|
اَلْمَزْمُورُ الثَّانِي وَالْعِشْرُونَ - تتمة
7كُلُّ الَّذِينَ يَرُونَنِي
يَسْتَهْزِئُونَ بِي. يَفْغَرُونَ الشِّفَاهَ
وَيُنْغِضُونَ الرَّأْسَ قَائِلِينَ: 8»اتَّكَلَ
عَلَى الرَّبِّ فَلْيُنَجِّهِ. لِيُنْقِذْهُ
لِأَنَّهُ سُرَّ بِهِ«. 9لِأَنَّكَ أَنْتَ
جَذَبْتَنِي مِنَ الْبَطْنِ. جَعَلْتَنِي
مُطْمَئِنّاً عَلَى ثَدْيَيْ أُمِّي. 10عَلَيْكَ
أُلْقِيتُ مِنَ الرَّحِمِ. مِنْ بَطْنِ أُمِّي
أَنْتَ إِلهِي. 11لَا تَتَبَاعَدْ عَنِّي لِأَنَّ
الضِّيقَ قَرِيبٌ. لِأَنَّهُ لَا مُعِينَ.
12أَحَاطَتْ بِي ثِيرَانٌ كَثِيرَةٌ.
أَقْوِيَاءُ بَاشَانَ اكْتَنَفَتْنِي. 13فَغَرُوا
عَلَيَّ أَفْوَاهَهُمْ كَأَسَدٍ مُفْتَرِسٍ
مُزَمْجِرٍ. 14كَالْمَاءِ انْسَكَبْتُ.
انْفَصَلَتْ كُلُّ عِظَامِي. صَارَ قَلْبِي
كَالشَّمْعِ. قَدْ ذَابَ فِي وَسَطِ أَمْعَائِي.
15يَبِسَتْ مِثْلَ شَقْفَةٍ قُوَّتِي، وَلَصِقَ
لِسَانِي بِحَنَكِي، وَإِلَى تُرَابِ الْمَوْتِ
تَضَعُنِي. 16لِأَنَّهُ قَدْ أَحَاطَتْ بِي
كِلَابٌ. جَمَاعَةٌ مِنَ الْأَشْرَارِ
اكْتَنَفَتْنِي. ثَقَبُوا يَدَيَّ وَرِجْلَيَّ.
17أُحْصِي كُلَّ عِظَامِي، وَهُمْ يَنْظُرُونَ
وَيَتَفَرَّسُونَ فِيَّ. 18يَقْسِمُونَ ثِيَابِي
بَيْنَهُمْ، وَعَلَى لِبَاسِي يَقْتَرِعُونَ.
19أَمَّا أَنْتَ يَا رَبُّ فَلَا
تَبْعُدْ. يَا قُوَّتِي أَسْرِعْ إِلَى نُصْرَتِي.
20أَنْقِذْ مِنَ السَّيْفِ نَفْسِي. مِنْ يَدِ
الْكَلْبِ وَحِيدَتِي. 21خَلِّصْنِي مِنْ فَمِ
الْأَسَدِ، وَمِنْ قُرُونِ بَقَرِ الْوَحْشِ
اسْتَجِبْ لِي.
(7 و8) في هذه الفقرة، تصف كلمة الوحي
الحال التي صار إليها المخلص. فقد لاحقته تعييرات
الأردياء من البشر. فالشيوخ كانوا يهزأون به،
قائلين: آه يا ناقض الهيكل وبانيه في ثلاثة أيام!
خلص نفسك وانزل عن الصليب (الإنجيل بحسب مرقس
15:29 و30). وحذا آخرون من أبناء الشعب حذو
الشيوخ، ففغروا أفواههم وأطلقوا ألسنتهم بكلام
التعيير والتحقير. وفيما هم يظنون أن الله قد تخلى
عنه، راحوا يجدفون على اسمه. ويخبرنا متى الإنجيلي
أن المجتازين، كانوا يهزّون رؤوسهم استهزاء
وسخرية. وكذلك سجل البشير على رؤساء الكهنة
والكتبة، أنهم في سخريتهم استخدموا نفس كلمات
المزمور إذ قالوا »اتَّكَلَ عَلَى اللّهِ،
فَلْيُنْقِذْهُ« (الإنجيل بحسب متى 27:43).
كانوا أغبياء ومظلمي الفكر إلى حد أنه
طمس على عيون ذهنهم، وغلظت قلوبهم، فاستهانوا
بقداسة الله ورحمته. ولم يدركوا معنى النبوة التي
كانت تتم فيهم. فقد كانت عبارات هذا المزمور بين
أيديهم، ولعل بعضهم كانوا يحفظونها. ولكنهم في
جهالتهم كانوا هم المتممين لها.
ويخبرنا لوقا في روايته عن صلب رب
المجد »وَكَانَ الشَّعْبُ وَاقِفِينَ يَنْظُرُونَ،
وَالرُّؤَسَاءُ أَيْضاً مَعَهُمْ يَسْخَرُونَ بِهِ
قَائِلِينَ: »خَلَّصَ آخَرِينَ، فَلْيُخَلِّصْ
نَفْسَهُ إِنْ كَانَ هُوَ الْمَسِيحَ مُخْتَارَ
اللّهِ« (الإنجيل بحسب لوقا 23:35) والواقع أن
الرؤساء وقد تمموا كل مشورتهم، تبعوا يسوع إلى
مكان الصلب، لكي يتلذذوا بنتائج ظفرهم. ومن فضلة
قلوبهم العامرة بالشر، تكلمت ألسنتهم بالسخرية
والهزء. وكانوا يظنون أنهم يتكلمون بالمنطق »خلص
آخرين فليخلص نفسه« وهنا تغافلوا عن أهم الحقائق
فلو خلص نفسه لما كان هو المسيا المخلص.
وهناك حقيقة أخرى جديرة بالملاحظة،
وهي قصر نظرهم في الأمور الروحية، فإذا لم يقدروا
أن يعيروه بخطية، عيروه بما كان يميز مجده الأدبي
وهو اتكاله على أبيه وسرور الآب به. السرور الذي
سمع الآب يعبر عنه، حين اعتمد يسوع في نهر الأردن.
ولعلهم بسبب تجاهلهم هذا الأمر، نسوا أيضاً النبوة
القائلة: »أَمَّا الرَّبُّ فَسُرَّ بِأَنْ
يَسْحَقَهُ بِالْحُزْنِ. إِنْ جَعَلَ نَفْسَهُ
ذَبِيحَةَ إِثْمٍ يَرَى نَسْلاً تَطُولُ
أَيَّامُهُ وَمَسَرَّةُ الرَّبِّ بِيَدِهِ
تَنْجَحُ« (إشعياء 53:10).
(9-11) ما أعمق كلمات هذه الفقرة
العجيبة! فإن المسيا الذي حبل به من الروح القدس،
جاء إلى العالم في ملء الإحساس بعلاقته بالآب
السماوي. واليوم في ساعات آلامه، يخاطبه بما معناه
أنت أخرجتني من البطن، وكنت أساس طمأنينتي وموضوع
ثقتي، منذ جئت إلى الدنيا ونشأت قريباً منك. والآن
قد أصبح ضيق الموت قريباً، فلا تتباعد عني.
هنا حقيقة جديرة باهتمامنا، وهي أن
الاعتماد الكلي على الله هو الضمان الوحيد للحياة
النقية الطاهرة أمام الرب. أما الخطية التي تباعد
بين الإنسان وخالقه فليست سوى تنفيذ مشيئتنا نحن.
فليت كل واحد منا يخضع مشيئته لله، ناظرين إلى
رئيس الإيمان ومكمله الذي كان الله بالنسبة له كل
شيء. ولما رفع على الصليب وبدت الأمور وكأن السماء
تخلت عنه، لم يتلاش سروره في أن يفعل مشيئة الآب
الذي أرسله. ويتعبير آخر أنه ارتضى أن يأخذ مكان
الإنسان البعيد عن الله، لكي يقربه بدمه (أفسس
2:13).
(12 و13) في الفقرة السابقة، رأينا
وصفاً لآلام السيد، التي تقبلها من يد الآب، والتي
هي آلام دينونة الله للخطية. وقد تطوع ابن الله
ليرفعها بذبيحة نفسه. أما في هذه الفقرة فنقرأ عن
آلامه من يد البشر. هذه الآلام التي تفوق الوصف،
لا دخل لها في نطاق الكفارة، وإنما هي تكشف عن شر
الإنسان وعداوته للرب الذي جاء لكي يحسن إليه.
لقد صورهم المزمور بالثيران التي هي
رمز القوة الجامحة والكبرياء المتمردة. وهي تمثل
شعب إسرائيل المرتد عن الله، بصورة عامة وزعماءه
بصورة خاصة. هذا ما أوضحه عاموس النبي حين قال:
اسمعي هذا القول يا بقرات باشان (عاموس 4:1).
ووصفهم أيضاً بالسباع المفترسة المزمجرة. أما الله
نفسه فقد وصفهم بالشعب الصلب الرقبة (خروج 32:9)
ومعنى هذا أن أعداء يسوع كانوا قساة، لا مكان
للرأفة في قلوبهم، لأن الحقد احتلها. وبدافع هذا
الحقد تعقبوه منذ البداية، في غضب ووحشية لإهلاكه.
وقد أشار يسوع إلى ذلك بقوله »رَأَوْا
وَأَبْغَضُونِي أَنَا وَأَبِي« (الإنجيل بحسب
يوحنا 15:24).
(14 و15) أمام حقد اليهود الذي لا
يعرف هوادة اكتأب السيد رب المجد وتألم وتضايق.
حتى أنه قال في جثسيماني »نفسي حزينة حتى الموت.
ويخبرنا لوقا الإنجيلي أن عرقه صار كقطرات دم
نازلة على الأرض«.
ويصور لنا المزمور تعبه وأوجاعه
بعبارات مؤثرة تهتز لها أقسى العواطف. وهل من مشهد
كهذا يذيب القلوب؟ يسوع الحبيب بدا معلقاً على
الصليب، وكأن كل عضو في جسده قد انفصل عن الآخر.
وكأن قلبه يذوب كالشمع في نار غضب عدل الله على
الخطية. أما قوته فتحطمت مثل إناء خزف ضرب به
الصخر. وقد أحس سيد الوجود بالجفاف والتصق لسانه
بشفتيه الداميتين، وتمنى جرعة ماء يبرد بها غليله.
(16-18) لقد كشف الصليب الأشرار في
وحشيتهم. أنهم كلاب مسعورة نجسة، تفترس غيلة،
مجردة من كل عاطفة شريفة. جماعة من الأشرار التفوا
حول ابن الله، ولم تأخذهم عليه شفقة، بل إن منظره
الأليم أثار ضحكهم واستخفافهم. فعلقوه على صليب
بمسامير ثقبوا بها يديه ورجليه. وفي عدم استحياء
جردوه من ثيابه، واقتسموها بينهم بالقرعة، التي هي
سلطان الله، وإنما حقروا بها القدوس الحق.
قال الدكتور زويمر: إن لهول الصلب
الذي اختبره يسوع مظهرين: الألم الجسداني والألم
النفسي. فألم الجسد من جراء الجلد الفظيع وتسمير
اليدين والقدمين وعطش الحمى واختلاج الأعصاب
يعذبها حمل الجسد المكسور الراغب في الانطلاق.
وألم الروح لكونه رفض من خاصته، وعري من ثيابه
وأحصي مع أثمة، وعلق على صليب اللعنة.
تلك كانت نهاية الجانب البشري من قصة
الصليب، حيث كشفت خسة الإنسان. ويا له من وصف كامل
لما حدث على تلة الجلجثة! وقد كتبت القصة بلغة
الأنبياء. كتبها داود قبل وقوع الحادث بما يزيد
على ألف سنة.
(19-21) يتحول الفادي عن أشرار البشر
قاتليه إلى أبيه القدوس، ومرة أخرى يسأله أن لا
تنقطع الشركة بينهما. فإنه مهما بالغ الناس في سوء
معاملته لا يؤثر. فالمهم في نظره هو موقف الآب،
فما دام قريباً منه فلا عبرة بما يلاقيه من الناس.
أما سؤاله أن يُنْقَذ من سيف الموت،
فهو القيامة من الأموات هذا ما تؤكده الكلمة
الرسولية القائلة »الَّذِي، فِي أَيَّامِ
جَسَدِهِ، إِذْ قَدَّمَ بِصُرَاخٍ شَدِيدٍ
وَدُمُوعٍ طِلْبَاتٍ وَتَضَرُّعَاتٍ لِلْقَادِرِ
أَنْ يُخَلِّصَهُ مِنَ الْمَوْتِ، وَسُمِعَ لَهُ
مِنْ أَجْلِ تَقْوَاهُ« (عبرانيين 5:7) والكلب
والأسد في هذه الآية يمثلان الشيطان.
بقي أن أسألك هل أدركت مدى فظاعة ما
عاناه المسيح على الصليب لأجلك، لكي يفتديك،
ويشتري لك الحياة الأبدية؟ إن الثمن باهظ كما ترى،
وله من الاعتبار ما يحرك ضميرك المثقل. فتتجاوب مع
المحبة الفدائية العجيبة التي احبك بها. فتعرف
الفادي في شركة آلامه، وبالتالي تصير بقيامته.
الترنيمة
خَلِّنِي قُرْبَ الصَّلِيبْ
حَيْثُ سَالَ الْمَجْرَى
مِنْ دَمِ الْفَادِي الْحَبِيبْ
دَاءُ نَفْسِي يَبْرَا
قرار
فِي الصَّلِيبْ، فِي الصَّلِيبْ
رَاحَتِي بَلْ فَخْرِي
فِي حَياتِي وَكَذَا
بَعْدَ دَفْنِ الْقَبْرِ
قَدْ مَحَا عِنْدَ الصَّلِيبْ
دَمُ رَبِّي إِثْمِي
وَعَنِ الْقَلْبِ الْكَئِيبْ
زَالَ كُلُّ الْهَمِّ
قَدْ رَأَيْنَا فِي الصَّلِيبْ
قُوَّةَ الرَّحْمَانِ
إِذْ بَدَا أَمْرٌ عَجِيبْ
فِدْيَةٌ لِلْجَانِي
مَنْ قَضَى فَوْقَ الصَّلِيبْ
ذَاكَ جُلُّ الْقَصْدِ
سَأَرَاهُ عَنْ قَرِيبْ
فَوْقَ عَرْشِ الْمَجْدِ
الصلاة:
أيها السيد الرب المتألم، أنت حملت أحزاننا وتحملت
أوجاعنا. أخذت الدينونة والقصاص نيابة عنا. ماذا
نرد لك بالمقابل يا سيد؟ أهو الشكر؟ إن الشكر
بالكلام لرخيص جداً، ولا يليق بجلالك الأقدس.
فاعطنا اللهم نعمة جديدة لكي نشكرك بالعمل والحق.
قدرنا على أن نعرفك في شركة آلامك، حتى نعرفك
أيضاً بقيامتك، حتى تقيمنا من الموت لنحيا معك.
آمين.
السؤال: 16 - ماذا فعل الرؤساء بعد أن تمموا كل
مشورتهم؟
|