عقائد

الفصل الأول: كـينونـة اللـه

القسم: بين العقل والإيمان - الجزء الثاني.

ناقشنا في الجزء الأول "كيف نفهم إعلان الله؟" طبيعة الإعلان الذي منحنا إيّاه الله بنعمته. وبيّننا أيضاً بشيء من التفصيل كيف برز هذا الإعلان إلى الوجود، كما أوضحنا كيف توصلنا إلى الوقوف عليه بفضل قوانين الإيمان وإقراراته التي صيغت لتوجيهنا إليه. فيتبقى لنا الآن أن نكشف مضمون ذلك الإعلان، وأن نشير بطريقة منهجية إلى ما نحن مدينون به للإعلان الإلهي في العقل والقلب، ومن حيث المعرفة والحياة معاً. فإذا صحّ القول إنّنا، في ما سبق أن قلناه حتى الآن، كنا نتأمل صرح الإعلان من الخارج، وقد تكونت لدينا فكرة ما عن مخططه العام، فإننا الآن مزمعون أن ندخل إلى قُدسْ الإعلان بالذات حيث ننعم النظر في كنوز الحكمة والمعرفة المعروضة فيه كي نمتّع بها أنظارنا.

ولا شك أننا نستطيع استعراض مضامين الإعلان الغنيَّة بطرائق شتّى، كما يتسنى لنا أن ندع أجزاءه المتنوعة تمر أمامنا لندقّق فيها بطرق مختلفة. ولكن ليس ثمّة ما يحملنا على بحث كل من طرائق المعالجة هذه وأنماطها. لذا سنقتصر بحثنا على أسلوبين يمكننا بهما أن نتناول مضمون العقيدة المسيحية، الذي غالباً ما يتم تناوله بواسطتهما.

ففي المقام الأول، يمكننا التوجه مباشرة إلى المسيحي الذي استوعب بنفسه مضمون الإعلان، وذلك بفضل الإيمان القلبي الصادق. ومن ثم نسأل ذلك المسيحي عن طريقة بلوغه معرفة الحق، وما قوام تلك المعرفة، وأي ثمر أنتجت في فكره وحياته. هذه هي وجهة النظر التي تتبناها خلاصة العقيدة التي نعتمدها والمعروفة بخلاصة هايدلبرج. فالمتكلم في خلاصة العقيدة هذه هو المسيحي المؤمن، وهو يقدّم تصريحاً شاملاً وواضحاً عن الأمور التي تمثل عزاءه الوحيد في الحياة والممات، وعن النقاط المختلفة التي ينبغي للمرء أن يعرفها كي يحيا مباركاً ويموت سعيداً في عزائه ذاك. إنّه أسلوب جميل في المعالجة، وهو يستحق أوفر الثناء في دليل لاهوتي عملي. ذلك أن لهذا الأسلوب حسنات عديدة: فهو يُنيط الحق فوراً بمجمل الحياة المسيحية، ويجعلنا في منجي من الجدل الفلسفي والاسترسال في التصور والتخمين، كما أنه بمقاربته كل عناصر العقيدة يبرز مباشرة ما فيها من قيمة بالنسبة إلى العقل والقلب على السواء. وأيّة منفعة وتعزية يجلبها الإيمان بهذا كله؟ إنه يؤكد لي أني مبرر أمام الله في المسيح وأني وارث للحياة الأبدية.

وفي المقام الثاني، نستطيع معالجة حقائق الإيمان دون الاقتصار على أسلوب التوجه إلى المسيحي لسؤاله عمّا يؤمن به. فبوسعنا أيضاً أن نقف موقف المسيحي المؤمن، ومن ثم نحاول أن نقدّم لأنفسنا وللآخرين تصريحاً مستمداً من الكتاب المقدس عن مضمون إيماننا وبهذه الطريقة لا ندع عرضنا لعقيدتنا يسير بمقتضى الأسئلة الموجهة إلينا بخصوصها.

بموجب هذا الأسلوب الثاني، نستعرض نحن أنفسنا مضمون عقيدتنا على نحو إيجابي. وحينذاك لا نهتم كثيراً بتتبع التدرج الذي به توصلنا إلى معرفة الحق، بل نحاول بالأحرى أن نتلمس النظام البديع الكامن موضوعياً في حقائق الإيمان في حد ذاتها، ونتبين كيف ترتبط هذه الحقائق بعضها ببعض، وما المبدأ المهيمن عليها جميعاً. هذا هو الأسلوب المتبع في إقرار الإيمان المعتمد في الكنيسة المصلحة. وفي هذا الإقرار أيضاً نجد أن المتكلم هو المسيحي، غير أنه لا ينتظر حتى تطرح الأسئلة عليه، بل بالأحرى هو نفسه يشرح مضمون عقيدته. إنه يؤمن بقلبه ويعترف بفمه بما يريد الله أن يقوله للكنائس بروحه وفي كلمته.

إن أسلوبي المعالجة هذين ليسا بالطبع على طرفي نقيض كلي، بل هما بالأحرى متكاملان يسد أحدهما نقص الآخر، ولكليهما قيمة عظيمة. فبالنسبة إلى الكنائس المصلحة، وكذلك بالنسبة إلى المدارس الفكرية المسيحية المصلحة، لهو امتياز لا يقدر بثمن أن يكون بين أيدينا إقرار الإيمان إلى جانب خلاصة العقيدة، وخلاصة العقيدة إلى جانب إقرار الإيمان. فهذان معاً يعطياننا في آن واحد ما هو موضوعي وما هو ذاتي، ما له علاقة بعلم اللاهوت وما له علاقة بعلم الإنسان. إنهما متداخلان بحيث يتصالح بهما العقل والقلب. وهكذا يصير الحق الإلهي بركة لفكرنا ولحياتنا على السواء.

أما أن هذين الأسلوبين في بسط مضمون الإعلان ليسا متناقضين بل هما متكاملان ومتتامان، فأمر يثبته بكل يقين كون المسيحي هو المتكلم لا من خلاصة العقيدة فقط، بل في إقرار الإيمان أيضاً. وفي كليهما نجد المسيحي ليس منعزلاً بل في شركة مع جميع إخوته وأخواته. ذلك أن الكنيسة، جماعة المؤمنين الواحدة، هي التي تعبر فيهما عن عقيدتها. إننا جميعاً نؤمن بالقلب ونعترف بالفم- هذه هي الكلمات التي يُستهَلّ بها إقرار الإيمان، وهكذا يجري مجراه، وهكذا أيضاً ينتهي. فهو إقرار حقيقي بالإيمان المسيحي يحتوي على خلاصة العقيدة المتعلقة بالله وبخلاص النفس خلاصاً أبدياً.

وعنصرا الإيمان هذان، أي العقيدة المتعلقة بالله وعقيدة خلاص النفس خلاصاً أبدياً، ليسا بندين منفصلين لا يجمع بينهما جامع مشترك، بل إنهما بالأحرى مرتبطان بعضهما مع بعض بعرى وثيقة لا تنفصم. فالعقيدة المختصة بالله هي في الوقت نفسه عقيدة خلاص النفس خلاصاً أبدياً، والثانية من هاتين تشتمل أيضاً على الأولى. وذلك أن معرفة الله في وجه يسوع المسيح ابنه إنما هي الحياة الأبدية (يوحنا 17: 3).

ومعرفة الله هذه تختلف، في النوع لكن ليس في المستوى، عن المعرفة التي نحصل عليها من الحياة اليومية أو من المدرسة. إنها معرفة ذات نوع فريد. فهي تختلف عن أي نوع آخر من المعرفة من حيث المبدأ والغرض والنتيجة، على حد ما سبق أن أشرنا إليه في الفصل الثاني- من الجزء الأول- من هذا الكتاب. فهذه المعرفة تتعلق بالعقل والقلب معاً. إنها لا تجعلنا "أكثر ثقافة"، بالدرجة الأولى على الأقل، ولكنها تجعلنا أحكم وأفضل وأسعد فهي تجعلنا مباركين، وتعطينا الحياة الأبدية التي وإن كانت تختص بما بعد هذه الحياة حقاً، فهي تتعلق أيضاً بما هو كائن هنا والآن. والأمور الثلاثة التي من الضروري لنا أن نعرفها ليست غايتها أن نموت ذات يوم ونحن مباركين بل أن نحيا أيضاً مباركين، من تلك اللحظة فصاعداً.

من يؤمن بالابن له حياة أبدية (يوحنا 3: 16). طوبى (الآن) للأنقياء القلب: فهم مباركين هنا على الأرض، وإن كان سبب هذا أنهم سوف يعاينون الله في ما بعد (متى 5: 8). فإنهم بالرجاء قد خلصوا (رومية 8: 24).

وما إن نقبل الحياة الأبدية في قلوبنا حتى لا نملك إلا أن نتوق دائماً لأن نعرف المزيد عن ذاك الذي منحنا تلك الحياة. وإذا بنا نتطلع إليه أكثر فأكثر باعتباره نبع خلاصنا. وبسبب العزاء الذي نتمتع به في قلوبنا، وبسبب ما تعنيه لنا معرفة الله من نفع وثمر لنفوسنا ولحياتنا، نرانا نعود دائماً إلى التعبد للكائن الأزلي. وعندئذ نتوصل دائماً وبأكثر يقينية إلى الإحساس أن الله ليس موجوداً لأجلنا بل نحن موجودون لأجله. ليس أننا غير مبالين بأمر خلاصنا، بل إن هذا الخلاص هو وسيلة لتمجيده تعالى. فإن معرفة الله أعطتنا حياة، ولكن الحياة التي أُعطيت لنا تُفضي بنا للعودة إلى معرفة الله. ففي الله نجد كل خيرنا وكل فخرنا، إذ يصير هو هدف عبادتنا، وموضوع تسبيحنا، وقوة حياتنا. ذلك أن كل الأشياء هي من الله، وبالله، ولله: وهذا يصبح اختيار قلوبنا وشعار عملنا. وإذا نحن أنفسنا وجميع الخلائق من حولنا نغدو وسيلة لتمجيد الله. والحق الذي نحبه في بادئ الأمر بصورة خاصة لأنه أعطانا الحياة، يصبح من بعد عزيزاً أكثر فأكثر لذاته، أي بسبب ما يعلنه لنا عن الكائن الأزلي. عندئذ تغدو عقيدة الإيمان بكاملها، كُلاًّ وأجزاءً، إعلاناً لحمد الله ومعرضاً لصفاته السامية وتمجيداً لاسمه. وهكذا تفضي بنا خلاصة العقيدة إلى إقرار الإيمان.

ولكن عندما نتأمل قليلاً في ما يعنيه كوننا نحن المخلوقات المسكينة والضعيفة والخاطئة نعرف الله وهو الكائن اللا محدود والأزلي الأبدي، عندئذ تسود مشاعرنا هيبة شديدة وحياء مقدس. فإننا إذ ذاك نسأل أنفسنا: هل يمكن بالفعل أن يهبط على الذهن المظلم للمخلوق البشري نور ما من لدن ذاك الذي لم يره أحد قط والساكن في نور لا يدنى منه (1 تيموثاوس 6: 16) والذي هو نور نقي وليس فيه ظلمة البتّة (1 يوحنا 1: 5)؟

طالما رد كثيرون بالنفي على هذا السؤال، وما زال بعض الناس يردون. غير أن هذا الإنكار لإمكانية معرفة الله يمكن أن يصدر عن موقفين عقليين مختلفين جداً. فهذا المزاج الشكاك في هذه الأيام هو نتيجة نوع عقلاني كلياً وعلمي نظرياً من الجدل.

يقال إن المعرفة التي في متناول الذهن البشري تقتصر على الظواهر التي يمكن مراقبتها بالتجربة، وبالتالي تقدم هذه الحجة الجدلية: إنه لأمر متناقض أن نعتقد- من جهة- أن لله شخصية وعقلاً وإرادة، وأن نثبت- من الجهة الأخرى- أنه مع ذلك لا محدود وسرمدي ومستقل استقلالاً مطلقاً.

ويمكن رد هذه الحجة بالقول: حقاً إنه ما كان من الممكن للإنسان أن يعرف الله ذهنياً لو أن الله لم يعلن ذاته، سواء بطريقة عامة في الطبيعة والتاريخ، أو بطريقة خاصة في ابنه. ولكن مادام الله قد أعلن ذاته هكذا، فإنه يترتب على ذلك إمكانية أن يعرف إلى ذلك الحد نفسه الذي وصل إليه في عملية الإعلان. أما إذا أراد المرء أن ينفي إعلان الله ذاته بأيّة طريقة، فإن المعنى المتضمن في ذلك يكون أن العالم موجود منذ الأزل إلى جانب الله وبمعزل عنه، وأنه تعالى لا يستطيع أن يعلن ذاته في العالم وبواسطته. ويكون المعنى المتضمن بالتالي أنه ينبغي لنا ألا نتحدث البتة عن الله فيما بعد، إذ تكون هذه الكلمة مجرد لفظ أجوف لا أساس لها ولا جذور لها في الحقيقة. وهكذا يغدو المذهب المعروف باللا أدرية (القول باستحالة معرفة الله) مماثلاً في الواقع للإلحاد (إنكار وجود الله).

إلا أن هذا الإنكار لإمكانية معرفة الله قد يصدر أيضاً عن إحساس المرء الطاغي لضالته وتفاهته مقروناً بشعوره بعظمة الله اللامحدودة وجلاله القهار. بهذا المعنى ما برح اعتراف جميع القديسين الإقرار بأننا لا نعرف شيئاً وبأن المعرفة أعجب من أن نستطيعها. وغالباً ما تقع عند آباء الكنيسة ومعلميها، في مجال التأمل في الله، العبارة التي تفيد أنهم في نهاية المطاف يستطيعون أن يقولوا ما ليس هو الله بصورة أفضل كثيراً من القول ما هو الله. وكالفن في أحد المواضع يثني قراءه عن السعي إلى انتزاع أسرار الله منه تعالى بقوتهم، لكون هذه السرائر تفوق جداً قدراتنا الضعيفة على المعرفة وكم شاعرٍ، مثل فوندل (Vondel) وبلدرديك (Bilderdijk)، قد تغنّى بعظمة الله الفائقة.

مع أن هذا الاعتراف المتواضع بجلال الله السامي وضآلة الإنسان يمكن أن يدعى- بمعنى من المعاني- إنكاراً لإمكانية معرفة الله، فإنه ليبدو لنا أن من الواجب أن نميز بين معرفتنا لله وفهمنا له فهماً كاملاً، وذلك في سبيل جلاء أي غموض، وبمقتضى ما جاء في الأسفار المقدسة. فمن المؤكد أنه ليس في العالم كتاب يؤيد تعالي الله المطلق على كل مخلوق وفي الوقت نفسه يؤيد العلاقة الوثيقة بين المخلوق والخالق، على نحو ما يفعل الكتاب المقدس بطريقة فريدة وإلى أقصى حد.

وتظهر لنا الصفحة الأولى من الكتاب المقدس تعالي الله المطلق على خلائقه. فبلا عناء ولا كلل يستدعي الله العالم كله إلى الوجود بواسطة كلمته فقط. بكلمة الرب صنعت السماوات، وبنسمة فيه كل جنودها (مزمور 33: 6). قال فكان، أمر فصار (مز 33: 9). إنه يفعل كما يشاء في جند السماء وبين سكان الأرض، ولا يوجد من يكف يده أو يقول له ماذا تفعل؟ (دانيال 4: 35). هوذا الأمم كنقطة من دلو، وكغبار الميزان تُحسب؛ هوذا الجُزُر يرفعها كالهباء. ولبنان ليس كافياً للإيقاد، وحيوانه ليس كافياً لمحرقة، كل الأمم قدّامه كلا شيء: من العدم والباطل تحسب عنده. فبمن تشبهون الله، واي شبه تعادلون به؟ (إشعياء 40: 15- 18). لأنه من في السماء يعادل الرب؟ من يشبه الرب بين أبناء الله؟ (مزمور 89: 6). وليس ثمة اسم يمكن أن يسمى به حقاً. فإن اسمه عجيب.[1] وعندما كلّم الرب أيوب من العاصفة وعرض أمامه عظمة أعماله، أحنى أيوب رأسه باتّضاع وقال: ها أنا حقير، فماذا أجاوبك؟ وضعت يدي على فمي (أيوب 40: 4). هوذا الله عظيم، ونحن لا نعرفه (أيوب 36: 26). عجيبة هذه المعرفة- إنها فوقنا ونحن لا نستطيعها (المزمور 139: 6).

إلا أن هذا الإله المتعالي والرفيع يقيم علاقةً وثيقة مع جميع خلائقه، حتى الصغير منها. وما يقدمه لنا الكتاب المقدس ليس مفهوماً غامضاً عن الله، على نحو ما يقدّم لنا الفيلسوف، بل إنّه يضع أمامنا الله الحي بنفسه ويدعنا نراه في أعمال يديه. فما علينا إلا أن نرفع أنظارنا ونرى من صنع كل شيء. إن جميع الأشياء صنعتها يده إذ وجدت بإرادته وبعمله. وهي كلها قائمة بقوته. من هنا يحمل كل شيء طابع عظمته الفائقة وعلامة صلاحه وحكمته وقدرته. وبين الخلائق كلها خُلِقَ الإنسان وحده على صورته ومثاله تعالى. فالإنسان وحده يدعى ذُريَّة الله (أعمال 17: 28).

بسبب هذه العلاقة الوثيقة، يمكن تسمية الله بألفاظ من لغة خلائقه، ويمكن التحدث عنه بصورة إنسانية (وصفه بصفات البشر). فالكتاب المقدس الذي يتكلم بأسمى طريقة عن عظمة الله وجلاله الفريدين، هذا الكتاب نفسه يتحدث عنه باستعارات وتشبيهات نابضة بالحياة فهو يتحدث عن عينيه وأذنيه، يديه وقدميه، فمه وشفتيه، قلبه وأحشائه. وهو ينسب إليه تعالى جميع الصفات- من حكمة ومعرفة، وإرادة وقوة، وبر ورحمة؛ كما ينسب إليه أيضاً مشاعر مثل الفرح والحزن، والخوف والسخط، والغيرة، والندم والغضب، والكره (للخطية). ويتحدث الكتاب كذلك عن مراقبة الله وتفكيره، وسماعه ورؤيته، وتذكره ونسيانه، وشمه وذوقه، وجلوسه وقيامه، وافتقاده وتخليه، وبركته وتأديبه، وما إلى ذلك... ويستعير الكتاب المقدس لله استعارات شتى كالشمس والنور، والينبوع والعين، والصخر والملجأ، والسيف والترس، والأسد والنسر، والبطل والمحارب، والفنان والبنّاء، والملك والقاضي، والكرام والراعي، والأب. وبوجيز العبارة، فإن كل ما يمكن أن يوجد في العالم كله من حيث الدعم والحماية والعون إنما يوجد أصلاً وعلى نحو كامل وبوفرة فائقة، في الله تعالى. فمنه تسمى كل عشيرة في السماوات وعلى الأرض (أفسس 3: 15). هو شمس الوجود، وجميع الخلائق أشعة هذه الشمس المترامية.

فمن المهم إذاً، في ما يختص بمعرفة الله هذه، أن نتمسك جيداً بكلتا مجموعتي الحقائق هاتين المتعلقتين بالكائن الإلهي، وأن ننظر إلى كلتيهما بالإنصاف. لأننا إذا ضحّينا بتعالي الله المطلق على خلائقه نتردّى في اعتقاد تعدّد الآلهة (وهذا مذهبٌ وثنيٌ) أو في اعتقاد وحدة الوجود (حيث كل شيء هو الله)، وهاتان ديانتان باطلتان نتعلم من التاريخ أنهما مترابطتان بحيث يسهل الانتقال من الواحدة إلى الأخرى.

وإذا ضحّينا بعلاقة الله الوثيقة مع خلائقه، نجنح إلى مهاوي مذهب التأليه الطبيعي (الاعتقاد بوجود إله دون الإفادة من الإعلان) أو الإلحاد (إنكار وجود الله)، وهاتان ديانتان بينهما عدّة خصائص مشتركة، شأنهما شأن مذهبي تعدّد الآلهة ووحدة الوجود.

يلتزم الكتاب المقدس كلتا مجموعتي الخصائص، وفي ركابه يسير علم اللاهوت المسيحي. ففي الواقع أن الله ليس له اسم واحد نستطيع أن نسميه به حقاً، وهو تعالى يسمي نفسه- ويدعنا نحن نسميه- بأسماء عديدة جداً. فهو المتعالي إلى ما لا نهاية، وفي الوقت عينه من يحيا مع جميع خلائقه. وبمعنى من المعاني، إن جميع صفاته فريدة بحيث لايمكن مشاركتها، لكنها بمعنى آخر مقدمة كلها على نحو يفسح المجال لمشاركتها. هذه حقيقة لا نستطيع أن نسبر غورها بعقولنا، فليس ثمة ما يمكن أن نعتبره مفهوماً كافياً ووافياً عن الله. وما من أحد يستطيع أن يُدلي بتعريف واف عن الله من جهة كينونته. ذلك أنه لا يوجد اسم يعبر تماماً عن هوية الله، غير أن مجموعتي الخصائص المشار إليهما أعلاه لا يتعارضان. وبالتحديد، لأن الله هو العلي المرتفع ساكن الأبد، فهو أيضاً يسكن مع المنسحقين والمتواضعين (إشعياء 57: 15). ونحن نعلم أن الله لم يعلن ذاته لكي نكون مفهوماً فلسفياً عنه من خلال إعلانه، بل لكي نقبله- هو الإله الحي الحقيقي- باعتباره إلهنا، ولكي نعترف به ونخضع له. هذه الأمور مُخفاة عن الحكماء والفهماء، لكنها معلنة للأطفال (متى 11: 25).

إذاً فمعرفتنا عن الله عن طريق إعلانه هي معرفة إيمان. وهي ليست وافية، بمعنى أنها ليست معادلة لكينونة الله، لأن الله متعال إلى ما لا نهاية فوق خلائقه جميعاً. وليست هذه المعرفة أيضاً رمزيّة صرفاً، أي معبراً عنها بتعابير صغناها بطريقة ما، بينما هي لا تناسب أية حقيقة. بل إنها انطباعية (كما تعبر الكلمات المطبوعة عن الأفكار) أو تماثلية (نسبة إلى التماثل، وهو التشابه في الشكل)، وذلك لأنها مؤسسة على الشبه والعلاقة المتواجدين بين الله وجميع أعمال يديه، رغم جلال الله المطلق. والمعرفة التي يؤتينا الله إياها عن ذاته، في الطبيعة وفي الكتاب المقدس، تبقى محدودة ومتفرقة الأجزاء، إلا أنها مع ذلك حقيقية ونقية. كذلك هو الله كما أعلن عن ذاته في كلمته، وبالتحديد في المسيح وبه، وهكذا هو وحده فيه شبع قلوبنا.

إن الجهد المبذول لاستجماع كل ما يرد في الكتاب المقدس من تعاليم عن الله، مع توكيد تعاليه عن خليقته وعلاقته بها في آن واحد، أفضى بالكنيسة المسيحية إلى التمييز المبكر جداً بين مجموعتين من صفات الكائن الإلهي. هاتان المجموعتان أدرجتا تحت عناوين مختلفة منذ أوائل عصر الكنيسة. وما زالت الكنيسة الكاثوليكية تؤثر التكلم عن صفات سلبية وأخرى إيجابية، فيما تتحدث الكنيسة اللوثرية عن صفات ساكنة وأخرى عاملة، والكنائس المصلحة عن صفات غير منقولة وأخرى منقولة (قابلة للانتقال وغير قابلة له). على أن هذا التباين يؤول في نهايته إلى أمر واحد عند كل هذه الكنائس. ذلك أن غرض كل منها هو التشديد على تعالي الله (انفصاله عن العالم وارتفاعه فوقه) وعلى حلوليته (شركته مع العالم وسكناه فيه). والتعبيران اللذان تطلقهما الكنائس المصلحة، أي الصفات غير المنقولة والصفات المنقولة،هما أكثر إنصافاً لهذا الغرض من التعبيرات التي يستعملها الكاثوليكيون واللوثريون. كما أن توكيد المجموعة الأولى من الصفات يجنبنا اعتقادي تعدد الآلهة ووحدة الوجود،أما توكيد المجموعة الثانية فيحمينا من اعتقادي التأليه الطبيعي والإلحاد.

حتى لو كانت جميع تسمياتنا لهذه الصفات غير وافية، فليس من اعتراض مقنع على الاستمرار في استعمال التعبيرين اللذين درجت الكنائس المصلحة على استعمالهما. ولكن ما ينبغي لنا عندئذ أن نفعله هو أن نتذكر أن هاتين المجموعتين من الصفات غير المنقولة، والمنقولة لا تنفصل إحداهما عن الأخرى انفصالاً كلياً. إلا أن قوة التمييز يجب أيضاً ألا تضعف حتى تختفي. والدافع لذلك التمييز هو أن صفات الله غير المنقولة توجد بطريقة مطلقة وإلى درجة غير محدودة وغير قابلة للانتقال بالتالي. صحيح أن لمعرفة الله وحكمته وصلاحه وعدله، وماشابه، خصائص معينة تشترك بها مع الصفات نفسها في خلائقه، غير أن هذه الصفات الإلهية مختصة بالله بطريقة مستقلة وثابتة وسرمدية وكلية الحضور وطبيعية – أو بعبارة أخرى: بطريقة إلهية على نحو مطلق.

إننا، نحن الكائنات البشرية، نستطيع التمييز بين كيان الناس وصفاتهم. فقد يفقد الكائن البشري ذراعه أو رجله، أو قد يفقد وعيه في حال النوم أو المرض، لكنه لا ينقطع أن يكون بشراً. إلا أن هذا مستحيل بالنسبة إلى الله. فإن صفاته تتوافق مع كينونته. وكل صفة من صفاته هي في صلب كينونته. فهو ليس فقط حكيماً وصادقاً، صالحاً وقدوساً، عادلاً ورحيماً، بل هو أيضاً الحكمة والحق والصلاح والقداسة والعدل والرحمة. ومن هنا هو أيضاً مصدر جميع صفات الإنسان ومنبعها. هو كل شيء يمتلكه، كما أنه مصدر كل شيء يمتلكه البشر. فإنه المصدر الفيّاض لكل خير.

من صفات الله غير المنقولة تلك السجايا أو الفضائل التي تبرهن على أن جميع ما في الله إنما يوجد فيه بطريقة إلهية وعلى نحو مطلق، ولذلك فهو غير قابل لتشارك الخلائق فيه. وهذه المجموعة من الصفات تؤكد رفعة الله وتفرده المطلقين. والتعبير الأكمل عنها هو في الاسم "إيلوهيم" أو الله. فصحيح أن لفظ "إله" يطلق أحياناً على الخلائق في الكتاب المقدس. فالأسفار المقدسة لا تذكر فقط أوثان الوثنيين باعتبارها آلهة، على حد ما تفعل حين تنهي عن اتخاذ آلهة أخرى أمام الله (خروج 20: 3)، بل إنها أيضاً تسمى موسى إلهاً لهارون (خروج 4: 16) ولفرعون (خروج 7: 1)، وتتحدث عن القضاة بين الناس باعتبارهم آلهة (مزمور 82: 1 و 6). ويشير المسيح إلى هذا الاعتبار في معرض الدفاع عن ذاته (يوحنا 10: 33 – 35).

غير أن هذا الاستعمال اللغوي هو استعمال مجازي. فاسم الله، أصلاً وجوهرياً، يخص الله وحده. فبذلك الاسم تقترن دائماً فكرة وجود كائن شخصي حقا ولكنه أيضا ذو سلطان رفيع جداً فوق جميع الخلائق وسرمدي في كيانه.

من هذا القبيل يكون لله الصفات غير المنقولة، وهي خاصة به وموافقة له وحده، ولا توجد في خلائقه ولا يمكن أن تشاركه فيها الخلائق مجرد مشاركة. فإن جميع الخلائق لا تقوم بذاتها، وهي عرضة للتغير، كما أنها مركبة وخاضعة للزمان والمكان، غير أن الله قائم بذاته، بمعنى أنه لا يحدده أي شيء، بينما يحدد هو كل شيء سواه (أعمال 17: 25)، رومية 11: 36). وهو ثابت غير متغير بحيث يظل كما هو منذ الأزل وإلى الأبد، أما كل تحول وتغير فهما من صفات المخلوق والعلاقة التي يضع نفسه فيها تجاه الله (يعقوب 1: 17). والله كائن بسيط، أي غير مركب، خالص تماماً من أي تمازج بين روح ومادة، وفكر ومدى، وكيان وصفات، وعقل وإرادة، وما شابه ذلك من مقومات، وكل ما عنده فذاك هو الحق والحياة والنور،[2] وهو تعالى أزلي أبدي لا يحده زمن، ومع ذلك فهو يتخلل بسرمديته كل لحظة من الزمن (مز 90: 2). ثم إنه كلي الحضور كونه غير محدود بأي مكان، لكنه مع ذلك يطوق كل نقطة من المكان بقوته القادرة على كل شيء والدائمة الحضور.[3]

يوجد في زماننا الحالي نفر غير قليل من المراقبين الذين يجردون هذه الصفات غير المنقولة من أية قيمة دينية، ولا يرون فيها سوى تجريدات ميتافيزيقية. غير أن نقيض هذا بالضبط تبرهنه الحقيقة الكامنة في أن أيّة تضحية بهذه التحديدات تفتح الباب رأساً أمام وحدة الوجود وتعدّد الآلهة.

وإذا كنا لا نعتقد بأن الله قائم بذاته عديم التغير وأزلي أبدي وكلي الحضور، ومجرد وخالص من أي تركيب، فإننا نهبط به إلى مستوى المخلوق ونوحده بالعالم في جملته أو بإحدى قوّاته. من هنا يتزايد باستمرار عدد أولئك الذين يستبدلون بإله الإعلان قوة عالمية حلولية، أو الذين يؤثرون الاعتراف بتعدد الآلهة بدلاً من الله الواحد الحق. ومن الواضح أن وحدانية الله ووحدته مرتبطتان بصفاته غير المنقولة ارتباطاً مباشراً.[4] فإن الله لا يكون الإله الواحد والوحيد إلا إذا لم يكن لأي أحد أو لأي شيء أن يكون مثله، سواء إلى جانبه أو دونه. وعندما يكون الله قائماً بذاته وغير متغير، وأزلياً أبدياً كلي الحضور، عندئذ فقط يكون هو إله إيماننا غير المشروط وثقتنا المطلقة وخلاصنا الكامل.

وفي أثناء ذلك يبقى صحيحاً أننا بحاجة إلى أكثر من هذه الصفات غير المنقولة. فأي خير يأتينا من معرفتنا لكون الله قائماً بذاته وغير متغير، وأزلياً أبدياً كلي الحضور، إذا كان علينا أن ندبّر أمرنا دون أن نعرف أنه حنّان ومنعم ورحيم؟ صحيح أن الصفات غير المنقولة تخبرنا عن الطريقة التي بها توجد هذه الصفات في الله، إلا أن هذه الصفات تتركنا في ظلام من جهة مضمون الكينونة الإلهية. وهذا لا ينسحب على الصفات المنقولة. فهذه تفيدنا أن هذا الإله الرفيع والسامي على نحو لا نهائي فائق يسكن أيضاً مع ذلك في جميع خلائقه، وهو على علاقة بها كلها، كما أن فيه جميع تلك الفضائل التي تنطبق على خلائقه أيضاً بطريقة مكتسبة ومحدودة. فهو ليس إلهاً بعيداً جداً وحسب، بل إنه أيضاً إله قريب. وليس هو بإله قائم بذاته وغير متغير وأزلي أبدي كلي الحضور، بل هو أيضاً حكيم وقدير، عادل وقدوس، منعم ورحيم. إنه ليس إيلوهيم وحسب، بل هو يهوه أيضاً.

فكما أن الصفات غير المنقولة معبّر عنها جيداً بالاسم "إيلوهيم"، ومعناه الله، فكذلك الصفات المنقولة تتجلى حقيقتها في الاسم "يهوه". ولئن كان اشتقاق هذا الاسم ودلالته الأصلية غير معروفين لدينا، وإن كان يرجح جداً أنه عرف قبل موسى بزمن، كما قد يستوحى من اسم العلم "يوكابد"، فإن الله لم يكن حينذاك قد أعلن ذاته لشعبه بهذا الاسم. فقد أعلن نفسه لإبراهيم بالاسم "إيل شدّاي"، أي الله القدير (تكوين 17: 1 و خروج 6: 2)، ذاك الذي يخضع جميع قوى الطبيعة ويجعلها تؤول إلى النعمة. أما الآن، وقد مرّت مئات السنين وبدا أن الله قد نسي عهده مع الآباء ووعده لهم، فإنه يعلن نفسه لموسى باسمه "يهوه"، أي بوصفه الإله نفسه الذي ظهر للآباء الأمين لعهده، الوفي بوعده، والذي يبقى على مر العصور هو نفسه تجاه شعبه. فإذا بمعنى "يهوه" يصير الآن: أكون الذي أكون (حاضراً ومستقبلاً). وهذا الاسم يدل على أمانة الله غير المتغيرة في علاقته بإسرائيل. "فيهوه" هو إله العهد الذي اختار شعبه وجعلهم له خاصة، وذلك بمقتضى محبته المطلقة. وهكذا، ففيما يدل الاسم "إيلوهيم" – أي الله – على الكائن الأزلي في تعاليه المطلق على العالم، يؤكد الاسم "يهوه" –أي الرب– أن هذا الإله نفسه قد أعلن – مختاراً– ذاته لشعبه بوصفه إله قداسة ونعمة وأمانة.

إن قضية الصراع الديني بكاملها، في إسرائيل وفيما حتى أيامنا هذه، معنيّة جوهرياً بالسؤال عن هوية الله. فالأمم، وفلاسفة كثيرون، من قدماء ومحدثين، يقولون إن يهوه هو إله إسرائيل فقط: إله قومي ومحدود وثانوي. غير أن موسى وإيليا وسائر الأنبياء، والمسيح وجميع تلاميذه، يقفون موقفاً معاكساً ويؤكدون أن الرب وحده، الذي دخل في عهد مع الآباء ومع شعب إسرائيل، هو الإله الواحد الأزلي الحقيقي، وأنه لا إله آخر سواه (إشعياء 43: 10 – 15، 44: 6) وعليه فإن "يهوه" هو فعلاً اسم الله الحقيقي المميّز (إشعياء 42: 8، 48: 12). إن إله العهد، الذي يتنازل بكل عطف إلى شعبه على نحو فائق، والذي يسكن في ذوي الروح المنسحقة والمتضعة، هو في الوقت نفسه الله العلي المرتفع (إشعياء 57: 15).

إذاً، فإن نوعي الصفات ليسا بمتناقضين ولا متنازعين. ولنا أن نقول إن النوع الأول يلقي ضوءاً على سائر الصفات ويؤكدها. تأمل مثلاً في محبة الله. فما كان ليسمح لنا أن نتكلم عنها، ولا كان بمقدورنا أن نفعل ذلك، لو لم تكن الصفة التي يدعوها الناس محبته، وبمعنى من المعاني، انطباعاً أو صورة أو شبهاً للمحبة الكائنة في الله. ولا بد من وجود تماثل معيّن بين المحبة الإلهية والمحبة البشرية، وإلا لكان كل تفكيرنا في محبّة الله وكلامنا عنها من الأمور العديمة المعنى. على أن هذا التشابه لا دخل له في الهوية بأية حال. إذ ليست أنقى محبة وأقواها بين البشر إلا انعكاساً ضئيلاً جداً للمحبة التي هي في الله. وهذا الواقع يعلّمنا أن نفهم الصفات غير المنقولة. فمنها نعلم أن المحبة في الله تتعالى جداً عن محبة الخلائق. ذلك أن المحبة التي في الله قائمة بذاتها وغير متغيرة، وهي مجردة وأزلية أبدية كلية الحضور. إنها لا تتعلق بنا، ولا تتحرك بفعلنا، بل تفيض سخيّة نقيّة من أعماق الكيان الإلهي. وهي لا تشهد أي تبدّل، فلا تسقط ولا تقوم، ولا تظهر ولا تختفي، وليس فيها حتى ظل من ظلال الدوران. إنها ليست مجرد خصيصة من خصائص الكينونة الإلهية إلى جانب سائر السجايا أو الصفات، ولا تدخل البتة في صراع مع تلك الصفات، لكنها تتوافق أيضاً مع الكائن الإلهي بالذات. فالله محبة، هو بنفسه على نحو كلي وكامل، وبكامل كيانه. ولا تخضع هذه المحبة للزمان والمكان، بل متعالية عليهما، وهي تهبط من عالم الأبدية لتدخل قلوب أولاد الله. إن محبة كهذه، تكون الثقة بها مطلقة. فإن نفوسنا تستطيع أن تستريح في رحابها عند كل حاجة، بما في ذلك الموت أيضاً: فما دام إله المحبة المتّصف بهذا هو معنا، فمن يكون علينا؟

والقول عينه يمكن أن يقال بخصوص جميع الصفات الإلهية المنقولة. فإن في خلائق الله شبهاً قليلاً لما يخص الله من معرفة وحكمة، وصلاح ونعمة، وبر وقداسة، وإرادة وقوة وهذه كلها وقتية لأنها مرئية. فإن الأمور التي ترى تكونت من الأمور التي لا ترى (عبرانيين 11: 3). غير أن جميع هذه الصفات متواجدة في الله بطريقة أصلية، قائمة بذاتها، غير متغيرة، مجردة، غير محدودة. فإنما الرب وحده هو الله، وهو الذي صنعنا لنكون شعبه وغنم مرعاه (مزمور 100: 3).

إن صفات الله المنقولة عديدة جداً بحيث يستحيل تلخيصها ووصفها هنا. فإذا كنا نريد أن نعالجها معالجة وافية، فعلينا أن نستخدم كل تلك الأسماء والصور والمقارنات التي يستعملها الكتاب المقدس ليقدّم لنا فكرة ما بخصوص من وما هو الله بالنسبة إلى خلائقه ولاسيما شعبه. ذلك أن الكتاب المقدس _كما سبق أن أشرنا إشارة عابرة_ ينسب إلى الله بعض أعضاء الجسد من عينين وأذنين، ويدين ورجلين، وما شابه ذلك.والكتاب يضفي على الله مثلما للبشر من مدارك ومشاعر وعواطف وقرارات وأفعال. كما أنه يشير إليه تعالى بألقاب مناصب ووظائف كالتي نعهدها بين البشر، فيدعوه ملكاً ومشرعاً وقاضياً، ومحارباً وبطلاً، وكرّاماً وراعياً، وزوجاً وأباً. ويستعير الكتاب المقدس كامل العالمين العضوي وغير العضوي ليساعدنا على تمثل حقيقة الله، فيستعير له صفة الأسد والنسر والشمس والنار والينبوع والمجن... الخ. وجميع هذه الأساليب في الكلام هي من قبيل المحاولات الهادفة إلى مساعدتنا على معرفة الله وإلى إحداث انطباع عميق فينا عن كلية كفاية كينونته. فنحن، الكائنات البشرية، نحتاج إلى العالم الخارجي كله لأجل وجودنا الروحي والمادي، لأننا في أنفسنا ضعفاء لا نلوي على شيء. غير أن كل ما نحتاج إليه بحسب النفس والجسد، لأجل الزمن والأبدية، هو في متناولنا بوفرة وبلا استثناء، إذ هو موجود في الله على نحو أصلي وكامل ولا نهائي. فهو الخير الأسمى والنبع الفيّاض لكل خير.

إن أول شيء يتوخى الكتاب المقدس أن يعطينا إياه، باستعماله لجميع هذه الأوصاف والأسماء العائدة للكائن الإلهي، هو شعور أصيل لا يستأصل بحقيقة كون يهوه –الإله الذي أعلن نفسه لإسرائيل ومن بعد في المسيح– هو نفسه الإله الحي الحقيقي. أما أصنام الوثنيين، وأصنام الفلاسفة (من الذين ينادون بوحدة الوجود أو تعدد الآلهة أو التأليه الطبيعي أو الإلحاد)، فهي صنائع أيدي البشر، لا تستطيع أن تتكلم أو ترى، ولا تسمع أو تشم أو تتحرك. غير إله إسرائيل هو في السماء، ويصنع كل ما يشاء. وهو الإله الواحد (تثنية 6: 4)، والإله الحقيقي (يوحنا 17: 3)، والإله الحي دائماً أبداً.[5] وبينما الناس يريدون أن يجعلوا الله إلهاً ميتاً كي يعاملوه كما يحلو لهم، فإن رسالة الكتاب المقدس هي هذه: أنتم على خطأ. فالله موجود. وهو الإله الحقيقي، الحي الآن وإلى الأبد. وما أرهب الوقوع في يدي الله الحي (عبرانيين 10: 31).

والله الحي بحد ذاته، وهو الحياة الخالصة ونبع كل حياة (مزمور 36: 9، إرميا 2: 13)، هو أيضاً روح (يوحنا 4: 24) بلا جسد، وإن كانت تنسب إليه أعضاء الجسد من أنواع شتى (تثنية 4: 12، 16). ومن هنا لا يمكن أن تصنع له صورة أو شبه أو مثال (تثنية 4: 15 – 19). والله لا يرى.[6] ومن حيث كونه روحاً فإن له وعياً ذاتياً كاملاً، إذ إنه يعرف نفسه كل المعرفة (متى 11: 27، 1 كورنثوس 2: 10)، كما أن لديه أيضاً _في نفسه ومن خلال نفسه_ معرفة بكل ما سيكون أو يحصل في الزمان، مهما كان خفياً أو يسيراً.[7] ومن حيث كونه روحاً أيضاً، فإن لديه مشيئة بواسطتها يفعل كل ما يسره (المشيئة أو المشورة الخفية)،[8] ويقرر كيف يجب أن يكون معيار سلوكنا (المشيئة المعلنة أو الوصية).[9] وأخيراً، فإن لدى الله، من حيث كونه روحاً، قدرة بواسطتها ينفذ كل ما خطّطه، وذلك رغم أية معارضة كائنة ما كانت، وبسبب هذه القدرة لا يستحيل عليه شيء.[10]

غير أن هذه المعرفة أو الوعي، وهاتين المشيئة والقدرة، ليست اعتباطية، بل إنها في جميع أجزائها محددة خلقياً. هذا الواقع. معبّر عنه بالحكمة التي ينسبها الكتاب المقدس إلى الله.[11]وبواسطتها يرتب ويوجه جميع الأشياء إلى الغرض الذي وضعه لها عند الخلق وعند التجديد.[12] وهذه الحقيقة الأدبية تجد لها تعبيراً أوفى في صلاح الله ونعمته من جهة، وفي قداسته وعدله من الجهة الأخرى. فهو ليس فقط الكلي الحكمة والقدير على كل شيء، بل هو أيضاً الكلي الصلاح والصالح الوحيد (متى 5: 45)، وهو الكامل ومصدر كل ما هو صالح في خلائقه (المزمور 145: 9). وصلاح الله هذا يشمل كل العالم (المزمور 145، متى 5: 45)، لكنه يتنوع بحسب الأغراض التي يوجه نحوها فيتخذ أشكالاً شتى، إن صح التعبير. فهو يدعى أناة أو إمهالاً حين يظهر للمذنب (رومية 3: 25)، ونعمة حين يبدي نحو الذين يقبلون غفران الخطايا (أفسس 2: 8). ومحبة حين تتجه عواطف الله نحو خلائقه بدافع النعمة (يوحنا 3: 16، 1 يوحنا 4: 8). ويدعى الصلاح الإلهي رحمة أو إحساناً حين يبدى نحو الذين يتمتعون برضى الله، [13]ومسرّة عندما يقع التشديد على حقيقة كون الصلاح وجميع فوائده هبة مجانية.[14]

إن قداسة الله وعدله يسيران جنباً إلى جنب مع صلاح الله هذا ونعمته. فالله يدعى القدوس، ليس فقط لأنه متعال على كل مخلوق باعتباره مخلوقاً، بل على الخصوص لأنه منزه عن كل ما هو خاطئ ودنس في العالم. ولذلك يطلب من شعبه، الذين اختارهم خاصة له بمحض النعمة، أن يكونوا قديسين،[15]وهو تعالى يقدّس ذاته في ذلك الشعب من خلال المسيح (أفسس 5: 26، 27)، مثلما قدّس المسيح ذاته لأجلهم ليكونوا هم أيضاً مقدسين في الحق (يوحنا 17: 19). ثم إن بر الله وعدله مرتبطان بقداسته ارتباطاً وثيقاً. فإنه من حيث كونه القدوس لا يمكن أن يقيم شركة مع الخطية، إذ أنه يكره الخطية (مزمور 45: 7، أيوب 34: 10)، ويغضب عليها (رومية 1: 18)، ويغار على مجده (خروج 20: 5)، ولذلك لا يعتبر المذنب بريئاً بحال من الأحوال (خروج 25: 5 و 7). كذلك أيضاً تقتضي طبيعته القدسية أن يحافظ على بره جارياً مجراه خارج ذاته في عالم خلائقه، وأن يجازي كل واحد حسب أعماله دون محاباة (رومية 2: 2–11، 2 كورنثوس 5: 10).

يوجد اليوم قوم يحاولون أن يقنعوا أنفسهم والآخرين أن الله لا يأبه بأفكار البشر الخاطئة وأعمالهم الأثيمة. غير أن الله الحي الحقيقي الذي تعلنه لنا الكلمة المقدسة يرى رأياً مغايراً لذلك. فغضبه مضطرم بصورة شديدة على الخطايا المضمرة والمرتبكة، وهو يريد أن يعاقب الناس عليها زمنياً وأبدياً بدينونة عادلة (تثنية 27:26؛ غلاطية 3:10). 

على أنه تعالى لا يقتصر على معاقبة الفجار بمقتضى عدله. فإن الكتاب المقدس ينطوي على تعليم رائع مفاده أن الله يمنح القديسين الخلاص وفقاً للعدل نفسه. صحيح أن أولئك القديسين هم خطاة أيضاً في أنفسهم وليسوا أفضل من سواهم. ولكن بينما الأشرار يكتمون خطاياهم أو يموهونها، يعترف القديسون بها ويقرونها.هذا هو الفرق بين هؤلاء وأولئك فمع أنهم مذنبون ودنسون، نجدهم واقفين مع الله ضد العالم من جهة خطاياهم. ولذلك يستطيعون أن يلجأوا إلى وعد عهد النعمة، وإلى حق كلمته تعالى، معتصمين بالبر الذي أنجزه الله نفسه بالمسيح. فبالنظر إلى ذلك البر، نستطيع أن نتجاسر-بكل احترام- فنقول إن الله يلزم نفسه بأن يغفر خطايا شعبه أن يهبهم الحية الأبدية.[16]وإذا كان الله كثيراً ما يجعل شعبه ينتظرونه، ويمتحن إيمانهم فترة طويلة، فلا بدّ أن يعقب ذلك فداؤهم الكامل، وهكذا تتبرهن فيهم استقامة الله وأمانته على نحو أمجد.[17]ولسوف يكمل الرب كل ما يعني شعبه، لأن رحمته تدوم إلى الأبد (المزمور 138: 8). فالرب رحيم ورؤوف، بطئ الغضب وكثير الإحسان والوفاء.[18]

ومن الناس من يثقون بالمركبات، ومنهم من يتكلون على الخيل، أما نحن فاسم الرب إلهنا نذكر.[19]فإن الله هذا هو إلهنا إلى الدهر والأبد، هو يهدينا حتى إلى الموت (المزمور 48: 14). إنه إله مبارك ومجيد (1 تيموثاوس 6: 15، أفسس 1: 17). وطوبى للأمة التي الرب إلهها (المزمور 33: 12).

(1) تك 32: 29، قض 13: 18، أم 30: 4.

(2) مز 36: 9، يو 5: 26، يوحنا 1: 5.

(3) مز 139: 7، أعمال 17: 27 و 28.

(4) تث 6: 4، مر 12: 29، يوحنا 17: 3.

(5) تث 5: 26، يو 3: 10، دا 6: 27، أع 14: 15، 2 كو 6: 16، 1 تي 3: 15، 6: 17.

(6)خر 33: 20، يو 1: 18، 6: 46، 1 تي 6: 16.

(7) إش 46: 10، إر 11: 20، مت 10: 30، عب 4: 14.

(8) مز 115: 3، أم 21: 1، دا 4: 35.

(9) تث 29: 29، متى 7: 21، 12: 50.

(10)تك 18: 14، إر 22: 37، زك 8: 6، مت 19: 26، 1 تي 6: 15.

(11) أم 8: 22–31، أي 28: 20–28، رو 16: 27، 1 تي 1: 17.

(12) مز 104: 24، أف 3: 10، رو 11: 33.

(13) تك 39: 21، عد 14: 19، إش 54: 10، أف 2: 7.

(14) مت 11: 26، لو 2: 14، لو 12: 32، 2 تس 1: 11.

(15) خر 19: 5 و 6، لا 11: 44 و 45، 1 بط 2: 9.

(16) مز 4:2، 7: 10، 31: 2، 34: 22، 35: 24، 51: 16، 103: 17، 1 يو 1: 9.

(17) تك 24: 27، 32: 10، يش 21: 45، 2 صم 7: 28، مز 57: 3، 105: 8.

(18) خر 34: 6، مز 86: 15، 103: 8، 145: 8.

(19) مز 20: 7، إر 9: 23، 1كو 1: 31، 2كو 10: 17.

أضف تعليق


كود امني
تحديث

قرأت لك

أهمية سوريا - المقدمة

سوريا، سوريا، كلمه يسمعها العالم كل يوم ويشاهد أحداثها على كل شاشه تلفزيون، والكل يتألم ويشفق على المئات التي تقتل كل يوم والكل يسأل كيف يوقف سفك الدماء الجاري؟

تطبيقات للهواتف الذكية

  • تطبيق وعود الله
  • تطبيق الإنجيل لجهاز الآي فون
  • تطبيق الإنجيل لجهاز الآي باد
  • تطبيق الإنجيل المسموع
  • تطيبق مركز دراسات الكتاب المقدس
  • تطبيق أجوبة الله
  • تطبيق كلمة الحياة
  • تطبيق ترانيم وعظات مسموعة