المتدفق. فهي تفيد الحركة, والقوة,
والتقدم. إن كلام المسيح قد بلغهم وتركهم على ما هم عليه من تعصب وظلام (عدد 33)
لأنه اصطدم بقلوبهم المتحجرة فلم يجد له منفذاً إليها. فكان نصيبه نصيب البذار التي
وقعت على الأرض المحجرة.
عدد 38. مبدأ خالد: عن كل شخص مرتبط ارتباطاً وثيقاً
بأصل خفي, عنه يصدر كل كلامه وأعماله, وعن طبيعته ينم. وعلى هذا المبدأ قارن المسيح
بين كلامه وأعمالهم. فكلامه ينم عن أصله الروحي. كما أعمالهم تفصح حقيقة أصلهم:
"أنا أتكلم بما رأيت عند أبي. وأنتم تعلمون ما رأيتم عند أبيكم". هذه مقابلة
مزدوجة: (أ) "أنا أتكلم" – وكلامي روح وحياة. "أنتم تعملون – وعملكم ظلم وقتل".
(ب)"أنا . . . أبي" – هو الحي المحي "وكلامي روح وحياة". "أنتم . . . . .أبيكم" –
هو القاتل وأنتم تريدون أن تقتلوني. إن علة اختلاف المسيح عنهم, ناشئة عن اختلاف
أصله عن أصلهم. وما قاله المسيح هنا عن اليهود يصدق أبداً على كل البشر في كل عصر.
عِنْدَ أَبِيكُمْ». 39أَجَابُوا: «أَبُونَا هُوَ إِبْرَاهِيمُ». قَالَ لَهُمْ
يَسُوعُ: «لَوْ كُنْتُمْ أَوْلاَدَ إِبْرَاهِيمَ لَكُنْتُمْ تَعْمَلُونَ أَعْمَالَ
إِبْرَاهِيمَ! 40وَلَكِنَّكُمُ الآنَ
إذاً كان المسيح قد نسب إلى نفسه, "الكلام", وإلى اليهود,
"الأعمال" فما ذلك إلا لأنه كان حينئذ يشهد لهم عن حق الله, وعن الله الحق, في وقت
كانوا هم يدبرون فيه "كيف يقتلونه".
عدد 39(أ). (2) اعتراضهم الثاني: افتخارهم الوراثي
"نحن ذرية إبراهيم . ." جرحت كبرياء اليهود, إذ أحسوا من كلام المسيح, في العدد
السابق, بوخز يطعنهم في أعز ما يفخرون به, فقرروا له وكرروا ما سبقوا فقالوا في عدد
33, واضعين النبرة على كلمة:"إبراهيم", وكانوا قد وضعوا النبرة في عدد 33. على كلمة
"لم نستعبد". قبلاً كانوا يفخرون بحريتهم لما رأوه يتهمهم بالعبودية, والآن نراهم
يفخرون بكون إبراهيم أباً لهم حين سمعوه يطعنهم في شرف أصلهم وحسبهم.
عدد 39(ب) – 41(أ). جواب المسيح على اعتراضهم الثاني.
كان المسيح قد سلم معهم في عدد 37, بأنهم أولاد إبراهيم حسب التسلسل الجسدي, والآن
نراه ينكر عليهم تسلسلهم من إبراهيم بالروح والعمل. لآن فعلهم يدل على أصلهم: "لو
كنتم أولاد إبراهيم لكنتم تعملون أعمال إبراهيم"- مثل طاعة إبراهيم لله (تك ص
22و12), واحترامه لرسل الله, وبينهم ملاك العهد (تك ص 16و18). "ولكنكم الآن تطلبون
أن تقتلوني". فيمايلي من الكلام, وصف المسيح نفسه ثلاث أوصاف, متصاعدة في نظام
تَطْلُبُونَ أَنْ تَقْتُلُونِي وَأَنَا إِنْسَانٌ قَدْ كَلَّمَكُمْ بِالْحَقِّ
الَّذِي سَمِعَهُ مِنَ اللَّهِ. هَذَا لَمْ يَعْمَلْهُ إِبْرَاهِيمُ.
متدرج إلى الأعلى: (أ) "إنسان": إن المسيح إله كامل وإنسان كامل,
وإنما عبر عن نفسه بفوله : "وأنا إنسان", لكي يصف نفسه حال كونه فادياً ووسيطاً,
ولأن القتل لا ينصب على إله بل على "إنسان". على انه ليس مجرد إنسان بل هو (ب)
المتكلم بالحق – وهو الحق بالذات. وهو لم ينطق بحق ابتدعه من ذاته أو لذاته, إنما
جاء (ج) متكلماً "بالحق الذي سمعه من الله" (عدد 38). هذا الوصف المثلث يصف المسيح
عن عمله الفدائي كرسول ووسيط بين الله والناس. وبحسب هذا الوصف المثلث تكون خطية
اليهود مثلثة, ومستكملة. "هذا" –أي طلب قتل الرسول المتكلم بالحق من قبل الله – لم
يعمله إبراهيم" – بل عمل ما هو ضد ذلك على خط مستقيم: "وظهر له الرب عند بلوطات
ممراً . . فرفع عينيه وإذا ثلاثة رجال . . فلما نظر ركض لاستقبالهم وسجد" (تك 18:
1و2).
بعد أن نفي المسيح عنهم انتسابهم الروحي إلى إبراهيم,
نظراً لتناقض أعمالهم مع اعمال إبراهيم, أراد ان يدلهم على والدهم الحقيقي الذي
تربطهم وإياه طبيعة العمل المشترك: "أنتم تعملون" – الآن, بمحاولتكم أن تقتلوني –
"أعمال أبيكم". هنا وصف المسيح حقيقة حالهم التي نمت عنها طبيعة أعمالهم. وهو لم
يكن بقوله هذا, محرضاً إياهم على عمل مقضي به عليهم, بل كان مقرراً حقيقة الواقع
ليس إلا.
41أَنْتُمْ تَعْمَلُونَ أَعْمَالَ أَبِيكُمْ». فَقَالُوا لَهُ: «إِنَّنَا لَمْ
نُولَدْ مِنْ زِناً. لَنَا أَبٌ وَاحِدٌ وَهُوَ اللَّهُ». 42فَقَالَ لَهُمْ
يَسُوعُ:
عدد 41. (3)إعتراضهم الثالث: "فقالوا له إننا نولد من زنا, لنا أب واحد وهو
الله"(8: 41). يقع اعتراضهم هذا, في شطرين – أحدهما سلبي, استنكروا فيه الاتهام
الذي استنتجوه من كلام المسيح فقالوا بأنفة الغاضب: "لم نولد من زنا" ولعلهم أرادوا
بذلك أنهم من دم يهودي, لم يداخله عنصر أممي, فهم عبرانيون من عبرانيين (فيلبي 3:
5), لأن زواج اليهود من الأمميات كان محسوبا ضرباً من الزنى. وربما أرادو بهذه
الكلمة معنى روحياً أي أنهم مولودون من عنصر شريف, موال لله وحده, ولم يزن عن
عبادته (هوشع 2: 4), على خلاف السامريين.
والشطر الثاني من اعتراضهم, إيجابي: "لنا أب واحد وهو الله" وهنا نلاحظ
ارتقاء منهم على سلم العجرفة, فبعد أن تمسكوا ببنوتهم الجسدية لإبراهيم استطالوا
بأعناقهم وفاخروا ببنوتهم الروحية لله. فهم على هذا الاعتبار وليدو العهد الذي قطعه
الله مع شعبه إسرائيل.
|