عقائد

الفصل التاسع: الشريعة الإلهية ضد الخطية غير قابلة للتغيير

القسم: الكفارة والفداء.

لم تكن الشريعة الأدبية / الأخلاقية التي أعطاها الله للإنسان في البدء شريعة استبدادية في نصها بل إنها كانت تعبّر عن كيانه وذاته تعالى. ولقد أظهرت الشريعة للإنسان ماهية طبيعة الله, وكان القصد منها تقريب الإنسان من خالقه والمعتني به. وكانت هذه الشريعة واضحة كل الوضوح في مطاليبها وكذلك في نواهيها. والخطية – حسب تعاليم الكتاب – هي التحدي لله والمخالفة المطلقة لطبيعته المقدسة, ومن ثم لا يمكن النظر إليها وكأنها أمر بسيط أو تافه. وقد أعطانا اله وحياً عن ذاته مُظهراً أنه إله قدوس وعادل وصادق في جميع معاملاته مع بني البشر. وهو تعالى يكره الخطية ويحتدم ضدّها بغيرة مهلكة نظراً لكونه الإله القدوس. وبما أن الله العادل فإنه يُكافئ على البر ولكنه يُعاقب على الخطية والإثم. والذين يتعدّون على الوصية الإلهية ليس لهم أن ينتظروا جزاء أولئك الذين يطيعونها. وعلينا أن نتذكر أن الله الذي هو إله رحمة والذي يرغب في لأن يُخلّص النفوس البشرية, هو أيضاً إله عدل وبموجب عدله يقاصص الخطاة. ونظراً لكون الله إلهاً صادقاً فإنه يُنفذ العقاب الذي تكلم عنه. ومهما كان الله بمحبته يرغب في أن يُخلّص الخطاة فما كان هذا الأمر ممكناً ما لم يَقُم الله بوفاء شريعته حقّها. وهكذا نفهم معنى هذه الكلمات الكتابية: "بدون سفك دم, لا تحصل مغفرة". (الرسالة إلى العبرانيين 9: 22) أي أنه بدون عقاب الخطية لا تحصل مغفرة عن الخطية.

لنفرض أن الإنسان تمكن من الحصول على القوة المعنوية التي تساعده على التوبة عن خطاياه العديدة والرجوع إلى الله خالقه, فإن ذلك بحد ذاته لا يؤكد للإنسان حصوله على الغفران. أساس الغفران هو شيء آخر حتى في أمور هذه الدنيا نعلم أن التوبة لا تُكفّر عن الجرم المرتكب, كونه قد شعر بالأسف والندامة لا يعني أنه لم يعد مسؤولاً عن جريمته أو أنه يستطيع التهرب من العقاب. المجرم عليه أن يُقاصَص وقصاصه يكون متعلقاً بطبيعة جريمته التي اقترفها. إن النظام الذي يسود المجتمع البشري يكون مهدداً بالانهيار إن لم يُعاقَب المجرم. وكل من تاب توبة حقيقية يعلم بأن توبته هذه ليست الأساس الذي يُبنى عليه قبوله لدى الله وكلما ازداد شعور الإنسان بفداحة خطيته وكلما اشتد إخلاصه في توبته, كلما ازداد إدراكه بضرورة الإصلاح والتكفير.

ومن حسن حظنا نعلم من كتاب الله أنه تعالى يقوم في نفس الوقت بإيفاء مطاليب الضمير البشري وذلك بتدبيره لكفّّارة أو ترضية ولنعلم جيداً أن الله لا يعفو عن الخطية لاستخفافه بها وكون الله إله محبة لا يعني أنه لا يعود ينظر إلى أية اعتبارات خارجة عن موضوع المحبة. ولكننا نرى عظمة الله وسموّه في أنه تعالى يُهيء الذبيحة وهي ذبيحة السيد المسيح الذي بواسطة آلامه وموته على الصليب دفع العقاب فحرر الإنسان المؤمن به من لعنة الخطية وسطوتها ووهبه الصلاحية لدخول السماء. كتب أحد علماء اللاهوت المؤمنين قائلاً: "ليس صليب المسيح بتسوية أو تراضٍ, بل هو تعويض أو بدل, ليس إلغاء بل إرضاء ووفاء, ليس بمحو اعتيادي بل محو بالدم والعذاب والموت". والرحمة لا تخدع العدل بل نرى أن القداسة تُكافأ, والخطية تُعاقب ونظام الكون الأخلاقي يُحافَظ عليه بصورة تامة, لأن القدوس هو أيضاً المخلّص الوحيد.

ويجب أن يكون واضحاً تماماً لكل إنسان أنه لو سمح الله بأن تبقى الخطية بدون عقاب, أو إن كان قد عاملها برخاء, فإن ذلك يعني أن عدل الله ذهب أدراج الرياح وأنه تعالى أصبح يتصرف تصرفاً عاطفياً ضعيفاً. ونحن نلاحظ من تعاليم الكتاب عن الخليقة الأصلية أن الله خلق الإنسان على صورته وغرس في قلبه وضمن كيانه شعوراً عميقاً للمسؤولية الأدبية والأخلاقية. فهل يمكن لله أن يبقى أميناً لذاته فيما لو أنه بعد أن وضع هذا المبدأ السامي في البدء لا يعود ينظر إليه ولا يتصرف بموجب نصوصه؟ علينا أن نتذكر جيداً أن الله يُعلن عن ذاته ليس فقط كأب محب, إنه الديّان البار والعادل أيضاً.

لا يسمح الله لشرائعه العادلة أن تُنقض بإعفاء الخاطئ من العقاب فالغفران الذي ينادي به الكتاب هو غفران جرى بطريقة تتلاءم مع قداسة اله وعدله أي بواسطة آلام وموت السيد المسيح. وعندما نتكلم عن بر الله علينا أن نذكر أنه (أي ذلك البر) صفة إلهية خاصة ومميزة ولذلك فإنه يتطلب عقاب الخطية عقاباً مناسباً لها. وكم من المؤسف ملاحظة ميل الإنسان المعاصر الذي يدفعه لأن ينظر نظرة سطحية إلى الخطية ويكوّن آراء غير سليمة بالنسبة لفظاعتها ونتائجها. وحيثما يبدأ الناس باتخاذ آراء سطحية عن الخطية ويفكّرون أنه بالإمكان التخلّص منها بتوبة بسيطة, نراهم ينكرون الحاجة إلى غفران كفّاري ومن ثم يُكوّنون آراء غير سليمة عن رسالة المسيح وموته وآلامه.

ولكن ما أن يُوقظ الله الضمير البشري حتى نُقرّ مع الكتاب بأننا خُطاة أثمة وإن إثمنا هو أكبر من أن نُكفّر عنه بأنفسنا. فلا يبقى لنا سوى منفذاً واحداً للنجاة ألا وهو السيد المسيح الذي وحده "قادر بأن يُخلّص إلى التمام الذين يتقدمون إلى الله بواسطته تعالى".

أضف تعليق


كود امني
تحديث

قرأت لك

الفصل السادس: النفس البشرية، خلودها وأبديّتها

من ضلالات شهود يهوه الجوهرية، التي تدلّ على إيمانهم المادي وجهلهم الكتابي، إنكارهم لخلود النفس البشرية وحقيقة استمرارها في حياة ما بعد الموت. كذلك لم يستطيعوا تمييز هذه النفس عن الأنفس الحيوانية بشيء إذ صنّفها زعيمهم رصل في مرتبة واحدة. فهم لم يضلّوا في مفهومهم لذات الله وحسب، بل أيضاً في تفسيراتهم لذات الإنسان المخلوق على صورة الله.

تطبيقات للهواتف الذكية

  • تطبيق وعود الله
  • تطبيق الإنجيل لجهاز الآي فون
  • تطبيق الإنجيل لجهاز الآي باد
  • تطبيق الإنجيل المسموع
  • تطيبق مركز دراسات الكتاب المقدس
  • تطبيق أجوبة الله
  • تطبيق كلمة الحياة
  • تطبيق ترانيم وعظات مسموعة