عقائد

الشعب الأرضي و الشعب السماوي

القسم: تأملات ثنائية في بعض الحقائق الكتابية.

إذا أردنا أن نقرأ الكتاب المقدس قراءة واعية، فلا بد لنا من معرفة "الحق التدبيري"، أو كما يسميه شراح الكتاب "التمييز بين التدابير" الأمر الذي لا يُعيره الكثيرون اهتماماً كافياً. لقد سُر الله أن يتعامل مع الناس في الأزمنة المختلفة بطرق متنوعة. ومع كل إعلان جديد عن نفسه وعن مشيئته، بدا الله أسلوباً جديداً للتعامل مع الناس، أي بدأ بتدبير جديد.

و"الحق التدبيري" يعلمنا أن نميز هذه التغيرات باستقامة وأن نتفهم طبيعتها حتى لا تغيب عنا الملامح البارزة في كل منها. وأهمية هذا بالنسبة لنا نحن المسيحين هي أننا بهذا التمييز ندرك الصفة الحقيقية للدعوة التي بها دعينا- إنها دعوة سماوية، كما ندرك صفة الزمان الذي وقعت فيه قرعتنا.

في الزمان السابق لظهور ربنا يسوع المسيح في الجسد كان هناك تدبير، أبرز ملامحه وجود شعب محدد على الأرض من بين جميع الشعوب هو الشعب القديم، الأمة المختارة من نسل إبراهيم. وابتداء من يوم الخمسين وإلى أن يأتي ربنا يسوع ثانية بدأ تدبير آخر- الذي نعيشه الآن- تميزه ملامح مختلفة تماماً- نجد فيه ليس شعب إسرائيل بل الكنيسة وليس الختان بل المفديين المولودين من فوق، الساكن فيهم الروح القدس. هؤلاء هم الذين في أفكار الله في هذا التدبير الجديد.

وقبل أن نتناول المميزات الهامة بين هذين التدبيرين، ليتنا ندرك بالضبط ماذا نقول وماذا نناقش.

إذا قلنا "إسرائيل" فنحن لا نقصد الشعب اليهودي- الأمة المشتتة الآن، ولا الأمة التي كانت في أيام الرب لأن أولئك كانوا بقية ظلت متعلقة بأورشليم عاصمتهم القديمة، ولا نحن نشير إليهم على أية حال كانوا عليها في أي وقت بل نقصد بالكلمة "إسرائيل" ما كانت عليه تلك الأمة بحسب تخطيط الله بالنسبة لهم.

وإذا تكلمنا عن الكنيسة فنحن لا نقصد أحد الأبنية الكنسية، ولا طائفة مسيحية، ولا جماعة من التي يطلق عليها في هذه الأيام اسم "كنيسة" بل نستعمل كلمة كنيسة بالمعنى الكتابي. والكلمة اليونانية المترجمة كنيسة تعني بكل بساطة "جماعة" دعاهم الله من هذا العالم أثناء هذه الفترة الزمنية التي فيها يرفض المسيح- هؤلاء بسكنى الروح القدس فيهم قد حُزموا معاً كجماعة الله- كنيسة الله.

ولنلاحظ أن كلمة "كنيسة" تستعمل في الكتاب المقدس بمفاهيم ثلاثة:

أولاً: للدلالة على الجماعة المسيحية في مكان معين "كنيسة الله التي في كورنثوس" و"سلموا على منفاس وعلى الكنيسة التي في بيته" (1كو1: 2وكو4: 15).

ثانياً: للدلالة على مجموع المسيحين الذين على الأرض في أي زمان محدد "كونوا بلا عثرة لليهود واليونانيين ولكنيسة الله". (1كو10: 32) و"وضع الله أناساً في الكنيسة" (1كو12: 28) و..إلخ- وبهذا المعنى تشبه الكنيسة فرقاً من الجيش تتغير وحداتها وتظل كما هي باسمها ومفهومها.

ثالثاً: للدلالة على مجموع المسيحيين المدعوين والمختومين بالروح القدس ابتداءً من يوم الخمسين إلى مجيء الرب "له المجد في الكنيسة في المسيح يسوع إلى جميع أجيال دهر الدهور. آمين" (أف3: 21) و"كما أحب المسيح أيضاً الكنيسة وأسلم نفسه لأجلها" (أف5: 25).

هذا المعنى الأخير لكلمة "كنيسة" هو الذي نقصده في موضوعنا الآن ولو أننا إذا تكلمنا عن الكنيسة كما هي حالياً على الأرض فإننا نشير إليها في مدلولها المبين في البند الثاني.

ولنذكر أننا نشير إلى الكنيسة، كما نشير إلى إسرائيل، ليس حسب حالتها الراهنة أو حسب حالتها في أي وقت مضى، بل بحسب التخطيط الأصلي في أفكار الله.

والآن وقد حددنا نقاط الكلام، لنلاحظ بعض المميزات الضرورية.

(1)- أول هذه المميزات: يوحنا المعمدان مهيئ الطريق قدام الرب، هو آخر نبي من أنبياء التدبير السابق. والله على لسانه تكلم بآخر كلمات ذلك التدبير وبعده توقف الكلام، وبالمسيح بدأ كلام جديد "كان الناموس والأنبياء إلى يوحنا ومن ذلك الوقت يُبشر بملكوت الله" (لو16: 16). لقد وصف زكريا الكاهن مجيء المسيح إلى هذا العالم بقوله "المُشرق من العلاء" أو بحسب الحاشية "كبزوغ النهار" فظهوره على الأرض كان إيذاناً بفجر يوم جديد. على أنه كانت للرب يسوع خدمة وسط إسرائيل وكان عليه أن يتممها، وكان يجب أن يقدم نفسه لتلك الأمة كمسياهم الذي انتظروه من زمن طويل. وأكثر من ذلك كان يجب أن توضع الأساسات الضخمة العريضة للبركة المقصودة، بواسطة أهوال وآلام الصليب. وعندما تم هذا كله- عندما مات ابن الله وقام ثانية، وعندما صعد إلى السماء وأرسل الروح القدس، حينئذ افتُتح هذا التدبير الجديد الذي يختلف تماماً عن كل تدبير سابق.

(2)- ثاني هذه المميزات: هو الناموس- الوجه المميز للتدبير القديم بينما الوجه المميز للتدبير الجديد هو النعمة. وإعطاء الناموس من جبل حوريب في سيناء كان هو المؤذن ببداية العهد الأول. هناك صاغ الله مطاليبه من الناس. وهو يطالب لكي يأخذ وهم مطالبون لكي يعطوا ما هو من صميم حقوقه عليهم. أما كون فشل الإنسان قد تحقق، وتحقق بصورة مباشرة وسريعة، فهذا لم يعف الإنسان من مسئولياته مطلقاً. ومع ذلك فإن الله أعلن لموسى أنه رحوم وكثير الإحسان والرأفة (خر33: 19). وحجز الله الدينونة المهلكة بالنظر إلى مجيء المسيح العتيد. وظل الناموس يعمل عمل "المؤدب" أو "ناظر المدرسة الصارم" حتى جاء المسيح (غل3: 24).

وفي المسيح ظهرت قوة أعظم من قوة الناموس، والمرأة التي أمسكت في (يو8) تُصور لنا قوة نعمة الله التي تفتخر على الناموس. فإنه تحت تأثير نعمة الله القوية توبخت ضمائر المرائين بصورة أعظم بكثير من توبيخها بقوة الناموس. والخاطئة غُفرت خطاياها، الأمر الذي لم ولن يفعله الناموس. لأن الله في العهد الجديد هو الذي يعطي والإنسان هو الذي يأخذ. إن التدبير الجديد يتميز بالنعمة مالكة بالبر للحياة الأبدية بيسوع المسيح ربنا (رو5: 21).

(3)- المميز الثالث: هو أن التدبير القديم تركز واقتصر على إسرائيل، أما الجديد فيركز ويرتبط بالكنيسة. والناموس لم يُعط لكل الناس بل أعطي لشعب واحد بين الشعوب، وعينا الله كانت ذلك الشعوب، والامتيازات التي كانت لهذا الشعب مُنحت لهم كأمة أكثر منها لأفراد. كانت لله دائماً معاملات سرية مع النفوس أفراداً، وكانت هذه المعاملات ترقي إلى مستويات عالية جداً مع هؤلاء الأفراد في أيام الخراب والانحطاط الروحي القومي. لكن في بداية طريق الله معهم تعامل معهم كأمة بغض النظر عن الحالة الروحية للأفراد، وكان قيامهم أمام الله على أساس قومي.

أما بالنسبة للكنيسة فلا يوجد شيء اسمه "قومية" ونقرأ في (أع15: 13و14) أن بطرس ومعه يعقوب أيضاً يعلنان أن فكر الله في هذا التدبير الجديد هو أن يفتقد الأمم "ليأخذ منهم شعباً على اسمه". فالله الآن يختار أناساً من جميع الشعوب، يجمعهم إلى اسمه ومنهم تتكون الكنيسة.

فالكنيسة إذاً ليست قومية ولا هي دولية بل هي فوق القوميات أو هي بعيدة تماماً عن الانحياز لقومية معينة، ومستقلة عنها جميعاً. وبدلاً من أن تتكون على أساس قومي نجدها في الكتاب المقدس مُعبّراً عنها بوصف "القطيع" أو "الرعية" (يو10: 16) وأيضاً "الجسد الواحد" (1كو12: 13) وأيضاً البيت الروحي والكهنوت المقدس (1بط2: 5). وهي كعائلة مكونة من جميع أولاد الله (1يو2: 12و3: 1).

زيادة على ذلك فإن الله من جهة الكنيسة يبدأ بالفرد، فهي تتكون من أولئك الذين بصفتهم الشخصية ترتبت علاقتهم مع الله ترتيباً صحيحاً كمغفوري الخطايا وقبلوا الروح القدس ليسكن فيهم وبذلك صاروا أعضاء الجسد الواحد وحجارة حية في البيت الروحي.

(4)- المميز الرابع: أن الشعب القديم ارتبط بعبادة طقسية تنحصر قيمتها في معناها الرمزي. أما امتيازات الكنيسة فترتبط بالحقائق الأبدية عينها- ترتبط بالجوهر وليس بالصورة الظاهرية الشكلية. وسجود الكنيسة لا بتضمن تقديم ذبائح، وأعياداً ومحافل رمزية..إلخ بل سجود "بالروح والحق".

لم يكن للناموس سوى ظل الخيرات العتيدة لا نفس صورة الأشياء (عب10: 1). لكن في عهد النعمة الحاضر قد وصلت الخيرات العتيدة وتحققت في المؤمنين. لقد أسسها المسيح وأعلنها بروحه (عب10: 12 و1كو2: 9) والمؤمن يمتلكها الآن بالإيمان (2كو4: 18).

(5)- المميز الخامس: كانت امتيازات وبركات الشعب القديم في معظمها أموراً مادية أرضية، بينما بركات وامتيازات الكنيسة كلها سماوية وروحية.

في العهد القديم أعطيت التعليمات عن كيفية تقديم الشعب شكره لله عندما يأتي الشعب إلى أرضه ويمتلكها. كان الشعب يأخذ باكورات غلاته ويضعها في سلة أمام الرب مع الاعتراف بفضله عليهم (تث26: 1-11). فهل يقترب المسيحي الآن على الله على هذه الصورة؟ لا. بل على العكس. لما كتب بولس لأهل أفسس من جهة ميراث المؤمنين السماوي لم يتكلم عن أمور مادية بل قال "مبارك الله أبو ربنا يسوع المسيح الذي باركنا بكل بركة روحية في السماويات في المسيح" (أف1: 3). وما أبعد الفارق وما أعظم المباينة.

(6)- المميز السادس: إن غاية المصير للشعب الأرضي أن يكون هذا الشعب مجرى البركة لجميع الشعوب في العصر الذهبي الألفي، بينما مصير الكنيسة أن تقترن وتتحد بالمسيح في السماء اقرأوا الإصحاح الستين من سفر أشعيا، فهناك وصف جميل لمستقبل هذا الشعب. وفي الإصحاحين التاسع عشر والحادي والعشرين من سفر الرؤيا نجد مستقبل الكنيسة "كامرأة الخروف" في صورة رمزية.

إن الخلط بين الكنيسة- جماعة المؤمنين في كل مكان الآن، المولودين من الله في عهد النعمة الحاضر- وبين الشعب الأرضي، وعدم التفرقة بين التدابير ومميزاتها، قد جعل الناس يمزجون المسيحية باليهودية وطقوسها. بينما حقيقة الأمر أنهما تدبيران مختلفان: واحد منهما يسمى "الوالد للعبودية" والآخر هو "تدبير البنوية" (اقرأ غل4: 1-7)، ومعرفة الله كآب.

لم يُعلن اسم الله الآب لجماعة العهد القديم بل هذه النسبة هي من أفخر ما تختص به الكنيسة. والفداء لم يكن في التدبير السابق إلا وعداً، أما في عهد النعمة فالفداء حقيقة تمت فعلاً والروح القدس الآن يسكن في مؤمني التدبير الجديد لكن في التدبير السابق كان تأثيره بالحلول على أشخاص مختارين وفي مناسبات خاصة، لكن سكناه هي الشيء الجديد المميز للتدبير الحاضر.

أخيراً نقول أن علاقتنا بالله في التدبير الجديد تختلف تماماً عن علاقة الشعب القديم بالله. إنها الآن مؤسسة على أساس جديد في المسيح. لسنا بعد عبيداً بل أبناء محبوبين مقبولين. في هذا كله ملامح غنى البركة التي صارت لنا. شكراً لله لأن قرعتنا جاءت في هذا الجانب من صليب المسيح.

أضف تعليق


قرأت لك

حين تجسّد الله

ان الله الخالق القدير العليّ، ساكن الابد هو عظيم جدا في قدرتة وحكمته وجبروته وجلاله، ولا يمكن للمخلوق الضعيف ان يعيه بمنطقه او يدركه بعقله او يغور سبر كينونته بخلده.... وعلى مدى التاريخ، حاول البشر ان يفهموا او يعللوا او يفسروا وجود القدير، وسبب وجوده وسر كيانه، لكن الانسان اعجز واوهى واهش من ان يدرس خالقه..

تطبيقات للهواتف الذكية

  • تطبيق وعود الله
  • تطبيق الإنجيل لجهاز الآي فون
  • تطبيق الإنجيل لجهاز الآي باد
  • تطبيق الإنجيل المسموع
  • تطيبق مركز دراسات الكتاب المقدس
  • تطبيق أجوبة الله
  • تطبيق كلمة الحياة
  • تطبيق ترانيم وعظات مسموعة