عقائد

الفصل الثاني: "نحن لم نتبع خرافات مصنعة"

القسم: دروس في الصليب.

إن الديانة المسيحية هي مسألة عملية للحياة لا مجرد معرفة عقلية، و "البار بالإيمان يحيا"، ومع ذلك فإنه لمن الأهمية بمكان البرهنة على حقيقة ظروفها. وهنا ينبغي للمرء أن يذكر أن المسيحية لم تنشأ على كذبة. إننا نستطيع أن نبرهن ذلك كما نؤمن به فإن الأسباب التي تعرضها لأمر منشأها قابلة للفحص طبق مبادئ التاريخ المسلم بها، كما قد تبرهنت حقيقة معظم هذه الأسباب بواسطة التقدم في مضمار الاكتشافات الأثرية. وعدا ذلك فلا يزال مجال العمل واسعاً والبراهين ما تزال متوفرة إذا ما ثابرنا على الفحص وبحثنا عن هذه القرائن"

السير وليم رمزي

في كتابه "الاكتشافات الحديثة وصحة وقائع العهد الجديد"

إن الذين يؤمنون بما أوحى به الله في البشائر الأربعة عن ابنه لا يشكون في صحة الحقائق الواردة فيها لأن الروح القدس يشهد لهم بحقيقة وقوعها؛ وهم يعرفون مع بطرس الرسول إن كل الحوادث الواردة عن آلام السيد وموته وقيامته المجيدة ليست "خرافات مصنعة" بل حقائق واقعة. فبطرس الرسول كان شاهد عيان لآلام المسيح، ومرقس البشير كان تلميذاً له (لبطرس)، ويوحنا الحبيب يقول بما سمع بأذنيه ورأى بعينيه ولمس بيديه (1يوحنا1: 1)، ومتَّى كان أحد الرسل الإثني عشر، ولوقا يقرر كيف بحث بتدقيق "ممن كانوا منذ البدء معاينين وخداماً للكلمة" ليكتب في هذه "الأمور المتيقنة عندنا" "لنعرف صحة الكلام".

ولكن في عصر الارتياب هذا والانتقاد التاريخي ينبغي لنا أن نواجه أولئك الذين ينكرون وقائع الإنجيل وصحتها. فبعضهم يخبرنا أن يسوع المسيح إنما هو شخص خرافي (كذا)، وترجمة حياته إنما هي "خرافات مصنعة" ترجع أصولها إلى ما ينافسها من خرافات الرومان واليونان والمصريين الأولى. وقد أنكر الغنسطيون الأولون قديماً وقوع موت المسيح لأسباب مذهبية. ويعتقد البعض منهم أن يهوذا الأسخريوطي هو الذي احتمل العقاب وأن الله أنقذ المسيح من هذا الموت الفظيع بأن شبه له.

أما نظرية ستروس الملحد وغيره من جماعة العقليين بأن جسد المسيح قد أنزل من على الصليب قبل حدوث الموت ثم أنعشته الأطياب في القبر، فقد قبلها بعض الناس العصريين.

ما شــهدناك عيــاناً

 

ربــنا فوق الصليبْ

وســط أعـداء غلاظ

 

سـمروك يا حبيـب

أو سمـعنـاك تنــادي

 

بصـراخك المذيـب

لا تجـازهـم إلـهـي

 

أُعـفُ عنهم يا مجيب

غـير أنـنا نقـــول

 

بالصـليب للأنــام

إذ له شـقت صـخور

 

والدّنا صـارت ظلام

ولكن لماذا نؤمن بهذا؟ ينبغي للإيمان أن يكون مدعوماً بالدليل والبرهان، وهنا البراهين عديدة. إنه لما يقوي إيماننا أن ندرس هذه الحقيقة. أن موت المسيح على الصليب لم يكن شيئاً غير منتظر بل قد سبق وأنبئ بوقوعه بوضوح في النبوات. لا حاجة لذكر آلام فتى يهوه الواردة في اشعياء؛ لا حاجة إلى ذكر مزمور المسيا العظيم الذي يصف موت المسيح أو إلى ذكر تفاصيل تسليمه وموته الواردة في النبوات الأخرى- فكل هذه معلومة لدارسي الكتاب المقدس إذ قد رمت هذه الحادثة الجليلة ظلال وقوعها قبل ذلك بقرون. ويوحنا المعمدان بقوله "هوذا حمل الله" إنما لخص كل معنى تعاليم العهد القديم إنه "بدون سفك دم لا تحصل مغفرة" وأنّ حمل الله يجب أن يذبح لأجل خطية العالم. وإننا لنفقد مفتاح العهد القديم عندما ننكر أن "المسيح مات من أجل خطايانا حسب الكتب" بل نفقد المفتاح لسر الذبائح الدموية كفارةً عن الخطية بين كل شعب وفي كل عصر. نقرأ في نبوءة اشعياء "وهو مجروح لأجل معاصينا مسحوق لأجل آثامنا وبحبره شفينا".

لم تكن حادثة موت المسيح على الصليب مأساة غير منتظرة من المسيح نفسه ولا خيبة لآماله أو مانعاً لأمانيه بل على النقيض من ذلك كان هو ذاته يعلم بتلك الساعة ويترقبها وطالما أكد حقيقة وقوع هذه الحادثة المريعة. كان من بدء خدمته يرى ظلها القريب؛ حتى جعل قانون التلمذة له حملَ الصليب. وفي عماده حسب الذي لم يعرف خطية نفسه مع الأثمة وبعد إعلان مسحته و "من ذلك الوقت ابتدأ يسوع يظهر لتلاميذه أنه ينبغي له أن يذهب إلى أورشليم ويقتل" و "ابن الإنسان سوف يسلَّم إلى أيدي الناس فيقتلونه وفي اليوم الثالث يقوم". بل إن الشهور الأخيرة من حياة المسيح على الأرض لتمتاز- حسب نص الأناجيل- بتعمده ومحاولته ثلاث مرات أن يعلم تلاميذه البطيئي الفهم عن يقينية موته الأليم العتيد وأهميته.

إن تفاصيل حادثة الصلب التي يذكرها أولئك الذين- في بعض الأحايين كانوا شهود عيان- لا تترك مجالاً للشك في حقيقة وقوع الموت. إنهم ليشهدون بصحة وقوعها بأشد عبارة كأنهم كانوا ينتظرون وقوع الشك في حقيقتها في المستقبل. فمرقس البشير يقول: فصرخ يسوع بصوت عظيم وأسلم الروح ولما رأى قائد المئة الواقف مقابله أنه صرخ هكذا وأسلم الروح قال حقاً كان هذا الإنسان ابن الله" (مر15: 37و 39). ويوحنا الحبيب يصف كيف أن "واحداً من العسكر طعن جنبه بحربة وللوقت خرج دم وماء" ثم يقول "والذي عاين شهد وشهادته حق وهو يعلم أنه يقول الحق لتؤمنوا أنتم به". وليست هذه كلمات رجل ساذج أو مخدوع فإن قائد المئة قد أبلغ بيلاطس رسمياً مقرراً موت المسيح (مر15: 14)؛ ويوسف الرامي أخذ المسيح الميت وكفنه بالكتان ووضعه في القبر؛ وكانت مريم المجدلية ومريم أم يسوع تنظرانه. ليس بين كتَّاب العهد الجديد فرد ألا ويقرر وقوع موت المسيح، كما أنه ليس في ثنايا سفر أعمال الرسل صوت قد ارتفع بالشك في صلب المسيح. أجل لم يُسمع مثل هذا الصوت إلاَّ بعد مضي عدة عصور فجرؤ البعض على أن يشكوا في هذه الحقيقة التاريخية ويعلّموا الناس "خرافات مصنعة". ولكن العلاَّمة الحاخام كلوزنر وهو عالم يهودي عصري قرر في كتابه الأخير عن يسوع الناصري- بعد انتقاد مر لوثائق هذه المأساة- أن الأناجيل هي سجلات معتمدة، وأن يسوع الناصري قد عاش ومات وفاقاً لنصها.

كذلك جمع صموئيل ستوكس منذ بضع سنين الوثائق اليهودية والوثنية الدالّة على صحة التآليف المسيحية[1]. وربما يوجد أناس يصدقون أقوال بليني وتاسيتوس ولوسيان ويوسيفوس وحتى كلسوس لأنهم- وإن كانوا غرباء جميعاً عن المسيحية- يؤيدون الإنجيل الذي فيه يشكون. فتاسيتوس[2]يقول في كلامه عن حريق رومة في سنة 64م وعن الوسائل التي استعملها نيرون ليزيل عن نفسه شبهة إحراق المدينة أنه لكي ينجح في (كتم) هذه الإشاعة حبس في قصره أولئك الناس المكروهين لدى العامة لجرائمهم السرية كمجرمين وعاقبهم بجميع ضروب العذابات الوحشية فقال: "أما أولئك الناس فكانوا يلقبون أنفسهم بالمسيحيين نسبةً إلى شخص اسمه المسيح كان قد حكم عليه الوالي بيلاطس البنطي بالقتل في عهد طيباريوس قيصر. فتوقف سريان خرافات المسيحيين الوبائية في جسم الإمبراطورية مدة من الزمن ثم عادت فانتشرت ليس في اليهودية فقط حيث نبع هذا الشر بل في روما نفسها حيث تلتقي جميع أنواع العار وضروب القتل والجرائم وتصير عادية. ففي الأول كان يلقي القبض على البعض ويكرهون على الاعتراف، وبإقرار هؤلاء كان يلقي القبض على أناس كثيرين ويحكم عليهم لأجل عدائهم للجنس البشري أكثر من كونهم قد تعمدوا إحراق المدينة ليس بالإعدام فقط بل بالقتل مع صنوف العار والهوان. وكانوا يلبسون جلود الوحوش ويتركون لافتراس الكلاب المجوّعة أو يعلقون على صلبان أشعلت فيها النيران ومتى زال نور النهار يحرقون كمشاعل تنير دجى الظلام" (كذا) ويقول لوسيان الذي ولد في ساموسطا في سنة 100م[3]في إحدى كتاباته المسماة "موت بيريجرنيوت" ما يأتي: "أن المسيحيين لا يزالون يعبدون ذلك الرجل العظيم الذي صلب في فلسطين لأنه أدخل إلى العالم هذه الديانة الجديدة... وأن هؤلاء المفتونين قد أقنعوا نفوسهم بأنهم لن يموتوا بل يخلدون إلى الأبد. ولهذا السبب تراهم يستخفون بالموت وكثيرون منهم يسلمون أنفسهم طواعية واختياراً، كذلك فإن مشرعهم الأول قد علمهم أنهم جميعاً أخوة الواحد للآخر حالما ينبذون آلهة اليونان ويعبدون ذلك الصوفي المصلوب ويعيشون حسب شريعته".

إن تاريخ يوسيفوس في أحوال كثيرة يدعم ترتيب الإنجيل التاريخي. فإن "هيرودس الكبير وأرخيلاوس ابنه وهيرودس انتيباس وهيروديا وابنتها سالومي ويوحنا المعمدان وحنان وقيافا وبيلاطس البنطي وفيلكس الوالي وزوجته اليهودية دروسلاَّ وفستوس وهيرودس اغريباس وبرنيكا والفريسيين والصدوقيين جميع هؤلاء يظهرون في تاريخ يوسيفوس في نفس العلاقات الواحد للآخر التي نقرأ عنها في كتابات العهد الجديد.

أما كلسوس الأبيقوري فكان من ألد أعداء المسيحية حوالي سنة 170م. ولذا فهو يشير باستهزاء في كتابه المسمى (البحث الحقيقي)- كما ورد في دفاع أوريجانوس- إلى آلام المسيح بقوله: "يا أبتاه إن أمكن فلتعبر عني هذه الكأس" ويتكلم عن الذين صلبوه بقوله: "أولئك الذين صلبوا إلهكم" ويهاجم الاعتقاد المسيحي القائل أن المسيح "احتمل هذه الآلام لأجل خير البشرية" ويشير إلى الملائكة الذين ظهروا عند قبر يسوع ويتكلم عن الملاك الذي دحرج الحجر عن باب القبر، ويحاول أن يظهر جهالة اعتقاد المسيحيين بقيامة الجسد ويضحك على قول المسيحيين: "صلب العالم لي وأنا للعالم". فهذه الشهادة لموت وقيامة الرب من أحد أعداء الإنجيل لها أهميتها الخطيرة.

وهنا لا نستطيع أن نختم هذا الفصل إلا بالقول أنه إذا كان ثمة من دليل على حادثة في التاريخ البشري فإن هذا الدليل هو على حادثة صلب يسوع المسيح. وفوق ذلك فإن لنا برهاناً قوياً آخر في ممارسة خدمة العشاء الرباني وحفظ يوم الرب، فإن كسر الخبز وشرب الكأس يرجعان بنا إلى الليلة التي أسلم فيها السيد؛ وأن ممارستها العامة في جميع الكنائس المسيحية، على الرغم من الاختلافات في أنظمة الطقوس وشروحات الخدمة، لبرهان ضمني على موت المسيح. وممارسة هذه الفريضة بكيفية دائمة هي نوع من البرهان التاريخي الذي لا يمكن نقضه.

لقد قال السيد المسيح أنه "رب السبت أيضاً" وأثبت هذه الحقيقة بواسطة كنيسته إذ بدأت تحفظ- بعد موته وقيامته حالاً- اليوم الأول من الأسبوع بدلاً من اليوم اليهودي السابع. وهكذا فإن يوم الرب نفسه هو برهان على موت المسيح وقيامته.

إن لكلٍ من الأديان الكبرى شاراتها الخاصة بها كالنجم لليهود وزهر البشنين للبوذيين، أما المسيحية فشارتها الخاصة هي الصليب.

ولكن كيف صار هذا الصليب رمز الشرف والشهامة بل الرحمة والرجاء بعد أن كان علامة للانحطاط والاستهزاء بل للعار والجريمة وألم اليأس؟ لا جواب عن ذلك إلا بقبولنا هذه الحقيقة أن المسيح قد تعلق ومات على خشبة الصليب وافتدانا من لعنته.

وأخيراً إذا كان يوجد بعد كل ما تقدم من لا يزال في شك بتاريخية هذه الحقيقة الجوهرية لتعاليم العهد الجديد فلنا شاهد قوي في سراديب المسيحيين الأولين وقبورهم إذ نرى هنالك الأحجار الصماء تصرخ قائلة: أن المسيح قد مات.

بل أعجب من كل ذلك ما أخبرنا به أمرسون الفيلسوف الأمريكاني المشهور عن كارليل الكاتب الإنكليزي القدير أنه قال وهو يشير بسبابته إلى كنيسة بلدته في اسكوتلاندا لدى أول مقابلة لهما: "لقد مات المسيح على الصليب- فبنيت هذه الكنيسة- فالتقينا معاً. فالصليب هو محور الأزمة؛ وهذه تقاس قيمتها بالنسبة إلى بعدها عن ذلك المحور أو قربها منه".

وبعد فهل نحتاج إلى براهين أخرى لإيماننا. إن غرور الإلحاد لم يستطع أن يسير إلى أبعد من تلك النظريات التي قدمها لإنكار تاريخية التعليم المسيحي على حياة ربنا يسوع المسيح وموته وقيامته. ولكن المسيح مات وقام حسب الكتب؛ وقد أنبأ الأنبياء بموته وسجَّل الرسول مأساة صلبه، بل إن الكتاب المقدس بجملته يتجه نحو الفداء، وكل أسفاره تشهد لمخلص أُميِتَ ورب أقيم. إنّ لبّ بشارة الكتاب المقدس هو الجواب عن السؤال الذي سبق أيوب فسأله مرتين- كيف يتبرر الإنسان عند الله؟ والجواب- بواسطة موت المسيح الكفاري فقط. ليس من طريق آخر ولا من إنجيل آخر. فإذا كان إيماننا هذا خطأ كانت مسيحيتنا بجملتها باطلة لأن البشارة الوحيدة التي لنا هي أن المسيح قد مات من أجل خطايانا وقام لأجل تبريرنا. نعم، وإن كنا

ما وقفنا عند قبرك     أو سألنا من ملاك

أين أنت يا يسوع     هل نقلت من عداك

ما جلسنا في رواق    أو شهدنا رفقاك

يرفعون الطرف لما    جئت ترقى للسماك

غير أننا نقول          بالصليب للأنام

إذ لنا الأملاك قالت   "هللويا الرب قام"


[1] -انظر كتاب شهادة قدماء الوثنيين لصحة كتاب لله الثمين.

[2] -"مؤرخ مشهور ومن أفصح خطباء الرومان، ولد نحو سنة 55م.

[3] -هو أحد أعاظم مؤلفي اليونان وأشدهم حذقاً وأصالة رأي. ولا عجل فهو سامي الجنس لا التربية، روماني التبعة لا الوطنية، يوناني اللغة لا المولد وقد أحاطت به ظروف مكنته إلى حد كبير من أن يتحرر من كل قيد وعلاقة بل من أي حائل جنسي كما ساعدته أسفاره العديدة على غزارة مادته ومطالعاته الكثيرة على الاستشهاد بكتب القدماء لإيضاح عباراته أو إثباتها. وكان يرمي في كتاباته على ما يظهر- وهي عبارة عن محاورات كتبها بلغة يونانية فصحى تناول فيها مختلف المواضيع وأساطير القدماء والفلسفة والتاريخ- إلى رد الناس عن معاصيهم وخرافاتهم وتقليل إعجابهم بمهازل المتحذلقين وسفسطة المتفلسفين بلهجة انتقادية هجائية مضحكة. على أن بعضها كان ضد الدين والآداب على خط مستقيم.

أضف تعليق


كود امني
تحديث

قرأت لك

أدلة حرية المسيحي من الناموس؟!

نأتي الآن إلى النقطة المركزية في رسالتنا، وهي، هل حرر المسيح المؤمن الحقيقي من الناموس بأجزائه الثلاثة؟ هل حرره من الناموس الأدبي والمدني والطقسي؟ والجواب الأكيد هو، نعم.

أن المسيح قد حرر المسيحي من الناموس بفروعه كلها.... وسأسرد في هذا المقام الأدلة الكتابية على ذلك.

(1) دليل من الرسالة إلى أهل غلاطية

كتب الرسول بولس إلى الغلاطين هذه الكلمات القوية "قولوا لي أنتم الذين تريدون أن تكونوا تحت الناموس ألستم تسمعون الناموس. فإنه مكتوب أنه كان لإبراهيم ابنان واحد من الجارية والآخر من الحرة. لكن الذي من الجارية ولد حسب الجسد وأما الذي من الحرة فبالموعد. وكل ذلك رمز لأن هاتين هما العهدان. أحدهما من جبل سيناء الوالد للعبودية الذي هو هاجر. لأن هاجر جبل سيناء في العربية. ولكنه يقابل أورشليم الحاضرة فإنها مستعبدة مع بنيها. وأما أورشليم العليا التي هي أمنا جميعاً فهي حرة. لأنه مكتوب افرحي أيتها العاقر التي لم تلد. اهتفي واصرخي أيتها التي لم تتمخض فإن بني المستوحشة أكثر من التي لها زوج. وأما نحن أيها الإخوة فنظير اسحق أولاد الموعد. ولكن كما كان حينئذ الذي ولد حسب الجسد يضطهد الذي حسب الروح هكذا الآن أيضاً. لكن ماذا يقول الكتاب. اطرد الجارية وابنها لأنه لا يرث ابن الجارية مع ابن الحرة" (غلاطية 4: 21-30).

وفي هذا الجزء الثمين من كلمة الله نرى أن بولس يتحدث عن عهدين، أحدهما من جبل سيناء، وهو عهد العبودية، والآخر هو عهد النعمة الذي نتمتع به في ظلال الإيمان بالفادي، فما هو العهد الذي جاء من جبل سيناء؟! وهل يحوي هذا العهد لوصايا العشر؟ نعم بلا شك وهذا يتبين لنا من الرجوع إلى سفر الخروج الأصحاح التاسع عشر والأصحاح العشرين، فهناك نقرأ أن الرب جاء على جبل سيناء وأعطى لموسى الوصايا العشر (راجع خروج 19: 18 و20، 20: 1-17) ويبدو هذا في وضوح أكثر من الكلمات التي قالها الملك سليمان "وجعلت هناك مكاناً للتابوت الذي فيه عهد الرب الذي قطعه مع آبائنا عند إخراجه إياهم من أرض مصر" (1مل 8: 21) وانظر ما قاله موسى "فتقدمتم ووقفتم في أسف الجبل والجبل يضطرم بالنار إلى كبد السماء بظلام وسحاب وضباب. فكلمكم الرب من وسط النار وأنتم سامعون صوت كلام ولكن لم تروا صورة بل صوتاً. وأخبركم بعهده الذي أمركم أن تعملوا به الكلمات العشر وكتبه على لوحي حجر" (تث 4: 11-13) ويتثبت لنا كل هذا مما جاء في رسالة العبرانيين إذ يقول الرسول "ووراء الحجاب الثاني المسكن الذي يقال له قدس الأقداس فيه مبخرة من ذهب وتابوت العهد مغشى من كل جهة بالذهب الذي فيه قسط من ذهب فيه المن وعصا هرون التي أفرخت ولوحا العهد" (عب 9: 4 و5) من كل هذا يتبين لنا أن العهد الذي يتحدث عنه بولس في رسالة غلاطية أنه جاء من جبل سيناء (غلا 4: 24) يتضمن الوصايا العشر التي نقشت على لوحين من حجر كانا في تابوت العهد.

وماذا يقول بولس عن ذلك العهد، إنه يقول، إنه من جبل سيناء الوالد للعبودية، وكانت هاجر الجارية ترمز إليه، لأن هاجر جبل سيناء في العربية.... ثم يستطرد قائلاً "ولكن ماذا يقول الكتاب. اطرد الجارية وابنها" وهذه الكلمات واضحة وقوية لدرجة إنها لا تحتاج إلى تفسير، اطرد الجارية أي هاجر التي كانت ترمز إلى جبل سيناء؟! فلم يعد لناموس جبل سيناء، ولا للوصايا العشر سلطة إذ قد انتهى عمل الناموس والوصايا.

ويكفي أن نذكر هنا المقارنة الجميلة التي وضعها الرسول في رسالة العبرانيين وهو يرينا حريتنا من ناموس جبل سيناء- الوصايا العشر- وضرورة خضوعنا لناموس المسيح الرب من السماء، فهو يقول "لأنكم لم تأتوا إلى جبل ملموس مضطرم بالنار وإلى ضباب وظلام وزوبعة وهتاف بوق وصوت كلمات استعفى الذين سمعوه من أن تزاد لهم كلمة لأنهم لم يحتملوا ما أمر به وإن مست الجبل بهيمة ترجم أو ترمي بسهم. وكان المنظر هكذا مخيفاً حتى قال موسى أنا مرتعب ومرتعد بل قد أتيتم إلى جبل صهيون وإلى مدينة الله الحي أورشليم السماوية وإلى ربوات هم محفل ملائكة وكنيسة أبكار مكتوبين في السموات وإلى الله ديان الجميع وإلى أرواح أبرار مكملين وإلى وسيط العهد الجديد يسوع وإلى دم رش يتكلم أفضل من هابيل.... انظروا أن لا تستعفوا من المتكلم. لأنه إن كان أولئك لم ينجوا إذا استعفوا من المتكلم على الأرض فبالأولى جداً لا ننجو نحن المرتدين عن الذي من السماء" (عب 12: 18-25) وهكذا انتهى ناموس الوصايا العشر، لتحل محله كلمات الرب يسوع الذي من السماء.

(2) دليل من رسالة العبرانيين

يتحدث إلينا كاتب الرسالة إلى العبرانيين قائلاً "فلو كان بالكهنوت اللاوي كمال، إذ الشعب أخذ الناموس عليه، ماذا كانت الحاجة بعد إلى أن يقوم كاهن آخر على رتبة ملكي صادق ولا يقال على رتبة هارون؟ لأنه إن تغير الكهنوت فبالضرورة يصير تغير للناموس أيضاً" (عبرانيين 7: 11 و12).

ولنعد إلى هذه الكلمات الجليلة لنتأمل فيها "لأنه إن تغير الكهنوت فبالضرورة يصير تغير للناموس أيضاً" (عب 7: 12) .

فهل تغير الكهنوت اللاوي؟ ومن ذا الذي تسلمه بعد هذا السبط القديم؟!

هنا أضع أمام القارئ الكريم جدولاً بسيطاً يرينا أن الكهنوت اللاوي قد انتهى إلى الأبد بكل متعلقاته، فلنتبع إذاً خطوط هذا الجدول.

العهد القديمالعهد الجديد

1- في العهد القديم كان رئيس الكهنة على رتبة هرون، وكان يؤخذ من الناس ويقام لأجل الناس "لأن كل رئيس كهنة مأخوذ من الناس يقام لأجل الناس في ما لله لكي يقدم قرابين وذبائح عن الخطايا" (عب 5: 1)

1- في العهد الجديد نرى أن رئيس كهنتنا ليس من الناس، بل هو السيد يسوع المسيح نفسه "فإذ لنا رئيس كهنة عظيم قد اجتاز السموات يسوع ابن الله فلنتمسك بالإقرار" (عب 2: 14)

"لأنه كان يليق بنا رئيس كهنة مثل هذا قدوس بلا شرور ولا دنس قد انفصل عن الخطاة وصار أعلى من السموات" (عب 7: 26).

2- في العهد الأول كانت الذبائح الدموية تقدم بواسطة الكهنة، كما يقول الرسول عن ذلك العهد "وكل كاهن يقوم كل يوم يخدم ويقدم مراراً كثيرة تلك الذبائح عينها التي لا تستطيع البتة أن تنزع الخطية" (عب 10: 11-14)

2- في عهد النعمة جاء المسيح وأبطل هذه الذبائح بذبيحة نفسه الواحدة التي لا تتكرر إذ يقول الرسول "وأما هذا- أي المسيح- فبعد ما قدم عن الخطايا ذبيحة واحدة جلس إلى الأبد عن يمين الله... لأنه بقربان واحد أكمل إلى الأبد المقدسين" (عب 10: 11-14)

3- في عهد الناموس كانت الخدمة في قدس الأقداس الموجود في الهيكل الأرضي مرة واحدة في السنة إذ يدخل رئيس الكهنة اليهودي بالدم إلى هناك كما يقول الرسول "وأما إلى الثاني فرئيس الكهنة فقط مرة في السنة ليس بلا دم يقدمه عن نفسه وعن جهالات الشعب. معلناً الروح القدس بهذا أن طريق الأقداس لم يظهر بعد ما دام المسكن الأول له إقامة" (راجع عبرانيين 9: 1-8).

3- في عهد النعمة تقدم الخدمة في قدس الأقداس السماوي إذ دخل المسيح إلى هناك بدم نفسه فوجد فداء أبدياً. وفتح لنا طريقاً سلطانياً للدخول هناك. فنحن لا نتعبد في هيكل أرضي وإنما نتعبد في الأقداس السماوية في المسيح كما يقرر ذلك الرسول في القول "بدم نفسه دخل مرة واحدة إلى الأقداس فوجد فداء أبدياً" (عب 9: 11) "فإذ لنا أيها الإخوة ثقة بالدخول إلى الأقداس بدم يسوع طريقاً كرّسه لنا حديثاً حياً بالحجاب أي جسده وكاهن عظيم على بيت الله لنتقدم بقلب صادق في يقين الإيمان مرشوشة قلوبنا من ضمير شرير ومغتسلة أجسادنا بماء نقي" (عب 10: 19-22).

4- في العهد الأول- عهد الناموس- كانت الذبائح تقدم على مذبح النحاس الموجود في خيمة الاجتماع (خر 27: 1)

4- في العهد الجديد، قدم المسيح نفسه ذبيحة، على مذبح الصليب، فليس لنا هنا أي مذبح آخر نقدم عليه ذبائحنا، بل أن مذبحنا الوحيد هو الصليب الذي قال عنه الرسول "لنا مذبح لا سلطان للذين يخدمون المسكن أن يأكلوا منه" (عب 13: 10)

5- في عهد الناموس كان الذين يقومون بالخدمة، ويعتبرهم الشعب كهنة هم من بني لاوي، كما يقول الرسول "أما الذين هم من بني لاوي الذين يأخذون الكهنوت فلهم وصية أن يعشروا الشعب بمقتضى الناموس أي إخوتهم" (عب 7: 5)

5- في العهد الجديد، صار كل المؤمنين كهنة للرب، يقدمون ذبائح روحية مقبولة عند الله بيسوع المسيح كما يقرر الكتاب المقدس ذلك في الآيات الآتية: "الذي أحبنا وغسلنا من خطايانا بدمه وجعلنا ملوكاً وكهنة لله أبيه له المجد والسلطان إلى أبد الآبدين. آمين" (رؤ 1: 5 و6).

"كونوا أنتم أيضاً مبنيين كحجارة حية بيتاً روحياً كهنوتاً مقدساً لتقديم ذبائح روحية مقبولة عند الله بيسوع المسيح" (1بط 2: 5).

" وأما أنتم فجنس مختار وكهنوت ملوكي أمة مقدسة شعب اقتناء لكي تخبروا بفضائل الذي دعاكم من الظلمة إلى نوره العجيب" (1بط 2: 9).

6- في العهد الأول كانت العبادة تقوم على ذبائح مادية وأطعمة وأشربة وغسلات مختلفة كما يقول الرسول "الذي فيه تقدم قرابين وذبائح لا يمكن من جهة الضمير أن تكمل الذي يخدم. وهي قائمة بأطعمة وأشربه وغسلات مختلفة وفرائض جسدية فقط موضوعة إلى وقت الإصلاح" (عب 9: 9 و10)

6- في العهد الجديد تقوم العبادة على ذبائح روحية مقبولة عند الله، وليس لها أي صلة بالأكل والشرب، لذلك يقول الكتاب "فلنقدم به- أي المسيح- في كل حين لله ذبيحة التسبيح أي ثمر شفاه معترفة باسمه. ولكن لا تنسوا فعل الخير والتوزيع لأنه بذبائح مثل هذه يسر الله" (عب 13: 15 و16).

"كونوا أنتم. بيتاً روحياً كهنوتاً مقدساً لتقديم ذبائح روحية مقبولة عند الله بيسوع المسيح" (1بط 1: 5) "فلا يحم عليكم أحد في أكل أو شرب أو من جهة عيد أو هلال أو سبت" (كو 2: 16)

7- العهد الأول كان عهداً أرضياً لشعب أرضي يعيش في أرض إسرائيل ويسلك بحسب ناموس موسى "وأما الذين هم من بني لاوي الذين يأخذون الكهنوت فلهم وصية أن يعشروا الشعب بمقتضى الناموس" (عب 7: 5)

7- العهد الجديد هو عهد سماوي لأناس سماويين يعيشون بحسب ناموس المسيح.

"ونحن أموات بالخطايا أحياناً مع المسيح. بالنعمة أنتم مخلصون.... وأقامنا معه وأجلسنا معه في السماويات في المسيح يسوع" (أفسس 2: 5 و6)

"احملوا بعضكم أثقال بعض وهكذا تمموا ناموس المسيح" (غلا 6: 2)

تبين من كل ما تقدم أنه قد تغير الكهنوت، وصار بالضرورة تغيير للناموس، فرئيس الكهنة اللاوي لم يصبح له وجود، إذ أصبح الآن رئيس كهنتنا يسوع المسيح، والهيكل اليهودي قد أبطلت العبادة فيه، وأصبحنا الآن نتعبد في قدس الأقداس السماوي، إذ أحياناً الرب بنعمته، وأقامنا معه وأجلسنا معه في السماويات في المسيح، ومذبح النحاس القديم قد انتهى عمله، فلم نعد بحاجة قط إلى مذابح أرضية نقدم عليها الذبائح لله، إذ أن مذبحنا الآن هو صليب المسيح، والذبائح الدموية قد أبطلت، لأن ذبيحنا الأعظم هو يسوع المسيح "لأن فصحنا أيضاً المسيح قد ذبح لأجلنا" (1كو 5: 7)، ونظام الكهنوت القديم قد ألغى لأننا أصبحنا كمؤمنين ملوكاً وكهنة لله الآب.... ويقول بولس "لأنه إن تغير الكهنوت فبالضرورة يصير تغير للناموس أيضاً" (عب 7: 12) وهكذا ترى بجلاء أن الناموس الموسوي قد انتهى بطقوسه وفرائضه ووصاياه. كما يقرر الكتاب في أكثر من موضع قائلاً "لأنه هو سلامنا الذي جعل الاثنين واحداً ونقض حائط السياج المتوسط أي العداوة مبطلاً بجسده ناموس الوصايا في فرائض لكي يخلق الاثنين في نفسه إنساناً واحداً جديداً صانعاً سلاماً" (أفسس 2: 14 و15) "إذ محا الصك الذي علينا في الفرائض الذي كان ضداً لنا وقد رفعه من الوسط مسمراً إياه بالصليب" (كولوسي 2: 14).

(3) دليل من رسالة بولس الرسول إلى أهل رومية

يقول بولس الرسول في رسالة رومية "وأما الآن فقد تحررنا من الناموس إذ مات الذي كنا ممسكين فيه حتى نعبد بجدة الروح لا بعتق الحرف" (رو 7: 6) ويقول أيضاً "فإن الخطية لن تسودكم لأنكم لستم تحت الناموس بل تحت النعمة" (رو 6: 14)

ولنلاحظ أن الرسالة إلى أهل رومية هي رسالة التبرير بالإيمان ولذا فقد سار الرسول فيها سيراً منطقياً بديعاً، فصور في الأصحاح الأول حالة العالم الأثيم، وفي الأصحاح الثاني أرانا شر الجماعة اليهودية وفي الأصحاح الثالث أرانا أن اليهود واليونانيين أجمعين تحت الخطية، وأن الناموس لا يقدر أن يبرر أحداً بل يحكم على الخاطئ المجرم، وقال إننا نثبت الناموس كمرآة ليعلن للخاطئ جرمه وخطيته فقط، وفي الأصحاح الرابع أعلن أن طريق الخلاص هو بالإيمان وحده وأعطانا إبراهيم كمثال، وفي الأصحاح الخامس أرانا نتائج الخلاص بالإيمان، وهي التبرير والسلام، والدخول إلى النعمة، ثم هتف في الأصحاح السادس قائلاً "فإن الخطية لن تسودكم لأنكم لستم تحت الناموس بل تحت النعمة" وهكذا أكد لنا حريتنا الكاملة من الناموس الموسوي.

(4) دليل من كلمات الرب يسوع في عظة الجبل

عندما جلس السيد له المجد على جبل قرون حطين وألقي عظته الخالدة المعروفة بعظة الجبل قال "لا تظنوا إني جئت لأنقض الناموس أو الأنبياء ما جئت لأنقض بل لأكمل. فإني الحق أقول لكم إلى أن تزول السماء والأرض لا يزول حرف واحد أو نقطة واحدة من الناموس حتى يكون الكل" (مت 5: 17 و18)

والشخص الذي ينظر إلى هذه الكلمات بحسب الظاهرة يعتقد أن المسيح قد جاء ليكمل ما نقص في الناموس، وأن ناموس موسى كان ناقصاً إلى أن جاء المسيح وأكمله.... ولكن هذه العقيدة تتنافى مع كلمات الكتاب المقدس الواضحة، فقديماً ردد داود هذه الكلمات "ناموس الرب كامل يرد النفس" (مز 19: 7) فكيف يمكن أن يكون ناموس الرب كاملاً، وفي ذات الوقت يقول السيد "أنا جئت لأكمل؟ّ" إذاً فمما لا شك فيه أن المسيح قد قصد معنى آخر غير ذلك الذي يتبادر للذهن عند القراءة السطحية.

فما هو قصد المسيح؟! أن قصد المسيح الواضح هو أنه جاء ليكمل الرموز التي كانت في الناموس في شخصه المبارك، وليكمل نبوات الأنبياء الذين تنبأوا عن مجيئه في الجسد ولذلك قال "لا تظنوا إني جئت لأنقض الناموس أو الأنبياء ما جئت لأنقض بل لأكمل" وعندما صلب المسيح وقام، وضح للتلاميذ أنه هو الذي فيه كل الناموس والأنبياء كما يقول لنا البشير لوقا "ثم ابتدأ من موسى ومن جميع الأنبياء يفسر لهما الأمور المختصة به في جميع الكتب" (لو 44: 27).

هذا هو النور الذي نراه، فيسوع قد أكمل الناموس الأدبي، ناموس الوصايا العشر في حياته، ولذا فقد استطاع أن يتحدى أعداءه قائلاً "من منكم يبكتني على خطية" (يو 8: 46)، وهكذا قال عنه بطرس "الذي لم يفعل خطية" (1بط 2: 22) وكذلك أكمل الناموس المدني فكان مواطناً صالحاً لم يؤذ أحداً في حياته، وأكمل أيضاً الناموس الطقسي فكان هو الحمل الذي تركزت فيه كل الذبائح القديمة، وفوق هذا كله فقد أكمل نبوات الأنبياء التي قيلت فيه، فهو وليد بيت لحم الذي تنبأ عنه ميخا، وهو المتألم لأجل الخطاة الذي تنبأ عنه أشعياء، وهو النبي الذي تنبأ عنه موسى، ولذا فقد قال المسيح بحق "ما جئت لأنقض بل لأكمل" ففيه كمل الناموس والأنبياء، فصرخ وهو على الصليب قائلاً "قد أكمل" (يو 19: 30).

وبعد ذلك مباشرة، انشق حجاب الهيكل إلى اثنين من فوق إلى أسفل، وانتهى عهد الناموس الذي أكمله المسيح بموته، وفتح طريق الأقداس السماوي للشعب السماوي، ذلك الطريق الذي كرسه لنا بالحجاب أي جسده، وهكذا أكمل المسيح الناموس في شخصه وأنهاه. لذلك قال عنه بولس "ولما تمموا كل ما كتب عنه أنزلوه عن الخشبة ووضعوه في قبره" (أعمال 13: 29).

ولكي أوضح لكم هذا الحق بصورة أوفى، أقودكم إلى جبل التجلي، حيث نرى هناك ربنا يسوع المسيح، ومعه بطرس ويعقوب ويوحنا "وتغيرت هيئته قدامهم وأضاء وجهه كالشمس وصارت ثيابه بيضاء كالنور وإذا موسى وإيليا قد ظهرا لهم يتكلمان معه، فجعل بطرس يقول ليسوع جيد يا رب أن نكون ههنا. فإن شئت نصنع هنا ثلاث مظال لك واحدة ولموسى واحدة ولإيليا واحدة وفيما هو يتكلم إذا سحابة نيرة ظللتهم وصوت من السحابة قائلاً هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت له اسمعوا.....ولما كان الصوت وجد يسوع وحده" (مت 17: 1-7 ولوقا 9: 36).

وماذا نرى في هذا المنظر البهي الجميل.

إننا نرى موسى الذي يمثل الناموس.

ونرى إيليا الذي يمثل الأنبياء.

ونرى بطرس الذي أراد أن يبقى موسى وإيليا مع الابن الحبيب الوحيد، ولكن صوت السماء جاء يقول "هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت له اسمعوا فرفعوا أعينهم ولم يروا أحداً إلا يسوع وحده" (مت 17: 8) فموسى قد مضى عهده وانتهى، والأنبياء قد كملت نبواتهم، وبقي الابن الوحيد الذي له وحده ينبغي أن نسمع وأن نخضع وأن نرتل مرددين.

ليس لنا موسى إذاً               ولا إيليا معه

  لسنا نريد أن نرى    إلا يسوع وحده

(5) دليل من سفر أعمال الرسل:

في سفر أعمال الرسل الأصحاح الخامس عشر نجد دليلاً قاطعاً يؤكد حرية المسيحي من الناموس بكل أقسامه، فقد حدث أن جماعة من اليهود انحدروا إلى مؤمني الأمم وجعلوا يعلمون الإخوة إنه إن لم تختنوا حسب عادة موسى لا يمكنكم أن تخلصوا، وقد باحثهم بولس وبرنابا في هذا الأمر، ثم رتبوا أن يصعد بولس وبرنابا وأناس آخرون منهم إلى الرسل والمشايخ إلى أورشليم من أجل هذه المسألة....فلما حضروا إلى أورشليم قبلتهم الكنيسة والرسل والمشايخ فأخبروهم، كل ما صنع الله معهم، ولكن قام أناس من الذين كانوا قد آمنوا من الفريسيين وقالوا أنه ينبغي أن يختنوا ويوصوا بأن يحفظوا ناموس موسى...

ومن الطبيعي أن نفهم أن طلب هؤلاء الفريسيين قد انصب على حفظ ناموس موسى وخاصة الوصايا العشر، ذلك لأن ناموس الذبائح كان يحفظ في الهيكل اليهودي في أورشليم، ولم يكن من السهل أن يحفظ الأمم ناموس الذبائح وهم في أراضيهم بعيداً عن أورشليم.... ومن الجهة الأخرى فقد كان هؤلاء الفريسيون من الذين آمنوا، وعلموا أن ناموس الذبائح قد انتهى في الصليب، فطبهم بلا شك قد انصب على الناموس الأدبي، فماذا عمل المجمع المشيخي الأول، الذي حضره يعقوب، وبولس. وبطرس، وبرنابا؟

لقد أرسل المجمع بولس وبرنابا وكتب بأيديهم هكذا "الرسل والمشايخ والإخوة يهدون سلاماً إلى الإخوة الذين من الأمم في إنطاكية وسورية وكيليكية. إذ قد سمعنا أن أناساً خارجين من عندنا أزعجوكم بأقوال مقلبين أنفسكم وقائلين أن تختنوا وتحفظوا الناموس. الذي نحن لم نأمرهم، رأينا وقد صرنا بنفس واحدة أن نختار رجلين ونرسلهما إليكم مع حبيبينا برنابا وبولس. رجلين قد بذلا أنفسهما لأجل اسم ربنا يسوع المسيح. فقد أرسلنا يهوذا وسيلا وهما يخبرانكم بنفس الأمور شفاهاً. لأنه قد رأى الروح القدس ونحن أن لا نضع عليكم ثقلاً أكثر غير الأشياء الواجبة أن تمتنعوا عما ذبح للأصنام وعن الدم والمخنوق والزنى التي إن حفظتم أنفسكم منها فنعما تفعلون. كونوا معافين" (أعمال 15: 22-29).

وفي هذا الكلام، الدليل القاطع على حرية المسيحي من الناموس، فلو أن الناموس الأدبي باق، لقال الرسل والمشايخ لأولئك الذين طلبوا العودة إلى الناموس، معكم حق، وسوف ننفذ الناموس الأدبي، ولكتبوا للأمم يقولون- احفظوا ناموس الوصايا العشر وكفى، ولكنهم لم يفعلوا ذلك قط، لأن الروح القدس أنار لهم حقيقة الطريق....

من هذه الأدلة السابقة نتيقن أن عهد الناموس قد انتهى، وأننا كأولاد الله نحيا في عهد النعمة، لسنا ملزمين أن نطيع الوصايا العشر التي من بينها وصية حفظ يوم السبت، لأننا لسنا في التزام أن نحفظ السبت على الإطلاق، إذ قد تحررنا من الناموس الأدبي والمدني والطقسي كلية.

تطبيقات للهواتف الذكية

  • تطبيق وعود الله
  • تطبيق الإنجيل لجهاز الآي فون
  • تطبيق الإنجيل لجهاز الآي باد
  • تطبيق الإنجيل المسموع
  • تطيبق مركز دراسات الكتاب المقدس
  • تطبيق أجوبة الله
  • تطبيق كلمة الحياة
  • تطبيق ترانيم وعظات مسموعة