عقائد

مواجهتي لِلحقّ

القسم: من الطقوس إلى المسيح.

شهادة شخصيَّة من الكاهن المولود ثانيةً

"إنْريك غارسِيا"

في الثانيةَ عشرة من عُمري دخلتُ ديراً كبُّوشيّاً. ومضيت أبحثُ عن الحقِّ في مُحيطٍ ظنَنْتُ أنَّه سيُعينني على الاهتداء إلى الله. كان الدَّير في ضواحي "مدريد" الاسبانيَّة، المدينة التي فيها وُلِدت. وهكذا، بهذه الحياة في الدَّير، شرعتُ في رحلتي نحو الله من طريق نكرانِ جميع حقوقي الذاتيَّة. فإنَّ نظرية الإماتة قديمةٌ جدّاً، ومرتبطةٌ على أوثقِ ما يكون بالفكر الكاثوليكيِّ الرومانيّ. ثُمَّ إنَّ صوفيَّة اسبانيا الفلسفيَّة تعتنق ممارسة الإماتة باعتبارها السبيل الذي به يُتاح للمرء أن يهتديَ إلى الله. ومعنى "الإماتة" الموتُ البطيء. فما يموت إنَّما هو شخصيَّةُ المرء بالذات.

بعد سِني الإعداد، نذرتُ نذور الطاعة، متخلِّياً عن جميع الحقوق بالسيطرة الشخصيَّة على أيِّ شيء، وكان عُمري آنذاك سبع عشرة. والطائعُ كُليّاً يخضع لفكرٍ واحدٍ ومشيئةٍ واحدة، هُما فكرُ رئيسه ومشيئته. ففي الدير، يستحيل أن تقوم بأيِّ شيءٍ لا يخضع للمراقبة، حيثُ القوانين المحدَّدة بدقَّة والفرائضُ المعلومة تُشكِّل المعيار الذي ينبغي للجميع أن يحيوا بمُقتضاه والذي لا ينبغي للمرء أن يجرؤَ على تخطية.

ولا يقتصر نذرُ البتوليَّة على التخلِّي طوعاً عن حقوق الزواج، بل يُوجِب الامتناعَ أيضاً عن جميع المسَّرات والصَّداقات غيرِ المُستحبَّة. ففي سبيل اكتساب السيطرة الكاملة والإخضاع الكُليِّ لكلِّ شهوةٍ بشريَّة، جَرَت مراعاة جُملة من ممارسات التعذيب على نحوٍ منتظِم، وفي ما يلي أمثلةٌ عليها:

أربعةُ أصوام في السنة، مدَّةُ كُلِّ واحدٍ منها أربعون يوماً بلا انقطاع.

التأديبُ الدّامي ثلاث مرَّاتٍ في الأُسبوع، يُنفَّذ باستعمال بضعة أسلاك فولاذيَّة موصولة بقبضة.

لبسُ مسوحٍ خشنة تلامس الجسم مباشرةً نهاراً وليلاً.

سريرُ ألواحٍ فيه أوراقٌ من نبات الذُّرَة وسوى ذلك، لتعذيب الجسد.

وكان مقصوداً بتلك الممارسات أن تُعِدَّ جسدي للتقشُّف الشامل الذي تستلزمه دعوتي في الحياة. أمَّا نذر الفقر، فَبهِ تعهَّدتُ ألاَّ أمتلك أيَّ مالٍ تحتَ تصرُّفي. وقد كانَّ عليَّ بالحريِّ أن اعيش معتمداً كليّاً على أولئك الذين يسمحون لي باستخدام الأشياء الضروريَّة للبقاء على قيد الحياة. فالكبُّوشيُّ التقيُّ لا يُسمَح له بأن يستخدم إلاَّ ما يُوضَع في متناول يده، ويُحظَر عليه أن يمتلك أيَّ شيء.

إنَّ ذلك النَّهج القاسيَ الذي يشتمل على ممارساتٍ زُهديَّة شتَّى، والذي انخرطْتُ فيه منذ نعومة أظفاري، لم يلحقه أيُّ تحسينٍ يُذكَر. وانتظرتُ راجياً أن أجنيَ ثمار آلامي وعذاباتي. غير أنَّ تلك الثمار المرجوَّة جدّاً لم تُصبِح قطُّ حقيقةً واقعة! وما كان في كياني الداخليّ سوى الوحدة والوحشة والخوف. فقد كنتُ خائفاً من كُلِّ شيء، خائفاً من الحياة، خائفاً من المحبَّة. وكنتُ خائفاً من قراري الخاصّ، ومن الله أيضاً. حتّى إذا بلغتُ الثالثةَ والثلاثين من عمري، تبيَِّن لي أن نَمَط حياتي كلَّه يمكن أن توضحَهُ كلمةٌ واحدة، ألا وهي "لا": "لا تعملْ هذا، لا تقلْ ذاك، لا تُفكرِّ هكذا... لا، لا، لا!"

على أنَّ الفنون الجميلة شكَّلت أبهجَ نقطةٍ في حياة الدير عندي، إذ أُتيح لي فيه أن أتعلَّم الموسيقى وأُمارسها. وقد غَدَتِ الموسيقى ضرورةً حتميَّة في حياتي، بها استطعتُ أن أُنفِّس عن الضغط الهائل الذي كانت تُعانيه نفسي في الصميم. وبعدما صرتُ كاهناً قرَّرتُ أن أُخصِّص مزيداً من الوقت لدراسة البيانو، استِكمالاً لدروسي الموسيقيَّة. فبحثتُ عن معلِّم كفوء، وهكذا دخل "أمريكو غراموتا" حياتي، وأصبح جزءاً من ذلك العالَم الصغير والمنغلق الذي عِشتُ فيه. وقد علمتُ لاحقاً أنَّه مسيحيُّ إنجيليٌّ وعضوٌ في كنيسة معمدانيَّة. أمّا من جهة نفسي، فقد بقيَت حياتي سائرةً في خطِّها وسط الظلمة المطبقة. ولكنْ في الوقت نفسه تنامى في داخلي الاشتياق لأن أحيا حقاً. فنوعيَّة الحياة التي سبق أنِ اختبرتُها باتت غير مقبولةٍ عندي بجملتها. ورغبتُ في هجرانها كليّاً، إلاّ أنَّني كنتُ خائفاً. وكنتُ في حاجةٍ إلى مَن يوجِّهني ويُرشدني من جديد وينفحني بالقوَّة. فكان أمريكو هو ذلكَ الرجل. فقد أطلعتُه على محنتي العميقة، ومضى يُجيب عن أسئلتي، في أثناء محادثاتنا، من الكتاب المقدَّس، كلمةِ الله. وعلى نحوٍ بطيء أخذت أشعَّةُ النور تترامى على نفسي، إذ أدركتُ أنَّ المعتقدات العديدة التي كنتُ أعتبرها معصومةً لم يكن لها أيُّ أساسٍ ثابت في كلمة الله، ومن جملة تلك المعتقدات الكثيرةِ الكهنوتُ وعصمة البابا والأسرارُ المقدَّسة.

من ثَمَّ تأكَّد لي أنَّه لا بُدَّ من أن أنفصل عن كلِّ ما يتعلَّق بالكثلكة. ولكنَّني إذ نظرت إلى العالم الخارجيّ، أخذ الذُّعر يستبدُّ بي. ففي الثانية عشرة دخلتُ الدير، وها أنا الآنَ في الثالثة والثلاثين، وقد عشتُ حياتي كلَّها في هذا الجوّ، ودراساتي كلُّها كانت وثيقة الصِّلة بهذا النَّمط من الحياة. فماذا أفعلُ، يا ترى، خارجَ هذه الحياة التي قضيتُ فيها أفضل سني عُمري؟ إذ ذاك غدا كلُّ شيء سؤالاً كبيراً: عائلتي وصداقاتي ومستقبلي كلُّها استلزمتِ الأجوبةَ الشافية. غير أنَّني، رُغمَ كل شيء، صمَّمت تصميماً حاسماً، فتركتُ الدير والكنيسة الكاثوليكيَّة.

ومن ثَمَّ أخذتُ أحضر خدمات العبادة في الكنيسة المعمدانيَّة بمدريد؛ ويومَ الأحد التالي لبَّيتُ دعوة القسِّيس، فغمرني فرحٌ قلبيٌ عظيم. وبينما كنتُ وحدي أمامَ الله، في بيتي، نبذتُ جهودي العقيمة لكسب الخلاص بأعمالي الخاصَّة، بعدما تأكَّد لي أنَّ الأعمال لن تقوى على التخليص البتّة، وقد كانت حياتي كلُّها أدمغ بُرهان على هذه الحقيقة. إذ ذاك سلَّمتُ نفسي للربّ بعزمٍ قلبيٍّ جديد ووطيد.

لقد قبلتُ المسيح باعتباره مخلِّص نفسي الواحدَ الأحَد، ودخل حياتي في سلامٍ بسيطٍ لكنْ أكيدٍ جدّاً لم أعهدَ مثله من قبل. وهكذا غدوتُ للمسيح وتمتَّعتُ بمحبَّته. والسرُّ في ذلك أنّي تعمَّدتُ في الكنيسة بمدينة مدريد.

بعد ذلك تسجَّلتُ في معهد اللاهوتي المعمداني ببرشلونة، حيثُ أنجزتُ دروسي في اللاهوت والتربية الدينيَّة. وقد دعاني الربُّ لأكون خادماً في كنيسته، ويسَّر لي "مركزُ الاهتداء" في "هافرتاون" بولاية "بنسلفانيا" الأميركيَّة أن أذهب إلى الولايات المتّحدة لمتابعة دراستي في الكتاب المقدّس والموسيقى.

كان عليَّ أن أدفع الثمن في سبيل الاهتداء إلى الحقّ، ولكنَّني ما ندمتُ على ذلك يوماً. فقد مرَّت سبع سنين طويلة حافلة بالجهاد والكفاح. إلاَّ أنَّني في الأخير تمكَّنتُ من الشهادة لحقيقة المسيح في حياتي، وهو القائل: "أنا هو الطريق والحقّ والحياة" (يوحنّا 16:14).

أأنت واثقٌ بأنَّ السماء موطنك؟ أرجو أن تُسلِّم المسيح قلبَك الآن: "لأنّ أُجرة الخطيَّة هي موت؛ وأمّا هبة الله فهي حياةٌ أبدية بالمسيح يسوع ربِّنا" (رومية 23:6).

(الكاهن المولود ثانيةً: إنْريك غارسِيا)

أضف تعليق


قرأت لك

هل من خطر على من يرفض العماد؟!

يسألني أحدهم هل المعمودية مهمة؟ وهل من خطر إذا رفضت العماد بعد الإيمان؟

تطبيقات للهواتف الذكية

  • تطبيق وعود الله
  • تطبيق الإنجيل لجهاز الآي فون
  • تطبيق الإنجيل لجهاز الآي باد
  • تطبيق الإنجيل المسموع
  • تطيبق مركز دراسات الكتاب المقدس
  • تطبيق أجوبة الله
  • تطبيق كلمة الحياة
  • تطبيق ترانيم وعظات مسموعة