|
اَلْمَزْمُورُ التَّاسِعُ وَالسِّتُّونَ - الغيرة
لبيت الله
4أَكْثَرُ مِنْ شَعْرِ رَأْسِي الَّذِينَ
يُبْغِضُونَنِي بِلَا سَبَبٍ. اعْتَزَّ
مُسْتَهْلِكِيَّ أَعْدَائِي ظُلْماً. حِينَئِذٍ
رَدَدْتُ الَّذِي لَمْ أَخْطَفْهُ...
9لِأَنَّ غَيْرَةَ بَيْتِكَ
أَكَلَتْنِي، وَتَعْيِيرَاتِ مُعَيِّرِيكَ
وَقَعَتْ عَلَيَّ. 21وَيَجْعَلُونَ فِي طَعَامِي
عَلْقَماً، وَفِي عَطَشِي يَسْقُونَنِي خَلاًّ.
يوجد ارتباط بين هذا المزمور والمزمور
الثاني والعشرين. إذ في كليهما وصف لآلام الرب
يسوع على الصليب. وفي كلا المزمورين انفرجت شفتا
الفادي عن صرخة داوية، فيما كانت الظلمة الدامسة
تلف الأرض، معلنة أن سيد العالم يكابد آلام الموت
الكفاري. ويعاني وحده قصاص الخطية، كنائب عن
البشر.
نعم إن السيد قد صرخ، ليعبر عن مرارة
نفسه. تلك المرارة التي لا يستطيع حسنا البشري أن
يتذوقها. لأن المعاقِب هو الآب القدير، والمعاقَب
هو الابن الحبيب البار.
ولعل تفكيرنا البشري يطرح هذا السؤال:
هل لأن عبيد التراب صاروا هدفاً لهذا الحب العظيم،
يصير القدوس الحق هدفاً للقصاص الصارم؟! هذا
السؤال يجيب عليه الإنجيل بقوله »لِأَنَّهُ هكَذَا
أَحَبَّ اللّهُ الْعَالَمَ حَتَّى بَذَلَ ابْنَهُ
الْوَحِيدَ، لِكَيْ لَا يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ
يُؤْمِنُ بِهِ بَلْ تَكُونُ لَهُ الْحَيَاةُ
الْأَبَدِيَّةُ« (الإنجيل بحسب يوحنا 3:16).
في الحقيقة لولا هذا الإعلان عن حب
الله العجيب، ما كنا علمنا أن الله كريم لدرجة أنه
»لم يشفق على ابنه، بل بذله لأجلنا أجمعين« فإلى
شاشة الصليب المصبوغة بالدم، أسألك أن توجه نظرك
لتقرأ في وجه المصلوب الكلمة الرائعة: »الله
محبة«.
نعم إننا في الصليب نكتشف سر الحب
العجيب، ونتحسس فيه روح التضحية. فهناك نرى خالقاً
يجود بنفسه، لأجل جبلة ساقطة. فيا للاكتشاف
المذهل! هكذا احب الله العالم حباً فاض معينه وطمت
مياهه، لتغسل خطايا البشرية وتروي ظمأها إلى البر،
فتثمر أطيب الثمار.
(4) كان أعداء يسوع كثيرين جداً، وقد
أبغضوه بلا سبب (الإنجيل بحسب يوحنا 15:25) وقد
وصفهم يوحنا بكلمة العالم، إشارة:
(أ) إلى عددهم فقد كان هناك عالم من
البشر قاوموا المسيح والمسيحية. وقد أشار إليهم
الكتاب بالقول »يَا رَبُّ مَا أَكْثَرَ
مُضَايِقِيَّ. كَثِيرُونَ قَائِمُونَ عَلَيَّ«
(مزمور 3:1).
(ب) تحالفهم واتحادهم وتضامنهم
وتآمرهم بالقلب وتعاهدهم على الرب ومسيحه وكنيسته
(مزمور 83:5) وهذا ما سجله التاريخ عن اليهود
والأمم، في اتفاقهم معاً على اضطهاد جماعة المسيح،
ومع أنهم كانوا لا يتفقون على شيء آخر.
(ج) روحهم وميولهم. وقد أطلق عليهم
الكاتب لقب أهل الدنيا. وذلك نظراً لانغماسهم في
الدنيويات. حتى أنهم جعلوا نصيبهم قاصراً على
إملاء بطونهم وإشباع شهواتهم، دون أن يفكروا في
الحياة الأبدية.
(9) كان قصد المسيح من مجيئه إلى
العالم، إصلاح العالم. وهذا ما علمنا إياه بتطهير
الهيكل من الأرجاس. فقد وجد في إحدى دوره سوقاً
تجارية، تعج بالباعة مع بضائعهم من غنم وبقر وتيوس
وحمام وكل ما هو لازم لتقديم الذبائح. وكان هؤلاء
يجنون أرباحاً فاحشة مستغلين حاجة الحجاج الغرباء.
كانت هذه السوق تقام سابقاً بجوار
بركة بيت حسدا (الإنجيل بحسب يوحنا 5:2) ولكن
رؤساء الكهنة سمحوا بإقامتها في الهيكل، من أجل
الحصول على حصة من الأرباح، علاوة على الأجرة التي
كانوا يتقاضونها من أجل فحص الحيوانات، وإعطاء
الشهادة بأنها بلا عيب.
وسمحوا أيضاً للصيارفة أن يقيموا لهم
مراكز لأجل إبدال النقود للغرباء. لأن هؤلاء كانوا
ملزمين بدفع رسم للهيكل (خروج 30:12).
هذه الحالة المؤسفة التي صار إليها
بيت الله، أثارت الغضب المقدس في نفس الرب يسوع.
فصنع سوطاً من الحبال وطرد الجميع من الهيكل:
الغنم والبقر، وكب دراهم الصيارفة وقلب موائدهم.
وقال لباعة الحمام ارفعوا هذه من ههنا، لا تجعلوا
بيت أبي بيت تجارة. فتذكر تلاميذه انه مكتوب غيرة
بيتك أكلتني (الإنجيل بحسب يوحنا 2:14-17).
لقد دهشوا في أول الأمر أن يروا ذاك
الذي قيل عنه أنه حمل الله، يحتد ويغضب إلى هذه
الدرجة! لكنهم تذكروا النبوة الواردة في هذا
المزمور المجيد حيث يتكلم داود عن المسيا. وقد
أعلن له أن للرب غيرة من أجل بيته. وهي شديدة
جداً، حتى أنها أكلته، أي جعلته يتضع ويبذل نفسه
على مذبح الصليب.
حين نتأمل في رومية 15:3 نجد أن
المسيح قد طبق الجزء الأخير من هذه الآية على
نفسه، بدليل قول الرسول »لِأَنَّ الْمَسِيحَ
أَيْضاً لَمْ يُرْضِ نَفْسَهُ، بَلْ كَمَا هُوَ
مَكْتُوبٌ: »تَعْيِيرَاتُ مُعَيِّرِيكَ وَقَعَتْ
عَلَيَّ«.
(21) يخبرنا الإنجيل أن يسوع، بعد أن
فرغ من إتمام وصيته بشأن أمه، رأى أنه أكمل كل ما
كان عليه أن يعمل، فلم يبق أمامه إلا أن يتجرع كأس
الموت. إلا أنه في هذه الأثناء سمح لنفسه بأن
ينتبه لحظة إلى آلامه الجسدية، التي كان قد شغله
عنها اهتمامه بغيره فقال »أنا عطشان« فجاءت كلمته
مطابقة لما ورد عنه في هذه الآية. ونفهم من
القرائن أنه لم يقل أنا عطشان، بقصد أن يتم
الكتاب، بل أنه كان عطشان فعلاً. لأن آلام الصليب
المحرقة، كانت على جسمه الشديد الحساسية أحر من
الجمر فيبس لسانه.
أنا عطشان، كانت هذه الكلمة أقصر
العبارات التي فاه بها يسوع على الصليب. كانت غصصه
المريرة قد بلغت مرحلة الفداء، فاستساغ المر
لنستحق نحن الحلو. وأزكى العطش صدره ليروي ظمأنا
من نهر صاف من ماء حياة لامعاً كبلور خارجاً من
عرش الله (رؤيا 22:1).
قال أنا عطشان، ولكن من يستجيب لطلبته
في تلك الساعة؟ من يمد يد الرأفة لمصلوب؟ إن
اليهود الذين انتظر منهم رقة، كان في قلبهم حقد
عليه لا ينحل. فضنوا عليه وهو المشرف على الموت
بنقطة ماء. كان احد الجنود الرومان آنئذ يرفع إلى
شفتيه كأس البوسكا، وهي الخمر الرخيصة المصنوعة من
الخل أو النبيذ التالف والبيض المخفوق. ورأى عن
قرب قطعة الاسفنج، فأمسك بها وغرز رمحه فيها، ثم
غمسها في الكأس حتى تشبعت بالشراب ورفعها إلى شفتي
يسوع المحمومتين. أما يسوع فلما ذاق السائل الحمضي
الذي ألهب الشفتين الممزقتين، قال »قد أكمل« وهكذا
مات بين أعدائه في حرارة العطش.
اذكر هذا يا أخي ، أن المسيح لأجل
فدائك وصل إلى هذا الدرك من الهوان. فاستغاث وليس
من يغيث. ومع أن شريعة اليهود تقول: إن جاع عدوك
فاطعمه، وإن عطش فاسقه، إلا أنهم عاملوا المسيح
كما لو كان أكثر من عدو. كل هذا من أجلك لكي
يصالحك مع الله. لاحظ أن الكلمات السبع التي فاه
بها على الصليب، ليس فيها عن آلامه الجسدية، إلا
هذه الكلمة »أنا عطشان« وهذا يعني أن عطشه فدائي
اختبره ليرفع عنك ذلك العطش، الذي كان عليك أن
تختبره في لهيب الوقائد الأبدية (الإنجيل بحسب
لوقا 16:24).
الترنيمة
حِينَ أَرَى صَلِيبَ مَنْ
قَضَى فَحَازَ الاِنْتِصَارْ
رِبْحِي أَرَى خَسَارَةً
وَكُلَّ مَجْدِ الْكَوْنِ عَارْ
يَا رَبُّ لاَ تَسْمَحْ بِأَنْ
أَفْخَرَ إِلاَّ بَالصَّلِيبْ
مُكَرِّساً نَفْسِي وَمَا
أَمْلِكُ لِلْفَادِي الْحَبِيبْ
مِنْ رَأْسِهِ وَكَفِّهِ
وَجَنْبِهِ وَقَدَمِهْ
سَالَتْ يَنَابِيعُ الشِّفَا
وَالْحُبُّ أَيْضاً مَعْ دَمِهْ
أَيُّ دَمٍ زَاكٍ جَرَى
كَدَمِهِ الزَّاكِي الثَّمِينْ
وَأَيُّ تَاجٍ مِثْلُ تَا
جِ الشَّوْكِ أَحْيَا الْعَالَمِينْ
بِمَ أُكَافِي مُنْقِذِي
مِنْ سُلْطَةِ الْخَطِيَّةِ
إِلاَّ بِتَكْرِيسِي لَهُ
نَفْسِي وَكُلَّ قُوَّتِي
الصلاة:
يا سيدي الرب، إني أخجل من ماضي الملوث، فقد عشت
طويلاً في العالم للعالم. ولكنك رحمتني وقبلت
توبتي، وفديتني بدمك الكريم. ثبتني فيك، ثبتني في
كلمتك، ثبتني في محبتك. اعضدني بيمين برك لكي أغلب
التجارب وأتابع شوطي معك إلى المنتهى. آمين.
السؤال: 18 - هل يوجد ارتباط بين هذا المزمور 69
ومزمور آخر وماذا يصف المزموران؟
|