عقائد

إلى كلبٍ ميِّتٍ مثلي

القسم: من الطقوس إلى المسيح.

شهادة شخصيَّة من الكاهن المولود ثانيةً

"روبرت آ. شامباين"

"كلُّنا كغنم ضللنا، ملنا كلُّ واحد إلى طريقة" (إشعياء 6:53).

هذا الخروف أمعن في طريق ضلاله زمناً طويلاً جدّاً. وقد جرفه عماه وتيهانُه العاصي في المتاهات المظلمة التي حفلت بها الكثلكةُ وعلمُ النفس والدياناتُ الشرقيَّة وفلسفة العصر الجديد. وحقاً علَّم الربُّ يسوع أنْ "لا يقدرُ أحدٌ أن يُقبل إليَّ إن لم يجتَذبه الآب الذي أرسلني، وأنا أُقيمه في اليوم الأخير" (يوحنّا 44:6). فإذْ أتأمَّل ماضيَّ، يُسعِفُني على أن أُدرك أنَّه كان من المستحيل كليّاً أن أُقبِل إلى المسيح من تلقاء ذاتي. ذلك أنّ الراعي الصالح وجدني وانتشلني من أعماق الضلال، مخلصاً أيّاي من جهنَّم التي أستحقُّها بسبب خطاياي. ومن أعماق القلب الجديد الذي أعطاني إيّاه الربُّ يسوع، أستطيع أن أقول له ما قاله مفيبوشث لداود: "مَن هو عبدك حتّى تلتفت إلى كلبٍ ميِّتٍ مثلي؟" (2صموئيل 8:9).

استيقظَتْ لديَّ الرغبة في أن أصير كاهناً لمّا كنت ابن خمس سنواتٍ أو ستّ. وبعد اثنتي عشرة سنة من الدراسة اللاهوتيَّة والتدرُّب (ستٌّ منها هُنا في شيرْبروك بكيوبك، وستٌّ في معهد سانت ماري في بَلطيمور بماريلاند) رُسِمتُ كاهناً كاثوليكيّاً في أُسقفيَّة مانشستر بنيو هامبشير، في السادس من أيّار (مايو) سنة 1969. وقد كانت أبرشيَّتي الأولى "ابْلَسِّد سَكْرامِنت" في مانشِسْتر، مسقط رأسي.

في ذلك الوقت جدَّفتُ على كلمة الله في مئات المناسبات، في غمرة غيرتي وعلى غير علمٍ منّي، بتقديمي "ذبيحة القُدّاس غير الدمويَّة". إلاَّ أنّ القُدّاس مناقض لكلمة الله التي تُعلِّم بمنتهي الوضوح أنَّه "بدون سفك دم لا تحصل مغفرة" (عبرانيين 22:9). فما أغبى تكرارَ ذبيحة المسيح في حين يقول الله: "فبهذه المشيئة نحن مقدَّسون بتقديم جسد يسوع المسيح مرّة واحدة" (عبرانيين10:10)؛ "لأنَّه بقربانٍ واحدٍ قد أكمل إلى الأبد المقدَّسين" (ع14)؛ "وإنَّما حيث تكون مغفرة لهذه لا يكونُ بعد قربان عن الخطيَّة" (ع 18).

كثيراً ما سألني الناس هل قرأتُ الكتاب المقدَّس ودرستُه إمّا وأنا طالبُ لاهوت وإمّا وأنا كاهن، وإن كان نعم فلماذا لم أُدركِ الحقّ؟ فأقولُ أولاً إنَّ الإنسان غير المولود من الله لا يُمكِنه أن يُبصر النور (1كورنثوس 14:2). وثانياً إنَّ التقليد في النظام الكاثوليكي يُولَى مكانةَ الكتاب المقدَّس على حدٍّ سواء، الأمرُ الذي أكّده مجمع اترانت والمجمع الفاتيكاني الثاني كلاهما، وقد نصَّ الأخير على أنَّ "الكنيسة لا تستمد يقينها بشأنِ كامل الحقِّ المعلَن من الأسفار المقدَّسة وحدها" (المجمع الفاتيكاني الثاني، مادّة الإعلان الألهيّ، البند التاسع). غير أنَّ الربَّ يسوع قد قال: "حسناًّ! رفضتُم وصيَّة الله لتحفظوا تقليدكم!" (مرقس 9:7).

فعلى الرُّغم من الحقيقة كون كلمة الله تُناقض بوضوحٍ ممارساتٍ ومؤسَّساتٍ مثلَ القُدّاس والبابويَّة والكهنوت، والصلاة للقدِّيسين، والاعتراف للبشر، والصلاة لأجل الموتى، والصلبان والصُّوَر وغيرها، فإنَّ التقليد الكاثوليكي يُعلي شأن هذه كلَّها ولو على حساب تحوير آيات الأسفار المقدَّسة أو تغييرها أو إسقاط جزءٍ منها. فتأمَّل إسقاط الكثلكة للوصيَّة الثانية في سبيل ترويج الأصناميَّة بلا قيود. ذلك أنَّ كثيراً من كتب التعليم المسيحي الكاثوليكيَّة تحذف الوصيَّة الثانية القائلة: "لا تصنع لك تمثالاً منحوتاً ولا صورة ما، ممّا في السماء من فوق، وما في الأرض من تحت، وما في الماء من تحت الأرض. لا تسجد لهنَّ ولا تعبدهنّ..". (خروج 4:20و5).

بينما أكتب هذه الشهادة الموجزة، أُريد أن أوضح جيداً أنَّني لا أرغب على أيِّ وجهٍ في انتقاص الأفراد الذين ما زالوا في نظام الكثلكة. بل على العكس، إنَّ رغبة قلبي لهم هي أن يرجعوا هم أيضاً "من ظلمات إلى نور، ومن سلطان الشيطان إلى الله..". (أعمال 18:26).

يقول الكتاب المقدَّس: "قلب الإنسان يفكِّر في طريقه؛ والربُّ يهدي خطوته" (أمثال 9:16). ففي العام 1970 أرسلني مطراني إلى "دار أُوديسِّي" كي أتعلم كيف أخدم مدمني المخدِّرات. وقد أخرجني هذا الاختبار المؤلِم إخراجاً نهائيّاً من الكهنوت وأدخلني ديناً معاصراً اسمه "علم النفس"، وكان بالنسبة إليَّ طريقاً مسدوداً آخر. وفي العام 1974 أحالتني روما خادماً علمانياً.

وبعد سبع سنين من العمل بصفة معالِج للصحَّة العقليَّة، رجعتُ من جديد إلى الاهتمام بالناحية الروحيَّة. وهذه المرّة فقط سبرتُ أغوار السِّحر والتنجيم اللذين منهما نشأَ "العلمُ" المدعوُّ علم النفس، على ما يتَّضح من سيرتيِّ "افْْرويـد" و "يونغ". كذلك أيضاً تعمَّقتُ في دراسة الديانات الشرقيَّة. وبعد معاناتي الكثير للتحرُّر من الأوهام وإصابتي بالخيبة المريرة، سمعتُ بالحاجة إلى الولادة الثانية.

بل إنَّ إحدى الكنائس علَّمتني كما علَّمت سواي من الكاثوليك سابقاً، أنَّه في سبيل الخلاص ينبغي لنا أن نمارس ناموس الله بكلِّ جدٍّ واجتهاد لكي نكتشف شرّ قلوبنا، ومن ثَمّ نُقبِل إلى المسيح. وقد كان هذا التعليم مناسباً تماماً لخلفيَّتي الكاثوليكيَّة حيثُ يُعتبَر "أناثيما" (محروماً) أيُّ مَن يؤمن أنَّ الإنسان يُحلُّ من خطاياه ويُبرَّر بالإيمان وحده: "إعمَل واعمل واعمل. قُمْ بدورك. أسهِم في خلاص نفسك بما تعمله!" غير أنَّ الخلاص للربِّ ومنه: "... الذين وُلِدوا ليس من دمٍ، ولا من مشيئة جسد، ولا من مشيئة رجل، بل من الله" (يوحنا 13:1).

كم أشكُرُ راعي نفسي على رحمته! فقد كان من حقِّه أن يتركني في خطاياي المستحقَّة للجحيم، تائهاً في قِفار أفكاري الدينيَّة المعاصرة. ولكنَّه عوضاً عن ذلك بيَّن لي أنَّني ميتٌ بخطاياي، و أنَّني لا أستطيع حتَّى الإيمان بغير عطيَّة نعمته. فقد دعاني بواسطة كلمته، وأعطاني قلباً منكسراً وروحاً منسحقة، ووهبني عطيَّة الإيمان (أفسس 8:2و9). بلى، إنَّ يسوع "رئيس الإيمان ومكمِّله" غسلني من خطاياي بدمه الكريم. وما أعجب أن يسمع المرء قول الكتاب: "وأمّا أنتم فجنس مختار، وكهنوتٌ ملوكي، أمَّة مقدَّسة، شعبٌ اقتناء؛ لكي تُخبِروا بفضائل الذي دعاكم من الظلمة إلى نوره العجيب" (1بطرس 9:2).

لقد وضعني الربُّ هنا في كيوبك الكاثوليكيَّة. وأنا أسعى، مع زوجتي لوئيس، لإطاعته بأن نكون من شهودِه هنا. ونُصلِّي طالبين أن يرسِّخنا الربّ بثباتٍ ككنيسة محليَّة أمينة تعيش في القداسة. وتشتمل خدمتُنا على الكرازة بالحقّ في محبَّة إذ يفتح لنا الربُّ الأبواب، كما أنَّنا نستخدم المطبوعات في خدمتنا، وتدعو الحاجة إلى كثير من الترجمة، لأنَّ الكتب والكرّاسات الفرنسيَّة التي تبسط تعلم الخلاص بنعمة الله قليلةٌ جدّاً. وقد طلب منّا بعضُ الناس في مناطق أُخرى من كيوبك أشرطة عظاتٍ تبشيريَّة باللغة الافرنسيَّة. لذلك نرغب في إنشاء خدمةِ أشرطةٍ مسجَّلة وكُتب. كذلك نرغب في توفير سلسلة دروسٍ بالمراسلة من الكتاب المقدَّس، موجَّهة خصوصاً لمساعدة الكاثوليك. وهذه مهمَّات كثيرة يضيق بها وقتُنا القصير. ففي سبيل هذه الخدمة نعتمد كليّاً على معونة الله بنعمته، وهو أمينٌ حقاً. إنمَّا حاجتُنا القصوى إلى مجاهدين في الصلاة، إلى مؤمنين مثلِ أبفراس الذي قيل عنه: "... مجاهدٌ كلَّ حين لأجلكم بالصلوات، لكي تثبتوا كاملين وممتلئين في كلِّ مشيئة الله" (كولوسي 12:4).

"فبما أنَّ هذه كلَّها تنحلّ، أيَّ أُناسٍ يجب أن تكونوا أنتم في سيرة مقدَّسة وتقوى، منتظرين وطالبين سرعة مجيء يوم الرب (يوم الله أصلاً) الذي به (لأجله) تنحلُّ السماوات ملتهبةً، والعناصرُ محترقةً تذوب؟" (2بطرس 11:3و12).

وماذا يكون لو رأى أكثرُ الناس الحقَّ كما لو كان خُرافة؟ ينبغي أن نعمل بقول الكتاب: "اخلصوا من هذا الجيل الملتوي" (أعمال 40:2)؛ "توبوا وارجعوا لِتُمحي خطاياكم" (أعمال 19:3).

لا تقنعْ بالتقاليد التي تُبطل كلمة الله. لا تسترحْ على اعتراف بالإيمان سطحيٍّ نابعٍ من عقلك أو من إرادتك. بلِ اعمل بكلام الربِّ يسوع: "ادخلوا من الباب الضيِّق، لأنَّه واسعٌ الباب ورحْبٌ الطريق الذي يؤدِّي إلى الهلاك، وكثيرون هم الذين يدخلون منه. ما أضيق الباب وأكرب الطريق الذي يؤدِّي إلى الحياة، وقليلون هم الذين يجدونه" (متّى 13:7و14). "قال له يسوع: أنا هو الطريق والحقّ والحياة. ليس أحد يأتي إلى الآب إلاَّ بي" (يوحنّا 6:14).

فبكلِّ قلبك اطلُبِ الربَّ في كلمته. اِلتفتْ إليه واستنجد به طالباً الحقّ، حتّى لا يخدعَك قلبُك الشرِّير ويُضِلَّك الزَّمنُ الشرِّير الذي تعيش فيه.

(الكاهن المولود ثانيةً: روبرت آ. شامباين)

أضف تعليق


كود امني
تحديث

قرأت لك

زيارتي لسوريا...

انه من الطبيعي أن كلنا يشتاق، بل يحن الى وطنه ومسقط رأسه وهذا ماحدى بي. بعد عشرين عام ونيف قضيتها في الغرب قررت أن أزور بلدي العزيز سوريا

تطبيقات للهواتف الذكية

  • تطبيق وعود الله
  • تطبيق الإنجيل لجهاز الآي فون
  • تطبيق الإنجيل لجهاز الآي باد
  • تطبيق الإنجيل المسموع
  • تطيبق مركز دراسات الكتاب المقدس
  • تطبيق أجوبة الله
  • تطبيق كلمة الحياة
  • تطبيق ترانيم وعظات مسموعة