|
اَلْمَزْمُورُ التِّسْعُونَ - تتمة
12إِحْصَاءَ أَيَّامِنَا هكَذَا
عَلِّمْنَا فَنُؤْتَى قَلْبَ حِكْمَةٍ.
13اِرْجِعْ يَا رَبُّ. حَتَّى مَتَى؟
وَتَرَأَّفْ عَلَى عَبِيدِكَ. 14أَشْبِعْنَا
بِالْغَدَاةِ مِنْ رَحْمَتِكَ فَنَبْتَهِجَ
وَنَفْرَحَ كُلَّ أَيَّامِنَا. 15فَرِّحْنَا
كَالْأَيَّامِ الَّتِي فِيهَا أَذْلَلْتَنَا،
كَالسِّنِينِ الَّتِي رَأَيْنَا فِيهَا شَرّاً.
16لِيَظْهَرْ فِعْلُكَ لِعَبِيدِكَ وَجَلَالُكَ
لِبَنِيهِمْ. 17وَلْتَكُنْ نِعْمَةُ الرَّبِّ
إِلهِنَا عَلَيْنَا، وَعَمَلَ أَيْدِينَا ثَبِّتْ
عَلَيْنَا، وَعَمَلَ أَيْدِينَا ثَبِّتْهُ.
(12 و13) ابتداءً من هذه الآية، يتقدم
الكاتب بمجموعة من الطلبات، أولاها سؤال الرب
الإله أن يعلمنا حكمة إحصاء الأيام لكي نغتنم كل
فرصة تمكننا من أن نكسب الخير ونفعله، مفتدين
الوقت من الاتلاف.
هذا هو السلوك بالتدقيق الذي دعا
الرسول بولس أهل أفسس إليه، لكي لا يميلوا عن سنن
القداسة والطاعة لله، كما يليق بأولاد نور. وعلل
دعوته بكون الأيام شريرة تكثر فيها التجارب
القوية. فما على المؤمن أن يفعله، يجب أن يفعله
بسرعة (أفسس 5:15 و16). وقد نبه المسيح تلاميذه
على وجوب انتهاز الفرص في مثل قاضي الظلم، إذ قال
»إِنَّ أَبْنَاءَ هذَا الدَّهْرِ أَحْكَمُ مِنْ
أَبْنَاءِ النُّورِ فِي جِيلِهِمْ« (الإنجيل بحسب
لوقا 16:8).
وهو أيضاً السلوك بحكمة، الذي طلب
الرسول بولس إلى أهل كولوسي أن يمارسوه، تجاه
الذين هم من خارج (كولوسي 4:5) فالمسيحي مدعو أن
يتصرف بحكمة، وخصوصاً بوداعة. لكي لا يترك لدى
السامع شعوراً بأنه أعلى منه، أو بأنه رقيب يحصي
عليه زلاته. وفي ممارسة هذه المسؤوليات، يجب على
المسيحي أن يفتدي الوقت منتهزاً كل فرصة لعمل ما
يرضي الله في خدمة الناس.
إن العمل اليومي والحياة اليومية
يقدمان للمؤمن باستمرار الفرص المؤاتية للشهادة
لعمل نعمة الفادي للتأثير على الناس، واكتسابهم
للرب، وفقاً لقول المسيح »فَلْيُضِئْ نُورُكُمْ
هكَذَا قُدَّامَ النَّاسِ، لِكَيْ يَرَوْا
أَعْمَالَكُمُ الْحَسَنَةَ، وَيُمَجِّدُوا
أَبَاكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ« (الإنجيل
بحسب متى 5:16).
إن الكنيسة تقدم لأعضائها فرصاً طيبة
للتعليم، أو للزيارات، أو للعمل الصالح. ولكن
للأسف فهنالك كثيرون لا يشتركون في نشاطات
الكنيسة، لكأنهم يرفضون بإصرار هذه الفرص، مفضلين
استهلاك الوقت في الكسل، أو في ممارسات ليست بحسب
مشيئة الله.
لقد علل بولس الدعوة لافتداء الوقت،
بكون الأيام شريرة وعسيرة، مما يجعل فرص الكسب
نادرة جداً. لأن سوق الفضيلة في كساد، وسوق
الرذيلة في رواج. فالعالم كله وضع في الشرير. وعدو
الخير يريد اغتنام كل فرصة لمصلحته. فلا يرى باباً
مفتوحاً للخير، إلا ويسعى في إغلاقه.
لذلك وضعت الضرورة على أبناء النور،
لكي يتسلحوا بالحكمة الغيورة لله ويتقدموا لخدمة
النفوس الضالة. ومَن غير المستنير بنور الله
يستطيع أن يميز الأوقات، ويتذوق ما هو مرضي عند
الرب؟
إن كنت تشعر بعدم حيازتك حكمة إحصاء
الأيام وافتداء الوقت، فليس المعنى أن الفرصة قد
فاتتك. فالرب مصدر الحكمة وكل نعمة، مستعد أن يهبك
بكل غناء. هكذا قال الرسول يعقوب »إِنْ كَانَ
أَحَدُكُمْ تُعْوِزُهُ حِكْمَةٌ فَلْيَطْلُبْ مِنَ
اللّهِ الَّذِي يُعْطِي الْجَمِيعَ بِسَخَاءٍ
وَلَا يُعَيِّرُ، فَسَيُعْطَى لَهُ« (يعقوب 1:5).
(14) يسأل الله في هذه الطلبة أن
يشبعه الرب الإله من رحمته، لتكون حياته مفعمة
بالبهجة. وحقاً ما أحلى أن ينهض المرء في الصباح،
فيجد نفسه جائعاً لبر الله، فيفتتح يومه بالصلاة،
وسرعان ما يشبعه الله، وفقاً لقول المسيح: »طُوبَى
لِلْجِيَاعِ وَالْعِطَاشِ إِلَى الْبِرِّ،
لِأَنَّهُمْ يُشْبَعُونَ« (الإنجيل بحسب متى 5:6).
يشبعهم المسيح لأن أمامه شبع سرور وفي يمينه نعم
إلى الأبد (مزمور 16:11).
قال المرنم »أَمَّا أَنَا
فَبِالْبِرِّ أَنْظُرُ وَجْهَكَ. أَشْبَعُ إِذَا
اسْتَيْقَظْتُ بِشَبَهِكَ« (مزمور 17:15) هذا هو
نصيب المؤمن أنه بالبر الذي من الله بالمسيح يشبع،
وينظر وجه الله ويتمتع بالشركة معه. هذا هو الشبع
من رحمة الله. فما أعظم الفرق بين نصيب المؤمنين
ونصيب أبناء هذا الدهر! فأبناء هذا الدهر يحاولون
عبثاً إشباع نفوسهم من أشياء هذا العالم الفانية.
أما المؤمنون فيشبعهم أنهم بالبر يرون الله في شخص
يسوع، الذي جسد رحمة الله.
(15 و16) يلتمس رجل الله التعزية من
الهم، لكي يفرح بعد الوقت الطويل الذي عانى خلاله
من الذل. ويدعم سؤله بكون التعزيات الإلهية وسيلة
لله لكي يظهر ذاته لعبيده كإله تعزية ورحمة. وهذا
يمهد السبيل لإظهار جلاله للأبناء بعد الآباء.
وهكذا تنتشر الشهادة لعمل النعمة المخلصة.
لا ريب أن الصعوبات التي يواجهها
المؤمن كثيرة وقاسية. وعلى المؤمن أن يتسلح
بالإيمان، للوقوف في وجه التجارب والانتصار عليها.
قال أحدهم لمسيحي متألم: إن الصعوبات والآلام تغير
لون الحياة أليس كذلك؟ فأجابه قائلاً: نعم، ولكن
أنا الذي اختار اللون الجديد.
حين تنتابنا الصعاب ويعصف بنا الألم،
لنذكر أننا لسنا متروكين لنواجه الارزاء وحدنا. بل
إن تعزية الله معدة لنا بالروح القدس، وإن رحمة
الله هي لنا كل يوم. اطمئن يا أخي فكلمة تعزية في
العهد الجديد تعني أكثر مواساة مسكنة ومهدهدة
للألم. إنها تؤدي إلى معنى الشجاعة، التي تمكن
الإنسان من كفاح الإيمان. والمعزي هو الروح القدس،
الذي هو الله فينا. ومن كان الله فيه يستطيع أن
يغلب التجارب ويقود سفينة حياته إلى شاطئ السلام.
(17) يختم رجل الله هذا المزمور
المجيد بصلاة مفعمة بالخشوع، طالباً فيها نعمة
الله، لتجعل أيدينا وأعمال أيدينا مستقيمة. هناك
ركن في الحياة المسيحية تنبع منه كل الأعمال
الصالحة، وهو الإيمان العامل بالمحبة. وما أحلى ما
قاله رسول الجهاد العظيم بولس في هذا الصدد
»نَحْنُ عَمَلُهُ، مَخْلُوقِينَ فِي الْمَسِيحِ
يَسُوعَ لِأَعْمَالٍ صَالِحَةٍ، قَدْ سَبَقَ
اللّهُ فَأَعَدَّهَا لِكَيْ نَسْلُكَ فِيهَا« (أفسس
2:10). فإيماننا العامل بالمحبة ليس منا، بل من
الله بيسوع المسيح. وإذا تأملنا في كلمة الله بعمق
نكتشف أن قصد الله قبل أن خلقنا كان لكي نسلك في
الأعمال الصالحة، التي أعدها وأعطانا النعمة
للقيام بها.
ولكن يجب أن نذكر أن الأعمال الصالحة
التي نقوم بها، ليست علة خلاصنا وإنما هي ثمرة
خلاصنا. هذه حقيقة عظيمة تدعونا إلى رفع الشكر
لله، لأنها تعلمنا ضمناً، أننا في الخليقة الجديدة
التي تصنع البر، تظهر إرادة الله الصالحة المرضية
الكاملة.
الترنيمة
أَنْتَ صَخْرِي يَا يَسُوعْ
بِكَ لِي ظِلٌّ عَظِيمْ
لَكَ فِي عُرْيٍ وَجُوعْ
يُقْبِلُ الْخَاطِي الْأَثِيمْ
مَا لِنَفْسِي مِنْ صَلاَحْ
تَلْتَجِي فِيهِ إِلَيكْ
بِسَقَامٍ وَجِرَاحْ
يَقِفُ الْعَبْدُ لَدَيْكْ
أَشْبِعِ الْعَبْدَ الْفَقِيرْ
رَحْمَةً تَنْفِي الْخَطَرْ
وَاكْسُهِ الثَّوْبَ الْمُنِيرْ
وَاخْلُقَنْ فِيهِ الْبَصَرْ
لَيْسَ لِي إِلاَّ الشَّقَاءْ
يَا حَبِيبِي وَالسَّقَامْ
أَنْتَ تَعْطِينِي الشِّفَاءْ
وَخَلاَصاً وَسَلاَمْ
أَنْتَ رُكْنِي وَالنَّصِيبْ
أَنْتَ فَادِيَّ الْحَنُونْ
لِي عَزَاءٌ بِالصَّلِيبْ
سِيَّمَا عِنْدَ الْمَنُونْ
يَا مُنَجِيَّ الْعَزِيزْ
مِنْ عُلَى الْمَجْدِ تَعَالْ
أَنْتَ كُنْ حِصْناً حَرِيزْ
لِي وَتَاجاً لِلْجَمَالْ
الصلاة:
يا رب صخرتنا وولينا، لك شكرنا وحمدنا، لأجل
مراحمك الغنية بالغفران. نعترف أمامك بأنه ليس
فينا شيء صالح. وإن كان فينا حب للخير فهو من
صنعك. إننا نعيش من نعمتك، التي تأنت علينا ولم
تشأ أن نهلك، بل أن نقبل إلى التوبة. جدد توبتنا
يا إلهنا كل يوم. وثبتنا في إيماننا واجعله عاملاً
بالمحبة. نقر بأننا عبيد بطالون، لأننا لم نعمل ما
علينا، لذلك نلتمس أن تشبعنا بالغداة من رحمتك،
فنفرح كل أيام حياتنا. آمين.
السؤال: 8 - ما هي الطلبات التي تقدم بها رجل
الله؟
|