عقائد

الفصل الرابعِ: مبادئ تعليم يسوع

القسم: يسوع المعلّم العظيم.

لا يظهر لأول وهلة أن تعليم يسوع كان مبنياً على مبدأ معين بل يظهر أنه عمل ارتجالي خال من الارتكاز على أية نظرية أساسية وذلك عكس الحقيقة تماماً لأن تعليمه لم يكن اعتباطياً وكلما درسنا عمله اتضح لنا أنه تأسس على مبادئ راسخة. ومع أنه لم يذكر ولا عدد مبادئ تعليمه فإنها تبرز إلى العيان كلما تفحصنا أسلوبه. فنلاحظ بعضها الآن.

1-كان له بعد نظر

واضح أن يسوع اختار مساعديه مستعيناً ببعد النظر فاستطاع أن يرى فيهم من علاه الإلهي ما لم يروه ولا رآه معاشروهم إذ نظر إلى إمكانياتهم الخفية. رأى في سمعان المتسرع المتطرف المتقلقل طبعاً قوياً شجاعاً راسخاً فسماه بطرس (صخرة). ورأى في يوحنا الشاب الغضوب (ابن الرعد) طبعاً حنوناً محباً يؤهله لأن يكون "التلميذ المحبوب". ورأى في الفريسي المتعجرف أو في الامرأة المنحطة إمكانيات لم يميزها غيره. وقد قِيْل "رأى الناس في زكا يهودياً صغير النفس مغتصباً أما يسوع فرأى فيه الخلق الكريم..وكذلك متى رأى الجمهور فيه عشاراً مكروهاً أما يسوع فرأى فيه ذلك الشخص العتيد أن يكتب سفراً خالداً".

وكما يرى الرسام بعين مخيلته الصورة المنتَظرة قبل أن تبرز إلى الوجود ويرى النحات شكل التمثال في الصخر قبل نحته هكذا رأى السيد في كل طالب صورة الشخصية التي يمكن أن تتكون فيه وعمل بالرجاء والصبر إلى أن حقق هذه الصورة. "لم ييأس من تغيير أي إنسان بل تمسك بالرجاء في نمو أردئهم وأضعفهم".

وانتظر يسوع تطور الأخلاق أيضاً ببعد النظر عالماً أن تكييف المثل وتشكيل وجهات النظر وتكوين العادات تتطلب الوقت لطويل. كما قال أحدهم: "لا تولد العادات مع الشخص في يوم ميلاده ولا تُخلق الأخلاق الجيدة في رأس كل سنة حينما يصمم على تحسين نفسه وأخلاقه. ومع أن الرؤية قد تلوح له، وحلم التحسين قد يستيقظ، والقلب قد يفرح بإلهام جديد في لحظة مقدسة على قمة الجبل، فإن امتحان الأخلاق الجيدة وانتصارها هما عند سفح الجبل في السهل بين الأمور اليومية العادية". ينبت الفطر في ليلة أما شجرة الأرز فتستغرق عقوداً من السنوات كما وضح يسوع في مَثَل البذار الملقَى على الأرض الذي ينمو ويصير نباتاً ثم سنبلاً ثم قمحاً ملآن في السنبل (مرقس 4: 28) ووضح أيضاً في حثه بطرس على رعاية خرافه كي تنمو فتصبح غنماً (يوحنا 21: 15-17).

علّم يسوع أن ملكوت الله لا يأتي بواسطة الحملات المجتاحة والظروف العاطفية الجامحة بل بواسطة عملية التعليم والتدريب المطوَّلة- "أمراً على أمر فرضاً على فرض". وهكذا فقط يستطيع المؤمن الحديث الإيمان أن ينمو إلى قياس قامة ملء الأخلاق المسيحية. وكان بعد النظر يعطي يسوع الرسوخ والصمود. "فلما سُدَّت أمامه الطريق من جهة اتجه إلى جهة أخرى بملء الصبر والطمأنينة. ولما لم يبقَ أمامه طريق مفتوحة إلا إلى الموت قبِل به بذات الروح الواثقة المطمئنّة التي اشبع بها الجماهير قرب البحيرة" لأنه لم يشك في نتيجة عمله.

وإن بعد النظر في إمكانيات طلابنا وفي ما يطلبه بنيان أخلاقهم يحفظنا من التشاؤم واليأس فلا نكون كالمبشِّر الذي حزن عند انتهاء سلسلة اجتماعات انتعاشية إذ لم يؤمِّن من الذين حضروا تلك الاجتماعات إلا بضعة صبية وكان أحدهم جورج ترويت الذي أصبح من أشهر الوعَّاظ المعمدانيين. ولا نكون كقواد الكنيسة الذين ترددوا في قبول دوايت ل.مودي إلى عضوية الكنيسة!

بل سنحسب أن هناك في كل طالب إمكانيات غير محدودة وسننظر إلى تعليمنا لا كحمل ثقيل بل كفرصة مجيدة وكالوسيلة البشرية الأكثر فاعلية في تنمية الأخلاق. وسنرى مع فان هومبولدت أن ما نريد أن يكون في مدنيَّاتِنا في الغد يجب أن نعلّمه في مدارسنا اليوم وسنتفق مع الذي قال "إن مجرى تقدم المجتمع هو معركة بين معلمي المدارس". وسندرك أن "المعلم فعلاً هو حافظ أبواب الغد".

2-كان يشدد على المعاملة الفردية

يميل الناس في أيامنا إلى محاولة إنجاز أمورهم بواسطة الجماعات فنهتم بالأعداد الكبيرة. نقيس نجاح الراعي أو المبشر أو المعلم بالنسبة إلى عدد الناس الذين يعظهم أو يربحهم أو يعلمهم. ونسعى إلى ربح الناس كجمهور إلى الرب أو إلى عمل ما كما فعل كريكوري المنير واكسافيا وغيرهما. فإن تشديدنا هو على الجمهور لا على الفرد.

إنما هذا التشديد لا يطابق أحسن الأساليب التلقينية وقد يأتي بنتائج سطحية غير ثابتة. فإنه كان سبب اختبارات مزيفة وارتداد على ممر السنين. فإن نسبة الذين يثبتون بعد قبول الخلاص أكبر بين الذين يؤمنون خلال الاجتماعات الاعتيادية منها بين الذين يؤمنون خلال اجتماعات انتعاشية. والتشديد على الجمهور لا على الفرد هو سبب الفرق بين عدد أعضاء الكنائس وعدد الأعضاء العاملين الذين يعتمد عليهم. وهو أيضاً يؤدي في بعض الأحوال إلى الشك وترك الإيمان. قال قائد معروف مرة أن كل ملحد كان قد ادَّعى سابقاً بالإيمان الحقيقي.

أما تشديد يسوع فقد اختلف عن هذا إذ كان يشدد على المعاملة الفردية. "قضى معظم أوقاته مع الأفراد أو مع جماعة تلاميذه". ولا ينكر أنه عامل الجماهير وكانوا يتبعونه من كفرناحوم واورشليم والمدن العشر وغير ها وكان عددهم يبلغ أربعة آلاف أو خمسة آلاف أحياناً. وكان يشعر معهم ويكلمهم ويطعمهم ويشفيهم. فظهر عمله في بعض الأوقات حركة جمهورية عظيمة ولا سيما بعد العجائب البارزة وحين دخوله المدينة كملك.

غير أنه لم يشجع اتِّباع الجماهير له بل بالحري اضطرب منه وحاول أن ينسلَّ من الازدحام وكان يردع تحمس الجمهور. فلما تبعه جمهور عظيم قال لهم أن عليهم أن يحبوه أكثر مما أحبوا أحباءهم لكي يصيروا تلاميذه (لوقا 14: 25-27) وعلم تقلقل الجمهور وتأثره السطحي وأن "الذين يباركونك اليوم قد يسبونك في الغد" ولذا لم يؤد خدمته العظمى مع الجماهير."إنه واضح أن السيد اهتم بأن تفهمه جماعة قليلة من الناس فهماً تاماً وأن تمتلئ هذه الجماعة بروحه أكثر مما اهتم بربح جماهير غفيرة إلى اتِّباعه بطريقة سطحية".

ومع علمه بقصر الوقت الذي يقدر أن يعمل فيه، وهو ثلاث سنوات ونيّف، كان يكرس أكثر ساعاته لمعاملة الأفراد. وبين مقابلاته للأفراد نجد أدهش الأمثلة على خدمته. "كان أسلوب يسوع لفداء العالم لا انتظار المناسبات الحافلة واللحظات العاطفية بل استعمال كل فرصة سانحة له في الظروف العادية البسيطة والحوادث اليومية وفي حالات كهذه كأن يقدم النفائس إلى الشخص الوحيد المحتاج".

ومن جملة الناس الذين قابلهم يسوع نيقوديموس وزكا والمرأة السامرية والتي أُمسِكت في زنا وصاحب الإرث والشاب الرئيس الغني والمحامي المنتقد وخادم الملك في كفرناحوم وآخرون كثيرون. وفي مواجهته إياهم أتيحت له الفرصة لأن يفهم حاجاتهم وينصحهم. ويشبه أحدهم قائد جمهور بشخص يرمي بدلو ماء على عدد من القناني الضيقة الأفواه ويرجو أن يدخل قليل من الماء إلى بعض القناني بينما مرشد الأفراد يعالج حالة معينة. وكان يسوع يعرف تفوق الطريقة الثانية.

يجب على المعلم اليوم أن يكون المرشد والمستشار لطلابه في حل مشاكلهم. ولذا يجب أن يكون عدد طلاب صفه مناسباً يسهل له معرفة كل فرد وحاجاته فيعلم بموجب هذه المعرفة. هناك معلم حفظ سجلاً فيه معلومات دقيقة عن كل طالب، وجمعها من والديه وأصدقائه ومعلميه في المدرسة اليومية وكان يعد كل درس على ضوء هذه المعلومات. وقال واعظ مشهور "كان جورج ترويت عظيماً حين ألقى العظة عن منبره وعظيماً حين خاطب المجمع المعمداني الجنوبي من على درج دار الحكومة في واشنطن وأعظم من ذلك لما خاطب المجمع المعمداني المسكوني في مدينة أتلانطا لكنه كان في عظمته الحقيقية لما وقف في مقبرة صغيرة في الريف وعزَّى ابنة صغيرة كانت قد فقدت أمها".

3-كان يبتدئ بالتعليم عند مستوى فهم الطلاب

لم يكن يسوع يلقي خطباً أعدت للمناسبات الرسمية بل كان في البيت وفي المجمع وعلى الجبل وقرب البحيرة يعلم بصورة طبيعية غير رسمية مبتدئاً بالأمور التي تختص بطلابه وحاجاتهم. "ابتدأ لا بالعقائد ولا بالمادة أو التقليد أو الكتاب المقدس بل بالأشخاص الحقيقيين واختباراتهم في الحياة". "لم يختر مقطعاً من الناموس أو الأنبياء ليشرح مبادئه الأساسية ومن ثم يلتفت حوله ليكتشف حاجة ما تدعو إلى تطبيق تلك المبادئ بل عالج في تعليمه الوضع البشري الراهن". فإنه قَبِل الناس كما هم ثم سعى لاقتيادهم إلى ما أرادهم أن يكونوه. وهذا الأسلوب يوافق "قانون القابلية" في التعليم الذي يقول أن الشخص يقبل نوعاً معيناً من العمل إذا كان ساراً له وينزعج إذا منع عنه.

لما سأله محام عما يعمل ليرث الحياة الأبدية أشار يسوع إلى ناموسه (لوقا 10: 25-26) وفي حديثه مع الامرأة الشريرة عند بئر يعقوب ابتدأ يكلمها عن الماء أي الأمر الذي كانت تهتم به ساعتئذ، ومن ثم تقدم إلى بحث "الماء الحي" (يوحنا 4: 10). ولما وقف في المجمع ليقرا وليعلن بداءة خدمته ابتدأ بقراءة المقطع المعروف من أشعياء الذي يشير إلى انتظار مجيء المسيح (لوقا 4: 16-30). وبهذه الطريقة جذب انتباه الناس لتعليمه وأثار رغبتهم في الاستماع. "ولم يؤخره عن مساعدة طلابه على التعليم أي برنامج رسمي أو منهاج معين".

والابتداء في التعليم عند مستوى فهم الطلاب يقضي بأن يبتدأ بالأمور المختصة بهم وبحاجاتهم كما يقتضي أيضاً باستعمال الكلمات والعبارات التي يفهمونها. وهذا هو قانون كان يشدد عليه كثيراً في الماضي ولا يزال قانوناً ضرورياً اليوم. ويقضي هذا القانون بإضافة معلومات جديدة إلى المعلومات المعروفة من قبل حتى أن الطالب يتعلم الحقائق الجديدة بواسطة الحقائق القديمة أي أنه يتقدم من المعلوم إلى المجهول، وتقديم الدرس الجديد بعبارات وأفكار معروفة سابقاً هو الأسلوب المرعي عادة في التعليم.

رأى صبي صغير صورة تمساح فلما رأى الضب سماه "تمساحاً" أي أطلق عليه الاسم المعروف لديه. وشاهدت غسالة بسيطة مهرجان ممرضات فلم يلفت نظرها إلا كثرة الثياب البيضاء للغسيل! ولما رأى صبي من الساحل (حيث لا تقع الثلوج) ثلجاً لأول مرة سماه "ريشاً" مفكراً بشيء مألوف عنده. فبما أننا نتعلم الجديد بواسطة القديم يكون استعمال اللغة والأفكار المعروفة عند الطلاب أمراً هاماً يؤدي إهماله إلى عرقلة تفهم الطالب لما نعلِّمه إياه. لذلك اعتاد يسوع استعمال كلمات عادية معروفة كالنور والخبز والملح والطعام وذكر الأمور المألوفة كالتربة والكرم والغنم والخمير.

ونلاحظ أنه أسيء فهم قصده حينما استعمل عبارة نسبها سامعوه إلى غير ما قصده الرب. مثلاً ذكر لنيقوديموس الولادة الجديدة ورغم ثقافة نيوديموس خطر له أن السيد يتكلم عن ولادة جسدية. ولما تكلم يسوع عن ملكوته تصور سامعوه عرشاً أرضياً كعرش داوود وفكروا بالحكم الزمني الذي تدعمه القوة لا السيادة الروحية على القلوب. ولما قال "انقضوا هذا الهيكل وفي ثلاثة أيام أقيمه" لم يخطر ببال أحد أنه تكلم عن جسده.

إذاً من المهم أن يبتدئ المعلم باختبارات ومشاكل مألوفة لدى طلابه وأن يتأكد من فهمهم لكلماته وتوضيحاته. وأن لا يكون كالواعظ الذي قضى ثلاث دقائق في تقديم إيضاح ثم ثماني عشرة دقيقة في تفسير الإيضاح!

4-كان يواظب على معالجة الأمور الأساسية

ليس في كل تعاليم يسوع ما يشير إلى أنه عالج أموراً ثانوية تافهة. لم يعلم مبادئ التعلم ولا تاريخ فلسطين أو جغرافيتها أو عاداتها. ولم يهتم بطرق التنظيم أو أدوات التعليم أو مواده. كما وأنه لم يقدم أنظمة عقائدية معقدة لتعليم الأجيال الآتية. فإن أقرب تعاليمه إلى نظام عقائدي هو تعليمه على الجبل الذي يقرأ في ظرف نصف ساعة فقط. وأيضاً لم يشدد على استظهار مقاطع معينة من الكتاب المقدس ولا على أسئلة البحث اللاهوتي كما فعل الكتبة في تعليمهم في المجامع بل عوضاً عن هذه الأمور عالج المعلم العظيم المشاكل الحيوية -القضايا التي كان لها اتصال مباشر بالحياة الروحية والخلقية.

وعلّم السيد أن الأمور الحاسمة في الحياة تصدر عن الغرائز الأساسية كالدافع إلى حفظ الحياة وإلى التوالد والميل إلى تقديم النفس ومصلحتها والدافع الاجتماعي. وكان يسوع نفسه قد جرب في كل هذه الغرائز تقريباً فأدرك أن خطايا المجتمع تنتج عن إساءة استعمالها وأن مشكلة الجميع هي مشكلة الطبائع البشرية. لذلك كان هدف يسوع ضبط مشاكل الحياة عند مصدرها. فأنذر أتباعه وحذرهم من روح الطمع الذي هو نتيجة سوء استعمال غريزة حفظ الحياة. ونصحهم أن يتجنبوا نظرة الشهوة التي تنتج عن الدافع إلى التوالد فشجع تلاميذه على طهارة القلب. وشجب نتيجة الدافع إلى التعالي على الغير إذ يطلب الإنسان المركز الأول ويسعى للتسلط على الآخرين. وفضح الكبرياء والافتخار وجذْب الأنظار إلى الذاتية وهي الأمور التي تنتج عن الدافع الاجتماعي. ففي مواظبته على معالجة الأمور الأساسية عاتب المعلمين الذين يقضون وقتهم في بحث الأمور الثانوية.

وفي معالجة الأمور الأساسية لم يقضِ يسوع وقت تعليمه في فضح الخطايا في عهده كما يفعل البعض إذ لم يكن يستعمل أسلوباً سلبياً قط ولم يكن إنجيله مشمولاً بالعبارة "اترك الشر". لأن تأثير الوعظ السلبي وقتي فقط كما بين يسوع بجلاء في مثل الروح النجس المطرود الذي رجع إلى البيت الفارغ واحتلّه ثانية (متى 12: 43-45). بل أدرك السيد ضرورة التعليم الإيجابي وتقديم القوة الجديدة- الحب للشيء الجديد الذي يطرد حب الأشياء القديمة. وبناء على هذا المبدأ الإيجابي حاول أن يُظهِر للوارث الطماع أن الحياة أفضل من الأملاك وللسامرية الدنيئة أن هناك شبعاً أنبل وأعظم من الشبع الجسدي. فإنه جعل الديانة أمراً قوياً حيوياً. "كانت الحياة في نظره أكثر من تكييف النفس على محيطها القريب فجعل هدفه إيجاد شخصية قوية موحدة قادرة على مواجهة أصعب امتحان". "وحسَب يسوع الديانة كيفية حياة تؤثر على كل ما يهتم الشخص به وكل ما يعمله لا أمراً منفصلاً عن بقية مهام الحياة. ولذا اعتبرها العلاقة الحيوية بين الإنسان والله".

5- كان يعالج الضمير

حاول الكتبة والفريسيون وهم ممارسو مهنة التعليم الرسميون في تلك الأيام أن ينموا الأخلاق بواسطة القواعد الدقيقة. "فأتى المسيح إلى شعب اعتبروا الديانة قبول مجموعة معقدة من القواعد ومن الأوقات المعينة والطرق التعبدية". وكانت هذه القواعد تصف بالتفصيل كل ناحية من نواحي الحياة فكانت حملاً ثقيلاً على أكتاف الناس. كانت هناك اثنتان وأربعون قاعدة مختصة بنوع العقد المحلل في يوم السبت. فكانت الحياة الدينية والأخلاقية صعبة الاحتمال في نظام كهذا. وعلم يسوع عدم النفع من معالجة الوضع بطرق خارجية كهذه فحاول أن يحرر الناس من عبوديتها فصرخ فاضحاً إياها وقائلاً للناموسيين "تُحمِّلون الناس أحمالاً عسرة الحمل" لوقا 11: 46). فاحتاج الأمر إلى تشديد إيجابي حيوي لكي يثير في الناس الرغبة في مواجهة أمور الحياة الحاسمة بطريقة مستحسنة.

وعلم السيد أيضاً كما ذكر سابقاً سطحية التصاميم المبنية على العواطف فقط بدون الاعتقادات الراسخة على أسس الاقتناع كما علم أن القصص المؤثرة المبكية والدعوات المثيرة للتعالي لا تكوِّن دوافع ثابتة فلم يستخدمها. ولم يطلب من أحد قط أن يرفع يده علامة القبول أو يوقع تعهداً أو يقف مشيراً إلى تصميمه ولم يطلب من أحد أن يعطيه يده إشارة إلى قبوله مع أنه دعا الكل إلى اتّباعه. "لم يجبر أحداً أو يأمره أو يلح على موافقته ولم يفرض تعاليمه فرضاً". لأن تصاميم الحياة في نظره أهم من أن تصمم بسرعة، لذلك أراد التصاميم الثابتة المبنية على دوافع كافية، وآثر عدم استعمال الأساليب الناقصة حتى أنه آثر عدم التصميم على التصميم المقلّد.

وجّه يسوع دعوته إلى لضمير أي إلى شعور الإنسان بالواجب الخُلُقي وتمييز الحق من الباطل. فقال للكتبة الفريسيين المُرائين "كان ينبغي أن تعملّوا هذه ولا تتركوا تلك" (متى 23: 23) وفي انتهاره الذي أخفى وزنته قال "كان ينبغي أن..." (متى 25: 27). فكان يعالج الضمير أكثر من الفكر واعتمد لنجاح أمره لا على عملية التعليم فقط بل على ضمير مستنير. فإن نتائج عمله قد بررت المبدأ وأيدته.

كان يوضح الحق ويشدد على وجوب تطبيقه فانصرف الناس عنه وفي قلوبهم الشعور بضرورة العمل بموجب تعليمه. قال أحدهم "رغم أن يسوع لم يقدم للناس نظاماً اجتماعياً معيناً فإنه قد نجح في تغيير المجتمع أكثر من الذين حبذوا نظاماً خاصاً وذلك لأنه يعطي للإنسان ضميراً نحو المجتمع ويغير المجتمع تغييراً جوهرياً" وقول آخر "كانت ثقته بفاعلية الوسائل الخلقية أعظم مدح قُدِّم للطبيعة البشرية" وهي أيضاً أعظم مدح لتعليمه هو.

إذا أردنا أن نجعل تعليمنا فعالاً وذا نتيجة ثابتة علينا بالتشديد على هذا المبدأ أكثر فأكثر. هذا إذا كان هدفنا ربح الضالين أو دعوة المؤمنين إلى الاعتراف بوكالتهم أو دعوتهم إلى خدمة الرب. لأن الدعوة إلى الضمير تحفظ حرية الإنسان وتمنع سطحية إجابته فهي تمتاز على القواعد الدقيقة امتيازاً ملموساً. ونحن نعرف عجز الدعوة المبنية على العواطف فقط إذ قد نتج عنها الارتداد الواسع وعدم القيام بالتعهدات فتقضي الحاجة بإنارة الضمير وإيقاظه. فيجب أن لا نُلِحَّ على الناس بعمل ما لا يريدون عمله بل علينا أن نلجأ إلى التأثير على ضمائرهم وإرادتهم لأن الاستجابة للتعليم يجب أن تصدر عن الشعور بالواجب الخلقي.

6-كان يكشف الخِصال النبيلة في الشخصية

لبعض الناس، في معاملتهم للآخرين، أساليب مُنَفِّرة تستفزُّ الذين يعاملونهم وتجرهم إلى الإجابة السلبية والدفاع عن أنفسهم ومعارضة كل اقتراح وقد تنتهي إلى عداوة صريحة بالرغم من أن هؤلاء قد يكونون من سليمي النية وطلاب الحق والإصلاح إنما تنقصهم الحكمة والتمييز ومرونة الأسلوب. ربح الكاتب رفيقه المدرسي إلى الإيمان بالمسيح فقال له رفيقه "كنت قد فعلت هذا منذ زمن طويل لو لم يحاول أن يقنعني فلان أو فلان" وقد يثير الفرد النفور في قلب شخص آخر حين يدعوه إلى حضور صف مدرسة أحدية أو اجتماع روحي أو إلى خدمة الرب أو قبول الرب مخلِّصاً. وقد ينتج هذا النفور عن فشله في فهم الآخر أو عن بعده عنه أو عن عدم الشعور معه أو عن عدم الحكمة واللطف أو عن روح نمّامة منتقِدة. فتكون النتيجة بعكس المطلوب وابتعاد من يقصد تقريبه والإضرار بعمل الرب.

أما يسوع فلم ينفر الآخرين بل كان يكشف أنبل الصفات الكامنة في شخصياتهم. فإذا كان الفريسي المفتخر ببره أو العشار الغشاش أو المرأة المنحطة كان يسوع يوجه دعوته إلى الطبيعة الجيدة في كل واحد منهم ويجذبها إلى الظهور. ولم يفعل هذا مع الأشرار فقط بل مع أتباعه الغير كاملي النمو. وهكذا كان يسوع أخصائياً في تحويل الأشخاص الذين لم تظهر إمكانياتهم الكثيرة إلى أشخاص قادرين عظماء كما فعل بالأحد عشر تلميذاً.

وقد توصل إلى ذلك باكتشافه إمكانياتهم المستقبلة وتقويتها واستغلالها وباهتمامه الشخصي بهم وبتشجيعهم على التقدم والنمو وفعل الخير. "اعتقد بأن الوسيلة لخلق الأمانة في الإنسان هي إظهار الثقة به فيسوع لم يحد عن هذا المبدأ الأساسي أبداً" فلما أشار إلى قدرة إيمان كحبة خردل، ولما قال للزانية اذهبي ولا تخطئي أيضاً، ولما دعا تلاميذه ملح الأرض كان يغرس في قلوبهم الرجاء والثقة اللذين جعلاهم يبذلون كل جهدهم في سبيل تحقيق ذلك الأمل.

ومن أهم أعمالنا كمعلمين مسيحيين أن نجد الصفات الجيدة الكامنة في طلابنا وندفعها إلى الظهور إذ ليس أحد منهم خالياً من قابلية ما للتحسن وليس أحد بدون شيء من النبل كامن فيه.

علم مدير مدرسة "إصلاحية" بخطة صبي مراده الهرب إلى بيته فأعطاه ما يكفي من مصاريف الذهاب إلى بيته والرجوع إلى المدرسة بعد عطلة الأسبوع ووثق برجوعه رغم أن الصبي وأمه صرحا بأنه سوف لا يرجع. وحقاً أنه رجع في الوقت المعين لأن المدير وثق به. علينا أن نضع ثقتنا وتفاؤلنا وتشجيعنا مقابل الشك والفشل والانهزام في حياة طلابنا وهكذا نكشف عن صفاتهم النبيلة. ولا نستطيع ذلك إذا لم نميز الإمكانيات الكامنة فيهم.

7-كان يجعل طلابه يعملون بأنفسهم

إن إحدى قواعد التعليم السبعة المشهورة ل ج م كريكوري تنص هكذا: "أَثِرْ في الطالب الرغبة في الاشتراك بالأعمال مرشداً إياه في ذلك ولا تخبره بشيء، بإمكانه أن يتعلمه بنفسه" وهو يبني هذه القاعدة على أساس الحقيقة النفسية وهي أن العلم لا يرسخ في النفس إذا لم يرافقه مجهود فكري شخصي. قال كارليل "لا يُخلَق القديس قديساً في نومه" وكذلك العالِم! وقال آخر "يتوقف نمو الطالب لا على ما تخبره به بل على ما يفكر به نتيجة كلمتك، لا على ما تعمله لأجله بل على ما يعمله لنفسه، لا على انطباعه بل على إجابته عليه. لأنك لا تقدر أن تدخل الأفكار إلى عقل الطالب، وما كلماتك إلا رموزاً لأفكارك أنت وعلى الطالب أن يفسر تلك الرموز ويبني منها أفكاره هو. ولذا ينجح التعليم بمقدار ما يكون سبباً لعمل الطالب نفسه".

ليس على الطالب أن يجالس بدون حركة بينما يشرح المعلم بل عليه أن يحرك عقله فإنه يحتاج إلى حركة ثلاثية-عقلية وعاطفية وإرادية. فإنه يتعلم إنكار الذات فقط بممارسته ويعرف فرح العطاء فقط عندما يعطي. إذاً رواية القصص وإلقاء المحاضرات والمساعدات المنظورة لا تكفي للتعليم بل يجب أيضاً أن يتبعها البحث والتمثيل ومشاريع الخدمة لأننا جميعاً نتعلم بواسطة العمل.

علم السيد هذا المبدأ وعمل بموجبه "فلم يحل مشاكل الناس لهم بل أرشدهم وجعلهم يتّكلون على أنفسهم في حلها" كان يطبِّق هذا المبدأ لما قال "إن شاء أحد أن يعمل مشيئته يعرف التعليم..." (يوحنا 7: 17). وطبقه أيضاً حينما شبه السماع بدون العمل ببناء بيت على الرمل وشبه السماع مع العمل ببنائه على الصخر. كما أن النقطة الرئيسية في مثل الوزنات هي أن الذي استخدم قواه أنماها والذي لم يستعملها خسرها. وفي مثل أنواع التربة علم أن نتيجة إلقاء البذار تتوقف على الإجابة التي يلتقي بها.

طلب من تلاميذه أن يعمّدوا الناس عوضاً عنه وأرسلهم ليعلموا ويشفوا المرضى. طلب منهم أن يوزعوا الخبز لإشباع الخمسة آلاف وأن يدحرجوا الحجر عن قبر لعازر. وطلب من الأعمى أن يغسل عينيه في بركة سلوام قبل أن أبصر وطلب من الرئيس الغني أن يبيع كل ما له للفقراء لكي يرث الحياة الأبدية. ومن جملة الأعمال التي طلب عملها من أتباعه "قم" "تعال" "اتبعني" "اذهب" "اغسل" "افعل" "اسهر" "قدم" "اكرز" "علم" "اعط طعاماً". فكان إنجيله إنجيل الفكر والعمل بعد السماع والشعور.

 

مساعدات للتعليم

التبويب على اللوح

 

مبادئ تعليم يسوع هي:

1-كان له بعد النظر

2-كان يشدد على المعاملة الفردية.

3-كان يبتدئ بالتعليم عند مستوى فهم الطلاب.

4-كان يواظب على معالجة الأمور الأساسية.

5-كان يعالج الضمير.

6-كان يكشف الخصال النبيلة في الشخصية.

7-كان يجعل طلابه يعملون بأنفسهم.

 

مواضيع للبحث

 

1-بين قيمة اكتشاف إمكانيات الطالب.

2-بين لماذا آثر يسوع معاملة الفرد على معاملة الجمهور؟

3-ابحث في مبدأ تعلم الحقائق الجديدة بواسطة الحقائق المعلومة.

4-ما هي الأمور الحيوية الهامة التي يجب التشديد عليها؟

5-عرف "الضمير".

6-كيف تستطيع إثارة رغبة الطالب في العمل لنفسه؟

 

أسئلة للمراجعة والامتحان

 

1-بين أن يسوع اكتشف إمكانيات طلابه.

2-لماذا أعطى يسوع الأهمية للمثل لا للقواعد؟

3-كيف دفع طلابه للعمل بأنفسهم؟

أضف تعليق


كود امني
تحديث

قرأت لك

تأثيرات الإيمان بحقيقة التجسد

هل يحدث أي تأثير في حياة الذين يؤمنون من القلب بحقيقة التجسد؟ هل تتغير حياتهم أم أن هذا الإيمان مجرد عقيدة نظرية لا قوة فيها؟

تطبيقات للهواتف الذكية

  • تطبيق وعود الله
  • تطبيق الإنجيل لجهاز الآي فون
  • تطبيق الإنجيل لجهاز الآي باد
  • تطبيق الإنجيل المسموع
  • تطيبق مركز دراسات الكتاب المقدس
  • تطبيق أجوبة الله
  • تطبيق كلمة الحياة
  • تطبيق ترانيم وعظات مسموعة