الرئيسية|تفاسير|مقدمات ومعاجم|كنسيات|عقائد|الحياة المسيحية|العائلة|بدع وهرطقات|أسئلة وأجوبة| دروس | تحميل| ارتباطات

الصفحة الرئيسية  :  تفاسير وشروحات الكتاب المقدس   رسالة بولس الرسول إلى أهل أفسس

الإصحاح الرابع

" 1فَأَطْلُبُ إِلَيْكُمْ، أَنَا الأَسِيرَ فِي الرَّبِّ، أَنْ تَسْلُكُوا كَمَا يَحِقُّ لِلدَّعْوَةِ الَّتِي دُعِيتُمْ بِهَا. 2بِكُلِّ تَوَاضُعٍ، وَوَدَاعَةٍ، وَبِطُولِ أَنَاةٍ، مُحْتَمِلِينَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً فِي الْمَحَبَّةِ."

رأينا في القسم الأول من هذه الرسالة، أننا كنا قبلا بلا رجـاء وبلا إله في العالم، وأمواتا في الذنوب والخطايا. وكنا سالكين بحسب رئيس هذا العالم. ولكن بما أننا الآن قد صرنا موضوع رحمـة الله المعلنة، تجاوبا مع حبه العامل فينا بالنعمة، فإن الرسول يهيب بنا أن نعيش كما يحق للدعوة التي دعينا بها.

من هذه النقطة، وإلى نهاية الرسالة يدخلنا الرسول في المجال العملي، حيث يتوجب على المسيحي أن يعيش حقيقة وضعه في المسيح. وأن يعكس هذه الحقيقة أمام الناس.

لقد بلغنا ذروة إعلان النعمة في صلاة الرسول الثانية، وهذا الإعلان الذي اكتشفناه بواسطة روح المسيح، يجب أن يتحقق منذ الآن في قلوبنا في الإنسان الباطن. هذا أيضا عمل الروح القدس، الذي يعمل فينا جوابا على بساطة الإيمان. وذلك بتفجير هذه الثروات اللامتناهية، والتي تفوق كل معرفة. بهذا العمل من قبل الأقنوم الثالث تنتج القداسة بالإيمان، حيث يعيش المسيحي في وسط أقرانه، كما هو في المسيح الممجد.

في هلة هذا الإصحاح، سأل الرسول الأسير في الرب أحباءه الأفسسيين، أن يقابلوا هذه البركات التي اشتراها المسيح بدمه وجعلهم شركاء فيها، بالسلوك في الاستقامة والقداسة، كما يحق لشرف دعوتهم العظمى. وهذا يماثل قوله للفيليبيين:« فقط عيشوا كما يحق لإنجيل المسيح» (فيليبي 1: 27)، وقوله للكولوسيين:« لتسلكوا كما يحق للرب» (كولوسي 1: 10)، وقوله للتسالونيكيين:« لكي تسلكوا كما يحق لله» (تسالونيكي الأولى 2: 12).

في هذه العبارات يذكرنا الرسول، بأن الله اختارنا في المسيح لنكون قديسين وبلا لوم، وعيننا للتبني. ولكن هؤلاء الذين اختيروا، وعينوا وفدوا وختموا بالروح القدس، يجب أن يبرهنوا ذلك بتواضعهم ووداعتهم وطول أناتهم. إذ هنا تظهر سجايا أولاد الله. هذه هي العلامة الحقيقية لقوة الروح القدس الساكنة في المسيح، والتي أشار إليها الرسول بقوله:" متقوين بكل قوة بحسب قدرة مجده لكل صبر وطول أناة بفرح" (كولوسي 1: 11).

لنفحص قلوبنا وضمائرنا، ولنعترف بإفلاسنا في ضوء الدعوة التي دعانا المسيح إليها حين قال:

" احملوا نيري عليكم وتعلموا مني لأني وديع ومتواضع القلب فتجدوا راحة لنفوسكم، لأن نيري هين وحملي خفيف" (الإنجيل بحسب متى 11: 29-30).

هل تجد عناء في إدراك البساطة التي بها صاغ الرب هذه الدعوة؟ في الحقيقة إنه هنا يلزمنا بأن تستنير عيون قلوبنا. قد لا تستطيع القوى البشرية أن تصل إلى المستوى الذي يتيح لها قبول نير المسيح، ولكن الإنسان الباطن يمكنه أن يدرك ويقبل مشاركة المسيح في نيره بفرح.

يهيب بنا السفر الأخير من الكتاب المقدس أن نشترك في صبر المسيح (رؤيا 1: 9). والرسول سأل من أجل التسالونيكيين هذه الهبة، إذ قال:" والرب يهدي قلوبكم إلى محبة الله وصبر المسيح" (تسالونيكي الثانية 3: 5). وأي أمر لم يصبر المسيح عليه، وهو يواجه تحديات رؤساء اليهود وجماهير أمتهم؟! وأي صبر كان صبر المسيح وهو يرى نكران بطرس وخيانة يهوذا؟!

ليت الرب يسوع يهبنا لطفه ووداعته وتواضعه وصبره، وحينئذ نستطيع أن نحتمل بعضنا بعضا في المحبة! وليته يرسخ في أذهاننا، أن لا نرتأي فوق ما ينبغي ما نرتأي. عالمين أن سلوكنا مهما سما وارتقى، لا يمكن أن يبلغ الكمال. ولكن لا نفشل. فإن قصرنا في أمر ما، فلنا عند الآب شفيع، هو يسوع المسيح البار.

الصلاة: يا رب إلهنا الصالح، نشكرك للطفك وصبرك. لأنك تتأنى علينا ولا تشاء أن يهلك أحد، بل أن يقبل الجميع إلى التوبة. افتح عيون قلوبنا لندرك أبعاد محبتك، ونسلمك قلوبنا لكي تطهرها بدم المسيح. آمين.

السؤال:

1. ماذا سأل الرسول في هذا الإصحاح؟

 


 

4:" 3مُجْتَهِدِينَ أَنْ تَحْفَظُوا وَحْدَانِيَّةَ الرُّوحِ بِرِبَاطِ السَّلاَمِ."

بقدر ما يحل المسيح بالإيمان في قلوبنا، نكون أقوياء بروح الرب في الإنسان الباطن. هذا هو السر الوحيد، لنكون ودعاء ومتواضعين وطويلي الأناة. فنحتمل بعضنا بعضا بالمحبة، ونجتهد لكي نحفظ وحدانية الروح برباط السلام.

الوحدانية لا تحتاج إلى أن نصنعها، لأن الله أوجدها. ومع ذلك فجهود كثيرة تضيع وتصبح عقيمة، لأنها تبذل حيث لا يوجد أساس للإيمان المسلم مرة للقديسين (رسالة يهوذا 3)، لأنه بدون وجود قاعدة إيمانية وبدون طاعة، وبدون حجر زاوية في البناء الروحي، لا يمكن أن توجد وحدة صحيحة.

بوحدانية الروح يتهيأ لنا مناخ روحي، تسود فيه المحبة عواطف جميع المؤمنين. فتصبح العلائق مطبوعة بمحبة الله، التي تحدرت إلى قلوبهم بالروح القدس المعطى لهم. وبهذا يسهل كل عسير، ونحتمل ما لا يحتمل، ومن لا يحتمل. وفي هذا الجو الروحي، يختلف الاحتمال الناشيء عن الضعف والخنوع وعدم القدرة على المقاومة، عن الاحتمال الذي تنشئه المحبة الإلهية، وتنميه وتتوجه.

لقد علمنا في فصل سابق، أن المؤمنين «مبنيون على أساس الرسل والأنبياء، ويسوع المسيح حجر الزاوية» ففي هذا البناء الإلهي المتماسك، نجد هذه الوحدانية، التي دعينا لكي نحفظها برباط السلام. وعلينا قبل كل شيء، أن نصلي بكل طلبة، سائلين الله أن يسود علاقاتنا المشتركة روح التواضع والوداعة وطول الأناة.

إن الأساس قد وضع، والعقيدة نقية ومتينة. ولكن بنياننا يتطلب منّا التسليم الكامل لمشيئة المسيح، لكي يحولنا إلى صورته، لنصير حجارة حية في هيكله المقدس.

حين نتأمل في ما حرضنا الرسول على الالتزام به، إزاء وحدانية الروح، نرى أن الرسول يشير إلى كبر المسؤولية، التي وضعت على كل مسيحي، وإلى ضخامة الخطر الذي يترتب على فقدها. ولا ريب في أن المتأمل في كلمة الرسول، يرى عدة حقائق جديرة بالدرس:

1.  طبيعة الوحدانية: إن الوحدانية المقدسة التي ينشئها الروح القدس ويقويها وينميها، ليس فقط تجعل كل المؤمنين واحدا في المسيح، بل أيضا تجمعهم في اتحاد حيٍّ متين فيما بينهم، كأعضاء الجسد الواحد، الخاضع للرأس الواحد.

إنها رابطة حية شريفة، بين أعضاء حية، في جسد حي، يتوجها رأس واحد حي هو يسوع المسيح. إنها وحدة التآلف بين القديسين، الذين تبناهم الله في المسيح، وآلف بينهم قصد إلهي واحد، مثلما تتآلف أوتار القيثارة، لتردد لحناً واحداً.

2.  واجبنا إزاء الوحدانية: قال الرسول:« مجتهدين أن تحفظوا وحدانية الروح...» والنقطة المركزية في هذه العبارة مؤلفة من كلمتين «مجتهدين وتحفظوا»، وهما تشيران إلى أن المسيحي الحقيقي يعلم أن ليس له قدرة على إنشاء هذه الوحدة بنفسه لأنها من مواهب الله. لكنه يقدر أن يعرف قيمتها ويحفظها باجتهاده، من كل ما يبطلها داخل الكنيسة وخارجها.

أما العبارة« ربط السلام» فتعني أن السلام هو الوسيلة، التي بها تحفظ وحدانية الروح في الكنيسة. وهذا السلام الحافظ نفسه، ناتج عن المحبة والتواضع وطول الأناة، واحتمال كل غيرة بلا غيظ ولا تذمر. وهذا ضروري جدا لحياة الكنيسة ونموها. وهو يظهر فيها بثمار الروح، التي هي: محبة وفرح وسلام، وطول أناة، ولطف وصلاح، وإيمان ووداعة وتعفف. (غلاطية 5: 22-23)، ولسعادتنا أن المسيح هو سلامنا، وقد قال: "ها أنا معكم كل الأيام وإلى انقضاء الدهر".

الصلاة: نمجد اسمك أيها الرب الإله لأجل الروح القدس العامل في الكنيسة، والذي حفظ أولاد الله في كل الأجيال بوحدة الإيمان. قدس قلوبنا وطهر نوايانا واحفظنا برباط السلام، سلام ربنا يسوع المسيح. آمين.

السؤال:

2. عم ينتج السلام في الكنيسة؟

 


 

4:" 4جَسَدٌ وَاحِدٌ، وَرُوحٌ وَاحِدٌ، كَمَا دُعِيتُمْ أَيْضاً فِي رَجَاءِ دَعْوَتِكُمُ الْوَاحِدِ. 5رَبٌّ وَاحِدٌ، إِيمَانٌ وَاحِدٌ، مَعْمُودِيَّةٌ وَاحِدَةٌ، 6إِلَهٌ وَآبٌ وَاحِدٌ لِلْكُلِّ، الَّذِي عَلَى الْكُلِّ وَبِالْكُلِّ وَفِي كُلِّكُمْ."

في هذه الفقرة، يذكر الرسول عناصر وحدانية الروح، أو الأعمدة السبعة، التي بني عليها هيكل الوحدانية:

1.  جسد واحد: وفي مكان آخر قال الرسول:" لأننا جميعنا بروح واحد أيضاً اعتمدنا إلى جسد واحد... وجميعنا سقينا روحا واحدا" (كورنثوس الأولى 12: 13)، وهنا يجب أن نتذكر تعليم الرسول في موضوع الكنيسة كما ترى من فوق:" وأخضعَ كل شيء تحت قدميه، وإياه جعل رأسا فوق الكل للكنيسة التي هي جسده... مبنيين على أساس الرسل والأنبياء، ويسوع المسيح نفسه حجر الزاوية" (أفسس 1: 22، 2: 20). فيا لها من وداعة! ويا لها من قوة! أن نعرف أنه حيثما وضع أساس إلهي واعترف به، نرى أن حجر الزاوية لكل واحد وللجميع معاً" حجرٌ مختارٌ من الله كريم" (بطرس الأولى 2: 4). بمعنى أن الذين يحبون الرب بدون رياء يستطيعون بمحبتهم لله ولبعضهم أن يبرهنوا وحدانيتهم كأعضاء جسد المسيح. وهنا لا بد من القول أن المجهودات، التي يبذلها الناس في هذه الأيام لتوحيد الكنائس بدون الرجوع إلى هذه القاعدة الإلهية، ليست سوى ترداد لما قيل في (تكوين 11) عن برج بابل الذي كان في بنيانه أكثر من تحد لجلال الله.

2.  روح واحد: كما أن الجسد البشري يحيا بفضل التنفس، هكذا جسد المسيح الذي هو هيئة إلهية يحيا بالروح القدس. ولهذا يوصينا بولس بالحذر من إحزان الروح المبارك. وكون جميع المؤمنين أعضاء جسد المسيح، وكون الروح القدس يسكن فيهم، وكونه علة حياتهم الروحية، يستلزم أن يجتهدوا في حفظ وحدانية الروح. وأن يحب كل واحد منهم الآخر، محبة أخوية شديدة بلا رياء. وأن يرتبطوا جميعا برباط السلام.

3.  رجاء واحد: كل عضو في جسد المسيح مدعو لحيازة هذا الرجاء المرتبط بدعوته. وهي تحمله مسؤولية كبرى تجاه العالم، الذي يعيش فيه، وفقا للكلمة الرسولية القائلة:" من ثم أيها الإخوة شركاء الدعوة السماوية، لاحظوا رسول اعترافنا، ورئيس كهنته يسوع المسيح" (عبرانيين 3: 1) لاحظوا حياته، لاحظوا خدمته، لاحظوا تضحيته، لاحظوا المقاومة التي عاناها من الناس. لاحظوا ثمرته هو حبة الحنطة، التي وقعت في الأرض وماتت. إنه كان يحمل الرجاء لكل إنسان في العالم.

في صلاته الأولى سأل بولس من أجل المؤمنين" أن تستنير عيون أذهانهم، ليعلموا ما هو الرجاء المرتبطة به دعوتهم من الله" (أفسس 1: 18)، وقد قال الرسول:« دعـوتكم» نظرا لتعلقه بالدعوة حين دعاهم الروح القدس، وأنشأ فيهم هذا الرجاء الحي، ليكونوا شركاء في ميراث القديسين في النور.

4.  رب واحد: أي سلطة واحدة... لأجل إتمام مخططاته الإلهية في استخدام البشر. ويفعل ذلك اتفاقا مع تسليمهم الكامل لروحه ولكلمته. إنه رب الكنيسة الجامعة ورأسها وملكها ومالكها ومالئها. وهو رب واحد لجميع المؤمنين، فكلهم به متحدون، وكلهم فيه متساوون. وبما أنه افتدانا فنحن لسنا لذواتنا، بل نحن له. ويجب أن نمجده بأرواحنا، وتكون قلوبنا وأعمالنا موافقة لإرادته الصالحة المرضية الكاملة.

5.  إيمان واحد: إيمان موضوعه الرب الواحد. وهذا الإيمان سلم مرة للقديسين. وهو يصدق على كل من يقرون قراراً واحداً، أنهم أهلُ إيمان. لكن المؤمنين الحقيقين، لا يقتصرون على الإقرار الشفهي، بل يعتقدون قلبياً بالرب الفادي الوحيد. فالكل يقبلون إليه كخطأة، ويقبلون خلاصه المجاني.

6.  معمودية واحدة: هذه هي النتيجة الطبيعية لقوة الخلاص، الذي يختبره المؤمن بالحصول على الرب والإيمان به. فبالمعمودية ندخل في العهد مع المسيح. بمعنى أن المعتمدين على اسم الرب، قد وقفوا أنفسهم للرب الواحد. واعترفوا اعترافاً واحداً، وتعاهدوا تعاهداً واحداً. والواقع إن انتسابنا للمسيح، ليس فقط اتخاذ موقف معين، بل هو أيضا فعل تكريس اختياري نتقدم إليه مرة واحدة. وهذا التكريس يعقبه تقديس الحياة يوماً بعد يوم إلى أن نصل إلى السماء. وهذا الانتساب للمسيح يستلزمنا معرفته له المجد في شركة آلامه، وفقا للقول الرسولي:" أم تجهلون أننا، كلّ من اعتمد ليسوع المسيح، اعتمدنا لموته. فدفنا معه بالمعمودية للموت، حتى كما أقيم المسيح من الأموات بمجد الآب، هكذا نسلك نحن أيضاً في جدة الحياة" (رومية 6: 3-4).

7.  إله وأب واحد: يختم الرسول هذه اللائحة المجيدة بالقول:" إله وأب واحد للكل، الذي على الكل وبالكل وفي كلكم". وهكذا يعود بجميع أبناء الله المفديين إلى ينبوع العائلة« الآب». وبهذا يوضح لنا، إن حياة المسيح والمؤمنين واحدة. وإن حياة المسيح وحياة الآب واحدة. فإذاً وحدة الكنيسة قائمة لا باتحادها بالمسيح وحسب، بل أيضا بالله المثلث الأقانيم. فقد جاء في الكتاب العزيز، إنّ الروح القدس يسكن في المؤمنين، وإنّ المسيح يحل بالإيمان في قلوبهم. وقد قال المسيح في صلاته الشفاعية:

" ليكون الجميع واحداً، كما أنك أنت أيها الآب فيّ وأنا فيك، ليكونوا هم أيضا واحدا فينا". (الإنجيل بحسب يوحنا 17: 21).

وفي يقيني أن أعظم ما يطلب للكنيسة، هو أن تمتليء بالله كما امتلأ الهيكل بمجده يوم تدشينه (ملوك الثاني 7: 1-2)، لأن حضوره فيها هو مجدها.

الصلاة: عظيمة هي عنايتك بالكنيسة، أيها الرب الإله. افتديتها بدم ابنك العزيز ومكثت فيها بالروح القدس. فليكن لك المجد في سلوكها في النور وتكريس أعضائها لك كاملاً. قدّس جميع المؤمنين الذين أرسلت ابنك لكي يجمعهم إلى واحد. آمين.

السؤال:

3. ماذا ذكر الرسول في الآيات موضوع تأملنا؟


 

4:" 7وَلَكِنْ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَّا أُعْطِيَتِ النِّعْمَةُ حَسَبَ قِيَاسِ هِبَةِ الْمَسِيحِ. 8لِذَلِكَ يَقُولُ: «إِذْ صَعِدَ إِلَى الْعَلاَءِ سَبَى سَبْياً وَأَعْطَى النَّاسَ عَطَايَا». 9وَأَمَّا أَنَّهُ صَعِدَ، فَمَا هُوَ إِلاَّ إِنَّهُ  نـزلَ أَيْضاً أَوَّلاً إِلَى أَقْسَامِ الأَرْضِ السُّفْلَى. 10اَلَّذِي  نـزلَ هُوَ الَّذِي صَعِدَ أَيْضاً فَوْقَ جَمِيعِ السَّمَاوَاتِ، لِكَيْ يَمْلأَ الْكُلَّ. 11وَهُوَ أَعْطَى الْبَعْضَ أَنْ يَكُونُوا رُسُلاً، وَالْبَعْضَ أَنْبِيَاءَ، وَالْبَعْضَ مُبَشِّرِينَ، وَالْبَعْضَ رُعَاةً وَمُعَلِّمِينَ، 12لأَجْلِ تَكْمِيلِ الْقِدِّيسِينَ، لِعَمَلِ الْخِدْمَةِ، لِبُنْيَانِ جَسَدِ الْمَسِيحِ، 13إِلَى أَنْ نَنْتَهِيَ جَمِيعُنَا إِلَى وَحْدَانِيَّةِ الإِيمَانِ وَمَعْرِفَةِ ابْنِ اللهِ. إِلَى إِنْسَانٍ كَامِلٍ. إِلَى قِيَاسِ قَامَةِ مِلْءِ الْمَسِيحِ."

في هذا القسم من الإصحاح، يشير بولس إلى باعث آخر على الوحدانية مبني على تنوع المواهب في الكنيسة. وكلامه هنا مشابه لكلامه في رومية (2: 3-8)، وكورنثوس الأولى (12: 3-4)، وفيه يذكر الرسول بالعون الإلهي، الذي يتجدد يوماً فيوماً، تبعا للحاجة.« ولكن لكل واحد منا أعطيت النعمة...» ولكن هذه الفقرة تلاشي كل شك أو حدث، وتبطل كل أعذارنا. فهي المفتاح الذي يعود إليه كل مسيحي أمين في خدمته.

 (7) في الإصحاح (2: 11-22)، تكلم بولس عن التغيير الجذري الذي لدى المؤمنين بفعل موت وقيامة المسيح، بالنسبة لليهود والعالم. فمن جهة الخلاص، لا يوجد ثمة امتياز لشعب دون آخر. لأن الجميع أمام الله خطأة هالكون، يعوزهم مجد الله العظيم. وكلام الرسول هنا متعلق بالخدمة المسيحية، التي تختلف كليا عن الخدمة الكهنوتية في العهد القديم.

حين أكمل يسوع الفداء ورفع خطية العالم، شق الله حجاب الهيكل من أعلى إلى أسفل، معلنا أنه منذ الآن وصاعداً، صار الطريق إلى الآب مفتوحا للجميع. ومتيحا للكل القدوم في المسيح بروح واحد إلى الآب (أفسس 2: 18)، فقد أزال فادينا حاجز الفرائض، الذي كان يحد من امتيازات الخدمة، إذ يجعلها مقتصرة على عشيرة واحدة، احتكرت الكهنوت. هذا التدبير كان مقبولا في القديم، ولكنه شاخ وعتق، ولابد من زواله كما هو مكتوب:" فإنه يصير إبطال الوصية السابقة، من أجل ضعفها وعدم نفعها، إذ الناموس لم يكمل شيئاً. ولكن يصير رجاء أفضل، به نقترب إلى الله" (عبرانيين 7: 18-19)، وقد قيل في العهد الجديد:" إن كان أحد في المسيح فهو خليقة جديدة، الأشياء العتيقة قد مضت، هوذا الكل قد صار جديداً" (كورنثوس الثانية 5: 17).

لقد اصطفى الله سفراءه بالروح القدس، وأعطاهم المواهب الروحية اللازمة لسفارتهم، وسربلهم بقوة الأعالي، لكي يخدموه في السبل التي عينها لكل واحد. والنعمة أعطيت لهم، حسب قياس هبة المسيح.

والآن يعلن بولس بواسطة الكتاب أن مصدر النعمة وكل هذه الهبات هو المسيح. فالآلام الكفارية التي تحملها ربنا يسوع المسيح على الصليب، حين  نـزل إلى أقسام الأرض السفلى، أوجدت للمذنبين فداء أبدياً. فتم ما قيل بأشعياء النبي:" من تعب نفسه يرى ويشبع، وعبدي البار بمعرفته يبرر كثيرين وآثامهم هو يحملها. لذلك أقسم له بين الأعزاء ومع العظماء يقسم غنيمة، من أجل أنه سكب للموت نفسه، وأحصي مع أثمة. وهو حمل خطية كثيرين وشفع في المذنبين" (أشعياء 53: 11-12).

 (8-11) لذلك يقول الكتاب (مزمور 68: 18)« إذ صعد إلى العلاء سبى سبيا وأعطى الناس عطايا...» صعد أيضا فوق جميع السماوات لكي يملأ الكل. وهو أعطى:

1.    - البعض أن يكونوا رسلا- وظيفة الرسل أعطيت لهدف معين، ولزمن محدود:

 (أ) للإفصاح عن تدبير النعمة

 (ب) لتأسيس الكنائس

 (ج) لكتابة الأسفار المقدسة الموحى بها من الله، والمعدة للكنيسة في كل زمن.

ويفترض في الرسول أن يكون قد عاين المسيح بعد القيامة وشهد لقيامته، وتعين لهذه الوظيفة منه رأساً. وهي رتبة ذهبت بذهاب العصر الرسولي.

2.  - البعض أن يكونوا أنبياء- هذه الرتبة عرفت في العهد القديم، كما في العهد الجديد. والأنبياء هم رجال ذوو بصائر نيرة أعلن الله لهم إرادته بإلهام خاص، وأمرهم أن يبلغوها للناس. وبتعبير آخر إن الله كلّم الناس بهم، سواء كان كلامهم تعليما أو تحذيرا أو إنباء بما في المستقبل.

3.  - البعض أن يكونوا مبشرين- المبشرون هم المرسلون للمناداة بالإنجيل حيث يجهله الناس. فيجولون بالبشائر السارة، من مكان إلى آخر. وقد حرص بولس وحده على أن ينوه بوظيفة المبشر، موضحا أنها من المواهب التي منحها المسيح لرجال ائتمنهم على نشر كلمة الحق في إنجيل الخلاص.

4.  - البعض أن يكونوا رعاة ومعلمين- غالبا تعبّر هاتان الكلمتان عن وظيفة واحدة أسندت لشخص واحد. فالرعاة هم المعلمون أيضا. والفرق بينهم وبين المبشرين، أنهم معينون لخدمة كنائس معينة. وأنهم يقيمون في الأمكنة، التي فيها كنائسهم، ولا يجولون كالمبشرين. وسموا رعاة لأنهم أشبهوا رعاة الغنم بإرشاد جماعاتهم والاعتناء بها.

 (12) بعد أن أبان الرسول المواهب المتنوعة المعطاة لخدام الرب، أوضح الهدف من إقامتهم:

« لأجل تكميل القديسين...» فالرسول والنبي والمبشر والراعي، لهم هدف واحد« تكميل القديسين لعمل الخدمة وبنيان جسد المسيح». بمعنى أنه لايوجد في المواهب شيء شخصي، بل خدمة مقدمة للجميع، وفقا لما منح الله لخير كل الذين خلصهم بالنعمة.

 (13) في هذه الآية جواب السؤال المطروح:" إلى أي مدى تبقى الكنيسة بخدمها العاملين لبنيانها ولتقديس رعيتها؟" ونتعلم من الجواب أن الكنيسة المسيحية ليست نظاما وقتيا، فهي تبقى حتى تبلغ غايات ثلاث:

1.    -« الانتهاء إلى وحدانية الإيمان ومعرفة ابن الله»- فالمسيح هو موضوع لكل من الإيمان والمعرفة.

2.    - إلى إنسان كامل- ليس لنا كمال في ذاتنا، بل نحن كاملون باتحادنا بالمسيح الكامل.

3.  - إلى قياس قامة ملء المسيح- هذا هو أعلى قياس أمام الكنيسة لتسعى إليه إلى أبد الدهر. فهو يرتقي فوقها وهي تسعى إليه. فهو حافزها على النمو وباعثها على التقدم.

الصلاة: أللهم المنعم الجواد، نشكرك لأجل المواهب التي وضعتها في كنيستك لأجل نموها وتقدمها ونشر إنجيل الحق بواستطها. لا تسمح لنا أن نحتقر هذه المواهب، بل بالحري هب لنا النعمة كي نتاجر بالوزنات التي ائتمنتنا عليها. آمين.

السؤال:

4. ماذا أعطى المسيح الكنيسة؟

 


 

4:" 14كَيْ لاَ نَكُونَ فِي مَا بَعْدُ أَطْفَالاً مُضْطَرِبِينَ وَمَحْمُولِينَ بِكُلِّ رِيحِ تَعْلِيمٍ، بِحِيلَةِ النَّاسِ، بِمَكْرٍ إِلَى مَكِيدَةِ الضَّلاَلِ. 15بَلْ صَادِقِينَ فِي الْمَحَبَّةِ، نَنْمُو فِي كُلِّ شَيْءٍ إِلَى ذَاكَ الَّذِي هُوَ الرَّأْسُ: الْمَسِيحُ، 16الَّذِي مِنْهُ كُلُّ الْجَسَدِ مُرَكَّباً مَعاً، وَمُقْتَرِناً بِمُؤَازَرَةِ كُلِّ مَفْصِلٍ، حَسَبَ عَمَلٍ، عَلَى قِيَاسِ كُلِّ جُزْءٍ، يُحَصِّلُ نُمُوَّ الْجَسَدِ لِبُنْيَانِهِ فِي الْمَحَبَّةِ."

 (14) في هذه الآية تحذير ضمني للمؤمنين من خطر البقاء في طور الطفولة الروحية. وقد تكرر هذا الإنذار ثلاث مرات في الرسائل:

1.  كورنثوس الأولى (3: 1-3)، وأنا أيها الإخوة لم أستطع أن أكلمكم كروحيين، بل كجسديين كأطفال في المسيح... لأنكم بعد جسديون. فإذ فيكم حسد وخصام وانشقاق، ألستم جسديين وتسلكون بحسب البشر؟ في اعتقادي إن أكبر حاجز أمام تقدم المؤمن روحياً ناشيء عن فعل تركيز الإنسان حياته على الذات وليس على المسيح. وهذا من أكبر الأدلة على الطفولة في الحياة المسيحية.

2.  عبرانيين (5: 11-13)،... الكلام كثير عندنا وعسر التفسير لننطق به، إذ صرتم متباطئي المسامع. لأنكم إذ كان ينبغي أن تكونوا معلمين لسبب طول الزمان، تحتاجون أن يعلمكم أحد ما هي أركان بداءة قول الله. وصرتم محتاجين إلى اللبن لا إلى طعام قوي. لأن كل من يتناول اللبن، هو عديم الخبرة في كلام البر لأنه طفل.

 فحال الطفولة هذه، تعرض المسيحي إلى خطر مستمر وإلى عناصر اضطراب وانقسامات وتخريبات، وغير ذلك من الأمور المنتشرة في زمننا. أو على الأقل تجعله محدود النشاط، متقوقعا ربما على عقيدة كتابية، مما يجعله جامداً وكأنه في عزلة، مكتفيا لا شعور عنده بآلام جسد المسيح. وغير آبه لمسؤولياته أمام العالم الهالك وحاجة النفوس فيه. فالعدو لا تنقصه الحيلة لاستخدام الفرص ضد المؤمنين.

3.  أفسس (4: 14)، لا نكون في ما بعد أطفالا مضطربين ومحمولين بكل ريح تعليم... ففي طور طفولتهم كان الأفسسيون متقلبين، تتجاذبهم رياح تعاليم متعددة. وقد شبههم الرسول بسفينة، تمخر عباب اليم بدون ربان، تلعب بها الأمواج وتتقاذفها التيارات ذات اليمين وذات الشمال. ففي ذلك الوقت اندس في صفوفهم معلمون كذبة، وراحوا يبثون الضلال. هكذا قال بطرس:" ولكن كان أيضا في الشعب أنبياء كذبة، الذين يدسون بدع الهلاك... وسيتبع كثيرون تهلكاتهم، الذين بسببهم يجدف على طريق الحق" (بطرس الثانية 2: 1-2).

هؤلاء الكذبة لم يخل منهم جيل من الأجيال، وخصوصا جيلنا، الذي كثر فيه رسل الشيطان، وراحوا يزرعون البدع، التي تسبب الاضطرابات وتزرع الخصومات بين الجماهير. وتدفع بالكثيرين إلى الارتداد عن الله الحي والتمسك بالخرافات. وقد تنبأ بولس عن ذلك، إذ قال:" لأنه سيكون وقت، لا يحتملون فيه التعليم الصحيح بل حسب شهواتهم الخاصة، يجمعون لهم معلمين مستحكة مسامعهم، فيصرفون مسامعهم عن الحق وينجرفون إلى الخرافات" (تيموثاوس الثانية 4: 3-4).

 (15) حين نكون صادقين في المحبة، ننمو في كل شيء: في الإيمان والمعرفة والصدق والمحبة، إلى ذلك الذي هو الرأس المسيح. وإن لم نكن كذلك فتقوانا نوع من الرياء الباطل. أي نكون في حكم أولئك الذين قال الرسول: لهم صورة التقوى. إن كان أحد في الحقيقة، فينبغي أن يعيش هذه الحقيقة، بصلاح ووداعة وأمانة و نـزاهة. وخلافا لذلك، يضل نفسه، وليس الحق فيه.

 (16) في هذه الآية أربعة أمور تتعلق بالكنيسة، التي هي جسد المسيح:

 (أ) إن القوة التي تعمل لإنمائها، مستمدة من المسيح، لأنه مصدر حياتها وقوتها. وهي متمسكة به، تنمو من الله (كولوسي 2: 19).

 (ب) إن نموها يتوقف على اتحاد كل أعضاء الجسد بالرأس بواسطة ربط ووشائج مناسبة.

 (ج) إن النمو عندها متناسب متعادل.

 (د) إن النمو لا يكون بدون المحبة.

الصلاة: يا ربنا الحي يا مصدر كل صلاح وبر وحق. قدّس كنيستك المجاهدة لأجل نشر بشرى الخلاص. قوِّ الألفة بين أعضائها لكي تتماسك بمؤازرة وتنمو في المحبة إلى ذلك الذي هو الرأس، المسيح. آمين.

السؤال:

5. ما هو التحذير الذي وجهه الرسول للمؤمنين؟

 


 

4:" 17فَأَقُولُ هَذَا وَأَشْهَدُ فِي الرَّبِّ، أَنْ لاَ تَسْلُكُوا فِي مَا بَعْدُ كَمَا يَسْلُكُ سَائِرُ الأُمَمِ أَيْضاً بِبُطْلِ ذِهْنِهِمْ، 18إِذْ هُمْ مُظْلِمُو الْفِكْرِ، وَمُتَجَنِّبُونَ عَنْ حَيَاةِ اللهِ لِسَبَبِ الْجَهْلِ الَّذِي فِيهِمْ بِسَبَبِ غِلاَظَةِ قُلُوبِهِمْ. 19اَلَّذِينَ إِذْ هُمْ قَدْ فَقَدُوا الْحِسَّ، أَسْلَمُوا نُفُوسَهُمْ لِلدَّعَارَةِ لِيَعْمَلُوا كُلَّ نَجَاسَةٍ فِي الطَّمَعِ."

(17) ينحدر بنا الرسول من قمة إعلان سر المسيح الذي هو جسده، إلى حضيض هذا العالم لكي يسيرنا مع هذه الدعوة في المجتمع- وبلهجته القوية التي اشتهر بها، فضح أعمال الإثم، وتوسل إلى المسيحيين لكي يعرفوا مقامهم في المسيح، ويترفعوا عن نجاسات العالم. وأن يتذكروا أن إرادة الله هي قداستهم،« أن يعرف كل واحد أن يقتني إناءه بقداسة وكرامة» (تسالونيكي الأولى 4: 3-4)، بمعنى أننا كمسيحيين قد دعينا للسلوك منفصلين عن الخطية. وفي كل شيء أن نظهر أنفسنا كخدام الله، في صبر كثير وفي شدائد... في طهارة، في علم، في أناة، في لطف، في الروح القدس، في محبة بلا رياء، في كلام الحق" (كورنثوس الثانية 6: 4-7)، وفي نفس الوقت دعينا لنشهد للحق ونجذب أكبر عدد ممكن بواسطة الكرازة بإنجيل محبة الله في ابنه يسوع المسيح.

لهذا يتحتم في الكنيسة أن يكون مسلك أعضائها، مخالفا لمسلك أهل العالم، منافيا لتصرف أبناء هذا الدهر. ولم يكن على الرسول أن يمضي بعيدا، ليرينا مسلك أهل العالم. فقد كفاه أن يلفت أنظارنا إلى أبناء البشر المحيطين بنا. والعائشين بحسب شهوات الغرور. ولكي نسلك بصورة تليق بدعوتنا في العالم، طلب إلينا في الرب أن نعيش بحسب الحق الذي في المسيح، كما سمعناه، وعلمنا فيه. وأن نسلك فيه خطوة فخطوة، ونحن يقظون. لأن القوة الشريرة التي تسوس العالم، مجتهدة باستمرار لتعطيل دعوة مفديي الرب. لذلك ينبغي أن لا نكتفي بالخضوع لكلمة الله والطاعة للمسيح، بل يجب أيضا أن نكون دائما مستنفرين ومستعدين للشهادة والكفاح، وفقا لما سنراه في ختام هذه الرسالة.

 (18) إن أشرّ ما في أبناء هذا الدهر، ليس فقط أفكارهم الفارغة بل أذهانهم المظلمة التي هي مكان أفكارهم أيضا. وفي هذا يقول الرسول:" إنهم لما عرفوا الله لم يمجدوه كإله، بل حمقوا في أفكارهم وأظلم قلبهم الغبي، وبينما هم يزعمون أنهم حكماء صاروا جهلاء" (رومية 1: 21-22). وقد قال في مكان آخر:" إن كان إنجيلنا مكتوما، فإنما هو مكتوم في الهالكين، الذين فيهم إله هذا الدهر قد أعمى أذهان غير المؤمنين، لئلا تضيء لهم إنارة مجد إنجيل المسيح الذي هو صورة الله" (كورنثوس الثانية 4: 3-4).

في الإصحاح (2: 12)، قال الرسول للأفسسيين:" اذكروا أنكم أنتم الأمم... كنتم في ذلك الوقت بدون مسيح... غرباء عن عهود الموعد، لا رجاء لكم وبلا إله في العالم". فالإنسان الطبيعي لا يستطيع أن يتكلم عن الله، وفي بعض الأحوال لا يستطيع أن يؤمن (يعقوب 2: 19)، ولكن هذا لا يغير شيئا من الحقيقة، التي تظهر أن الإنسان منذ ولادته، وبسبب السقوط متجنب عن حياة الله. ولهذا يجب أن يولد جديداً من الله، لكي يستقيظ ضميره من نوم الموت بفعل الروح القدس. ويحصل على حياة الله في المسيح، التي هي الحياة الأبدية.

حين خاطب بطرس قتلة المسيح، قال لهم:" والآن أيها الإخوة أنا أعلم أنكم بجهالة عملتم كما رؤساؤكم أيضا" (أعمال 3: 17)، وقال بولس:" بل نتكلم بحكمة الله في سر الحكمة المكتومة التي سبق الله فعينها قبل الدهور لمجدنا، التي لم يعلمها أحد من عظماء هذا الدهر، لأن لو عرفوا لما صلبوا رب المجد" (كورنثوس الأولى 2: 7-8). فالناس بدون المسيح هم مظلمو الفكر، بسبب الجهل الذي فيهم. ولكن الجهل ليس بعذر! حتى بالنسبة لليهود حين صلبوا رب المجد. لأن المسيح ولد وعاش وعلّم بينهم وفقا للنبوات، وكان مؤيدا بالعجائب والقوات المسيحانية، التي ذكرت في الكتب. والجهل أيضا ليس بعذر بالنسبة للعالم الحاضر، لأن إنجيل المسيح معروف في العالم. ولأن الله لم يترك ملايين البشر بدون شاهد لنعمته. ومع ذلك فأبناء هذا الدهر ما زالوا يحسبون الكرازة بإنجيل الصليب جهالة... ولكن شكراً لله لأنه عند المخلصين قوة الله (كورنثوس الأولى 1: 18).

 (19) يأتي وقت فيه يجف الضمير، فكيف عن التوبيخ. وعندئذ تتلاشى العواطف الطبيعية من القلب، فيصير الناس بعيدين عن الله، بلا حنو، بلا رضا، ثالبين عديمي ال نـزاهة، شرسين غير محبين للصلاح، خائبين مقتحمين، محبين للذات دون محبة الله (تيموثاوس الثانية 3: 3-4). لقد عرف بالاختبار أن التمادي في الشر يحجر الضمير، ويجعله عديم الإحساس وتبعا لذلك يصبح ارتكاب الشر بالنسبة لفاعله، غير مستوجب الحكم.

ويختم الرسول هذه اللائحة بالإشارة إلى الدرك الذي يسقط فيه أبناء العالم وهم يمارسون الشر: الاستسلام للدعارة ليعملوا كل نجاسة في الطمع. هذه نتيجة فقدان الحس بوخزات الضمير. فلنقف هنا ولنحاول أن نقنع أنفسنا بواسطة كلمة الله. ولنسأله تعالى أن يحفظ ضمائرنا، لتبقى حاجزا يمنعنا من الانضمام إلى الأجيال الفاسدة، وبالتالي يسيرنا بحسب مشيئته.

الصلاة: أبانا الذي في السماوات ليتقدس اسمك ليأت ملكوتك لتكن مشيئتك كما في السماوات كذلك على الأرض خبزنا كفافنا أعطنا اليوم واغفر لنا ذنوبنا كما نغفرنحن أيضا للمذنبين إلينا ولا تدخلنا في تجربة لكن نجنا من الشرير لأن لك الملك والقوة والمجد إلى الأبد. آمين.

السؤال:

6. ماذا يتحتم في الكنيسة؟


 

4:" 20وَأَمَّا أَنْتُمْ فَلَمْ تَتَعَلَّمُوا الْمَسِيحَ هَكَذَا،21إِنْ كُنْتُمْ قَدْ سَمِعْتُمُوهُ وَعُلِّمْتُمْ فِيهِ كَمَا هُوَ حَقٌّ فِي يَسُوعَ."

بعد أن وصف حالة العالم بسبع كلمات وجيزة، انتقل الرسول بسرعة إلى ينبوع مفديي الرب. لأنهم يعيشون على شفير الهاوية، والطوفان يهددهم بالإبادة. فقد حدث هذا حين كانت الامبراطورية الرومانية في غمرة فسادها، وفيما هي في أوج ازدهارها ونجاحها. وكان شرها ونجاحها. يسيران جنبا إلى جنب، كما كانت حال البشر في أيام نوح، وفجأة جاء الطوفان. ويا له من تحذير لعالمنا الحاضر!

 (20) بيد أن هذا الفصل الموضوع لتأملنا، يؤكد لنا عدم ضياع كل شيء بالنسبة لكل طالب الله. لأن هناك بارقة أمل، يمكن لدعوتنا أن ترتكز عليها، وهي الرجاء بخلاص الله، لكل من يؤمن بيسوع. لقد أعطانا كلمته، التي هي روح وحياة. وإن كان العالم بسبب عدم اتباعنا له، يتجاهلنا ويبغضنا، فإن مخلصنا له المجد صلى إلى الآب لكي يحفظنا على الأرض ويبارك شهادتنا (الإنجيل بحسب يوحنا 17: 10-27). أما الآن فالأمر يتعلق بثبات حياتنا في الحق الذي في يسوع المسيح، كما سمعناه وعلمنا فيه، لكي نستمر على التعليم منه.

« أما أنتم» هاتان الكلمتان تدلان على موقف حازم، خارج العالم الذي وضع في الشرير. وهذا الموقف، يعيد إلى أذهاننا القول الرسولي:" وأما أنتم فجنس مختار وكهنوت ملوكي، أمة مقدسـة، شعب اقـتناء، لكي تخبروا بفضائل الذي دعاكم من الظلمة، إلى نـوره العجيـب" (بطـرس الأولى 2: 9).

« لم تتعلموا المسيح هكذا» كم كان على قلب بولس أن يتلقى كل مؤمن تعليم المسيح ببساطة، ويقبله ببساطة، ويعيشه ببساطة! هذه الحقيقة تذهب بنا مرة أخرى إلى بيت (تيرانس)، حيث كان الرسول يعلم الأفسسيين كلمة الله. هناك أفرز التلاميذ عن المجمع اليهودي، محاجاً كل يوم (أعمال 19: 9).

لم يشأ الرسول الكريم أن ينطووا على ذواتهم، بل أن يكونوا أقوياء، وممتلئين من الروح القدس. لكي ينادوا هم في دورهم بإنجيل الخلاص إلى كل الذين بدونه سيهلكون إلى الأبد.

« فكما قبلتم المسيح يسـوع الرب، اسلكوا فيه متأصلين ومبنيين فيه، وموطـدين في الإيمان، كما علـمتم متفاضلين فيه بالشـكر». هذه كانت وصية بولس إلى أهل كولوسـي (كولوسي 2: 6-7).

 (21) في هذه الآية يقدم الرسول المسيح كمعلم« إن كنتم قد سمعتموه».« وإن» هنا ليست للشرط وليست للشك، بل للقطع. والمراد بالسمع هنا طاعة القلب، وفقا لقول المسيح:" من له أذنان للسمع فليسمع" (الإنجيل بحسب متى 13: 9)، وقول الرسول:« اليوم إن سمعتم صوته، فلا تقسوا قلوبكم». إن الذين سمعوا المسيح عبر إنجيله المبارك، يستلزم أن لا يسلكوا كما يسلك سائر الأمم في بطل أذهانهم. لأنهم حين تعلموه وقبلوه، حل بالإيمان في قلوبهم، وصاروا من خرافه، التي تسمع صوته وتتبعه (الإنجيل بحسب يوحنا 10: 27-28).

والذين تعلموا الحق فيه، يقتضي أن يكونوا مسيحيين بالحق، وعارفين الحق، وعائشين في الحق، بدليل قول المسيح:" وهذه هي الحياة الأبدية، أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك، ويسوع المسيح الذي أرسلته" (الإنجيل بحسب يوحنا 17: 3).

هل عرفت المسيح، وعلمت فيه؟ إن معرفة الحق في يسوع، تستلزم محبة يسوع، ومحبة الحق، ومحبة القداسة، لأن يسوع هو القدوس الحق. فالحق كما هو في يسوع، هو كلامه الذي علمه تلاميذه، فكتبوه ليكون سراجا لأرجلنا ونورا لسبيلنا.

الصلاة: نشكرك أيها الرب الإله، لأجل يسوع المذخر فيه كل كنوز العلم الصحيح. ثبتنا في كلام المسيح، وفي محبة المسيح إلى المنتهى. آمين.

السؤال:

7. ماذا تعني الكلمتان اللتان استهل الرسول الآية العشرين بهما« وأما أنتم»؟

 


 

4:" 22أَنْ تَخْلَعُوا مِنْ جِهَةِ التَّصَرُّفِ السَّابِقِ الإِنْسَانَ الْعَتِيقَ الْفَاسِدَ بِحَسَبِ شَهَوَاتِ الْغُرُورِ، 23وَتَتَجَدَّدُوا بِرُوحِ ذِهْنِكُمْ، 24وَتَلْبَسُوا الإِنْسَانَ الْجَدِيدَ الْمَخْلُوقَ بِحَسَبِ اللهِ فِي الْبِرِّ وَقَدَاسَةِ الْحَقِّ."

 (22) إن ما تعلمه المؤمنون من يسوع وما سمعوه منه، وما علموه فيه« كما هو الحق في يسوع». هو أن يخلعوا الإنسان العتيق الفاسد ويلبسوا الجديد.

في رسالته إلى أهل رومية، أرانا بولس هذا الإنسان العتيق، وقد صلب مع المسيح ليبطل جسد الخطية (رومية 6: 3)، وفي رسـالته إلى أهل كولوسي، أرانا إياه، وقد خلعه المؤمـن من أعمالـه

 (كولوسي 3: 9). ونستدل من هذا أن الإنسان العتيق هو الحالـة العتيقة، التي كان عليها المؤمن، قبل أن يعرف المسيح. فالحق الذي تعلمه المؤمنون في يسوع، هو إذا حق عملي، لأنه يتناول التصرف السابق.

في الرسالة إلى أهل غلاطية، تكلم بولس عن أعمال الجسد (غلاطية 5: 19-20). ولكنه هنا يذكر بالدرجة الأولى أعمال الطبيعة الساقطة.، بل اهتم قبل كل شيء بالإنسان العتيق، الواجب أن نخلعه ونلقي به بعيدا، كما يلقى بالثوب الوسخ النجس. لأنه فاسد بحسب شهوات الغرور. وهذه الأوصاف تعني أفقيا أنها تقود إلى الدمار الكامل بواسطة الشهوات الردية، التي تتملق الإنسان وتجذبه إلى ناموس الخطية والموت.

في تقديري أن بولس هنا، لا يعالج أفعالا وتصرفات، بل يميط اللثام عن مسبباتها. وبنفس الوقت يهيب بنا أن نعترف أننا ساقطون ومولودون في الخطية ومشوّهون كليا. وإن أول فعل يجب أن نقوم به، هو أن نخلع الطبيعة العتيقة ونطرحها بعيدا، عالمين أنها صلبت مع المسيح وعند ذاك يتم فينا اختبار بولس:" مع المسيح صلبت فأحيا لا أنا، بل المسيح يحيا فيّ. فما أحياه الآن في الجسد، فإنما أحياه في الإيمان، إيمان ابن الله، الذي أحبني وأسلم نفسه لأجلي" (غلاطية 2: 20).

 (23-24) بيد أن اتخاذ هذا الموقف من الإنسان لا يكفي، إذ يجب علينا أن نكرر عملية الخلع باستمرار. لذلك ينبغي أن نفهم الناحية الإيجابية من هذا التعليم، كما فعل الأفسسيون. فهولاء حين خلعوا الإنسان العتيق، دعاهم بولس لكي يتجددوا بروح ذهنهم. ومعنى هذا جانبيا أن يتجددوا في أرواحهم وعقولهم، وأن يلبسوا الإنسان الجديد المخلوق بحسب الله في البر وقداسة الحق. وفي تعبير آخر إن الإنسان الجديد هو المؤمن الذي انتزع الله منه« قلب الحجر» وأعطاه قلب لحم وجعل روحه في داخله (حزقيال 36: 26).

وهذه اللهجة التي تكلم بها بولس كانت قوية جداً ومعزية، بحيث يظهر فيها سلطانه الرسولي، وحسنا نفعل إن عملنا بوصيته، فنحصل على وقاية من الهلاك في وسط طوفان هذا العالم، حيث يعيش معظم الناس بلا رجاء وبلا إله.

وكم يجب أن نشكر الله ونحمده، لأنه في عملية الخلق الجديد يصيرنا إلى صورة ابنه يسوع المسيح. وبذلك يعطينا ما هو غريب عن طبيعتنا الساقطة، أي كل ما هو بار، كل ما هو مقدس، كل ما هو حق. إنه باركنا بكل بركة روحية في السماويات.

ويجوز أن نلخص حجة الرسول في هذه الآيات الثلاث التي مرت بنا هكذا: ها أنتم قد قطعتم كل صلة تربطكم بآدم الأول. ودخلتم في عهد جديد مع آدم الثاني، الذي هو يسوع الرب من السماء، فأضحى كل منكم شخصاً جديداً، بعد أن خلع تلك الشخصية العتيقة.

الصلاة: ما أعظم اسمك أيها السيد الرب! نشكرك لأجل هذا الدرس المهم الذي تعلمناه بوجوب خلع الطبيعة القديمة مع أعمالها الفاسدة. ساعدنا لكي نتحصن فيك ضد كل محاولات إبليس، الذي نشط في الأيام الأخيرة. آمين.

السؤال:

8. ما هي وصية الرسول في هذه الآيات؟

 


 

4:" 25لِذَلِكَ اطْرَحُوا عَنْكُمُ الْكَذِبَ وَتَكَلَّمُوا بِالصِّدْقِ كُلُّ وَاحِدٍ مَعَ قَرِيبِهِ، لأَنَّنَا بَعْضَنَا أَعْضَاءُ الْبَعْضِ. 26اِغْضَبُوا وَلاَ تُخْطِئُوا. لاَ تَغْرُبِ الشَّمْسُ عَلَى غَيْظِكُمْ 27وَلاَ تُعْطُوا إِبْلِيسَ مَكَاناً."

بعد أن أوصى الرسـول الأفسسيين بوجوب القداسة، وحضّهم على أن يكونوا متمثلين بالله، دخل في تفاصيل ثمـار الطبيعة العتيقة، ابتداء من خطية اللسان الأكثر نجاسة، وهي الكـذب وما يتعـلق به.

 (25) فأولاد الله الذين تبناهم بالمسيح وأعطاهم ميراثا معه، يجب عليهم ليس فقط أن يتكلموا بالصدق، بل أيضا أن يكونوا صادقين في المحبة. هذا كقوله:" لا تكذبوا بعضكم على بعض، إذ خلعتم الإنسان العتيق مع أعماله ولبستم الجديد، الذي يتجدد للمعرفة حسب صورة خالقه" (كولوسي 3: 9-10)، وقوله في رومية:« أما المحبة فلتكن بلا رياء» (رومية 12: 9)، فلنظهر محبتنا للرب بأن نطرح كل عاطفة معادية للقداسة. وخلافا لذلك فلا تكون ديانتنا بحسب الحق. ولعل الرسول الكريم أراد بهذه الوصية أن يضع حدّا لرذيلة الكذب، التي كانت متفشية في الأوساط اليونانية.

ويمكننا أن نوجز كلمة الرسول الواردة في هذه الآية هكذا:« بما أنكم عدلتم عن أن تسلكوا كسائر الأمم ببطل ذهنهم، ولأنكم متمثلون بالله، اطرحوا عنكم الكذب، وتكلموا بالصـدق كل واحد مع قريبه»، أوكما قال في مكان آخر:" ليرضِ كل واحد منا قريبه للخير لأجل البنيان" (رومية 15: 2). نحن في الواقع أعضاء جسد واحد رأسه المسيح، لذلك لا يليق بنا أن يخدع أحدنا الآخر. وليس هذا فقط، بل إن هذه الفضيلة تستلزمنا بالضرورة أن نتخذ الموقف عينه حيال من هم من الخارج.

 (26) هنا يتكلم الرسول عن الغضب، والغضب انفعال طبيعي، ولا يحسب شرا في حد ذاته. لأنه من الطبيعي أن يمتعض الإنسان حين يرى التصرفات الخاطئة. هكذا فعل يسوع، حين رأى جماعة اليهود يمتهنون كرامة بيت الرب (يوحنا الثانية: 15-17). وإنه لبديهي أن يغضب القدوس الحق، وهو يرى الإثم ويلحظ غياب الحق من العالم. ولكن عندما نمتعض من جراء هذه الأمور، يجب أن ننتبه ونصلي، لأن الطبيعة العتيقة يمكن أن تكسر القيود وتشرأب من خلال الامتعاض، وأي تحطيم يحصل عند ذاك لأن العدو المتربص بنا دائما يعرف كيف يحرض فينا ال نـزوات القديمة الكامنة.

في تحذيره من مغبة الغضب ذكر الرسول ثلاثة أشياء جديرة باهتمامنا:

1.    - الغضب البريء- قال:" اغضبوا ولا تخطئوا"، والرسـول هنا، اقتبس ما جـاء في

 (المزمور 4: 4)، حيث يقول المرنم:" ارتعدوا ولا تخطئوا". فالغضب بحسب هذا القول، يكون في الغالب انتصـاراً للحـق المجني عليه. ولكن في كل الحالات، يجب أن لا يتخذ امتعاضنـا شكـل الغيظ الحانق.

2.  - تصريف الغضب- قال:« لا تغرب الشمس على غيظكم» وقال حكيم الكتاب المقدس:" إن الغضب يستقر في حضن الجهال" (جامعة 7: 9)، ولعل الرسول أوصانا بالتخلص من الغضب، لكي لا نترك له مجالا للتفاعل في النفس، فيصبح غيظا حاقدا. لهذا كانت وصية الرسول يعقـوب:" ليكن كل إنسان... مبطئا في الغضب، لأن غضب الإنسـان لا يصنع بر الله" (يعقوب 1: 19-20).

3.  - التحوط ضد مكايد إبليس- قال:« لا تعطوا إبليس مكانا» هذا دليل على أن الغضب يعطي إبليس فرصة، لكي يدخل قلوبنا ويجربنا ويجعلنا نخطيء. قيل أن موسى كان أحلم الناس. ولكن لما تذمر عليه الشعب في مريبة، اغتاظ حتى أن فرّط بشفتيه (مزمور 106: 33).

كن حليما ولا تثر سريعا، حين تتعرض للمعاكسات في هذا العالم. بل تمالك روحك، لأن" البطيء الغضب خير من الجبار، ومالك روحه خير ممن يأخذ مدينة" (أمثال 16: 32).

الصلاة: يا سيدي الرب. اجعلني وديعاً كفاديّ، حتى أستطيع ضبط نفسي متحملا بذلك قسطي من صليب ربنا يسوع المسيح. قوِّ عندي المحبة التي لا تحتد، ولا تثور من أجل نفسها. آمين.

السؤال:

9. ما هي الرذيلة التي أوصى الرسول بولس الأفسسيين أن يطرحوها؟


 

4:" 28لاَ يَسْرِقِ السَّارِقُ فِي مَا بَعْدُ، بَلْ بِالْحَرِيِّ يَتْعَبُ عَامِلاً الصَّالِحَ بِيَدَيْهِ، لِيَكُونَ لَهُ أَنْ يُعْطِيَ مَنْ لَهُ احْتِيَاجٌ. 29لاَ تَخْرُجْ كَلِمَةٌ رَدِيَّةٌ مِنْ أَفْوَاهِكُمْ، بَلْ كُلُّ مَا كَانَ صَالِحاً لِلْبُنْيَانِ، حَسَبَ الْحَاجَةِ، كَيْ يُعْطِيَ نِعْمَةً لِلسَّامِعِينَ. 30وَلاَ تُحْزِنُوا رُوحَ اللهِ الْقُدُّوسَ الَّذِي بِهِ خُتِمْتُمْ لِيَوْمِ الْفِدَاءِ."

 (28) إن كان بولس يوصي بال نـزاهة وبالعمل اليدوي، فإنما ذلك لهدف عملي، هو أن يحصل المؤمن ما يمكنه سد حاجاته، وبالتالي يتصدق على من له احتياج. ولعل الرسول يريد أن يضع المؤمن في جو الإيجابية باستمرار، ليكون مستعدا أن يصنع مشيئة الله في كل الاتجاهات.

هذا ليس مجرد إصلاح الذات، بل هو انقلاب جذري، ينقل الإنسان من الظلام الحالك إلى النور الساطع. من الإنسان العتيق الفاسد، إلى إنسان الله المخلوق جديدا بحسب الله.

قبل أن يعرف الإنسان المسيح، كان يحصر أفكاره في الوسائل التي تمكنه من جمع الخيرات الأرضية لنفسه، ولو في معزل عن ال نـزاهة والصدق. ولكنه بعد الإيمان، صار يعمل بكد ويفكر في الطرق التي تتيح له الربح الشريف ليعطي من له احتياج.

 (29) جرى الرسول في قوله هنا كعادته في استعمال النهي، كمن له السلطان من الله. قال:" لا تخرج كلمة رديئة من أفواهكم". الكلمة الرديئة هي الكلمة الفاسدة المجردة من النعمة، والتي تهيج الأفكار النجسة، وتقود إلى الأعمال الخبيثة، التي تهين قداسة الله. وهي أكبر دليل على فساد القلب. وهذا موافق لقول المسيح:" الإنسان الصالح من ك نـز قلبه الصالح يخرج الصلاح، والإنسان الشرير من ك نـز قلبه الشرير يخرج الشر، فإنه من فضلة القلب يتكلم فمه" (الإنجيل بحسب لوقا 6: 45)، ولكن أقول لكم:" إن كل كلمة بطالة يتكلم بها الناس، سوف يعطون عنها حسابا في يوم الدين" (الإنجيل بحسب متى 12: 36).

ففي وسط هذا الجيل المعوج والملتوي، يشاء الله أن يكون أولاده عناصر معلمة سواء أكان بين القديسين أم بين أبناء هذا العالم الموضوع في الشرير. إنهم يمثلون في المجتمع القوة التي تصد طوفان وطغيان الفوضى. إن حياتهم وفقا للدعوة الإلهية، تتمم كلمة ربهم وفاديهم:" أنتم ملح الأرض"

 (متى 5: 13)، الملح الذي يمنع انتشار الفساد الأبدي.

سلم حياتك ليسوع، ودع روحه القدوس يعمل في حياتك، فينقي قلبك، ومتى نقى قلبك، ينقي لسانك، ويصير كلامك" كل حين بنعمة مصلَحا بملـح، وتعلم كيف يجـب أن تجـاوب كل واحد"  (كولوسي 4: 6).

 (30) هنا يحذرالرسول من خطأ خطير جداً، وهو إحزان الروح القدس، قال:« لا تحزنوا روح الله القدوس... »، روح الله ماكث فينا يعزينا ويرشدنا إلى جميع الحق، وبه ختمنا ليوم الفداء (أفسس 1: 18)،" وهو الذي يشهد لأرواحنا أنا أولاد الله" (رومية 8: 16)،" وهو الذي أعطانا الحياة في المسيح" (أفسس 2: 5)،" وهو الذي به صار لنا قدوم إلى الآب في المسيح" (أفسس 2: 18)، "وهو الذي يوزع لنا المواهب التي نحتاج إليها في خدمتنا" (أفسس 4: 7-8)، لذلك لنحترز من إحزانه، ولن نـزع من حياتنا كل ما يحجب قوته.

في يوم الخمسين ظهر الروح القدس في ألسنة منقسـمة كأنها من نار، واستقرت على التلاميذ

 (أعـمال 2: 3)، فلا غـرابة إذا كان الـروح المبـارك، رقيبا على الألسـنة، وإن كل كلـمة رديئـة تحزنه.

لا ريب في أن سكنى الروح القدس في المؤمن يثبت أنه ابن الله، ويؤكد خلاصه، كما جاء في قوله: « الذي به ختمتم ليوم الفداء». فكل تصرف يحزنه يحسب تعديا على الروح الإلهي الذي منحنا رجاء السماء. صحيح أن الروح القدس متى سكن قلب المؤمن، لا يعود يفارقه أبدا. ولكن عرف بالاختبار أن المؤمن الذي يحزنه يخسر كثيرا من البركات.

الصلاة: يا إلهنا الحي، يا مصدر كل خير ومعطي كل بركة روحية. امنحنا القوة لكي نعيش في قداسة. واجعل ضمائرنا مستيقظة، لكي لا نأتي عملا يحزن روحك القدوس. هذا نطلبه باسم الكريم يسوع. آمين.

السؤال:

10. بم أوصى الرسول مؤمني أفسس في الآية (28)؟

 


 

4:" 31لِيُرْفَعْ مِنْ بَيْنِكُمْ كُلُّ مَرَارَةٍ وَسَخَطٍ وَغَضَبٍ وَصِيَاحٍ وَتَجْدِيفٍ مَعَ كُلِّ خُبْثٍ. 32وَكُونُوا لُطَفَاءَ بَعْضُكُمْ نَحْوَ بَعْضٍ، شَفُوقِينَ مُتَسَامِحِينَ كَمَا سَامَحَكُمُ اللهُ أَيْضاً فِي الْمَسِيحِ."

بعد أن حذر الرسول من التصرفات، التي تحزن الروح القدس، ختم الإصحاح بآيتين أشار فيهما إلى شيئين متضادين: الانفعال الخبيث والشعور الطيب. فندد بالأول وطلب بشدة أن يزول من حياة المؤمنين. وحث على الالتزام بالثاني كفضيلة، يجب أن يرتديها المؤمنون.

 (31) في هذه الآيـة، عدد الرسول ستة انفعـالات خبيثة، لا تليق بالمؤمنـين، بل يجب نفيها من حياتهم:

1.  - المرارة- وهي شراسة الأخلاق التي تكمن في القلب المخاتل العنيف. كما أنها تنشأ بكل سهولة من الانطواء على الذات. وهي من مخلفات الإنسان العتيق، التي كان يجب أن تصلب مع المسيح وتدفن منذ زمن بعيد. وشر ما فيها أنها تجعل الإنسان سريع الغضب بطيء الرضى. وعلى أي حال، فالمرارة أيا كان مصدرها أو علتها، تحزن الروح القدس. إنها تمنع الله من أن يعمل فينا أو بنا. وهي بالنسبة لأسلحتنا الوقائية، تشكل ثغرة تتسرب من خلالها سهام إبليس الملتهبة. وقد عرف بالاختبار أن المرارة تعبر عن ذاتها بالأفكار الحاقدة، التي لا تليق بقديسين. وحين يطلق عقالها، تذهب إلى حد الافتراء والنميمة.

2.  - السخط- وهو يتميز عن الغضب، في كون الأول مرضا مزمنا. وقيل أن السخط لا يصدر إلا عن العظماء نحو من هم دونهم مرتبة. ولعل المراد بالسخط ما ينتاب الإنسان من انفعال، عند التجربة والمباغتة.

3.  - الغضب- المراد بالغضب ما هو أعمق من السخط. إنه انفعال القلب الحاقد، الذي يحمل على الانتقام من المغضوب عليه، ولا يشفى إلا به.

4.  - الصياح- وهو إظهار الغضب بالصوت، فيهيج بذلك غضب الغير. وهذا لايليق بالمؤمن، الذي مثاله المسـيح، الذي وصف بأنه" لا يخاصم، ولا يصيح، ولا يسمع أحد في الشوارع صوته."  (الإنجيل بحسب متى 12: 19).

5.  - التجديف- وهو شر فلتات اللسان، حين يقذف الغير باللعن، وبكل ألوان السباب. وإطلاق مثل هذه الأقوال على إنسـان، لا يخلو من تجديف على خالق هذا الإنسـان. (يعقوب 3: 8-10).

6.  - الخبث- وهو أصل في القلب الشرير، وكل ما تقدم ذكره من انفعالات متفرع عنه. لذلك وجب اقتلاع الأصل وغرس عكسه، وهي" المحبة التي تتأنى وترفق، ولا تقبح ولا تحتد ولا تظن السوء" (كورنثوس الأولى 13: 5-6).

 (32) ابتداء من هذه الآية إلى الثانية من الإصحاح الخامس، يتكلم بولس عن الشعور الطيب. إنه يضع نصب أعيننا صليب يسوع المسيح. ويستهل الآية بهذه الكلمة« كونوا لطفاء». هذه نقطة انطلاق، يجب على المسيحي أن لا ينساها أبدا. المسيحي الحقيقي، لا يجوز له أن يغادر صعيد الصليب.

« كونوا لطفاء شفوقين متسامحين» هذه سجايا مختاري الله القديسين المحبوبين اللابسين أحشاء رأفات ولطفـاً وتواضعـاً وطـول أناة، المحتملين بعضهم بعضاً، والمسامحين بعضهم بعضـاً بالمحـبة"  (كولوسي 3: 12-13).

« كما سامحكم الله أيضا في المسيح» هذا كقوله: "إن كان لأحد على أحد شكوى، كما غفر لكم المسيح هكذا أنتم أيضا" (كولوسي 3: 13)، ومما لا مراء فيه أن ممارسة هذه الفضائل تستلزم المؤمن أن يخلي من نفسه ما يسمونه« كبر النفس» ولعل في هذا إيلاما شديدا. ولكن هذه هي دعوتنا التي دعانا إليها الرب، حين قال:" إن أراد أحد أن يأتي ورائي فلينكر نفسه ويحمل صليبه كل يوم ويتبعني".

هذا ما فهمه بطرس، وخبِره وأوصانا به قائلا:" لأنكم لهذا دعيتم، فإن المسيح أيضا تألم لأجلنا تاركاً لنا مثالا، لكي تتبعوا خطاه" (بطرس الأولى 2: 21).

كل مسامحة الله لنا هي في المسيح، لأنه بذل نفسه كفارة لخطايانا. ولهذا وجب أن تكون مغفرته لنا قياس مغفرتنا لغيرنا. ويجب أن نذكر قول المسيح: "إن لم تغفروا للناس زلاتهم، لا يغفر لكم أبوكم السماوي زلاتكم" (الإنجيل بحسب متى 6: 15).

الصلاة: لك الحمد أيها الآب رب السماء، لأجل قوتك العاملة فينا. حررني من الانفعالات الخبيثة: المرارة والسخط والغضب والصياح والتجديف وكل فلتات اللسان، واجعل فمي بشريعتك نهاراً وليلاً. آمين.

السؤال:

11. ما هي المرارة؟