|
اَلْمَزْمُورُ الثَّامِنُ وَالثَّلَاثُونَ -
الانكسار أمام الرب
1يَا رَبُّ لَا تُوَبِّخْنِي
بِسَخَطِكَ، وَلَا تُؤَدِّبْنِي بِغَيْظِكَ،
2لِأَنَّ سِهَامَكَ قَدِ انْتَشَبَتْ فِيَّ،
وَنَزَلَتْ عَلَيَّ يَدُكَ. 3لَيْسَتْ فِي جَسَدِي
صِحَّةٌ مِنْ جِهَةِ غَضَبِكَ. لَيْسَتْ فِي
عِظَامِي سَلَامَةٌ مِنْ جِهَةِ خَطِيَّتِي.
4لِأَنَّ آثَامِي قَدْ طَمَتْ فَوْقَ رَأْسِي.
كَحِمْلٍ ثَقِيلٍ أَثْقَلَ مِمَّا أَحْتَمِلُ.
5قَدْ أَنْتَنَتْ، قَاحَتْ حُبُرُ ضَرْبِي مِنْ
جِهَةِ حَمَاقَتِي. 6لَوِيتُ. انْحَنَيْتُ إِلَى
الْغَايَةِ. الْيَوْمَ كُلَّهُ ذَهَبْتُ حَزِيناً.
7لِأَنَّ خَاصِرَتَيَّ قَدِ امْتَلَأَتَا
احْتِرَاقاً، وَلَيْسَتْ فِي جَسَدِي صِحَّةٌ.
8خَدِرْتُ وَانْسَحَقْتُ إِلَى الْغَايَةِ. كُنْتُ
أَئِنُّ مِنْ زَفِيرِ قَلْبِي.
هذا المزمور هو حلقة من سلسلة مزامير
التوبة، وعنوانه »للتذكير«. وبمراجعتنا ما جاء في
صموئيل الثاني، الأصحاح الحادي عشر والثاني عشر
ندرك أن داود كتب هذه السلسلة بعد خطيته المعروفة
ضد أوريا الحثي. وفيها يظهر حزنه الشديد على خطيته،
مما أفقده الراحة.
(1) يتذكر داود الراحة التي كانت له
في الرب، فيبكي من أجل خطاياه، التي أفقدته بهجة
الخلاص، وبالتالي ذهبت براحته. فيسأل الله العفو،
لكي لا يوبخه بالغضب، ولا يؤدبه بالغيظ. بمعنى أنه
لم يرفض التأديب الذي هو من افتقاد المحبة. ولكنه
يتوسل إلى إلهه لكيلا يعاقبه بالغضب.
يعتقد الكثيرون من الناس بأن التأديب،
هو نتيجة لغضب الله على الإنسان بسبب خطاياه. ولكن
كلمة الله في أمثال 3:11 و12 تكشف لنا أن التأديب
هو دليل المحبة إذ يقول: »يَا ابْنِي، لَا
تَحْتَقِرْ تَأْدِيبَ الرَّبِّ وَلَا تَكْرَهْ
تَوْبِيخَهُ، لِأَنَّ الَّذِي يُحِبُّهُ الرَّبُّ
يُؤَدِّبُهُ، وَكَأَبٍ بِابْنٍ يُسَرُّ بِهِ«
ويعلمنا كاتب الرسالة إلى العبرانيين أن قصد الله
من التأديب هو المنفعة لكي نشترك في قداسته.
ولعل كاتب الرسالة أراد أن ينزع من
فكر الناس الفكرة الخاطئة التي تزعم أن الذين
يحبهم الله، يحبوهم نجاحاً في الخيرات الزمنية.
لذلك يقول للمؤمنين إن كنا نخلو من الآلام التي
يسمح الله بها لأجل تدريبنا، فإن بنوتنا له تكون
محل ريبة، بدليل قوله: »إِنْ كُنْتُمْ
تَحْتَمِلُونَ التَّأْدِيبَ يُعَامِلُكُمُ اللّهُ
كَالْبَنِينَ. فَأَيُّ ابْنٍ لَا يُؤَدِّبُهُ
أَبُوهُ؟ وَلكِنْ إِنْ كُنْتُمْ بِلَا تَأْدِيبٍ،
قَدْ صَارَ الْجَمِيعُ شُرَكَاءَ فِيهِ،
فَأَنْتُمْ نُغُولٌ لَا بَنُونَ« (الرسالة إلى
العبرانيين 12:7 و8).
(2) لقد تصور النبي إمارات غضب الله
وكأنها سهام مسنونة، تنزل على المغضوب عليهم،
فارتجف قلبه إذ ظن أن يد العدل الإلهي سيطلقها
الله عليه. وليس في استطاعته أن ينجو من تلك
السهام، التي ستنشب به.
صحيح أن في يد الله سهام يطلقها إلى
القلب مباشرة، ولكن تلك سهام التبكيت عل خطية
اقترفناها ضد الله، وعلى بر لم نثبت فيه باستمرار،
وعلى دينونة قادمة، حين سنظهر جميعاً أمام كرسي
المسيح لينال كل واحد ما كان بالجسد بحسب ما صنع
خيراً، كان أم شراً (كورنثوس الثانية 5:10) ولكن
شكراً لله لأن الخطية تُغفر للإنسان لأجل اسم
المسيح، ولأن بر المسيح لا يزول، ولأنه لا شيء من
الدينونة على الذين هم في المسيح.
(3) أتعبت الخطية نفس النبي، وبسبب
اكتئابه الدائم ضعف جسده. فأصبح في حالة سيئة،
كالتي وصفها إشعياء النبي بالقول: »كُلُّ
الرَّأْسِ مَرِيضٌ وَكُلُّ الْقَلْبِ سَقِيمٌ.
مِنْ أَسْفَلِ الْقَدَمِ إِلَى الرَّأْسِ لَيْسَ
فِيهِ صِحَّةٌ، بَلْ جُرْحٌ وَأَحْبَاطٌ
وَضَرْبَةٌ طَرِيَّةٌ لَمْ تُعْصَرْ وَلَمْ
تُعْصَبْ وَلَمْ تُلَيَّنْ بِالّزَيْتِ« (إشعياء
1:5 و6).
ويرى أغسطينوس أن خطايا الأفراد تؤلم
المسيح وخصوصاً إن كانت مرتكبة ضد مختاريه، بدليل
قوله لشاول الطرسوسي، لماذا تضطهدني؟ لأن شاول
اضطهد كنيسة المسيح، فحسب الرب تلك الآلام التي
عاناها المؤمنون به آلاماً له.
تذكر يا أخي أن امتناعك عن مد اليد
لمساعدة المحتاج وبسط الكف للجائع والمحروم، معناه
أنك تغلق أحشاءك عن يسوع نفسه. فقد قال له المجد
»جُعْتُ فَلَمْ تُطْعِمُونِي. عَطِشْتُ فَلَمْ
تَسْقُونِي... الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: بِمَا
أَنَّكُمْ لَمْ تَفْعَلُوهُ بِأَحَدِ هؤُلَاءِ
الْأَصَاغِرِ فَبِي لَمْ تَفْعَلُوا« (الإنجيل
بحسب متى 25:42-45) لا تعش لنفسك، واعلم أن في
الأنانية إساءة إلى المسيح، الذي علم بنكران الذات.
(4-6) يصنع البعض الخطية، ويتلذذون
بها. فهي خفيفة عليهم، لدرجة أنهم يفخرون بها. أما
أبناء الله فيستثقلونها، ويتململون من حملها،
ويلجأون إلى الله ليزيحها عنهم. ولسعادتهم فإن
الله إن كان يكره الخطية فهو يحب الخاطئ، ومسرة
قلبه أن يترك خطاياه ويحيا.
ويقول داود أن خطاياه علت فوق رأسه،
وكانت ثقيلة بمقدار أنه راح يخفض ذلك الرأس، مقراً
بوضاعته بعد التعالي، وبضعفه بعد القوة. وبذلك أخذ
مكانه أمام الله، الذي أمامه تجثو كل ركبة في
السماء وعلى الأرض.
ويعترف داود بتلوث نفسه بالخطية ويصف
تلك الحالة بالجراح المقيتة التي تفوح منها
الروائح النتنة. والواقع أن الخطية نتنة جداً،
ولذلك يأنفها المؤمن الذي تتضوع منه رائحة المسيح
الذكية. هكذا قالت عروس النشيد: »لِرَائِحَةِ
أَدْهَانِكَ الطَّيِّبَةِ. اسْمُكَ دُهْنٌ
مُهْرَاقٌ، لِذلِكَ أَحَبَّتْكَ الْعَذَارَى«
(نشيد 1:3). يقول المرنم أن جراحاته أنتنت بسبب
حماقته. فليتنا نترك كل حماقة، والخطية المحيطة
بنا ونجري وراء يسوع نحو جعالة دعوة الله العليا.
ويقول إنه كان ملتوياً منحنياً من
كثرة همومه، حزيناً من حاله السيئة. فمن هو الذي
انحنى إلا الذي ارتفع؟ ولكن لسعادة داود أنه اتضع،
وقد قال المسيح من يضع نفسه يرتفع. والمعروف عن
الله، أنه يضع ثقلاً على المرتفع ينحني به.
وهنيئاً للذي يعرف مشيئة الله بالاتضاع، هذا
يتواضع وينكسر والله يعطي المتواضعين نعمة
الارتفاع.
(7 و8) الكلى أكثر أعضاء الجسم
حساسية، وبالنسبة لكلمة المرنم فالكلى، تعني هنا
أعماق الإنسان. فكانت أعماقه ممتلئة احتراقاً بسبب
الخطية، التي حرمته الراحة. لا تخف من احتراق
الكلى يا أخي، فهو من عمل الروح القدس الذي يدفعك
إلى الصلاة، التي حولها فيك إلى أنات وتنهدات
وتأوهات لا ينطق بها. كما كانت حال المرنم، وهو
يعلن شقاوته باتضاع كلي. لا تبتئس إذا عصفت بك هذه
الآلام، فهي آلام التوبة وبركاتها.
الترنيمة
مِنْكَ يَا فَادِي الْخُطْاةِ
يَبْتَغِي الْعَبْدُ النَّجَاةْ
أَنْتُ عَزْمِي وَثَبَاتِي
فِي حَيَاةٍ وَوَفَاةْ
يَا مُنَجِّي أَنْتَ حَبْريِ
وَمَلِيكِي وَالنَّبِي
وَفِدَائِي بَعْدَ أَسْرِي
بِدَمٍ سَامٍ زَكِي
إِنَّ نَفْسِي يَا طَبِيبِي
فِي فَسَادٍ وَشَقَاءْ
فَامْنَحَنْهَا بِالصَّلِيبِ
مِنْ أَيَادِيكَ الشِفَاءْ
يَا وَسِيطَ الصُّلْحِ إِنِّي
مُسْتَجِيرٌ بِالصَّلِيبْ
قَدِّمِ الْطِلْبَةَ عَنِّي
لأَبِيكَ الْمُسْتَجِيبْ
إِنَّ قَلبِْي عَنِّي لاَهِي
لِلْخَطَا دَوْماً يَمِيلْ
فَأَعِنِّي يَا إِلَهِي
وَاهْدِنِي حُسْنَ السَّبِيلْ
يَا مَسِيحَ اللَّهِ نَفْسِي
تَحْتْ رِقٍّ وَقَصَاصْ
فَامْنَحَنْهَا رُوحَ قُدْسِ
وَاقْبَلَنْهَا لِلْخَلاَصْ
الصلاة :
يا إلهنا الصالح وأبا ربنا يسوع المسيح، منك يا رب
نبتغي الصفح ونلتمس غفران الخطايا. يا رب انظر إلى
عالمنا المليء بالشر، واشفق على هذه النفوس، التي
لا تعرف ما هو لسلامها. افتح الأذهان البشرية
لتعرفك في قداستك فتحزن بسبب آثامها، وتعود فتطلبك
لانقاذها من حالتها المتردية. اعط قوة لانتشار
إنجيلك في كل مكان، وهيء القلوب لقبوله، حتى تجد
كل نفس ما هو لخيرها وخلاصها. آمين.
السؤال : 17 - صف
حال داود بالاستناد إلى النصوص أعلاه؟
|