الرئيسية|تفاسير|مقدمات ومعاجم|كنسيات|عقائد|الحياة المسيحية|العائلة|بدع وهرطقات|أسئلة وأجوبة| دروس | تحميل| ارتباطات

الصفحة الرئيسية : شرح وتفسير : تفسير إنجيل يوحنا : القبر الخالي

الأصحاح العشرون

القبر الخالي

المسيح ينتقل إلى المجد. والتلاميذ ينتقلون من العيان إلى الإيمان:

          في الأصحاح السابق, تركنا المسيح في ذلك القبر الجديد الذي لم يوضع به أحد من قبل, وتركنا تلاميذه في قبر من اليأس والأحزان. فما أشد الخوف الذي كان مستولياً على قلوبهم طوال يوم السبت, الذي أعقب يوم الصلب, بل ما أرهب السكون الذي خيم على قلوب رؤساء الكهنة بعد انقضاء تلك العاصفة الهوجاء التي أثاروها, فاختتمت بالصلب. ومن المحقق أنهم شعروا بدهشة مرهبة, ورهبة مدهشة, حينما ذهبوا إلى الهيكل في صباح سبتهم "المقدس", ورأوا "حجاب" الهيكل السميك, وقد "انشق من فوق إلى أسفل" (متى 27: 51). ولعل ذلك اليوم, كان أرهب الأيام عليهم, وأشقاها على التلاميذ, الذين قد تشتت شملهم بعد أن ضرب راعيهم, وهدم صرح آمالهم في "مسيا المنتظر", فقد كانوا هم أيضاً "يرجون أنه هو المزمع أن يفدي إسرائيل" (لوقا 24: 21).

          غير أن هذه المخاوف التي خيمت على قلوب التلاميذ منذ غروب شمس الجمعة, لم تكن سوى سحابة صيف, بددتها شمس صباح الأحد, فتبدلت أتراحهم أفراحاً, واستحالت مخاوفهم يقيناً, واهتزت قلوبهم بنشوة الظفر, عندما سرت بينهم هذه البشرى: "الرب قام بالحقيقة"! (لوقا 24: 33).

          كل قبر محفور في الأرض, يعتبر موقعة ظفر للموت ملك الأهوال, لكن قبر المسيح صار مدفناً للموت, ومقبرة لأعوان الشر, ومطلع حكمة, وكنز عزاء, ومنبت أنوار للمؤمنين. ولا عجب فهو القبر المثمر "في بستان".

          وإذا حق للإنسان أن يعجب من قيامة الموتى, فمن حقه أن يعجب إذا لم يكن المسيح قد قام. لأنه "كان ينبغي أن يقوم المسيح من الأموات" (20: 9). فالقيامة هي الختم الإلهي, الذي كان ينبغي أن تتوج به حياة هذا الكامل الأوحد. لأننا نحن البشر الفاسدين نولد في الأرض, وعوامل الفساد تعمل فينا. فكأن حياتنا منسوجة بخيوط العدم. لأنها في أتم مظاهرها موت بطيء. لكن المسيح "قدوس الله", قد جاء أرضنا, وعاش بيننا, ولم "يكن لرئيس العالم فيه شيء" – بشهادة الأعداء والأصدقاء – فكان من المحتم, أن الذي تنزه جسده عن فساد الحياة, لا يرى أيضاً فساد القبر.

          إن قيامة المسيح, هي طابع رضى الآب عن ذبيحة الكفارية التي قدمها على الصليب. لأن كل ذبيحة مقبولة لدى الله, كانت ترتفع إلى السماء على نسمات رضى الله. فكان من المحتم إذاً, أن يرتفع المسيح بجسده إلى السماء, علامة رضى الآب عن ذبيحته. ولاشك في أن الذي فاز برضى الآب عنه عند نهر المعمودية (لو 3: 23), وكسب مسرة الآب به على جبل التجلي (مت 17: 51), وظفر بتمجيد الآب له عند تل الجلجثة (يو 3: 28), يكون أيضاً حقيقاً برضى الآب عنه, بعد أن "أكمل" تدبير الفداء (يو 19: 30).

          إن قيامة المسيح, هي حصن إيماننا, وحجة قيامتنا العتيدة (1كو 15: 13 و14), وهي خير باعث لنا على السلوك في جدة الحياة (كو 3: 1 – 3). هي ختم بنوة المسيح الأزلية (رو 1: 4), وهي باب دخوله إلى المجد الذي كسبه لنفسه بآلامه وموته (في 2: 9 وعب 2: 9) وهي تاج عمل الفداء الذي قام به عنا, إذ "أسلم من أجل خطايانا وأقيم لأجل تبريرنا" (رو 4: 25).

          بعد أن أدخل جسد المسيح إلى القبر, وضع على باب القبر حجر كبير, ثم "مضى رؤساء الكهنة والفريسيون وضبطوا القبر بحراس من قبل بيلاطس. وختموا الحجر" (مت 27: 62 – 66). فكان القبر إذاً, في قبضة أعداء المسيح, الذين أفرغوا جعبتهم في ابتكار أبرع الوسائل لحبس هذا الجسد المقدس داخل القبر. وكأنهم عقدوا مؤامرة مع الموت لإبقاء "قدوس الله" في ظلمة القبر. وفي الوقت نسه, كان تلاميذ المسيح المساكين محاطين بجو تسوده عوامل ثلاثة: أولها – يأسهم من المستقبل المظلم الذي ينتظرهم, بعد أن وضع الحجر الكبير على قبر سيدهم. والعامل الثاني – خوفهم من حاضرهم, غذ صاروا محاطين باليهود الذين سطوا على الراعي, فلا يتورعون من أن يبسطوا أيديهم على الرعية أيضاً. والعامل الثالث – أسفهم على ماض تركوا فيه أشغالهم, وودعوا أهلهم وذويهم, ليتبعوا إنساناً صار القبر غاية مصيره, فلو لم يكن المسيح قد قام, لما قامت لتلاميذه قائمة. ولو لم يمتلئ تلاميذه بيقين القيامة في أنفسهم, لصار مهد الكنيسة لحدها.

          من أجل هذا, اهتم كل البشيرين بتسجيل حادثة قيامة الفادي. إلا أن كلاً منهم حدثنا عن الحوادث المتعلقة بالقيامة من وجهة نظره الخاصة. ولا يبرح عن بالنا, أن يوحنا كاتب هذه البشارة, لم يقصد أن يقدم لنا تاريخاً وافياً للحوادث التي وقعت بين قيامة المسيح وصعوده – فإن بشارته كتبت في وقت كانت فيه الكنيسة المسيحية ملمة غاية الإلمام بالحوادث المتعلقة بالقيامة – ولكنه اختار من جعبة اختباراته الخاصة, بعض الحوادث, كنماذج تحمل بين طياتها رمزاً معنوياً لحقائق روحية, أراد أن يجعلها نصب أعيننا. فجاءت روايته, بحكم طبيعتها, متممة ومؤيدة لروايات من سبقوه من البشيرين.

          وجدير بالذكر, أن ما كتبه يوحنا في الأصحاحين التاليين, عن الحوادث المتعلقة بالقيامة, يقابله ما كتبه في الأصحاحين السابقين عن حوادث الصلب. في حوادث الصلب, أرانا بغضة اليهود للمسيح, وقد هوت إلى حضيض البغضاء والانتقام والإجرام. وفي حوادث القيامة, أرانا محبة التلاميذ وقد ارتقت من مستوى العيان المنخفض إلى أوج الإيمان الراقي.

          فإذا كان ظل الموت منعكساً على الأصحاحين السابقين, فإن نور الحياة الجديدة يسطع في أرجاء الأصحاحين التاليين.

          ولقد اهتم أيضاً يوحنا البشير بتدوين حوادث معينة, انتقاها لتكون صوراً حية تمثل شخصيات بارزة, بكل وضوح وجلاء – كشخصية بطرس, ويوحنا نفسه, وتوما, ومريم المجدلية.

          فمن الحوادث التي تفرد يوحنا بذكرها: إعطاء المسيح تلاميذه سلطاناً لإعلان الحل والعقد (يو 20: 23), وظهور المسيح لتلاميذه وتوما معهم في الأحد الثاني للقيامة (20: 26). هذا فضلاً عن حوادث الأصحاح الختامي.

          ومما يسترعي الالتفات, في الحوادث التي دونها يوحنا: درجات الإيمان, الممثلة في الأشخاص الذين آمنوا بحقيقة القيامة: (1) فالتلميذ "الذي كان يسوع يحبه" آمن نتيجة ثلاث علامات تجلت له, من غير أن يرى المسيح بالذات (20: 8). (2) و"مريم المجدلية" آمنت بعد أن سمعت المسيح منادياً إياها باسمها (20: 14 – 16). (3) و"التلاميذ" آمنوا إذا رأوا جروح الرب (20: 20). (4) و"توما" آمن بعد أن عرض عليه المسيح أن يضع يده في جنبه كما طلب (20: 27). أما أرقى درجة في الإيمان, فقد جعلها المسيح من نصيبنا نحن الذين انتهت إلينا أواخر الدهور: "طوبى للذين آمنوا ولم يروا" (20: 29).

          ومع أنه من الصعوبة بمكان, أن نعين بالضبط, الوقت الذي وقعت فيه الحوادث المتعلقة بالقيامة, إلا أننا نستطيع أن نقدر وقتنا تقريباً, لبعض تلك الحوادث, استناداً إلى أوثق المصادر:

السبت الساعة 6 مساء

مريم المجدلية, ومريم أم يعقوب تعاينان القبر (ميت 28: 1).

حوالي 2/1 6 مساء

مريم المجدلية, ومريم أم يعقوب, وسالومة. تشترين حنوطاً (مر 16: 1).

الأحد باكراً جداً

القيامة, فالزلزلة, فنزول الملاك, وفتح القبر مت (28: 2 – 4).

الساعة 5 صباح الأحد

(وقت السحر)

مريم المجدلية, ومريم أم يعقوب, وسالومة. وبعض النساء, يذهبن إلى القبر, فتسبقهن مريم المجدلية, ثم ترجع تواً لتخبر بطرس ويوحنا بما رأت (يو 20: 1 – 10)

الساعة 2/1 5 صباحاً

رفيقات مريم يصلن إلى القبر (مر 16: 2) فيتراءى لهن الملاك, ويوصيهن برسالة إلى التلاميذ (مت 28: 5, ومر 16: 5).

قبيل 6 صباحاً

جماعة أخرى من النساء, يأتين إلى القبر    (لو 24: 1).

الساعة 6 صباحاً

ظهور ملاكين, لهذا الفريق الثاني من النساء, وإفضاؤهما إليهن بكلمات معزية (لو 24: 4).

الساعة 2/1 6 صباحاً

ذهاب بطرس ويوحنا إلى القبر, وظهور الملاكين لمريم المجدلية (يو 20: 3 – 13) وفي نحو هذا الوقت, ذهبت النساء ليبلغن التلاميذ خبر القيامة (لو 24: 10).

الساعة 7 صباحاً

المسيح يظهر نفسه لمريم المجدلية (يو 20: 14 – 18 ومر 16: 9), وبعد وقت قصير, يظهر ذاته لجماعة من النساء, كن راجعات إلى القبر, (مت 28: 9).

حوالي 4 بعد الظهر

ظهوره لبطرس (لو 24: 34 و1 كو 15: 5).

بين 4 و6 بعد الظهر

(على وجه التقريب)

الساعة 8 مساء

ظهوره لتلميذي عمواس (لو 24: 13 ومر 16: 12).

ظهوره لجماعة الرسل وآخرين (لو 24: 34 ومر 16: 14 ويو 20: 19).

 

          أما المرات التيِ ظهر فيها المسيح مدة الربعين يوماً التي توسطت بين قيامته وصعوده, فقد استطعنا أن نرتبها في الجدول الآتي – على قدر ما وصل إليه علمنا, بعد البحث والاستقراء:

 

ترتيب الظهور

الذين ظهر لهم

مكان الظهور

زمان الظهور

الكاتب الذي أنبأنا بالظهور

الأول

لمريم المجدلية

عند القبر

الساعة 7 صباحاً

يوحنا 20: 14 – 17

الثاني

للنساء وهن راجعات من القبر

في الطريق بين القبر وأورشليم

بعد الساعة 7 "بقليل"

مت 28: 8 و9

الثالث

لبطرس

في أورشليم

حوالي الساعة 4 بعد الظهر

لو 24: 34 وبولس في1 كو 15: 5

الرابع

لاثنين من غير الرسل

على طريق عمواس

بين الساعة4 و6 بعد الظهر

لو 24: 13 ومر 16: 12

الخامس

للرسل في غياب توما

في العلية في أورشليم

الساعة 8 مساء

لو 24: 36 ومر 16: 14 ويو 20: 19 وبولس في 1 كو 15: 5

السادس

للأحد رسولاً وتوما معهم

في العلية في أورشليم

بعد القيامة بثمانية أيام

يو 20: 26

السابع

لسبعة من الرسل

على شاطئ بحر طبرية

في شهر مايو

يو 21: 1 – 24 (مت 28: 16)

الثامن

للأحد عشر رسولاً ولـ 500 أخ.

على جبل في الجليل

في شهر مايو

من 28: 16 – 20 و1 كو 15: 6

التاسع

ليعقوب

في أورشليم (غالباً)

في شهر مايو

بولس في 1 كو 15: 7

العاشر

للأحد عشر رسولاً

في أورشليم

قبيل صعوده

لوقا في أ ع 1 3 – 8 و1 كو 15: 7

 

 

1ٍوَفِي أَوَّلِ الأُسْبُوعِ جَاءَتْ مَرْيَمُ الْمَجْدَلِيَّةُ إِلَى الْقَبْرِ بَاكِراً

          خامساً: القيامة (20: 1 – 3)

          هذا أصحاح الحياة الجديدة. فلا غرو إذا كان قلبه نابضاً بحياة الإيمان وإيمان الحياة: "فرأى وآمن" (20: 8). ينقسم هذا الفصل إلى ثلاثة أقسام: (1) العلامات الثلاث المثبتة لحقيقة القيامة (20: 1 – 10). (2) الظهور المثلث (20: 11 – 29). (3) غاية يوحنا من كتابة بشارته (20: 30 و31).

          (1) العلامات الثلاث المثبتة لحقيقة القيامة: أ – العلامة الأولى: القبر المفتوح (20: 1 و2) – هذه العلامة رأتها مريم وخبرت بها – ب – العلامة الثانية: القبر الخالي – أكفان ولا جسد (20: 3 – 6): هذه العلامة تحققها بطرس ويوحنا     – ج – العلامة الثالثة: المنديل الملفوف على حدة (20: 7 – 10). هذه العلامة وسابقتها كانتا سبباً في إيمان بطرس ويوحنا.

(أ) العلامة الأولى – القبر المفتوح (20: 1 و2)

عدد 1. (1) مريم المجدلية ترى القبر المفتوح: "في أول الأسبوع جاءت مريم المجدلية إلى القبر باكراً والظلام باق. فنظرت الحجر مرفوعاً عن القبر". ينتهي الأصحاح السابق ببدء آخر "سبت يهودي" في العهد القديم. ويستهل هذا بغرة أول "سبت مسيحي" في العهد الجديد. وما كاد يحل آخر سبت يهودي على العالم حتى كان ظلام البشرية على أشده. لأن جسد مخلص الأنام كان قد أودع في القبر ووضع على القبر حجر, ولكن ما كاد يبزغ فجر السبت المسيحي الأول, حتى كانت أنوار الفداء قد عمت الأرجاء

وَالظّلاَمُ بَاقٍ. فَنَظَرَتِ الْحَجَرَ مَرْفُوعاً عَنِ الْقَبْرِ. 2فَرَكَضَتْ وَجَاءَتْ إِلَى سِمْعَانَ بُطْرُسَ وَإِلَى التِّلْمِيذِ الآخَرِ الَّذِي كَانَ يَسُوعُ يُحِبُّهُ وَقَالَتْ

لأن "شمس البر" قام من قبره قبل أن تقوم شمس الطبيعة من خدرها فكان خليقاً بالذي بدد ظلمة القبر, أن يقوم والظلام مخيم على الأرض. من أجل ذلك لم يستطع أحد أن يرى "كيف" قام المسيح, ومع أننا نؤمن إيماناً وطيداً أن المسيح قام "حقاً". فديانته ليست ديانة "الكيف" بل ديانة "الحق".

          يستهل هذا الأصحاح بآية, تنبئنا بـ"الآية" الأولى المثبتة لحقيقة القيامة وهي – القبر المفتوح. ومن العجيب أن أول من شهد هذه "الآية", امرأة لم تكن في حياتها السابقة ذات مركز اجتماعي سام – مريم المجدلية([1]) التي يقول عنها لوقا إن الرب "أخرج منها سبعة شياطين" (لو 8: 2). فلا عجب إذا رأيناها مبكرة وذاهبة إلى القبر في مقدمة الجميع, لأنها كانت في مقدمة من غمرتها أفضال المسيح. فثقل الدين يقابله ثقل في المسئولية.

          عدد 2. (2) المجدلية تخبر بطرس ويوحنا بما رأت: "فركضت وجاءت إلى سمعان بطرس وإلى التلميذ الآخر الذي كان يسوع يحبه وقالت لهما أخذوا السيد من القبر ولسنا نعلم أين وضعوه". يستنتج من تكلم مريم بصيغة الجماعة: "لسنا نعلم أين وضعوه", أنها كانت تتكلم عن

لَهُمَا: «أَخَذُوا السَّيِّدَ مِنَ الْقَبْرِ

نفسها وهن النساء اللواتي ذهبن إلى القبر بزعامتها, ومعهن حنوط لتعطير جسد المسيح (مت 28: 21 ومر 16: 2 ولو 24: 10).

          ويستفاد مما كتبه البشيرون الأولون, أن مريم والنساء اللواتي كن معها, كن يقلن فيما بينهن, في طريقهن إلى القبر: من يدحرج لنا الحجر عن باب القبر؟ ولما وصلن إلى القبر وجدن الحجر قد تدحرج عنه, وإذ لم يعرفن شيئاً عن كل ما حدث اندهشن. وحالما دخلن القبر, ولم يجدن جسد الرب تحيرن جداً. أما مريم المجدلية فظنت أن جسد الرب قد سرق. ويفهم من قولها: "أخذوا السيد", أنها ربما ظنت أن اليهود قد سرقوا جسد الفادي, أو أن يوسف الرامي ونيقوديموس قد نقلا الجسد من القبر إلى مرقد آخر. فاختلجت في قلبها لوعة يمازجها الحزن والدهشة, فلم تتمالك نفسها من أن تترك القبر وسائر النساء هناك, وتهرول راكضة إلى بيت بطرس الذي لم يزل بعد محسوباً من زعماء الرسل – على رغم انتشار خبر إنكاره لسيده, وإلى بيت يوحنا "التلميذ الذي كان يسوع يحبه". وهو الذي ظل ملازماً سيده حتى آخر لحظة, "وقالت لهما أخذوا السيد من القبر ولسنا نعلم أين وضعوه"!

          حسن أن مريم وهي تتكلم عن "الجسد" الذي في القبر, قالت: "السيد". فهي إذاً كانت أحكم من نفسها وهي لا تدري, لأن الرب كان قد قام وقتئذ. فهو إذاً حي. غير أن مريم, وقعت في سلسلة أغلاط بسبب ضعفها البشري. فقد ذهبت إلى القبر لتعطر جسد يسوع الإنسان, وغاب عنها أن هذا الجسد قد ارتقى إلى العلاء, فتعطرت برائحته كل أجواء السماء.

وَلَسْنَا نَعْلَمُ أَيْنَ وَضَعُوهُ». 3فَخَرَجَ بُطْرُسُ وَالتِّلْمِيذُ الآخَرُ وَأَتَيَا إِلَى

جاءت إلى القبر علها ترى جسد المصلوب ممسكاً بسلاسل القبر وقد فاتها أن يد الظلام لا تقوى على ملامسة أهداب "نور العالم". جاءت لتقدم فروض ولائها لإنسان ذهب ضحية ظلم الناس. وقد نسيت أن من أوجب واجباتها أن تقدم عباداتها لهذا المخلص العجيب, الذي التقت فيه رحمة الله بعدالته. مسكينة هذه المجدلية إذ توهمت أن "السيد" أمسى جثماناً هامداً, يستطيع أعداؤه أن "يأخذوه", وقد سهى عليها, أن السيد هو العزيز المقتدر, رب الموت والحياة. ظنت مريم أن كل هذا حدث بفعل أيدي الناس, فتعذبت. مع أنها لو أدركت أن يد الرب, هي التي فعلت كل هذا, لتعزت. إننا في نفس الوقت مدينون لمريم المجدلية بجهلتها وغفلتها. فلو كانت مريم متوقعة قيمة الرب من الأموات, لوجد أمام المعترضين مجال متسع للقول: إن حادثة القيامة تكونت في فكر مريم, نتيجة وساوس, واختلاط عقلي في ذهنها.

          وهل من ريشة تستطيع أن ترسم لنا مبلغ تأثر مريم أم المخلص بهذا الخبر, حين بلغها وهي مقيمة مع يوحنا في بيته؟ (19: 27).

          (ب) العلامة الثانية: القبر الخالي. أكفان ولا جسد (20: 3 – 6)

          عدد 3 و4. (1) بطرس ويوحنا يذهبان إلى القبر مسرعين: سمع الرسولان هذا الخبر الغريب, فخرجا مسرعين إلى القبر. أما بطرس فكان – على ما نعهده فيه من الاندفاع – أسبق الاثنين إلى الانطلاق. وربما وصلت

الْقَبْرِ. 4وَكَانَ الاِثْنَانِ يَرْكُضَانِ مَعاً. فَسَبَقَ التِّلْمِيذُ الآخَرُ بُطْرُسَ وَجَاءَ أَوَّلاً إِلَى الْقَبْرِ 5وَﭐنْحَنَى فَنَظَرَ الأَكْفَانَ مَوْضُوعَةً وَلَكِنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ.

المجدلية إلى بيته قبل أن تصل إلى بيت يوحنا (عدد 2). أما يوحنا, فلكونه أصغر الاثنين سناً, فقد استطاع أن يلحق ببطرس "وكان الاثنان يركضان معاً". ومن ثم سبق يوحنا وبطرس وجاء أولاً إلى القبر. فالغيرة قد تكون أسبق من المحبة في بدء الطريق, لكن المحبة تسابق الغيرة وتسبقها في النهاية.

          عدد 5. (2) يوحنا ينحني على باب القبر, فيحقق العلامة الثانية: "وانحنى" – أي يوحنا. وعلة انحنائه أن باب القبر كان منخفض – "فنظر الأكفان موضوعة", فحقق ما قالته مريم أن "الجسد ليس في القبر". ولعله تعجب من أن الذين أخذوا الجسد, لم يأخذوا الأكفان أيضاً, اقتصاداً في الوقت والتعب. هذا إذا كان الذين أخذوا الجسد, من أعداء المسيح. أما إذا كانوا من أحبائه, فلا يعقل أنهم يأخذون الجسد ويتركون الأكفان. فمن المحقق إذاً, أن اليد التي رفعت الجسد من القبر, ليست يد إنسان – عدواً كان أم صديقاً. ما هذه إلا يد الله.

          وقد يلذ لنا أن نذكر أن الكلمتين: "انحنى ونظر", مترجمتان إلى العربية عن كلمة واحدة في اللغة الأصلية – وردت أيضاً في عدد 11 – وهي عين الكلمة التي بها وصف بطرس لرسول موقف الملائكة تجاه "أمور" الفداء: "تشتهي ...... أن تطلع عليها" (1 بط 1: 12). ولكون يوحنا متهيباً بطبيعته, لم يدخل القبر, وربما وقف واجماً لشدة حزنه على سيده.

6ثُمَّ جَاءَ سِمْعَانُ بُطْرُسُ يَتْبَعُهُ وَدَخَلَ الْقَبْرَ وَنَظَرَ الأَكْفَانَ مَوْضُوعَةً 7وَﭐلْمِنْدِيلَ الَّذِي كَانَ عَلَى رَأْسِهِ لَيْسَ مَوْضُوعاً مَعَ الأَكْفَانِ بَلْ مَلْفُوفاً فِي مَوْضِعٍ وَحْدَهُ. 8فَحِينَئِذٍ دَخَلَ أَيْضاً التِّلْمِيذُ الآخَرُ

          عدد 6. (3) سمعان بطرس يصل بعد يوحنا, ويدخل القبر, فيرى العلامة الثانية: "ثم جاء سمعان بطرس يتبعه" – لأنه كان أكبر من يوحنا سناً, ونظراً لكونه عملياً في محبته وجسوراً, لم يقف عند حد النظر إلى القبر, بل اندفع كعادته "ودخل القبر ونظر الأكفان موضوعة". الكلمة المترجمة "نظر", معناها الحرفي "نظر بإمعان وتدقيق", فأبصر ما لم يستطع أن يراه يوحنا في لمحته العاجلة.

          (ج) العلامة الثالثة: المنديل الملفوف على حدة (20: 7 – 10).

          عدد 7. (1) بطرس يرى هذه العلامة أولاً: "والمنديل الذي كان على رأسه ليس موضوعاً مع الأكفان بل ملفوفاً في موضع وحده". هذا مفاده أن المنديل كان ملفوفاً بكل عناية, وموضوعاً من غير عجلة, في مكان على حدة. وردت هذه الكلمة "منديل" مرة أخرى في هذه البشارة (11: 14).

          عدد 8. (2) يوحنا يقتدي ببطرس ويدخل القبر فيرى هذه العلامة: "فحينئذ دخل أيضاً التلميذ الآخر" – أي يوحنا البشير – "الذي جاء أولاً إلى القبر ورأى فآمن". ما أقوى تأثير الإنسان على غيره, وأشد تأثره من الآخرين! فقد كان لشجاعة بطرس وإقدامه في هذا الظرف الخاص, أجمل تأثير في يوحنا وهو لا يدري. فأمام شجاعة بطرس وإقدامه, اختفى تهيب

الَّذِي جَاءَ أَوَّلاً إِلَى الْقَبْرِ

يوحنا وإحجامه, لذلك يقول يوحنا – وهو خير من يحدثنا عن نفسه, وأن يكن آخر من يذكر لنا اسمه: "فحينئذ دخل أيضاً التلميذ الآخر الذي جاء أولاً إلى القبر". والظاهر أن يوحنا لم يستطع أن يرى المنديل الملفوف, وهو منحن على باب القبر (عدد 5), لأن المنديل كان موضوعاً في مكان داخلي, ولأن يوحنا كان قد ألقى لمحة عاجلة على محتويات القبر, فاته أن يرى ما رآه بعد أن دخل.

          (3) تأثير هذه العلامة في يوحنا: "ورأى فآمن". بأي شيء آمن يوحنا؟ أبمجرد الخبر المبهم المزعج, الذي أنبأته مريم المجدلية؟ كلا. لكنه آمن أن الرب قد قام, لأنه بعد أن رأى الأكفان موضوعة, والمنديل ملفوفاً بكل عناية, وموضوعاً على حدة, اقتنع, وآمن بأن المسيح قد قام. لأن في لف المنديل بهذه العناية, ووضعه على هذا النظام, دليلاً على أن اليد التي مدت إلى القبر, ليست لص سارق. لأن السارق بعد أن ينهب ما يريد بكل عجلة, يترك الباقي مبعثراً مشتتاً. هذه إذاً يد عزيز مقتدر يجري أعماله بتأن, ودقة, وعناية, ونظام. بل هذه يد المسيح نفسه إله القدرة والتأني, الذي في أيام جسده, كان ذاهباً ليقيم فتاة ميتة, فتمهل في طريقه, وبكل عناية شفى امرأة مريضة (لوقا 8: 41 – 55). بل هذه يد المسيح, إله الترتيب والنظام, الذي يهتم بعظائم المخلوقات, اهتمامه بأصاغرها. فهو يكسو البلوطة الضخمة, مهابة وجلالاً, ويقيض على البنفسجة الصغيرة بهاء وجمالاً.

وَرَأَى فَآمَنَ 9لأَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا بَعْدُ يَعْرِفُونَ الْكِتَابَ:

إن القول بأن يوحنا "آمن أن المسيح قام من الأموات", هو تعبير آخر للقول, بأن يوحنا آمن أن يسوع هو المسيح. وإذا ما أضفنا هذه الكلمة: "آمن", إلى درجات السلم التي ارتقى إليها إيمان التلاميذ في ما مر بنا من هذه البشارة (1" 38 و2: 11 و11: 15 و14: 11), اتضح لنا, أن هذه أرقى درجة بلغها إيمان يوحنا, في سجل بشارته.

          عدد 9. (4) علة تباطؤ إيمان الرسل – بما فيهم يوحنا. لم يقل يوحنا عن نفسه أنه "رأى وآمن", بنغمة الفخور المعجب بذاته, كأنه كان أسبق الرسل إلى هذا الإيمان الذي هو وليد العيان. كلا. وإنما قالها بروح التواضع, الذي يمازجه شيء من الخجل, لأنه لم يستطع أن يؤمن إلا بعد أن رأى. من أجل ذلك, نراه يدمج نفسه مع سائر الرسل, في الكلام عن تباطؤ إيمانهم: "لأنهم" – أي الرسل بما فيهم يوحنا – "لم يكونوا بعد" – أي إلى الآن – "يعرفون الكتاب أنه ينبغي أن يقوم من الأموات" فإذاً جهل الرسل بما في الكتب, هو علة تباطئهم في الإيمان بقيامة المسيح. ألا تحمل هذه الكلمات بين جنباتها, اعترافاً ضمنياً, بأن رسل المسيح كانوا أقل من اليهود انتباهاً لكلام السيد؟ لأن متى يخبرنا في بشارته: أن "رؤساء الكهنة والفريسيين اجتمعوا إلى بيلاطس قائلين: يا سيد قد تذكرنا أن ذلك المضل قال وهو حي إني بعد ثلاثة أيام أقوم" (متى 27: 62 و63). فكأن أعداء المسيح, كانوا أسرع من أحبائه إلى فهم كلامه. وما أكثر

أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَقُومَ

الأوقات التي يكون فيها "أبناء هذا الدهر, أحكم من أبناء النور في جيلهم (لو 16: 8)! أما "الكتاب" الذي يقول يوحنا, إنه هو وسائر الرسل "لم يعرفوه", فهو ما كتب عن المسيح في ناموس موسى, والأنبياء, والمزامير – سيما هذا السفر الأخير (مز 16: 10). (قابل هذا بما جاء في لوقا 24: 25 و44). من هذا نستنتج: (ا) أن حوادث كثيرة, تظل أمامنا كسفر مختوم, حتى يقيض عليها الزمان نوراً ساطعاً, فتلألأ أمامنا في ضوء الاختبار, وفي نور روح إرشاد المسيح (لوقا 24: 45). (ب) إن في قيامة المسيح مفتاحاً لأسرار الكتاب. وبغيرها يظل "الكتاب" سفراً مختوماً. (ج) لو لم يكن المسيح قد قام, لكان من المحتم أن يقوم. لأن قيامته ليست "فرض كفاية" بل هي "فرض عين": "ينبغي لأن يقوم من الأموات".

هذه مرة أخرى, قال فيها لبشير كلمة: "ينبغي" في عرض كلامه عن شخص المسيح. وقد يكون من المفيد لنا, أن نستعرض في لمحة موجزة, المواضع التي ارتبطت فيها هذه الكلمة الحتمية: "ينبغي" بحياة السيد.

          "ينبغي أن يرفع ابن الإنسان" (يوحنا 3: 14 و12: 34) – هذا فرض الفداء الاختياري. "ينبغي أن يذهب إلى أورشليم" (متى 16: 21) – هذا فرض الوصية التي قبلها المسيح من الآب. "فكيف تكمل الكتب أنه هكذا ينبغي أن يكون" (متى 26: 54, لوقا 9: 22, 24: 7, 26: 44) – هذا فرض المكتوب. "ينبغي أن أكون في ما لأبي" (لوقا 2: 49)

مِنَ الأَمْوَاتِ. 10فَمَضَى التِّلْمِيذَانِ أَيْضاً إِلَى مَوْضِعِهِمَا.

- هذا فرض شعور المسيح ببنوته الأزلية للآب. "ينبغي أن أمكث اليوم في بيتك" (لوقا 19: 5) – هذا فرض المحبة الغافرة المتنازلة. "ولي خراف أخر ..... ينبغي أن آتي بتلك أيضاً" (يو 10: 16) – هذا فرض النصرة النهائية, التي ستبلغها كنيسة المسيح عند كمالها. "ينبغي أن أعمل أعمال الذي أرسلني ما دام نهار" (يو 9: 4) – هذا فرض المهمة المعجلة التي تقلدها المسيح من الآب. "أن ابن الإنسان ينبغي أن يتألم كثيراً" (مرقس 8: 31) – هذا فرض المحبة الإلهية الفدائية. "ينبغي أن يسلم ابن الإنسان في أيدي أناس خطاة" (لوقا 24: 7) – هذا فرض الخيانة البشرية.

عدد 10. (5) رجوع بطرس ويوحنا إلى موضعهما: "فمضى التلميذان أيضاً إلى موضعهما". مضى كل من التلميذين إلى محل إقامته في أورشليم, بعد أن شرفتهما العناية برؤية ذلك القبر الخالي. أما يوحنا فسار في طريقه والإيمان يملأ قلبه. وأما بطرس, فمضى في سبيله, متفكراً في العلامات التي عاينها بنفسه في القبر. وفي الغالب, لم يبلغ درجة الإيمان اليقيني بالقيامة, إلا بعد أن افتقده الرب برحمته, وظهر له بنفسه, حوالي الساعة الرابعة بعد ظهر اليوم عينه (لو 24: 34 و1 كو 15: 5).

ومع أننا لا ندري شيئاً عن الحديث الذي دار بين بطرس وسيده في هذه المقابلة, إلا أنه من السهل علينا أن نتصور, أن إنكار بطرس لسيده لم يكن خارجاً عن موضوع حديثهما في هذه المرة, التي هي أول مرة التقيا فيها بعد تلك النظرة الفاحصة المذيبة (لوقا 22: 62).

11أَمَّا مَرْيَمُ فَكَانَتْ وَاقِفَةً عِنْدَ الْقَبْرِ خَارِجاً تَبْكِي. وَفِيمَا هِيَ تَبْكِي انْحَنَتْ إِلَى الْقَبْرِ 12فَنَظَرَتْ ملاَكَيْنِ بِثِيَابٍ بِيضٍ جَالِسَيْنِ

          (2) الظهور المثلث (20: 11 – 29).

          ينبئنا هذا الفصل, بثلاث مرات أظهر فيها المسيح ذاته: - أ – لمريم المجدلية (20: 11 – 18) – ب – لتلاميذه في غياب توما عنهم (20: 19 – 25) – ج – لتلاميذه وتوما معهم (20: 26 – 29).

- أ – ظهور المسيح لمريم المجدلية (20: 11 – 18).

(1) مريم متحيرة باكية: (20: 11 – 13).

عدد 11. – أ – حزن مريم المجدلية وولاؤها: "أما مريم فكانت واقفة عند القبر تبكي". بعد أن أتمت مريم مأموريتها التي قامت بها خير قيام, بإبلاغها خبر القبر الخالي إلى بطرس ويوحنا, عادت إلى القبر من طريق غير الطريق الذي رجع منه بطرس ويوحنا. ومن شدة ولائها لسيدها ظلت واقفة عند القبر تبكي. لكن عين المحبة المخلصة المتألمة, الطهورة, لا تكتفي بذرف الدموع, بل تريد دائماً أن تتطلع, علها ترى من خلال الدموع, ما يعيد إليها اطمئنانها, ويرد لها ما غاب عنها, ومن فقدت: "وفيما هي تبكي انحنت إلى القبر".

عدد 12. – ب – مريم ترى ملاكين حيث كان جسد يسوع موضوعاً "فنظرت ملاكين بثياب بيض جالسين, واحداً عند الرأس, والآخر عند الرجلين, حيث كان جسد يسوع موضوعاً". ما أبهى هذا المنظر

وَاحِداً عِنْدَ الرَّأْسِ وَالآخَرَ عِنْدَ الرِّجْلَيْنِ حَيْثُ كَانَ جَسَدُ يَسُوعَ مَوْضُوعاً. 13فَقَالاَ لَهَا: «يَا امْرَأَةُ لِمَاذَا تَبْكِينَ؟» قَالَتْ لَهُمَا: «إِنَّهُمْ أَخَذُوا

العجيب, الذي رأته مريم! إنه شبيه بمنظر الكروبين اللذين كانا"مظللين الغطاء حيث حل مجد رب الجنود قديماً" (خر 25: 22, 1 صم 4: 4, 2 صم 6: 2, مز 80: 1, 109: 1). ولكن على رغم ما في هذا المنظر من جمال وبهاء, فإن مريم لم ترض به بديلاً عن سيدها. ومن العجيب, أنها لم تستغرب رؤية الملاكين, ولم تخف منهما. لأن حزنها العميق وانشغالها الشديد بالعثور على جسد سيدها, ملكاً عليها كل مشاعرها, فتغافلت عن كل شيء عداه.

          إن قول يوحنا, بأن ملاكين ظهرا لمريم, لا يتنافى ورواية متى, بأن ملاكاً واحداً ظهر لسواها من النساء (متى 28: 5). لأن ذلك الملاك الواحد ظهر للنساء, في الفترة التي تركتهن فيها مريم وانطلقت لتخبر الرسولين بما رأت. وأما الملاكين فقد ظهرا لمريم بعد انصراف سائر النساء.

          عدد 13 – ج – سؤال الملاكين وجواب مريم: "فقالا لها يا امرأة لماذا تبكين"؟ قد أوضحنا معنى كلمة "امرأة" – كما وردت في الأصل – في 2: 4, فاطلبها هناك. "قالت لهما إنهم أخذوا سيدي ولست أعلم أين وضعوه". مع أن جواب مريم عن سؤال الملاكين, يتفق في جوهره وقولها الذي خبرت به بطرس ويوحنا (عدد 2), إلا أنهما يختلفان في كلمتين: أولاهما – أنها في كلامها مع بطرس ويوحنا, قالت "السيد" بصيغة التعميم. ولكن في جوابها للملاكين قالت "سيدي" – بصيغة التخصيص. وثانيهما:

سَيِّدِي وَلَسْتُ أَعْلَمُ أَيْنَ وَضَعُوهُ». 14وَلَمَّا قَالَتْ هَذَا الْتَفَتَتْ إِلَى الْوَرَاءِ فَنَظَرَتْ يَسُوعَ وَاقِفاً

أنها في حديثها مع الرسولين تكلمت بصيغة الجماعة: "نعلم". ولكنها في كلامها مع الملاكين, تكلمت بصيغة المفرد: "أعلم". فكأنها في كلامها الأخير, عبرت عن خسارتها الشخصية وحيرتها الفردية, اللتين أصابتاها, بفقدانها جسد سيدها.

          (2) مريم غافلة (20: 14 و15).

          عدد 14 – أ – مريم ترى يسوع ولا تميزه: ما كادت مريم تفرغ من إجابتها الملاكين عن سؤالهما, حتى حانت منها التفاتة إلى الوراء. ولعلها لم ترغب في مواصلة الحديث مع الملاكين, لأنها لم تر في نغمة كلامهما بارقة أمل بإزالة سبب حيرتها. أو ربما لأنها أحست بطريقة ما, أن شخصاً آخر قد حضر. أو كما يقول يوحنا الذهبي الفم: إنها لمحت على وجهي الملاكين إمارات جديدة – ولعلها إمارات تهيب وإعجاب, مما دلها على أنهما يرحبان بقدوم شخص عجيب! " فنظرت يسوع واقفاً ولم تعلم أنه يسوع". ولكم من المرات يتراءى لنا يسوع في سبيل حياتنا اليومية, ونحن عن قدومه غافلون! فقد يتراءى لنا في صورة فقير بائس ينتظر عوناً, أو في شكل ضيف يجلس على موائدنا ينتظر سخاءنا, أو في هيئة جليس يستمع لأحاديثنا.

          يعزى جهل مريم بحقيقة يسوع إلى: (1) عدم توقعها أن تراه. (2) التغير الذي طرأ على جسده بعد القيامة. لأن جسده القدوس, استمر إلى ساعة موته خاضعاً لنواميس طبيعتنا البشرية المحدودة. لكنه بعد القيامة كان

وَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّهُ يَسُوعُ. 15قَالَ لَهَا يَسُوعُ: «يَا امْرَأَةُ لِمَاذَا تَبْكِينَ؟ مَنْ تَطْلُبِينَ؟» فَظَنَّتْ تِلْكَ أَنَّهُ الْبُسْتَانِيُّ فَقَالَتْ لَهُ: «يَا سَيِّدُ إِنْ كُنْتَ أَنْتَ

يدخل, ويخرج, ويظهر, ويغيب, على أسلوب خفي لا يستقصى (20: 19). (3) ربما لأن عيني مريم أمسكتا عن معرفة شخص المسيح, مثلما أمسكت أعين تلميذي عمواس عن مرأى سناه (لوقا 24: 16).

          عدد 15 – ب – سؤال المسيح وجواب مريم: ".... يا امرأة لماذا تبكين؟ من تطلبين؟". هذه هي أولى الكلمات التي نسمعها من المسيح بعد قيامته.

          سؤالان عجيبان – أولهما ممهد لثانيهما, وثانيهما مؤيد ومفسر لأولهما. "لماذا تبكين؟ من تطلبين؟" بهذه الكلمات, سأل المسيح مريم عن علة بكائها, وسبب عذابها, الذي هو أيضاً مصدر عزائها: "لماذا تبكين؟ من تطلبين؟" – وهل تخلو هذه الكلمات من تنبيه ضمني من المسيح لمريم, على خطأها ببكائها؟ فكأني به يقول لها: "أخطأت بطلبك الحي بين الأموات"!

          أما مريم, فظنت أن الذي يكلمها هو "البستاني". لأن قبر المسيح كان في بستان فكان من الطبيعي, أن تتوقع مريم وجود البستاني هناك. فقالت له "يا سيد إن كنت أنت" – أنت لأي واحد من الأعداء – قد حملته, فقل لي أين وضعته وأنا آخذه". من العجيب, أن مريم في حزنها لم تحسب حساباً لضعف قوتها, فتوهمت أن في إمكانها – وهي امرأة ضعيفة – أن ترفع جثة من موضعها. لكنها, في كل كلامها – سواء مع بطرس ويوحنا, أو مع الملاكين, أو مع يسوع الذي ظننته البستاني – كانت تتكلم عن المسيح

قَدْ حَمَلْتَهُ فَقُلْ لِي أَيْنَ وَضَعْتَهُ وَأَنَا آخُذُهُ». 16قَالَ لَهَا يَسُوعُ: «يَا مَرْيَمُ!» فَالْتَفَتَتْ تِلْكَ وَقَالَتْ لَهُ:

كأنه شخص حي, ماثل أمامها. فلم تقل مرة واحدة: "جسد", ولا "جثة", بل قالت: "السيد" (عدد 2) و"سيدي" (عدد 13). ولكون المسيح حاضراً في ذهنها هي, ظنت أنه حاضر أيضاً في ذهن غيرها, فقالت عنه في عدد 15, "حملته" ... "وضعته" ... آخذه", من غير أن تذكر اسمه بالذات.

          عدد 16. (3) مريم مؤمنة: "قال لها يسوع يا مريم"! إن مخاطبة المسيح إياها في العدد السابق بالقول: "يا امرأة" لم يقابل منها بأي اهتمام, لأن الملاكين سبقا فخاطباها بنفس هذه الكلمة (عدد 13) فلم تر فيها شيئاً جديداً. لكنها عندما سمعت هذا الشخص العجيب يناديها باسمها, تأكدت أنه هو راعيها الصالح, الذي يناديها باسمها الخاص.

          ومن أسباب عزائنا, أن نذكر أن راعينا الصالح, هو أيضاً طبيبنا الحكيم, فهو لا يسلط نوره دفعة واحدة على العيون المغمورة بظلال الفجر, بل يقدم لها النور تدريجياً. في بادئ الأمر خاطب المسيح المجدلية بقوله لها: "يا امرأة", وعندما وجدها على استعداد لقبول مزيد من النور, قال لها: "يا مريم". وربما لو ابتدرها بالقول: "يا مريم" لصعقت من شدة الفرح وفرط العجب. وكأن مريم كانت ضالة في برية أحزانها, تائهة عن حقيقة ذاتها, غافلة عن شخصية راعيها, فلما سمعت الراعي الصالح يناديها باسمها, ردت نفسها إليها, وإلى راعيها. عندئذ "التفتت" – كأنها كانت

«رَبُّونِي» الَّذِي تَفْسِيرُهُ يَا مُعَلِّمُ. 17قَالَ لَهَا يَسُوعُ: «لاَ تَلْمِسِينِي لأَنِّي لَمْ

إلى الآن مطرقة بوجهها إلى الأرض حياء, وهي تخاطبه, أو ربما كانت ناظرة هنا وهنالك, من فرط حيرتها, ولعلها كانت قد اتجهت ببصرها مرة أخرى إلى القبر (عدد 14) وهنا استجمعت كل ما عندها من قوة الرجاء, واليقين, والإعجاب, والتعبد, وارتمت عند قدميه محاولة أن تمسك بهما, أو بهدب ثوبه (قابل هذا بما جاء في متى 28: 9 و10), وعبرت عن شعورها بكلمة واحدة, لفظتها بلغتها العبرية: "ربوني"! الذي تفسيره "يا معلم". إن كلمة "ربوني" أقوى وأرفع من كلمتي "راب" و"رباي". ومعناها "المعلم الأعظم". وقد قالتها مريم معبرة بها عن يقين معرفتها بشخص المسيح, وعظم ابتهاجاً برؤيته حياً مقاماً, وشدة تكريمها له بعد قيامته من الأموات.

          (4) مريم مبشرة: (20: 17 و18)

          عدد 17. (1) مريم تتسلم البشرى: "قال لها يسوع لا تلمسني لأني لم أصعد بعد إلى أبي. ولكن اذهبي إلى أخوتي وقولي لهم: إني أصعد إلى أبي وأبيكم وإلهي وإلهكم". تتضمن هذه الكلمة: تنبيهاً لمريم عن خطأها, وعلة هذا التنبيه: "لا تلمسيني لأني ....". الكلمة المترجمة, "تلمسيني", معناها الحرفي: "لا تمسكيني وتتعلقي بي". ولو كانت هذه لمسة من يريد أن يتحقق أن للمسيح جسداً حقيقياً بعد القيامة "لسمح لها المسيح بها, ودعاها إليه, لأنه واضح من لوقا 24: 38, أن المسيح لم يكتف بأن سمح للتلاميذ بأن يلمسوه, بل دعاهم وأمرهم أن "يجسوه", في نفس هذا اليوم.

أَصْعَدْ بَعْدُ إِلَى أَبِي. وَلَكِنِ اذْهَبِي إِلَى أخوتي

وظاهر أيضاً من يوحنا 20: 27, أن المسيح قال لتوما, بعد أسبوع من هذا التاريخ: "هات يدك وضعها في جنبي". ولكن هذه لمسة من ظنت أن صلة المسيح بتلاميذه بعد قيامته, ستعود مثلما كانت قبل القيامة, عن طريق الحواس الطبيعية, كالنظر واللمس والسمع. من أجل ذلك نبهها المسيح إلى أن مدة معاشرته الجسدية لتلاميذه وأتباعه, قد انقضت, وأن لا سبيل إلى شركتهم معه بعد القيامة, إلا عن طريق روحه الأقدس (14: 18 و19 و20 و16: 20 – 28). وبما أن الروح القدس, لم يكن قد أعطى بعد, لأن يسوع لم يكن قد مجد بعد (7: 39), لذلك أفهمها الفادي, أن موعد هذه الشركة الروحية لم يأت بعد. إذ قال لها: "لأني لم أصعد بعد ...". فقبل القيامة, كان المسيح عائشاً بالجسد مع تلاميذه, ولكن بعد الصعود, عاش فيهم بروحه. هذا يوافقه قول الرسول: "وإن كنا قد عرفنا المسيح حسب الجسد, لكن الآن لا نعرفه أيضاً" (2 كو 5: 16)

(2) مهمة معجلة: "ولكن اذهبي إلى أخوتي ...". كأنه أراد أن يقول لها: "بدلاً من أن تصرفي وقتك وجهودك في ما لا طائل تحته, لأن أوانه لم يأت بعد, "اذهبي إلى أخوتي ...". هذه مهمة جليلة, أبان فيها السيد:

(ا) الشرف الممتاز الذي وهبه السيد لمريم المجدلية, بأن جعلها "رسولة" الرسل: "اذهبي ...". ألا نلاحظ أن المسيح, إذ أوصى مريم بهذه الوصية, متعها بأعظم مما كانت تطلب أو تتمنى؟ تمنت هي أن تمسك

وَقُولِي لَهُمْ: إِنِّي أَصْعَدُ إِلَى أَبِي وَأَبِيكُمْ وَإِلَهِي وَإِلَهِكُمْ».

قدميه, شرفها هو بأن جعلها تبلغ أول رسالة عن قيامته المجيدة. وهل من فرصة يتمتع فيها الإنسان بمعاشرة المسيح, نظير المجال الذي يظفر به من يكون خادماً له: "حيث أكون هناك أيضاً يكون خادمي"؟

          (ب) أخوة التلاميذ للمسيح: "إلى أخوتي". قبلاً سماهم "عبيداً", ودعاهم "أحباء", وكأنه رأى أن هذين اللقبين غير كافيين, فجاد عليهم بلقب جديد ممتاز: "أخوة" – دلالة على متانة الاتحاد الروحي الكائن بينه وبينهم.

          (ج) امتياز بنوة المسيح بنوة التلاميذ: "وقولي لهم: إني أصعد". لم يقل المسيح في رسالته لمريم: "قولي لأخوتي إني قمت", بل "إني أصعد". وكأن القيامة كانت عربون الصعود, أو هي الخطوة التمهيدية التي تكملت بالصعود. هذا دليل على أن الصعود عمليته تمت تدريجياً في خطوات متتابعة, فكانت القيامة أولى هذه الخطوات. وكان انطلاق المسيح إلى السماء خاتمة هذه الخطوات. ومن الأمور التي تستدعي دقة الملاحظة, أن المسيح لم يشرك التلاميذ معه في صلته بالآب, بل جعل بنوته للآب, متميزة وممتازة عن بنوتهم هم, فقال: "إلى أبي وأبيكم", لا "إلى أبينا". لأن بنوته للآب, تمتاز عن بنوة المؤمنين: في النوع, والرتبة, والطبيعة. فالمسيح هو الابن, بحق طبيعي, لكن التلاميذ وسائر المؤمنين هم أبناء بالتبني.

          قال المسيح: "إلهي", باعتبار كونه "ابن الإنسان المتجسد" لأجل خلاص البشر – حتى في هذه النسبة أيضاً يمتاز الفادي عن البشر.

18فَجَاءَتْ مَرْيَمُ الْمَجْدَلِيَّةُ وَأَخْبَرَتِ التّلاَمِيذَ أَنَّهَا رَأَتِ الرَّبَّ وَأَنَّهُ قَالَ لَهَا هَذَا. 19وَلَمَّا كَانَتْ

          عدد 18. (ب) مريم تبلغ البشرى إلى التلاميذ: "فجاءت مريم المجدلية وأخبرت التلاميذ أنها رأت الرب وأنه قال لها هذا". هذه أول بشرى في تاريخ كنيسة العهد الجديد, بل هذه هي البشارة الدائمة التي ينبغي أن ينادي بها كل فرد, بناء على اختباره الخاص: "رأيت الرب".

          إن قول البشير: "فجاءت مريم وأخبرت" – كما ورد في الأصل – يفيد أن مريم حالما رجعت من القبر, بدأت تلهج بخبر القيامة. وهكذا يكافئ الرب منتظريه. فقد بقيت مريم عند الصليب, وبكرت عند القبر, فتمتعت ببركة الوعد القائل: "الذين يبكرون إلي يجدونني".

          إن في هذا برهاناً ضمنياً على صدق البشيرين, وإلا لقالوا إن أول من رأى الرب, هو بطرس "الصخرة", أو مريم العذراء "أم المخلص", لا مريم المجدلية "التي أخرج منها الرب سبعة شياطين".

- ب – ظهور المسيح للتلاميذ في غياب توما (20: 19 – 23).

في هذه المرة عالج المسيح خوف تلاميذه, مثلما كافأ في ظهوره السابق إيمان مريم (20: 11 – 18). في تلك المرة ظهر المسيح لتلاميذه في الصباح. وفي هذه المرة, في المساء. الظهور السابق كان لفرد. وهذا, لجماعة, ذلك الظهور كان في الخلاء عند القبر, وهذا في المدينة أورشليم, وفي غرفة خاصة.

عَشِيَّةُ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَهُوَ أَوَّلُ الأُسْبُوعِ وَكَانَتِ الأَبْوَابُ مُغَلَّقَةً حَيْثُ كَانَ التّلاَمِيذُ مُجْتَمِعِينَ لِسَبَبِ الْخَوْفِ مِنَ الْيَهُودِ

ينقسم هذا الفصل إلى قسمين: (1) خوف التلاميذ (20: 19 (أ)),          (2) ظهور المسيح المقام وعطاياه لتلاميذه (20: 19 (ب) – 23).

          عدد 19 (أ). (1) خوف التلاميذ: "ولما كانت عشية ذلك اليوم" – وهو أول الأسبوع – "وكانت البواب مغلقة, حيث كان التلاميذ مجتمعين لسبب الخوف من اليهود". يضع البشير أهمية خاصة على "ذلك اليوم" لأنه صار يوم الرجاء للرس