عقائد

كنتُ كاهناً لكنْ... غيرَ معروفٍ عند الله

القسم: من الطقوس إلى المسيح.

شهادة شخصيَّة من الكاهن المولود ثانيةً

"جوزيف اتْرَمْبلاي"

يستطع الله أن يخلِّص أيَّ إنسان في أيِّ زمان وأيِّ مكان. فأينما كان مكان الشخص المعَنيّ، ومهما كانت مهنته أو وظيفته، ومن أيِّ جنسٍ أو عرقٍ كان، فإنَّ الله ما يزال اليوم -كما كان بالأمس- قادراً على أن يخلِّص كلَّ من يتوب عن خطاياه ويضع ثقته في الربِّ يسوع المسيح لأجل خلاص نفسه. وإنَّ في اختباري الشخصيِّ مصداقاً لِما أقول.

بدأ الأمر كلُّه عامَ 1964 في "التشيلي" لمّا كنتُ في عداد الآباء المتطوِّعين لسيِّدة الحَبَل بلا دنس، وانتهي في كندا عام 1966. وماذا حدث بين هذين التاريخين؟ إنَّه خلاص نفسي، بعدما كان الله قد بحث عنِّي ولاحقَني زمناً طويلاً. ومِن جهتي، كنتُ راغباً في تسليمه نفسي. وقد ظننتُ أنَّني سلَّمتُه نفسي فعلاً من طريق عضوِّيتي في الديانة التي وُلِدتُ فيها. إلاّ أنَّ الله فتح لي عينيَّ ذات يوم، مانحاً إيّاي أن أعي خطيَّتي وطريقه الإلهيَّ للخلاص. وقد حدث ذلك على النحو التالي.

وُلِدتُ في مقاطعة "كيوبك" الكنديَّة سنة 1924. ومنذ الصِّغَر غرس والِداي فيَّ احتراماً لله عظيماً، حتّى رغبتُ من كلِّ قلبي أن أتعبَّد له وأخدمه بكلِّ ما أوتيتُ من قوَّة، مكرِّساً نفسي له كليّاً في سبيل أرضائه، عملاً بما قاله الرسول بولس: "فأطلب إليكم، إيُّها الإخوة، برأفةِ الله، أن تقدِّموا أجسادكم ذبيحة حيَّة مقدَّسة، مرضيَّة عند الله، عبادتكم العقليَّة" (رومية 1:12). هذه الرغبة في أرضائه تعالى هي التي حفزتني على تقرير الانخراط في السلك الكهنوتي التابع لكنيسة روما الكاثوليكيَّة.

وبعد عدَّة سنين من الدراسة، رُسِمتُ كاهناً في روما بإيطاليا. ثُمَّ بعدَ سنة بُعِثتُ مُرسَلاً إلى بوليفيا والتشيلي، حيثُ خدمتُ فوقَ ثلاث عشرة سنة. وقد راقتني تلك الحياةُ كثيراً، وحاولتُ الاضطلاع بمسؤوليّاتي على أفضلِ ما يُمكِنني. وتمتَّعتُ بعِشرة العاملين معي جميعاً. ولئن نظروا بشيءٍ من التهكُّم إلى مَيلي الظاهر لدراسة الكتاب المقدَّس، فإنَّ دعواتهم لي إلى مشاركتهم بحصيلة دراستي برهنَتِ استحسانهم. حتَّى إذا لقَّبوني "جوزيف الكتاب المقدَّس" علمتُ أنَّهم كانوا يحسدونني، رغم السخرية التي ينطوي عليها ذلك اللقب. كذلك قدَّرت رعيَّتي أيضاً خدمتي للكلمة بحيث نظَّموا اجتماعاتٍ دوريَّة لدرس الكتاب. وهكذا اضطُرِرتُ إلى الانكِباب على دراسة الكلمة المقدَّسة لكي أُعِدَّ نفسي للاجتماعات البيتيَّة المُرتَجلة، فضلاً عن تحضير عِظات الأحَد.

وسرعان ما أصبحَت دراسةُ الكتاب المقدَّس واجباً احترافيّاً، بعدما كانت حتّى ذلك الحين مجرَّد هواية. وهكذا لفتَ انتباهي الوضوحُ الذي يميِّزُ تعليم الكتاب بحقائق معيَّنة، فيما تبيَّن لي في المقابل أنَّ شيئاً لم يُكتَب عن العقائد الكثيرة التي درستُها سابقاً. وأثبتت لي دراستي للكتاب أنَّني لم أكُن أعرِف الكتاب! فاقترحْتُ على رؤسائي أن يُرسِلوني كي أتعَّمق في دراسة الكتاب مَتى حان دَور عطلتي. وفي أثناء ذلك دعاني اليسوعيُّون في "انطوفاغَسْتا" لإعطاء دروسٍ عن الكتاب المقدَّس في المدرسة النظاميَّة التابعة للجامعة التي يُديرونها. لا أدري كيف علموا باهتمامي بالكِتاب. ومن ثَمّ لَبَّيتُ دعوتهم بصرف النظر عن قلَّةِ استِعدادي، عالماً أنَّ هذه المسؤولية الجديدة تستدعي أن أدرس كلمة الله دراسةً أكثر جدِّيَّة.

وكم خصَّصتُ من الساعات والأيام والليالي للاستعداد لِصُفوفي واجتماعاتي وعِظاتي. وحفاظاً منِّي على معنويّاتٍ طيِّبة خلال قراءاتي ودراستي، اعتَدتُ الاستماع إلى الموسيقى. وقد أُعطيتُ راديو ترانـزيستور صغيراً لأتمكَّن من سماع موسيقى لطيفة بغير أن أُضطَرَّ إلى تغيير الأسطوانات. وهكذا تبيَّن لي ذات يوم أنَّ الراديو الصغير كان يبثُّ ترانيم وتراتيل دينيَّة. فكانت تطرق أُذنيَّ الكلمةُ "يسوع" بين الفَينة والفَينة وأنا أقرأ الكتاب المقدَّس أو التفاسير، فإذا الجوُّ مريحٌ ومؤاتٍ للغاية. إلاَّ أنَّ الترانيم لم تكُن تدوم طويلاً، إذ تتبعها قراءات قصيرة من كلمة الله. وقد جذبَتِ انتباهي آخِرُ آية قُرئت: لأنَّه جعل الذي لم يعرف خطيَّة، خطيَّةً لأجلنا، لنصير نحن برَّ الله فيه" (2كورنثوس 21:5). وعلى هذه الآية أُسِّسَتِ العظةُ التالية. جُرِّبتُ أول الأمر بأن أُغيِّر المحطَّة الإذاعيَّة، لأنَّ من المُلهي جدّاً أن تُصغيَ إلى حديث أحدهم وأنت تدرس. أضِف أنَّني فكَّرتُ داخلَ نفسي: "وبعدُ، ماذا يُمكن أن تزيد هذه العظةُ على ما أعرفه؟ فأنا، صاحبَ الشهاداتِ الكثيرة، أستطيع أن أُعلِّم الواعظ شيئاً أو شيئين!" وبعد لحظةِ تردُّد، قرّرتُ الاستماع إلى ما يقوله... وبالحقيقة تعلَّمتُ بعض الأمور الأكثر إدهاشاً عن شخص يسوع المسيح. حتّى إنَّ الخجل اعتراني إذ تأكَّد لي بغير شكٍّ أنَّني ما كنتُ لأتمكَّن من الإبلاء أحسنَ من ذاك الواعظ. وخُيِّل إليَّ أنَّ المسيح نفسه كان ماثلاً أمام ناظريَّ متكلِّماً بذلك الكلام الآسِر. ومع ذلك فما أقلَّ ما كنت أعرفُ يسوعَ ذاك الذي، رُغم كونه شاغِلَ أفكاري وموضوعَ دراستي، شعرتُ بأنَّهُ بعيدٌ عنّي. وقد كانت تلكَ أول مرَّة يخطر لي فيها مثلُ ذلك الشعور من جهة المسيح. فقد بدا المسيح غريباً عليَّ، وكأنَّ كياني كلَّه لم يكُن سوى فراغٍ بفراغ بَنيتُ حوله جُملةَ مبادئ وعقائدَ لاهوتيَّةٍ، على هيئةِ بناءٍ مُتقَنٍ وواضحِ القَسَمات وجميلٍ جدّاً، لكنَّه لم يمسَّ نفسي ولا غيَّر كِياني. وأحسَستُ خواءً عظيماً يغمر كياني. وعلى الرُّغم من مواظبتي فعلاً على الدرس وعلى إتْخام نفسي بالقراءة والصلاة والتأمُّل، أخذ ذلك الخَواء يتفاقم يوماً فيوماً.

مضيتُ أستمع إلى تلك المحطَّة عينها، غيرَ مُفوِّتٍ أيَّ برنامج تبثُّه. وعلمتُ أنَّ مركز المحطَّة كان في "كُوِيتو"، وأنَّها محطَّة مسيحيَّة متخصِّصة بتبشير العالم كلِّه بالإنجيل. وأحياناً كنتُ أتأثَّر كثيراً بما اسمعه، فأكتُب إلى المحطَّة شاكراً وطالباً المزيد من المعلومات.

ولَشدَّ ما أدهشني مِن كلِّ ما سمعتُ إصرارُ أحدِ المتكلِّمين على أنَّ الخلاص هو بالنِّعمة، وإرجاعُه الفضلَ كلَّه لا إلى المخلَّص بل إلى الربِّ يسوع المسيح، المخلِّصِ الوحيد، وتأكيدُه أنَّ الإنسان لا يمكنه أن يفتخر بشيء وأنَّ أعماله ليست سوى خِرَقٍ نَجِسة وأنَّ الحياة الأبدية لا تُقبَل إلاَّ هبةً مجّانيَّة داخل القلب وأنّها ليست مكافأةً على استحقاق مكتسَب بل عطيَّةُ نعمةٍ يهبها اللهُ لكلِّ مَن يتوب عن خطاياه ويقبل المسيح في قلبه وحياته مخلصاً شخصيّاً. فهذا كلَّه كان جديداً عليَّ، ومناقضاً للأفكار اللاهوتيَّة التي عُلِّمتُها، والتي ذهبت إلى أنَّ السماء والحياة الأبدية ينالهما المرء باستحقاقه وأمانته وإحسانه وتضحياته. وذلك ما قضيتُ سنين كثيرةً وأنا أُحاول إتمامه. لكنْ ماذا كانتِ النتيجة؟ فكَّرتُ في هذا السؤال وقلتُ لنفسي: "لم أتقدَّم قطُّ على هذا الطريق. وإنِ اقترفتُ خطيَّةً مُميتة أذهب إلى الجحيم في تلك الحالة. لقد علَّمني لاهوتيْ أنَّ الخلاص بالأعمال والتضحيات. وها أنا أكتشف أنَّ في الكتاب المقدَّس خلاصاً مجّانيّاً. إنَّ لاهوتيْ لا يؤتيني أيَّ يقينٍ بالخلاص؛ أمّا الكتاب المقدَّس فيؤتيني. ها أنا مرتبك حائر. فلعلَّه ينبغي لي أن أتوقَّف عن سماع هذه البرامج الإنجيليَّة!" هذه المعركة التي احتدمت في داخلي اتَّخذت أبعاداً مُنذِرة بالخطر، فبتُّ أُعاني جسديّاً وقلبيّاً، وانتابني وَجَعُ الرأسِ والأرَقُ والخوفُ من الجحيم. وفقدتُ الرغبة في الاحتفال بالقُدّاس وسماع الاعترافات. فقد كانت نفسي أحْوَجَ من كلِّ النفوس التي أحتكُّ بها إلى نوال الصفح والعزاء. وهكذا تجنَّبتُ الاتِّصال بالجميع.

غير أنَّ الله ظلَّ يتكلَّم إليَّ في عزلة قلبي المُعذَّب. وما كان أكثرَ الأسئلةَ التي ثارت في روحي والهواجسَ التي هاجت في قلبي! إلاَّ أنَّ كلمة الله جاءت لتُنقِذني، ساكبةً بَلسماً منعشاً على مشاعري المحمومة. "لأنه هكذا أحبَّ الله العالم، حتَّى بذل ابنه الوحيد، لكي لا يهلك كلُّ مَن يؤمن به، بل تكون له الحاية الأبدية" (يوحنّا 16:3). "إذِ الجميع أخطأوا وأعوزهم مجد الله؛ متبرِّرين مجاّناً، بنعمته، بالفداء الذي بيسوع المسيح" (رومية 23:3-24). "لأنَّ أُجرة الخطيَّة هي موت؛ وأمّا هبة الله فهي حياة أبدية بالمسيح يسوع ربِّنا" (رومية 23:6). هذه الآيات، وكثيرٌ غيرها، خطرت على بالي بعدما صارت مألوفةً عندي لكثرة ما سمعتها من تلك المحطَّة التبشيريَّة.

ثمَّ خطر لي أن أُكلِّم رئيسي، وكان رجلاً حكيماً وأباً حقيقياً للجميع، وقد لاحظ موقفي من قبل. فعلَّق قائلاً إنَّني قد تغيَّرتُ وإنَّ خطباً ما قد حلَّ بي. فأخبرتُه بسبب تغيُّري، وأفسح لي كي أُفضي له بدخيلة نفسي. ثُمَّ في ختام اعترافي له خاطبتُه قائلاً: "إنَّني راغبٌ ليس فقط في قراءة الكتاب المقدّس ودرسه، بل أيضاً في تكييف نفسي بمُقتضاه، وفي العيش بموجب ما جاء فيه دون الزيادات التي يفرضها الناس". وجاء جوابه غامضاً جدّاً، إذ لم يشأ أن يُغيظني. فنصحني بالاستمرار في قراءة الكتاب، لكنَّه ذكَّرني بوجوب الحفاظ على أمانتي نحو تعاليم "أُمّنا" الكنيسة المقدَّسة التي لها ينبغي أن يَخضع المرء حتَّى في الأمور التي لا يفهمها.

أصغيتُ إلى رئيسي بكلِّ الاحترام الذي به أدين له. وهو نفسه لم يكن متيقِّناً بخلاص نفسه. ولكنْ في قلبي فقدتُ ثقتي بكنيستي، إذ لم تُعلِّمني يقين الخلاص. وكان قد حدث في قلبي شرخٌ سيكبرُ بعدُ ويُطيح بكلِّ شيء بأسرعَ ممّا كنتُ أظنّ. فقد بزغ في قلبي فجرُ النور في اللحظة التي قلَّما توقَّعتُ فيه حصول ذلك. كان دوري أن أعظ في أبرشيَّتي. وكنتُ السبتَ السابق قدِ استمعتُ إلى برنامج بلي غراهم "ساعةُ القرار"، فساعدني ذلك البرنامجُ كثيراً في تحضير عِظتي لليوم التالي، وقدِ اخترتُ لذلك الأحد موضوع "الرياء الدينيّ" منطلقاً بحُريَّة من النصِّ الكتابيّ: "ليس كلُّ من يقول لي: يا ربّ، يا ربّ، يدخل ملكوت السماوات؛ بل الذي يفعل إرادة أبي الذي في السماوات. كثيرون سيقولون لي في ذلك اليوم: يا ربّ، يا ربّ، أليس بِاسمك تنبّأنا، وباسمك أخرجْنا شياطين، وبِاسمك صنعنا قوّاتٍ كثيرةً؟ فحينئذٍ أُصرِّح لهم: إنِّي لم أعرفكم قطّ! اذهبوا عنِّي يا فاعلي الإثم!" (متّى 21:7-23).

كنتُ أعرف ابناء أبرشيَّتي. لذا أردتُ أن ألفت انتباههم إلى العُجب الذي يُبديه بعضهم نظراً لأعمالهم الصالحة، ناسين أنَّ تلك الأعمال الصالحة غالباً ما موَّهت قلباً فاسداً. وبينما أنا أُلقي عظتي، تنبَّهتُ إلى أنَّ كلمة الله كانت ترتدُّ عليَّ كطابة كُرَةِ طأولةٍ ترجعُ وتضرب وجه مُرسلها. وما أعجب أن ترى كيف تستطيع الروحُ البشريَّة، في ثوانٍ معدودة، أن تبني هيكلاً فكريّاً كاملاً قد يتطلَّب التعبيرُ عنه ساعاتٍ عديدة! وهكذا، ففيما كنتُ أُقدِّم رسالتي، كان شخصٌ آخر يتكلَّم في قلبي ويُلقي عليَّ عظةً توافق حاجاتي الشخصيَّة أيَّة موافقة. فقد كنتُ أتصوَّر أنَّني أفضلُ من جميع الذين أُخاطِبُهم، لكوني متديِّناً وكاهناً. ومع ذلك، فسوف تتردَّد في أُذنيَّ أنا أيضاً ذاتَ يومٍ الكلماتُ الصاعقة: "إنِّي لم أعرفْك قطَّ؛ اِذهبْ عنِّي!" وسمعتُ احتجاجاتي في وجه هذا الخطر الداهم وهذه الدينونة المُقبِلة: "كيف يُعقَل، يا إلهي، أنّك لا تعرفني؟ ألستُ أنا كاهناً؟ أ ولستُ متديِّناً؟ انظرْ جميع التضحيات التي قمتُ بها في سبيلك: سني الدراسة، انفصالي عن أهلي ووطني، نذوري بالفقر والطاعة والعفَّة، تقديمي لك كلَّ أملاكي وإرادتي، بل جسدي أيضاً، كي أخدمك خدمةً أفضل. فهل تقولُ لي بعدُ إنَّك لم تعرفني قطُّ؟ هلاَّ تعتبرُ الآلامَ التي عانيتُها في حياتي مُرسَلاً: فما أكثر ما لم آكُلْ حتَّى الشبع، وقد بكيتُ مع الباكين، وعمَّدتُ أطفالاً بالمئات، وعزَّيتُ كثيراً من النفوس الحزينة الخائرة، وكابدتُ البرد والعُزلة والاحتقار ونكران الجميل والتهديدات... حتَّى إنَّني على استعدادٍ لبذل حياتي في سبيلك..". ولكنْ على الرغم من جميع الاحتجاجات التي تذرَّعتُ بها في حضرة الله، ظلَّت تقرعُ أُذنيَّ كلماتُ الدينونة الرهيبة: "لم أعرْفك قطّ..". فقد فرغتُ من حججي الواهيَّة ووصلتُ إلى قُصارى قوَّتي. وشعرتُ بأنني على شَفا الانهيار والاسترسال بالبكاء أمام ابناء رعيَّتي الذين أحسُّوا بهبوب العاصفة. ثمَّ هبَّت العاصفة فعلاً، وحالت دموعي دون إكمال موعظتي. فقد كان فوقَ طاقتي أن أحتمل خيبة الأمل التي واجهتني بالإحباط الشديد في ضياع الهدف من حياتي كلَّها، أمام خطاياي ودينونة الله الحتميَّة. ثمّ التجأتُ إلى مكتبي، حيثُ جثوتُ انتظر ريثَما يعودُ الهدوء. ولكنْ أين أتوجَّه الآن؟ ربَّما كان لاهوتيْ قادراً على تخليصي إن رجعتُ إليه وعملت في أمانةٍ بتعليماته وشعائره. ولكنَّ ذلك اللاهوت الذي اعتبرتُ نفسي مرتبطاً به من جديد كان قد بدأ عندي يشهد التخبُّط والتغيُّر والتداعي والانهيار. إذ ذاك اتَّجهت أفكاري نحو أصدقائي. غير أنَّهم كانوا في وضعي بعينه، بعيدين عن اليقين. فهل أثق بنفسي؟ ما عُدتُ أستطيع الركون إلى أعمالي الصالحة. ونظرتُ إلى نفسي فإذا أنا حُطامٌ بِحُطام: فقد كنتُ في حالة إعياء شديد، مكتئباً وفاقداً كلَّ عزاء.

إنَّما تلك كانتِ اللحظةَ التي فيها ألفَيتُ الله منتظراً إيّاي كي يهبَني نعمته. وحقاً أنَّ نهاية الإنسان القُصوى هي فرصةُ الله المناسِبة. ففي جميع تأمُّلاتي، كان الله يعدُّني لقبول كلمة خلاصه: "لأنكّم بالنعمة مخلَّصون، بالإيمان، وذلك ليس منكم؛ هو عطيَّة الله. ليس من أعمال كيلا يفتخر أحد" (أفسس 8:2و9). عند هذا الحدّ أدركتُ ضلالي وسبب رفض الله لي. فقد كنتُ أُحاول تخليص نفسي بالأعمال؛ أمّا الله فيُريد أن يُخلِّصني بالنعمة. إنَّ شخصاً آخر قد تولَّى أمر خطاياي والدينونة المرتبطة بها. وذلك هو الربُّ يسوع المسيح. لهذا مات على الصليب. وقد مات عن خطايا سواه، لأنَّه هو نفسه لم يُخطئ قطّ. ومن أجل خطايا مَن قد مات؟ أمِن أجل خطاياي؟ نَعم، من أجل خطاياي! إذ ذاك تذكَّرتُ كلمات المسيح: "تعالوا إليَّ يا جميع المتعبين والثقيلي الأحمال، وأنا أُريحكم" (متّى 28:11). وفهمتُ أنَّ عليَّ الإقبالَ إلى المسيح إن كنتُ أُريد الحصول على يقين الخلاص وسلام النفس. وكان في نيَّتي أن أسأله: "ولكنْ أين أنت، أيُّها الربُّ يسوع، حتَّى ألتصق بك؟" ولكنْ قبل أن تثورَ في قلبي صرخةُ نفاد الصبر هذه، تذكَّرتُ كلمةً أُخرى سمعتُها: "هنذا واقف على الباب وأقرع: إن سمع أحد صوتي وفتح الباب، أدخل إليه وأتعشَّى معه، وهو معي" (رؤيا 20:3).

آنذاك عرفتُ أين كان المسيح. فقد كان أقربَ إليَّ ممّا أظنّ. وهكذا بادرتُ إلى دعوَتِه للدُّخول إلى قلبي دون استمهالٍ لاسئذان إيِّ إنسان: "ادخلْ، يا ربُّ يسوع، ادخل قلبي؛ كُن عليه سيِّداً وله قائداً، يا مخلِّصي الحبيب". في تلك اللحظة تأكَّد لي أنَّني حُرِّرتُ من القِصاص الذي طالما هدَّدني. لقد نلتُ الخلاص والغفران والحياة الأبدية، وبدأ الله عمله فيَّ. وآنئذٍ فهمتُ الكلمة التي كثيراً ما سمعتُها وقد صارت حقيقةً واقعةً بالنسبة إليَّ: "لأنَّه جعل الذي لم يعرف خطيَّةً، خطيَّةً لأجلنا، لنصير نحنُ برَّ الله فيه" (2كورنثوس 21:5). "وهو مجروح لأجل معاصينا، مسحوق لأجل آثامنا: تأديب سلامنا عليه، وبحبره شُفينا" (إشعياء 5:53).

وماذا حدث بعد ذلك؟ في بادئ الأمر تابعتُ خدمتي الكهنوتية على أفضل ما يمكنني. ولكنْ شيئاً فشيئاً أخذتُ أشعر كأنِّي غريبٌ في ذلك الموقع. فقد أدركتُ أنَّ النعمة التي خلَّصتني وصيَّرتني واحداً من أولاد الله لا بدَّ أن تدخل في صراعٍ مع "أعمال" الموقع الذي كنتُ أُحاول أن أعيش فيه. كنتُ سعيداً لحصولي على يقين الخلاص. إلاَّ أنَّني كنتُ مقيَّداً في محيطٍ يدفعُني للقيامِ بأعمال صالحةكي أستحقَّ خلاصي. فما دمتُ قد حصلتُ على الخلاص، بدأتُ أُنحِّي تلك الأعمال جانباً، واحداً إثر واحد. ومن ثمَّ تغيَّر توجُّهي في الوعظ وتقديمي للعِظات. فكلُّ ما همَّني كان يسوع المسيح: مَن هو وماذا عمل. وهكذا أهملتُ الموضوعات المُعَدَّة سلفاً من قِبَل المنظَّمة الليتورجيَّة التابعة للأبرشيَّة، كي أُكرِّس كلَّ جهودي لشخص مخلِّصي الحبيب وعمله، مقدِّماً إيّاه على هذه الصورة لابناء رعيَّتي المتحيِّرين الذين ارتبكوا أحياناً لكنَّهمُ انْبَنَوا غالباً. وطلبتُ إعفائي من مهامِّ كاهن الرعيَّة إذ لم أعُد أستطيع أن أعظ بما يُخالف كلمة الله، فقبل رؤسائي استقالتي مع أنَّهم لم يَعُوا سبب رغبتي في الاستعفاء. فإنَّهم عاملوني حقاً أحسن معاملة وأشركوني في خدماتٍ كثيرة، ولم يُعوِزني شيءٌ مِن وجهة نظرهم. كان ذلك صحيحاً في ما يتعلَّق بالطعام والملبس والمأوى وما شابه. لكنَّني الآنَ حصلتُ على يقين خلاصي، وقد غدا المسيحُ ربِّي وسيِّدي ومعلِّمي. وما عاد عليَّ أن أعمل شيئاً لإحراز الخلاص. فإنَّ شخصاً آخر مجيداً اكتسبه لي. وعليه، فهو يتولَّى إكمال ما قد بدأه من عملٍ صالح، إذ إنه لا يعمل عملاً ناقصاً.

عُدت إلى مقاطعة "كيوبك" الكنديَّة عام 1965 في فترة راحةٍ مطوَّلة. وبُعَيدَ ذلك زارَني بعضُ المسيحيِّين الإنجيليين. تُرى، كيف عرفوا باهتمامي بكلمة الله؟ لقد صارحوني بأنَّ اسمي أُعطي لهم من قِبَل المسؤولين في المحطّة الإذاعيَّة السابق ذكرُها. على أنِّي لم أُطلِعْهم على كلِّ ما كان يُخالجني، مع أنِّي آنست في حديثهم بنياناً كثيراً. لم أكُن أُريد الوقوع في قبضة نظامٍ دينيٍّ آخر بعدما قمعَني طيلةَ سنين ذلك النظامُ الذي وُلِدتُ فيه وتربيَّتُ عليه وعشتُه قرابة أربعين سنة. غير أنَّني صلَّيتُ طالباً أن يرزقني الله إخوةً وأخواتٍ أنضمُّ إليهم فلا أشعر بأنني وحيد. وكنت مُطَّلِعاً على اختبار المسيحيِّين الأولين، كما جاء في سفر أعمال الرسل: "وكانوا يُواظِبون على تعليم الرسل، والشركة، وكسر الخبز، والصلوات" (أعمال الرسال 42:2). فهل يُعقَل أن يوجد في أيامنا مؤمنون بالمسيح ما زالوا يجتمعون معاً لتذكُّر الربّ فيما ينتظرون عودته؟ إنَّ الله الذي يسَّر لي خلاص نفسي قادرٌ أن يُدبِّر لي أيضاً امرَ الْتقاءِ أولادٍ له في مكانٍ ما.

ذاتَ يومٍ دعاني رؤسائي في "مونتريال" للحلول محلَّ أُستاذِ لاهوت في كليَّة واقعة في "راوين". وتردَّدتُ في تلبية هذه الدَّعوة، ولا سيَّما لأنَّ منطقة "أبيتيبي" التي عاصمتُها "راوين" لم تَرُقْني يوماً. غير أنَّني قبلتُ أن أشغل ذلك المنصب، بما أنَّ ذلك لنْ يتعدَّى بضعة أشهر. أمّا الموضوع الذي تعيَّن لي أن أُدرِّسه فكان "الكنيسة". وقد أتيح لي أن أُفيدَ من جميع الكتب التي كانت ضروريَّةً للتحضير للمادَّة. إلاَّ أنَّني بدأتُ تحضيري مستخدماً الكتاب المقدَّس وحده. وشرحتُ للطلاَّب ماهيَّة الكنيسة بناءً على كلمة الله دون سواها. أعترفُ بأنَّني شخصيّاً واجهتُ صعوبةً في فهم ما كنتُ أُعلّمه. فقد كان ذلك مناقضاً كليّاً للكنيسة الهَرَميَّة التي كنتُ ما أزال فيها. وكَمْ تمتَّعتُ بدراسة هذا الموضوع وتدريسه! فقد استخدمتُ آلة تسجيل صغيرة كوسيلة أيضاًح للدروس، مُسِمعاً الطلاَّب مقابلاتٍ أجريتُها مع العامَّة في أماكن شتَّى من المدينة. وذات يومٍ علمتُ من إحدى الصحف أنَّ برنامجاً تلفزيونيّاً سوف يُبَثُّ في موضوع "الكنيسة". فسجَّلتُ البرنامج لأستخدمه في التعليم، وتبيَّن لي أنَّ الموضوع عولج من وجهة نظر الكتاب المقدَّس وما يُعلِّمه. وقد عجبتُ جدّاً من التشابه في عرض الموضوع بيني وبين معالِجِه المجهول الذي عرفتُ لاحقاً أنَّه مسيحيٌّ إنجيليّ، حتَّى كتبتُ إليه بإيجاز داعياً إيّاه إلى مقابلتي إنِ استطاع. وجاء إليَّ، فتبيَّنتُ فيه شخصاً عرف الربَّ حقاً. وبعد عدَّة زيارات، دعاني إلى بيته لقضاء يوم الأحد معه ومع عائلته. وبمناسبة تلك الزيارة، حضرتُ احتفالاً بسيطاً بتذكار موت الربّ، أول مرّة في حياتي، فألفَيتُ في تلك الخدمة ما هو موصوفٌ في الأصحاح الحادي عشر من رسالة كورنثوس الثانية، وتبيَّن لي أنَّ الربَّ قدِ استجاب صلاتي وهداني إلى إخوةٍ وأخواتٍ في الربّ وبيَّن لي أنَّ في أيامنا بالفعل مؤمنين بالمسيح يجتمعون ككنيسة لتذكُّر الربّ فيما ينتظرون عودته، كما هو مكتوبٌ: "فإنّكم كلما أكلتم هـذا الخبز وشربتـم هـذه الكأس تخبرون بمـوت الربّ إلى أن يجيء" (1كورنثوس 26:11).

بُعَيْدَ ذلك، كتبتُ إلى رؤسائي في مونتريال مُطلِعاً إيّاهم على خبر عثوري على عائلتي الحقيقيَّة، وطالباً إليهم أن يستحصلوا لي على إعفاء من جميع النذور التي قطعتُها لكنيسة روما، إذ لم أعد أعتبر نفسي عُضواً فيها. فإنَّ حياتي الآن مِلكٌ للربِّ يسوع، وزمامُها منذئذٍ في يده الكريمة.

هكذا حرَّرني الربُّ، لا مِن خطاياي فقط، ولا من دينونته العادلة فحسب، بل أيضاً من كلِّ نظامٍ بشريٍّ يُثقل النفس ويُقيِّدها.

(الكاهن المولود ثانيةً: جوزيف اتْرَمْبلاي)

أضف تعليق


قرأت لك

كلام الناس

يظنّ كثيرون ان الكلامَ هو مجرّد كلام لا يزيد ولا ينقّص لذلك ما اسرع الناس في الحكم على الاخرين وإطلاق الاشاعات وكل مَن يسمع خبراً ينقله مع بعض التعديل والتأويل بما يناسبه شخصياً. لكن كلمة الله تعطي أهمية بالغة لكلام الناس فيقول الرب يسوع "كلّ كلمة بطالة (اي غير مقصودة وغير بناءة) يتكلّم بها الناس سوف يعطون عنها حساباً يوم الدّين، لأنك بكلامك تتبرّر وبكلامك تُدان" (متى12: 36) ويقول سليمان "كثرة الكلام لا تخلو مِن المعصية اما الضابط شفتيه فعاقل" (امثال10: 19)

تطبيقات للهواتف الذكية

  • تطبيق وعود الله
  • تطبيق الإنجيل لجهاز الآي فون
  • تطبيق الإنجيل لجهاز الآي باد
  • تطبيق الإنجيل المسموع
  • تطيبق مركز دراسات الكتاب المقدس
  • تطبيق أجوبة الله
  • تطبيق كلمة الحياة
  • تطبيق ترانيم وعظات مسموعة