الرئيسية|تفاسير|مقدمات ومعاجم|كنسيات|عقائد|الحياة المسيحية|العائلة|بدع وهرطقات|أسئلة وأجوبة| دروس | تحميل| ارتباطات

الصفحة الرئيسية : شروحات وتفسير: المزامير: المزمور-51- التوبة النصوح

اَلْمَزْمُورُ الْحَادِي وَالْخَمْسُونَ - التوبة النصوح

1اِرْحَمْنِي يَا اَللّهُ حَسَبَ رَحْمَتِكَ. حَسَبَ كَثْرَةِ رَأْفَتِكَ امْحُ مَعَاصِيَّ. 2اغْسِلْنِي كَثِيراً مِنْ إِثْمِي وَمِنْ خَطِيَّتِي طَهِّرْنِي. 3لِأَنِّي عَارِفٌ بِمَعَاصِيَّ وَخَطِيَّتِي أَمَامِي دَائِماً. 4إِلَيْكَ وَحْدَكَ أَخْطَأْتُ وَالشَّرَّ قُدَّامَ عَيْنَيْكَ صَنَعْتُ، لِكَيْ تَتَبَرَّرَ فِي أَقْوَالِكَ وَتَزْكُوَ فِي قَضَائِكَ. 5هَئَنَذَا بِالْإِثْمِ صُوِّرْتُ وَبِالْخَطِيَّةِ حَبِلَتْ بِي أُمِّي.

6هَا قَدْ سُرِرْتَ بِالْحَقِّ فِي الْبَاطِنِ، فَفِي السَّرِيرَةِ تُعَرِّفُنِي حِكْمَةً. 7طَهِّرْنِي بِالزُّوفَا فَأَطْهُرَ. اغْسِلْنِي فَأَبْيَضَّ أَكْثَرَ مِنَ الثَّلْجِ.

قيل إن داود كتب هذا المزمور بعد ارتكاب الخطية مع بثشبع، امرأة أوريا الحثي. وليس من شك في أن هذا المزمور من أعمق صلوات التوبة والتماس الغفران. ومن ميزات هذا المزمور أن آياته، تظهر لنا أن الخطية غريبة عن الإنسان. وأيضاً هذه الآيات تتغنى بنبل الإنسان وتجاوبه مع فكر الله بوجوب طهارة القلب. ونظراً لأهمية هذا المزمور، في إعداد النفس للتوبة راحت بعض الكنائس تتلوه سبع مرات في كل يوم في فصل الصوم.

(1) يستهل داود المزمور بطلب الرحمة من الله، ومع أنه كان في صدد خطية واحدة، إلا أنه سأل غفران معاصيه كلها. لأنه وقع تحت تأنيب الروح القدس. والروح المبارك ذكره بخطاياه السالفة، فصرخ إلى الله قائلاً »ارحمني يا الله حسب رحمتك«. كان في حنايا صدره شيء من صلاة إرميا النبي حين قال: »تَّوِبْنِي فَأَتُوبَ... لِأَنِّي بَعْدَ رُجُوعِي نَدِمْتُ... وَخَجِلْتُ لِأَنِّي قَدْ حَمَلْتُ عَارَ صِبَايَ« (ارميا 31:18 و19). وكان في استرحامه شيء من تضرّع العشار، الذي وقف بعيداً عن قدس الهيكل، ولم يشأ أن يرفع عينيه نحو السماء. بل قرع صدره، قائلاً »ارحمني اللهم أنا الخاطئ«. هذا هو تصرف القلب التائب، أمام الله. أن يذهب في صلاته، إلى أبعد مما ذهب إليه سمعان بطرس، حين قال »اخْرُجْ مِنْ سَفِينَتِي يَارَبُّ، لِأَنِّي رَجُلٌ خَاطِئٌ« (الإنجيل بحسب لوقا:5:8).

إن صلاة القلب المنكسر في توبته تتركز في شيء واحد هو طلب رحمة الله. وفي قوله ارحمني، رُسم للناس في كل جيل وعصر الطريق الوحيدة للرجوع إلى الله. لقد أدان نفسه، فبرر الله. والله البار، رحمه وبرره وقدسه.

ومع أن دم حمل الله الذي يرفع خطية العالم، لم يكن قد سُفك بعد، ومع أن حجاب الهيكل لم يكن قد شُق بعد من أعلى إلى أسفل، فقد عرف إمام المرنمين الطريق الواجب أن يسلكها التائب طالب الغفران.

لقد تبرر لأنه وقف الوقفة التي تليق به في حضرة الله القدوس. وهذه الوقفة تليق بكل إنسان. ولسعادة الإنسان التائب، أن عرش النعمة مفتوح لكل طالب الله. وقد قال المسيح »أَنَّهُ هكَذَا يَكُونُ فَرَحٌ فِي السَّمَاءِ بِخَاطِئٍ وَاحِدٍ يَتُوبُ أَكْثَرَ مِنْ تِسْعَةٍ وَتِسْعِينَ بَارّاً لَا يَحْتَاجُونَ إِلَى تَوْبَةٍ« (الإنجيل بحسب لوقا 15:7).

(2) حين شعر المرنم بنجاسة الخطية، التي ارتكبها، سأل الله أن يغسله من إثمه ويطهره من خطيته. وليس من شك في أن الله استجاب لطلبته، بدليل قوله »وَجَدْتُ دَاوُدَ بْنَ يَسَّى رَجُلاً حَسَبَ قَلْبِي، الَّذِي سَيَصْنَعُ كُلَّ مَشِيئَتِي« (أعمال 13:22).

نقرأ في زكريا عن الينبوع، الذي يفتح في أورشليم للخطية والنجاسة (زكريا 13:1). وهذا الينبوع تفجر فعلاً خارج مدينة الله من على الصليب، لكي يغسل خطايا كل من يؤمن بالفادي. وقد أعلن يوحنا الإنجيلي هذه الحقيقة للأجيال، إذ قال »الَّذِي أَحَبَّنَا، وَقَدْ غَسَّلَنَا مِنْ خَطَايَانَا بِدَمِهِ، وَجَعَلَنَا مُلُوكاً وَكَهَنَةً لِلّهِ أَبِيهِ، لَهُ الْمَجْدُ وَالسُّلْطَانُ إِلَى أَبَدِ الْآبِدِينَ. آمِينَ« (رؤيا 1:5 و6).

إن كلمة غسلنا تعني أيضاً حررنا. إذ كل من يقبل فداء المسيح يطلقه المسيح في الحرية، بعد أن دفع حياته ثمناً لهذه الحرية. ولكن لننتبه! لأنه إن كانت محبة المسيح الفادية مستمرة، فالصليب لا يتكرر. بمعنى أن الذي حرره المسيح لا يجوز له أن يرتبك مرة أخرى بعبودية الخطية.

(3-4) نرى في داود التائب ذلك الرجل، الذي أيقظ روح الرب أحاسيسه فذكر ما هو فيه من سوء حال، بل وجد خطيته ماثلة أمام عينيه. الأمر الذي انتزع الاطمئنان والراحة من أفق حياته، ولاشى السلام من قلبه.

لقد التقى بصلاة اعترافه بإشعياء حين قال »لِأَنَّ مَعَاصِيَنَا كَثُرَتْ أَمَامَكَ، وَخَطَايَانَا تَشْهَدُ عَلَيْنَا، لِأَنَّ مَعَاصِيَنَا مَعَنَا وَآثَامَنَا نَعْرِفُهَا. تَعَدَّيْنَا وَكَذِبْنَا عَلَى الرَّبِّ، وَحِدْنَا مِنْ وَرَاءِ إِلَهِنَا. تَكَلَّمْنَا بِالظُّلْمِ وَالْمَعْصِيَةِ. حَبِلْنَا وَلَهَجْنَا مِنَ الْقَلْبِ بِكَلَامِ الْكَذِبِ« (إشعياء 59:12-13). ونعلم من النصوص المقدسة أن الشعور بالخطية هو أول درجات الاستغفار ويلي ذلك الاعتراف بالخطايا، الذي يقابل بغفران الله. بدليل قول الرسول يوحنا »إِنِ اعْتَرَفْنَا بِخَطَايَانَا فَهُوَ أَمِينٌ وَعَادِلٌ، حَتَّى يَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَيُطَهِّرَنَا مِنْ كُلِّ إِثْمٍ« (يوحنا الأولى 1:9).

إن الخطية عامل لا يمكن إنكاره في وعي كل إنسان. وهي ليست تصرفاً عابراً، وليست مجرد حماقة أو جهالة أو زلة قدم. وإنما هي حالة فساد، وعصيان ضد الله وتمرد عليه، وانحراف عن الطريق الذي رسمه الله للإنسان. وشر أضرار الخطية أنها تفصل بين الإنسان وإلهه. بدليل قول الله »آثَامُكُمْ صَارَتْ فَاصِلَةً بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ إِلَهِكُمْ، وَخَطَايَاكُمْ سَتَرَتْ وَجْهَهُ عَنْكُمْ حَتَّى لَا يَسْمَعَ« (اشعياء 59:2).

(5) ويكشف لنا التائب أن خطيته لم تكن أمراً طارئاً، بل هي قديمة تعود إلى أصله، وهذا لا يعني أنه يبرر نفسه، كأن يقول إن الخطية شيء موروث فلا ذنب علي إذاً. العكس هو الصحيح، وإنما أراد أن يوجه الأنظار إلى أن الخطية في الإنسان تعود إلى طبيعته الفاسدة. ونرى في عباراته أن المرنم لم يشأ أن يحبك النظريات حول الخطية، أو يتمادى في الرثاء على حاله بسببها. ولكنه اعترف بحقيقتها. وفي توغله إلى عمقها، يوجه أنظارنا إلى خطايانا، حاضاً إيانا أن نحذو حذوه بالاعتراف والتوبة وطلب الرحمة والغفران من الله.

(6) ومن صميم توبته يخرج علينا الكاتب بخبر مفرح مفاده أن الله يسر في أن يكون باطن الإنسان مملوء بالحق. لأن الدين الحقيقي هو ما كان راسخاً في القلب، بحيث يكون الإنسان شريف النوايا صادق الود، نقي الضمير، طاهر الفكر. وايضاً كشف لنا أن الله يريد أن نتجمل بالحكمة. ولنا هذه الوصية الرسولية »فَانْظُرُوا كَيْفَ تَسْلُكُونَ بِالتَّدْقِيقِ، لَا كَجُهَلَاءَ بَلْ كَحُكَمَاءَ، مُفْتَدِينَ الْوَقْتَ لِأَنَّ الْأَيَّامَ شِرِّيرَةٌ« (أفسس 5:15).

(7) الزوفا نبات كان يستعمل في العهد القديم للتطهير من البرص (لاويين 14:4-6) ومن الخطية كما في هذا المزمور. كما أنه استعمل واسطة لرش الدم (خروج 12:22) فطلبة داود هنا للتطهير من الذنب. ولسعادة البشر، فإن باب النعمة مفتوح لكل تائب، يطلب الله بالقلب المنكسر. هكذا نقرأ »هَلُمَّ نَتَحَاجَجْ، يَقُولُ الرَّبُّ. إِنْ كَانَتْ خَطَايَاكُمْ كَالْقِرْمِزِ تَبْيَضُّ كَالثَّلْجِ. إِنْ كَانَتْ حَمْرَاءَ كَالدُّودِيِّ تَصِيرُ كَالصُّوفِ« (إشعياء 1:18).

اطرق باب النعمة يا أخي فالله في المسيح يشبه قاضياً، نزل عن كرسي القضاء، وجلس بجانب المذنب. وأخذ يكلمه باللطف، ويبين له فظاعة خطيته، ويحرضه على التوبة. ويعده بالغفران التام، شرط أن لا يعود إلى فعل الشر. فما أعظم غفران الله! إنه كمحبته له عرض وطول بحيث يشمل جميع الخطاة وكل الخطايا. وله عمق، لأنه يصل إلى افكار القلب والخطايا السرية. وله علو لأنه يدخل الخاطي النجس في جماعة الأبرار القديسين، الذين دعوا أهل بيت الله. وينال أخيراً المجد والسعادة والإكرام والحياة الأبدية في السماء. ليس لبر في أعمال عملها، ولكن بمقتضى الرحمة لأنه صدق قوله وقبل وعده في المسيح وأطاعه. وآمن بذبيحة الفداء.

الترنيمة

مِثْلَ عَظِيمِ رَحْمَتِكْ

يَا خَالِقِي ارْحَمْنِي

وَمِثْلَ فَرْطِ رَأْفَتِكْ

امْحُ الْخَطَا عَنِّي

إِغْسِلْ كَثِيراً سَيِّدِي

نَفْسِي مِنَ الذَّنْبِ

وَهَكَذَا خُذْ بِيَدِي

مُطَهِّراً قَلْبِي

إِنِّي بِإِثْمِي عَارِفٌ

مُعْتَرِفٌ جَهْرَا

وَهْوَ أَمَامِي وَاقِفٌ

أَنْظُرُهُ الدَّهْرَا

أَخْطَأْتُ يَا رَبُّ إِلَيْكْ

بِالْقَوْلِ وَالْفِعْلِ

وَالشَّرَّ مَا بَيْنَ يَدَيْكْ

صَنَعْتُ فَاصْفَحْ لِي

قَلْباً نَقِياً طَاهِرَا

بِي اخْلُقْهُ يَا مَوْلاَيْ

وَرُوحَ عَدْلٍ ظَاهِراً

جَدِّدْهُ فِي أَحْشَايْ

الصلاة : أيها الرب إلهنا الصالح، إليك نرفع قلوبنا مصلين ومعترفين بخطايانا. إن كنت تراقب الآثام يا رب، فمن يقف قدامك؟ نأتي إليك باسم يسوع الشفيع، نادمين على خطايانا السالفة، ومصممين على التوبة. فتحنن علينا، واشفق على حالتنا المتردية، واغفر لنا ما سلف من آثامنا. طهر قلوبنا بدم يسوع، حمل الله رافع خطية العالم. وقونا في حياتنا وثبتنا، لكي لا نعود إلى ارتكاب الذنب. آمين.

السؤال : 25 - ماذا رأيت في هذا المزمور؟