عقائد

الولادة الجديدة

القسم: الخلاص العظيم.

النصوص الكتابية:

"وأما كل الذين قبلوه فأعطاهم سلطاناً أن يصيروا أولاد الله أي المؤمنين باسمه. الذين ولدوا ليس من دم ولا من مشيئة جسد ولا من مشيئة رجل بل من الله" (يو1: 13).

"أجاب يسوع وقال له الحق الحق أقول لك إن كان أحد لا يولد من فوق لا يقدر أن يرى ملكوت الله... إن كان أحد لا يولد من الماء والروح لا يقدر أن يدخل ملكوت الله المولود من الجسد جسد هو والمولود من الروح هو روح" (يو3: 3- 6).

"وأرش عليكم ماءً طاهراً فتطهرون من كل نجاستكم ومن كل أصنامكم أطهركم. وأعطيكم قلباً جديداً وأجعل روحاً جديدة في داخلكم. وأنزع قلب الحجر من لحمكم وأعطيكم قلب لحم. وأجعل روحي في داخلكم... وأجعلكم تسلكون في فرائضي وتحفظون أحكامي وتعملون بها" (حز36: 21- 27)

"مولودين ثانية لا من زرع يفنى بل مما لا يفنى بكلمة الله الحية الباقية إلى الأبد" (1بط1: 22- 25)

"كل من هو مولود من الله لا يفعل خطية لأن زرعه يثبت فيه ولا يستطيع أن يخطئ لأنه مولود من الله" (1يو3: 9).

يطالعنا الرب نفسه بهذا الموضوع الهام الذي جعله في مقدمة حديثه مع نيقوديموس. ويوحنا يشير إلى موضوع الولادة الجديدة في بداية إنجيله (ص1: 13) لكنه لا يشرحه بتوسع إلا في الإصحاح الثالث حيث يسرد ما سمعه عن هذا الموضوع بصورة موسعة من فم الرب. ونقرأ تفصيلات أخرى عن هذا الموضوع في رسالتي بطرس الأولى ويوحنا الأولى. ومن كلام الرب مع نيقوديموس ندرك أن ما جاء في الإصحاح السادس والثلاثين من نبوة حزقيال يشير أيضاً إلى موضوع الولادة الجديدة ولو أن عبارة "الولادة الجديدة" أو "الولادة ثانية" لا ترد بنصها في تلك النبوة.

كان نيقوديموس واحداً من الذين اقتنعوا أن يسوع المسيح قد "أتى من الله معلماً لكنه زاد عن هؤلاء بأن جاء يطلب ويسأل. ونيقوديموس نفسه كان "معلم إسرائيل" أي بين المعلمين في إسرائيل وكان شيئاً له أهميته أن يعرف في يسوع المسيح المُعلِّم الذي كان يتكلم ويُعلِّم بسلطان أعظم بكثير مما له هو، وإذ عرف فيه ذلك جاءه يزداد منه علماً إذ هو شخص مرموق المكانة وواحد من تلك الأمة المحظوظة. لكن لهذا الإنسان قيلت تلك العبارة "إن كان أحد لا يولد من فوق لا يقدر أن يرى ملكوت الله". وكلمة "من فوق" تعني أيضاً "ثانية" (يو3: 31) وواضح أن نيقوديموس لم يفهمها بهذا المعنى وإلا لما سأل السؤال "كيف يمكن الإنسان أن يولد وهو شيخ؟" (هذه الكلمة ترجمت في لو1: 3) من الأول" ولعل قوة هذا المعنى هي المقصودة هنا. إن نيقوديموس كان يحتاج إلى ميلاد جديد بالكلية أي يبدأ من جديد وليس أقل من هذا ينفع.

نيقوديموس ولد من نسل إبراهيم فهو من السلالة الأفضل وهو عينة نقية على أعلى مستوى بين اليهود ومع ذلك لا نفع له عند الله. بل إن كلمات الرب، بكل وضوح طبعت حُكم الإدانة على نيقوديموس كواحد من نسل إبراهيم. لأنه إذا كان هذا الميلاد الأول (من سلالة إبراهيم) له نفع ويكفي عند الله لما احتاج الأمر إلى ميلاد جديد. ونحن الأمم لا نستطيع أن نفتخر بأننا من نسل إبراهيم خليل الله. إننا مجرد نسل آدم الإنسان الذي عصى الله وسقط. لكن الميلاد الجديد ليس أقل لزوماً لنا مما لنيقوديموس لأن نيقوديموس أيضاً كان ابناً لآدم كما كان إبراهيم.

لقد أفسدت خطية آدم طبيعته وأفسدت كل جنسه فلقد توارثت الأجيال بعد الأجيال الاشتراك في هذه الطبيعة الفاسدة. والعمى الروحي هو صورة من صور هذا السقوط. ومن أجل ذلك نحن بحسب طبيعتنا لا نقدر أن نرى ملكوت الله. ولما كان الرب يسوع على الأرض كان الملكوت حاضراً بين ذلك الشعب الأرضي لأنه هو الملك لكن الناس- لم يقدروا أن يروا ملكوت الله بدون الولادة الجديدة من فوق. ونيقوديموس لم يرَ في النور الحقيقي. وذات الأمر لم يزل حتى يومنا الحاضر رغم أن الرب يسوع ليس بعد على الأرض. فالناس يرون فيه معلماً دينياً أو مصلحاً. لكنهم لا يرون فيه الله نفسه ولا يرون الله إلا إذا أُجريت فيهم تلك العملية الإلهية- عملية التطهير التي تتضمنها الولادة الجديدة من فوق.

في (يو3: 5) يتقدم الرب خطوة إلى الأمام لأن الحاجة ليست في أن نرى ملكوت الله بل أن ندخل هذا الملكوت ولأجل هذا "ينبغي أن نولد من الماء والروح"، والماء هو الواسطة التي تستخدم أما الروح فهو العامل الذي يستخدم هذا العنصر. وهذه العبارة الأخيرة حيَّرت نيقوديموس أكثر فتساءل متعجباً كيف يمكن أن يكون هذا؟" فكان جواب الرب أيضاً في صيغة السؤال: "أنت معلم إسرائيل- ولست تَعلَم هذا؟" لأن تعليم الرب في هذه النقطة شيئاً جديداً بالكلية على نيقوديموس أو أن نيقوديموس- لم يسمع به قبل ذلك الوقت بل إنه شيء قديم ترجع أصوله إلى ما تكلم به الأنبياء خاصة النبي حزقيال في الإصحاح السادس والثلاثين من نبوته حيث يذكر الروح وأيضاً الماء. والعجيب أن نيقوديموس ظل يجهل معنى كلام النبي.

ومعنى كلمة الماء في (يو3) كان موضوع جدل كثير ولا شك أن معناها هو الذي أشار إليه الرب في نبوة حزقيال وكان يقصد أنها تضع المفتاح في يد نيقوديموس حتى يعرف المعنى المقصود. إذن لنقرأ هذا الإصحاح السادس والثلاثين من نبوة حزقيال (الأعداد21- 33)[1]- إن هذا الفصل يتكلم عما سيفعله الرب عندما يجمع في النهاية شعبه الأرضي من جميع أراضي شتاتهم ويأتي بهم إلى أرضهم. حينئذ سوف يرش ماء طاهراً عليهم فيطهرون. ومن كل نجاستهم ومن كل أصنامهم يطهرون لأنه بهذا سيضع فيهم قلباً جديداً ويجعل روحاً جديدة في داخلهم. هذا التطهير بالماء سوف يكون ذو طبيعة جذرية وجوهرية فيتغير فيهم القلب وعندما يحدث هذا الفعل العظيم سوف ينظرون إلى ماضي حياتهم ويذكرون طرقهم الرديئة وأعمالهم غير الصالحة ويمقتون أنفسهم أمام وجوههم من أجل آثامهم وعلى رجاساتهم. أي أن تغييراً جديداً (تجديداً) أدبياً سوف يحدث. والناس عندما يلفظون عادات رديئة ويمارسون عادات طيبة يفعلون الشيء الكثير من الصلاح الأدبي ظاهرياً. لكن التجديد الأدبي الذي قصده حزقيال في نبوته يمتد عميقاً إلى أساسات الكيان الإنساني وبه يمتلك الإنسان قلباً جديداً وروحاً جديدة حتى إنه بطبيعته الجديدة يريد الصلاح ويسلك في الطاعة... "أجعل روحي في داخلكم وأجعلكم تسلكون في فرائضي وتحفظون أحكامي وتعملون بها" (حز36: 27) ومن ثم ليس عجيباً أن يتكلم الرب عن هذا التغيير إنه "ولادة جديدة" إذ ليس هو تحسين طبيعة غير طاهرة ونجسة موجودة فيهم بل إعطاء طبيعة "قلب" جديد بالتمام وجعل روح جديد في الداخل. إن الولادة الجديدة لأي إنسان هي أن يبدأ هذا الإنسان من جديد حياة جديدة.

والكلام في العدد السابع والعشرين الذي اقتبسناه من نبوة حزقيال يذكر كلمة "روحي" الذي يجعله الله في داخل المولودين من جديد من الشعب الأرضي في ذلك اليوم، ويقصد به الروح القدس الذي يتميز عن الروح الجديدة التي يجعلها الرب في داخلكم المذكورة عنها في العبارة السابقة مباشرة وبذلك يرينا النبي أنه فقط عندما يولد إسرائيل ولادة جديدة وبأخذ روح الله- عندئذ فقط- سوف يرون ويدخلون ملكوت الله. هذا كله كان ينبغي أن يعرفه نيقوديموس ولو أن كلمات الرب وضحت له الحق الخاص بهذه الأمور بصورة أكثر تفصيلاً. والآن نحن نرى أن الولادة الجديدة تحصل فعلاً بعمل الروح القدس. والمولود ثانية يولد من الروح القدس والمولود من الروح هو روح بالنسبة لطبيعته وصفاته. وبصيغة أخرى إن القلب الجديد والروح الجديدة التي يكلمنا عنها حزقيال إنما من عمل الروح القدس وتشترك في طبيعته القدوسة. والمولود من الجسد جسد هو بالرغم من كل ما يمكن أن يفعل لأجل تهذيبه وتعليمه وترقيته، يظل هو هو جسداً بعد كل ما يُعمل معه من هذا القبيل ولا يمكن تحويله إلى روح إنما روح هو المولود من الروح القدس ولا يمكن أن يوجد بغير الولادة الجديدة- الولادة من فوق.

لما تنبأ حزقيال عن كيف يُرش ماء طاهراً على شعبه الأرضي في يوم قادم لكي يطهروا فإن الذين يقرأون هذه الكلمات لا بد أن ترجع أفكارهم إلى سفر العدد حيث نقرأ مرتين عن رش الماء. ففي الإصحاح الثامن من سفر العدد نقرأ عن كيف يطهر الكهنة لكي يمارسوا خدمتهم: "هكذا تفعل لهم لتطهيرهم. أنضح عليهم ماء الخطية وليُمروا موسى على كل بشرهم ويغسلوا ثيابهم فيتطهروا". وماء الخطية أي ماء التطهير من الخطية. ثم في الإصحاح التاسع عشر نقرأ عن كيفية تطهير أي واحد من الشعب من أية نجاسة تنجس بها كان يُجهز ماء التطهير من النجاسة من رماد بقرة حمراء يجعل عليه ماء حي ويُحفظ في إناء يرش منه على المتنجس- إنساناً كان أو متاعاً- والبقرة الحمراء التي تُحرق هي رمز للمسيح في موته والماء الحي رمز للروح القدس.

فإذا مررنا في سفر العدد وأتينا إلى النبوة في سفر حزقيال ومنها إلى إعلان الرب في (يو3) وقرأنا هذه النصوص مرة واحدة مع بعضها ينجلي أمامنا معنى "الماء". إنه كلمة الله، تُسلط معنى موت المسيح في كل قوته المطهرة والمخصصة على النفس. من هذه الكلمة ومن الروح القدس، ينبغي أن نولد إن كان يجب أن ندخل ملكوت الله. وفي إصحاحات أخرى قادمة في الإنجيل نجد الرب يقرن الماء بالكلمة بطريقة تؤكد أن الماء هو كلمة الله. هذا واضح في الإصحاح الثالث عشر (من عدد5 إلى 11) إذا قورن بالإصحاح الخامس عشر (عدد3). ثم أيضاً في رسالة أفسس الإصحاح الخامس (عدد3). ثم أيضاً في رسالة أفسس الإصحاح الخامس (عدد26) "أنتم الآن أنقياء لسبب الكلام الذي كلمتكم به" وأيضاً "كما أحب المسيح الكنيسة وأسلم نفسه لأجلها لكي يقدسها مطهراً إياها بغسل الماء بالكلمة".

فالإنسان يحتاج إلى الولادة الجديدة قبل كل شيء والعنصر الذي يستخدم في هذا الغرض هو كلمة الله التي تُطَبِق علينا الفعل المُطهر الذي لموت المسيح، والعامل في هذا كله هو الروح القدس- روح الله. ونلاحظ إنه في (يو3) يذكر الماء مرة واحدة فقط وباقي الكلام عن عمل الروح القدس.

لكن عندما نأتي إلى (1بط1: 22- 25) نجد أنه بالرغم من أن الروح القدس يُذكر هناك، إلا أن التنبير ينصَّب على ما يشير إليه الماء- أي كلمة الله. فإطاعة الحق هي بالروح القدس وبهذا يتطهر القلب- والكلام هنا عن التطهير من وجهة النظر إلى مسئوليتنا "طَهِّروا نفوسكم في طاعة الحق بالروح للمحبة الأخوية" (عدد22)، أما من وجهة النظر إلى العمل الإلهي فإن التطهير يحصل بعمله فينا بالكلمة التي يعمل فيها الروح القدس "مولودين ثانية لا من زرع يفنى بل مما لا يفنى بكلمة الله الحية الباقية إلى الأبد" (عدد23) "وأما كلمة الرب فتثبت إلى الأبد وهذه هي الكلمة التي بُشرتم بها" (عدد 25) ونلاحظ التعبير أننا نولد "بكلمة الله" وأيضاً نولد "من زرع لا يفنى" ولا ينبغي أن نخلط بين هذين المرين فإن "الباء" في قوله "بكلمة الله" تعني بواسطة الكلمة أما "من قوله "بكلمة الله" تعني بواسطة الكلمة أما من قوله "من زرع" فتعني المصدر الأصلي. ونحن كأولاد آدم ولدنا من زرع ليس فقط يفنى (مصيره الفناء) وبالفعل فسد تماماً وتعفن أدبياً، وبكلمة الله والروح القدس ولدنا ثانية من زرع لا يفنى (لا يتطرق إليه الفساد) لأنه زرع إلهي. وإشعياء النبي أعطى لمحة عن عبد يهوه- عن موته وعن قيامته فتنبأ قائلاً "إن جعل نفسه ذبيحة إثم (إن تجعل نفسه ذبيحة إثم) يرى نسلاً" (أش53: 10) أي يرى أولئك الذين يرجع أصلهم إليه هو، أي يأخذون حياتهم الروحية منه. وبمثل هذا الكلام تكلم بطرس "مولودين ثانية لا من زرع يفنى بل مما لا يفنى" والكلمة التي بها ولدنا ثانية "حية وتبقى إلى الأبد". هذا هو ما يحصل نتيجة للولادة من فوق. إن المولود ثانية له هذه الصفات المميزة العجيبة: الحياة، والأبدية، وعدم الفساد أو الفناء.

ومن كل ما سبق، واضح، أن الولادة الجديدة هي عمل روح الله فينا حتمته حالة الفساد التي صارت عليها طبيعتنا بالخطية. فلم يكن يكفي أن عملاٍ يُعمل لأجلنا يأتي إلينا بتبرير ومصالحة مع الله، بل كان يتحتم أن يُعمل أيضاً فينا عمل تقديسي وتطهيري ينقلنا أدبياً خارج دائرة فساد الطبيعة البشرية. لم يكن الأمر ينفع فيه عمل تطهيري خارجي. لم يكن ينفع فيه أقل من امتلاكنا طبيعة جديدة مولودة من مصدر حي لا يتطرق إليه فساد الخطية ولا يوجد تطهير جوهري أساسي أعظم وأعمق من هذا يمكن تصوره.

وإذا أدركنا ما يقرره بطرس في خصوص ولادتنا من زرع لا يفنى نأتي إلى ما يقرره يوحنا في رسالته الأولى في قوله "كل من هو مولود من الله لا يفعل خطية لأن زرعه (زرع الله) يثبت فيه (في المؤمن) ولا يستطيع أن يخطئ لأنه مولود من الله" (1يو3: 9). وهذه العبارة تبسط أمامنا الموضوع كله فلا ذكر فيها للعنصر المستخدم الذي هو كلمة الله ولا للروح القدس العامل، بل المعول كله على الله نفسه كالمصدر لكل العمل فنحن كمولودين من الله يثبت فينا زرع الله. هذه حقيقة لا تقبل جدلاً. ونحن شركاء طبيعته الخالية من الخطية- والمولود من الله لا يقدر أن يخطئ والسبب المجرد هو لأنه مولود من الله. ويوحنا حين يقول ذلك يرانا من وجهة النظر المطلقة المجردة بمقتضى حتمية صفات الطبيعة الجديدة التي لنا كل من ولد من الله تحتم عليه أن يكون هكذا بمقدار ما سنكون عليه بصفة مطلقة عندما يكون الله قد تمم كل قصده من نحونا. وآخر أثر من هذه الطبيعة الآدمية الترابية سيكون قد انتهى تماماً عندما تتجمد أجسادنا.

في موضع آخر يرانا من وجهة النظر الفعلية العملية فيقرر مؤكداً أن لنا خطية أي فينا الخطية وأننا نخطئ (1يو1: 8 و1يو2: 2). وهذه النظرة الفعلية لازمة بكل تأكيد وأيضاً لازمة بالمثل النظرة الاعتبارية المطلقة التي نتأملها لأنه ينبغي أن نعرف عدم قابلية الطبيعة الجديدة للخطأ.

وهي ليست فقط غير قابلة للخطأ وخالية من الخطية بل هي أيضاً بارة (1يو2: 29)أي تفعل البر ومُحِبة (1يو 3: 10 و11) أي تحب. وتتميز بالإيمان (1يو5: 1) وتغلب العالم (1يو5: 4) وهذه كلها صفات إيجابية ثمينة القيمة. وإذا ما وضحت هذه الصفات المميزة في المؤمن، يصبح واضحاً أمام جميع الناس أن عملاً عظيماً وتجديداً أدبياً هائلاً قد حصل في قلبه- عملاً تطهيرياً وتغسيلاً شاملاً قد أجري فعلاً.

ملاحظات:

س: في (1يو1: 7) نقرأ تطهيرنا من كل خطية بالدم في القول "إن سلكنا في النور كما هو في النور فلنا شركة بعضنا مع بعض ودم يسوع المسيح ابنه يُطهرنا من كل خطية"- فهل هناك مفاضلة بين هذا التطهير وبين التطهير الاعتباري المطلق الذي كنا نتأمله؟

ج: إن دم المسيح يعني حياته المقدسة التي وضعها بالموت لأجل أن يحمل الدينونة التي نستحقها بهذا الدم أي بهذا الموت على الصليب نحن طهُرنا قضائياً أو اعتبارياً. أما التطهير الذي يعمل بالولادة الجديدة ومصور كأنه يتم بالماء، إنما يختص بصفاتنا وبحصولنا على طبيعة جديدة، لقد طهرنا أدبياً. وكلاهما (التطهير الاعتباري المطلق والتطهير الأدبي) لا زمان لنا. وكلاهما لنا أي من حقنا امتلاكهما لأننا قبلنا نعمة الله.

س: إذن فالماء في يو3 لا علاقة له بالمعمودية فهل هذا الرأي سليم؟

ج: إننا على يقين من أن الرب لم يقصد ماء المعمودية عندما استخدم كلمة من "الماء" في كلامه مع نيقوديموس ولو أن الرب قصد الماء الحرفي لما كان هناك وجه للغرابة في نيقوديموس عندما لم يفطن إلى معناها. بل إن الرب قصد الإشارة إلى (حز36) الذي كان ينبغي على نيقوديموس أن يكون على علم به. وهذا الفصل لا علاقة له بالمعمودية و (يو3: 5) مثل (يو6: 53) الأول لا علاقة له بالمعمودية كما أن الثاني لا علاقة له بعشاء الرب، رغم أننا نلمح حسب الظاهر في الممارستين ظلا للحق المقرر في هذين القولين. في كليهما لسنا نجد الطقس بل الحقيقة التي يشير إليها الطقس.

س: مرت بنا حتى الآن تعبيرات مختلفة مثل "نولد ثانية"، "نولد من الماء والروح"، "نولد من الله" فهل كل هذه تعني شيئاً واحداً؟

ج: إن جميع هذه التعبيرات تشير إلى عمل الله العظيم الذي يجري فينا بالروح القدس. ولا يوجد في الكتاب المقدس أي فكر عن وجود نوعين مثلاً من الولادة الجديدة كأن يكون الإنسان مولوداً من الماء والروح كما نقرأ في (يو3: 5) وأن يكون "مولوداً من الله" كما نقرأ في (1يو3: 9). هذا وإن كل من هذه التعبيرات المختلفة له معناه الخاص وقوته الخاصة، فإن القول "مولودين ثانية" يؤكد الصفة الأصلية والجديدة لهذه الولادة. والقول "مولودين من الماء والروح" يوضح لنا العامل الذي يُجري هذه الولادة والعنصر المستخدم فيها. والقول "مولودين من الله" يرينا المنبع الذي ينبع منه الكل. وبدون شك هناك تسلسل متدرج في التعليم ابتداء بالعبارة الواردة في حزقيال (ص36).

س: الولادة الجديدة هي من أعمال الله فهل هي تجري بعمل الروح القدس فقط بدون الكرازة بالإنجيل؟

ج: هناك إجابة واضحة على هذا السؤال فيما قاله بطرس "مولودين ثانية... بكلمة الله الحية الباقية... وهذه هي الكلمة التي بشرتم بها" (1بط1: 22- 25). فمهما كانت الكلمة التي استخدمها الروح القدس في التدبير السابق، فإن الكلمة التي بها نولد ثانية في هذه الأيام هي تلك التي تصلنا بالإنجيل.

س: هل معنى هذا أننا نولد ثانية بمجرد الإيمان بالإنجيل؟ إن البعض يقول "نحن نؤمن لكي نولد ثانية" والبعض يقولون "يجب أن نولد ثانية لكي نؤمن".

ج: هو ما قاله الرب في (يو3: 8) "الريح تهب حيث تشاء وتسمع صوتها لكنك لا تعلم من أين تأتي ولا إلى أين تذهب. هكذا كل من ولد من الروح". هذه هي الحقيقة وينبغي أن نوليها اهتماماً بالغاً فإن عمل الروح القدس في الولادة الجديدة شيء فوق إدراكنا إننا لا نستطيع أن نلم بهذا العمل بأذهاننا بقدر ما إننا لا نستطيع أن نجمع الريح في قبضتنا. إن عبارة الرسول بطرس (1بط1: 22و 23) تعطينا وجهة النظر الإنسانية- وجهة نظر الذين يقولون "نحن نؤمن لكي نولد ثانية"، أما عبارة يوحنا (1يو3: 9) تتكلم عن وجهة النظر الإلهية ويتمسك بها الذين يقولون "يجب أن نولد ثانية لكي نؤمن". أما رأينا الخاص فهو إننا نميل إلى الأخذ بالرأيين معاً ولسنا نخشى من كوننا لا نستطيع التوفيق بصورة كاملة بين ما هو إلهي وما هو إنساني في الرب يسوع المسيح أو في كلمة الحق.

س: لكن أليست الولادة الجديدة هو أول بادرة لعمل الله في النفس؟ ألسنا أمواتاً بالتمام بلا أقل حراك من نحو الله إلى أن نولد ثانية؟

ج: كلنا بدأنا من حالة موت روحي مطلق ولم يكن لنا أقل رجاء إلا أن يبدأ الله عمله. وقصة عمل الله لمباركة الناس تبدأ بالله وليس بالإنسان ونحن متأكدون من هذه الحقيقة بقدر ما نحن متأكدون من أن قصة الخليقة الأولى بدأت بالله وليس بالإنسان، كان الله هو البادئ مع كل واحد منا. وروحه القدوس بدأ يرف على قلوبنا كما كان يرف على وجه الغمر. ولكن في ضوء الحقائق التي سردناها آنفاً يتعذر أن نسمي هذه البادرات الأولى من جانب الروح القدس ولادة جديدة كما هي لنا في المكتوب. وأيضاً الولادة الجديدة ليست هي الضد المقابل لحالة الموت بل هي المقابل لحالة الفساد لأن الكلمة التي تقابل الموت هي "الإحياء". فبالولادة الجديدة نمتلك طبيعة جديدة لا تقدر أن تخطئ ومن ثم نحن بها نهرب من الفساد الذي في العالم بالشهوة- (2بط1: 4).

س: هل الولادة الجديدة هي التجديد كما نقرأ في (تي3: 5)؟

ج: لا. إن الكلمة التي تترجم "تجديد" جاءت مرتين في الكتاب المقدس ومقصود بها في الموضعين نظام جديد يأتي به الله في الملك الألفي. وفي (تي3: 5) يقال "غسل الميلاد الثاني وتجديد الروح القدس" ورغم أن "التجديد" ليس هو الميلاد الثاني إلا أن الغسل هو الميلاد الثاني وهذه العبارة هي نفسها عبارة (حز36: 25) "أرش عليكم ماءً طاهراً... وأعطيكم قلباً جديداً وأجعل روحاً جديدة في داخلكم" ولكنها مصوغة في لغة العهد الجديد. فالشعب الأرضي سوف يطهرون من نجاساتهم في الزمن الألفي. ونحن لا يتعين علينا أن ننتظر حتى يأتي ذلك الوقت أو ذلك الدهر. هذا التطهير الذي سوف يكون للشعب الأرضي في الزمن الألفي قد وصل إلى المؤمنين الكريتيين الأمم. فلم يعودوا بعد، "كذابون وحوش ردية بطون بطالة" وعلى ذلك ينبغي أن يعيشوا "بالتعقل والبر والتقوى"

هذا الغسل نفسه قد وصل إلينا فلسنا بعد "عبيد الفساد" ذلك لأننا "ولدنا من زرع لا يفنى (أو يفسد).


[1] -وآخذكم من بين الأمم وأجمعكم من جميع الأراضي وآتي بكم إلى أرضكم. وأرش عليكم ماء طاهراً فتطهرون. من كل نجاستكم ومن كل أصنامكم أُطهركم. وأُعطيكم قلباً جديداً وأجعل روحاً جديدة في داخلكم وأنزع قلب الحجر من لحمكم "أُعطيكم فقلب لحم. وأجعل روحي في داخلكم..." الخ.

أضف تعليق


كود امني
تحديث

قرأت لك

من على سفوح الجبال

من هناك من على سفوح الجبال الخضراء، وقف يسوع الذي أدهش العالم بهويته ليطلق أعظم كلمات عرفها التاريخ، التلاميذ في هدوء يستمعون، الطبيعة كلها تترنم فرحة، فالمسيح يريد أن يطرح معادلات جديدة تجعل الإنسان ينطلق إلى آفاق الرجاء والأمل لتتخطى الكبرياء والحسد إلى أسوار متينة مليئة بالمحبة والخضوع والتواضع، بين كل هذه السكينة ابتدأ المسيح بالقول:

تطبيقات للهواتف الذكية

  • تطبيق وعود الله
  • تطبيق الإنجيل لجهاز الآي فون
  • تطبيق الإنجيل لجهاز الآي باد
  • تطبيق الإنجيل المسموع
  • تطيبق مركز دراسات الكتاب المقدس
  • تطبيق أجوبة الله
  • تطبيق كلمة الحياة
  • تطبيق ترانيم وعظات مسموعة