عقائد

ابن الله

القسم: رب المجد.

الباب التاسع

بحث في معنى البنوّة

الفصل الأول

"السرائر للرب إلهنا والمعلنات لنا ولبنينا” (تث 29: 29)

إن عقيدة بنوة المسيح هي أصعب عقيدة في المسيحية، ولكن المسيحية ليست من الأديان التي تقبل المجاراة، ولا تتحوّر ولا تتغير بحسب الظروف، بل هي كصاحبها ومؤسسها أمساً واليوم وإلى الأبد، بلا زيادة ولا نقصان، لأن مبادئها ليست من الأوضاع البشرية ولم يضع أساسها أحد العلماء أو الفلاسفة وإلا كان ينتظر تحويرها وتغييرها بحسب النمو الطبيعي. ولكن واضع أساسها وناسج بردها هو الإله الحكيم العالم بالأبد منذ الأزل والإله الغير المتغير في وجوده وحكمته وقدرته وقداسته وعدله وجودته وحقه. وكذا لا يتوهمن أحد أن ما يقرره المسيحيون في عقائدهم الجوهرية هو من عندياتهم بل أن ما يقوله الله في كتابه المقدس فقط فذلك الذي يقررونه.ولا يأخذون أقوال الكتاب ويلوونها " ليّاً بألسنتهم" ويعصرونها عصراً بعقلياتهم بل يقرون النص الصريح الذي لا يقبل شكاً ولا إبهاماً ويقارنون الروحيات بالروحيات وهم واثقون أن الكتاب المقدس هو الغالب لكل ضلالة سابقة أو حاضرة أو لاحقة ولا بد أن يخضع كل معنّت لأقواله الصريحة.

ولكي نستفيد من الموضوع الذي أمامنا فعلينا أن نرى أولا ما يعلمه الكتاب المقدس عن الله. وبما أنه، جلّ اسمه، غير مدرك بالعقل البشري ولا تحدّه الأفهام فلا تظهر كنهه الألفاظ البشرية والتعبيرات الانسانية- ولا تظهره (كيف) ولا تحدّه (أين) ولا تعده (كم) ولا تحصره (حيث)، فلذلك كان من البدهي المنتظر أن يؤمن به من حيثية كنهه وصفاته كما هو معلن في كتابه المقجس. وقد ظن البعض أن النور الطبيعي كاف لأن يعرّفنا عن الله معرفة كاملة، لكنهم ضلّوا في هذا القول وأي ضلال! لأن آخر ما يمكن أن يعرّفنا إياه النور الطبيعي هو وجود إله قادر بصفة كونه علة العلل. أما صفات ذلك الإله الأخرى فلا يمكن لذلك النور أن يعلنها لنا، فنحتاج إلى نور أسمى من النور الطبيعي. ولهذا رأى في حكمته أن يعطينا كتاباً موحى به من عنده تعالى، وفي هذا الكتاب يعلن لنا ذاته بأكمل كيفية يجب أن نؤمن به بواسطتها ونراه فيها.

ويجب أن يلاحظ أيضاً أن هذا الكتاب أعطي للإنسان الساقط ليعلن له الفداء الذي دبّره الله لخلاصه من الحالة التي وصل إليها بالسقوط. فينتظر طبعاً أن هذا الكتاب يعلن الله كما هو من حيث طريقة الفداء. ولتوضيح أكثر نقول: إن الله هو منذ الأزل قبل كل مخلوق. وكنهه تعالى واسمه القدوس معروفان عنده وحده. ثم خلق المخلوقات العاقلة الذين أولهم (كما أعلن لنا) الملائكة. وهؤلاء يعرفون الله بكيفية تختلف عما يعرفه بها غيرهم، لأنهم أرواح واقفون قدام الله لهم قدرة تفوق قدرة البشر ويفعلون أمره عند سماع صوت كلامه (لو1: 19 ومز103: 20). ولا نقدر أن نصفهم إلا بقدر ما عندنا من الخبر عنهم. ثم ثاني المخلوقات العاقلة هم البشر. فآدم وحواء كانا يعرفان الله بكيفية تختلف أيضاً عن أولادهما، لأنهما كان كاملين في المعرفة والحكمة. ولكن الله لم يعط كتابه لذاته تعالى لا للملائكة ولا لأبوينا الأولين بل أعطاه للبشر الساقطين، وغايته منه أن يعلن لهم فيه طريق الفداء. فما أعلنه فيه عن ذاته وصفاته واسمائه لا يؤخذ منه كيفية فهم الملائكة ولا فهم أبوينا الأولين عنه، بل هو إعلان ذاته العلية وإظهار مقاصده الربانية للبشر الساقطين وتكلّمه تعالى معهم بقدر ما تسعه لغتهم وتحتمله تعبيراتهم وذلك كله بالنسبة لعمل الفداء فقط.

لو فرضنا أن الله أعطى كتاباً للملائكة قبل وجود غيرهم من مخلوقاته العاقلة فلا يتصور أنه كان يعبر لهم فيه عن ذاته كما عبّر للبشر الساقطين فلا يقول لهم مثلاً (ليس الله إنساناً فيكذب ولا ابن إنسان فيندم) ولا يقول لهم " لأن فم الرب تكلم " أو " يداي نشرتا السموات " أو " السموات كرسيي والأرض موطىء قدمي " أو" دخان في أنفي" أو " عيني عليك " أو " الابن يكرم أباه... فإن كنت أنا أباً فأين كرامتي " أو "كفرح العريس بالعروس يفرح بك إلهك " أو " لأن بعلك هو صانعك رب الجنود اسمه " أو ما شاكل ذلك. لأنه لم يكن موجوداً وقتئذ إنسان كذاب أو إنسان له فم ويدان وقدمان وأنف وعين حتى يقرب نفسه تعالى إله بنسبة أعضاء الإنسان إلى ذاته وتفهيمه عنه تعالى بقدر ما يفهم العقل الإنساني، ولا يوجد بين الملائكة آباء وأولاد ولا عريس وعروس أو زوج وزوجة لأنهم لا يزوجون ولا يتزوجون وبالتالي لا يولدون ولا يلدون فلا يفهمون محبة أب لابنه أو عريس لعروسه.

فالغاية من جميع ذلك أن الله المعلن لنا في الكتاب المقدس هو إله الفداء.فوظائفه المذكورة فيه هي وظائف فدائية، وأسماؤه أسماء فدائية أيضاً، وأعماله وصفاته المذكورة في الكتاب كلها لائقة بالفداء. ويعبّر لنا عن جميع ذلك بلغتنا كبشر ساقطين أي غير كاملي العقل والفهم.

فأول كتاب أعطي من الله هو التوراة الذي أعطي على يد موسى النبي. ولكي نعرف صفات الله التي أعلنها عن ذاته في التوراة علينا أن نراجع ما قاله موسى بهذا الخصوص.

وقد سبقنا فأوردنا ما يهم قوله هنا في الباب الثاني من هذا الكتاب، فنرجو من القارىء مراجعته. وبعد هذا نقول: افترض بنفسك أنك لا تعرف الله وتريد أن تؤمن بالإله الحقيقي، فما هو الحكم الصائب الخالي من الغرض إلا أنك تؤمن بأن الإله الواجب الإيمان به هو مسمى باسم جمع في اللغة المنزل بها الكتاب؟ ألا يفهم إن ذات الاسم يدل على وجود جمع في العزة الإلهية؟ سيما قوله " هوذا الانسان قد صار كواحد منا” (تك3: 22) التي عدا عن كونها تدل على الجمع في العزة الإلهية فإنها أيضاً تبيّن مساواة المتكلم مع من يكلمه أو بمن يتكلم عنه مساواة تامة بلا فرق بين الواحد والآخر.

فماذا تعتقد في الله ما دام كتابه يذكره بصورة الجمع والمفرد بهذه الصورة التي راجعتها؟ ألا يتأكد لك أن الإله الواجب أن تعتقد به هو واحد وجمع في وقت واحد؟ وكيف يمكن أن يكون الله واحداً وجمعاً معاً؟ يظهر أن الجواب الكامل المرضي لهذا السؤال مستحيل بطبيعة الحال.

أولاً: لأن الله روح والأعداد هي من خصائص العالم الطبيعي فتعترضنا صعوبة كلية إذا حاولنا تصور كائن روحي بتصوير الفكر الطبيعي.

ثانياً: لأن الله غير محدود ونحن محدودون وهو تعالى يسكن في نور لا يدنى منه. ومحاولتنا إيضاح وحدانية الله بشرح فلسفي هي كمحاولة وضع حقائق الغير المحدود في صور وهيئات فكر محدود. ومهما بذلنا من المجهود فلا نصل بالضرورة إلا إلى إنجاح جزئي. فأمامنا أمران: أحدهما أن كتاب الله المعطى لنا يعلن لنا فيه ذاته أنه واحد وجمع، وثانيهما أن عقلنا الطبيعي لا يمكنه أن يتصور كنه الأمور الإلهية. فلا نقدر أن نوفّق إلى ذلك إلا بالقول أنه تعالى واحد وجمع ليس من وجهة واحدة بل واحد من وجهة وجمع من وجهة أخرى. إننا مضطرون لهذا التعبير لأننا ملزمورن أن نؤمن بالله كما هو معلن في كتابه الطاهر. ولما رأى المسيحيون منذ البداءة ضرورة التعبير عن هذا الفكر لإقناع خصومهم وللمحاماة عن الحق اصطلحوا على كلمة سموها "أقنوماً" (ومعناها مرّ بك في الباب الثاني) وعليه قد عبّروا عن هذه الحقيقة بالقول أن الله واحد في الجوهر وجمع في الأقنومية.

قلنا أن الله لا تدركه عقول البشر ولذلك اقتضى الحال أنه تنازل عند ما قصد أن يكلمنا، وكلمنا بلغتنا وعبّر لنا عن ذاته بآخر ما يمكن أن يعبّر به لتوصيل ذاته العلية إلى أفهامنا. ولذلك نراه قد نسب لذاته بعض المنسوبات البشرية كالوجه واليد والفم والعين والأنف وما شاكل ذلك. بل نسب لذاته بعض الانفعالات البشرية كالغضب والفرح وغيرهما مع أننا لا نقدر أن نفهم هذه الأعضاء والانفعالات على حرفيتها مطلقاً إنما اختار الله ذلك التعبير ليقرّب ذاته لإفهامنا مع أنه منزه عن كل ما يعبّر به البشر. بل أعلن لنا أنه يتكلم بفمه ويسمع بأذنيه مع أنه ليس له فم ولا أذن بالمعنى الذي نفهمه. فيجب، عندما نقرأ كتاب الله، أن نضع في بالنا تنزيه الله تنزيهاً تاماً عن كل نسبة أو عمل بشري.

قلنا أن الله موجود منذ الأزل حينما لم يكن موجوداً سواه. فلم يكن الحال محتاجاً وقتئذ أن يعبّر عن ذاته بأي تعبير كان ولا لأن ينسب لذاته أية نسبة خاصة بمخلوقاته. لكن الحال اقتضى ذلك لما قصد أن يكلم البشر حتى صرنا قادرين أن نقول عن ذاته الإلهية أنه المتكلم السميع البصير المريد وهلم جراً- وهذه أوصاف نفهمها بلغتنا البشرية لأننا نتّصف بها نحن أيضاً.

وبما أن أهم غاية في إعطاء كتاب لنا من الله هي أن يعلّمنا كيف نمجده وما هي الطريق الآئلة لتمتعنا به إلى الأبد، فمعلوم كما سبقنا فقلنا أن الإنسان في الحالة الأولى التي خلق عليها وهو في الجنة وقبل سقوطه كان غير محتاج إلى وحي مكتوب من الله. ولكن لما سقط من تلك الحالة بعصيانه ضد الله احتاج إليه أن الله من فرط جوده ومحبته الفائقة قصد في نفسه تخليص الإنسان من الحالة الرديئة التي صار فيها بالسقوط ودبّر في قصده الأزلي طريقة حكمية لذلك الخلاص تدل على كمال صفاته. فلكي يعرّفنا بإتمام قصده السامي هذا قد تنازل جلّ شأنه بأن أوحى إلى أناس اختارهم لهذه الغاية وتنازل أيضاً بأن سمّى لنا نفسه بأسماء يمكننا أن نفهمها بلغتنا البشرية. وقد توضّحت تلك الأسماء كلما قرب الزمان لإتمام المقاصد الربانية. ففي أول كلامه مع الإنسان أعلن نفسه له أنه واحد وجمع ثم سمى نفسه "يهوه" (وذكر سابقاً ما فيه الكفاية عن هذا الاسم الجليل). ثم نجد في أسفار الأنبياء من سمّي" كلمة الرب " و" روح الرب" أو " روح الله " وينسب لكل منهما الأعمال الخاصة بالعزة الإلهية. فنقرأ في مز 33: 6 " بكلمة الرب صنعت السموات وبنسمة فيه كل جنودها " وفي سفر أيوب " روح الله صنعني” (أي 33: 4) ومز 139: 7 " أين أذهب من روحك " وغير ذلك. فكأن الأقانيم في الذات الإلهية عبّر عنها في كتب الأنبياء " بالرب " و" كلمة الرب" و" روح الرب ".

ومما ينبغي ملاحظته هنا أن اسم الجلالة يهوه- الذي هو الاسم العلم للعزة الإلهية- أطلق على كل من الأقانيم الثلاثة بمفرده. ففي مز 110: 1 " قال الرب (يهوه) لربي "، وفي هو 1: 7 " وأخلصهم بالرب (يهوه) إلههم "، وحز 8: 1 و3 " يد السيد الرب (يهوه) وقعت علي... ورفعني روح بين الأرض والسماء".

فرجال الله في العهد القديم فهموا أن الله واحد وجمع وأنه سوف يخلص الناس بذاته كما قيل في إش 59: 16 " فرأى (الله) أنه ليس إنسان... فخلصت ذراعه لنفسه وبره هو عضده "، وقول هوشع الذي ذكرناه "و " وأخلصهم بالرب إلههم " إلى أن أتى ملء الزمان أوضح الله عن نفسه أكثر لاستلزام عمل الفداء من التوضيح والبيان أكثر مما كان قبلاً فسمى ذاته الواحدة " الله " وسمى أقانيمه " الآب والابن والروح القدس ". وهؤلاء الثلاثة هم ذات الإله الواحد الأزلي الذي كان في وقت ما لا يحتاج الحال إلى تسمية بأي اسم كان ثم أعلن ذاته أنه مفرد وجمع ثم سمى نفسه " يهوه " و" روح يهوه ". فظاهر إذاً أن هذه التسمية " الآب والابن والروح القدس " هي تسمية الأقانيم الأزلية الموجودة في وحدانية الله، فلا تستلزم وجود سابق ولاحق ولا أكبر وأصغر ولا والد ومولود أو ما شاكل ذلك، بل الله الواحد والجمع الأزلي الغير المحدود الخالق الحافظ المعتني بجميع مخلوقاته أعلن لنا نفسه بهذه الأسماء لكي يظهر لنا ترتيب عمل الفداء. فلما نسمع القول " الله " يجب أن نفهم منه ذلك الواحد والجمع أي الآب والابن والروح القدس الإله الواحد. فمثلاً "هكذا أحبّ الله العالم" أي الآب والابن والروح القدس أحبّ العالم "حتى بذل ابنه الوحيد" أي بذل الأقنوم المسمّى الابن "لكي لا يهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية".

وعليه لما يقال "الآب" نظراً إلى الجوهر يقصد الله بكل جوهره ولما يقال " الابن " كذلك يقصد الله بكل جوهره. ولكن لما يقال "الآب" نظراً إلى الأقنومية يقصد كل أقنوم على حدته. أو بتعبير آخر أنه بالنسبة إلى الجوهر يكون " الآب " هو الإله الوحيد الحي الحقيقي و" الابن " هو الإله الوحيد الحي الحقيقي و" الروح القدس " هو الإله الوحيد الحي الحقيقي. أما بالنسبة إلى الأقنومية فكل أقنوم ليس هو الأقنومين الآخرين ولذلك كما ترى في فصل آخر أنه سمّى كل أقنوم " الله " ونسب لكل أقنوم صفات وأعمال الله. ولكن من جهة عمل الفداء فالآب أرسل الابن، والابن مرسل من الآب، والابن وحده تجسّد وفدى العالم بموته، والآب والابن أرسلا الروح القدس الذي سمي روح الآب (مت10: 20) و"روح الابن” (غل4: 6 و1بط1: 11).

فكل كما نسمعه هنا أو هناك من الاعتراضات والمحاربات قائم لعدم فهم العقيدة الكتابية عن الله فهماً صحيحاً كونه جلّ اسمه مفرداً وجمعاً وأن أسماء الآب والابن والروح القدس هي أسماء لأقانيم الإله الواحد الأزلي أعلن الله لنا نفسه بها في كتابه.

على أن في ذلك حكمة إلهية بالغة. فإن تسمية أحد الأقانيم بالآب لا يقصد بها الأسبقية عن الابن أو أنه أصله لأن كل هذه الاعتبارات تصح في المخلوقات على نوع ما، لكن حاشا أن ننسبها لله تعالى لأن الله لا يلد ولا يولد. وعليه فإن الكلمة " ابن " في نسبتها لله لا نأخذها على حرفيتها أو جسديتها بل يؤخذ مدلولها كما يؤخذ الوجه واليج والعين وما شاكل ذلك عندما تنسب للعزة الإلهية.

فمدلول البنوة لا يفيد اللاحقية أو الولادة الطبيعية بل بالحري يفيد الوحدة إذ أن العقل البشري لا يتصوّر نسبة تفيد الوحدة بين شخصين أكثر من الأب وابنه. فالابن الجسدي هو لحم ودم وطبيعة أبيه، وأن شئت فقل هو وأبوه واحد. فلكي يفهمنا الله وجوده وحدة تامة بين الأقنوم الأول والثاني وكلاهما طبيعة إلهية واحدة وجوهر إلهي واحد ورأى أن هذا التعبير مصطلح عليه في لغتنا البشرية لذلك عبّر لنا عن هذه الوحدة بتسمية ذاته " الآب والابن ".

بل البنوة في لغة البشر تفيد أيضاً المجبة الكاملة. فلا يمكن لإنسان أن يتصور مقدار محبة أعظم من محبة الآب لابنه سيما متى كان الابن وحيداً. فإنها أعظم من محبة الأخ لأخيه، أو الصديق لصديقه، بل هي محبة فعالة دائمة لا تنقطع؛ فهكذا لكي يعرّفنا الله نحن البشر بوجود المحبة الكاملة والدائمة بين الأقنوم الأول والثاني ورأى أن هذا التعبير يفهم عند الإنسان بل مؤكد عنده لذلك عبر لنا عن تلك المحبة بالقول "الآب والابن".

بل النبوة تفيد أيضاً في لغة البشر تساوي الصفات (أو وحدة الصفات). فإننا إذا رأينا أباً تقياً ورعاً متواضعاً محسناً وأعطي ابناً نظيره في الصفات نقول: حقاً إن فلاناً أعطي ابناً، وحقاً أن فلاناً ابن أبيه. لكن متى كانت صفات الابن مغايرة لصفات أبيه فنقول عن ذلك الابن: أنه نغل وليس ابن أبيه مع أنه من صلبه لكن لمباينة صفاته لصفات أبيه لا ننسبه ابناً له. فكأن البنة في مدلولها المعنوي تفيد تساوي الصفات بل وحدتها. فلكي يعبّر لنا الله عن كون الصفات الكاملة القدوسة الموجودة في الأقنوم الأول هي هي الموجودة في الأقنوم الثاني، ولكونه رأى أن هذا التعبير أو الاصطلاح مفهوم عندنا نحن البشر، فلذلك عبّر لنا عن الأقنوم الأول بالآب وعن الثاني بالابن حتى ننسب لكل منهما كمال السجايا الإلهية على السواء.

هذا فضلاً عن أن كلمة ابن في أصل استعمالها تفيد الصورة وهذا ما يقصد بتسمية المسيح " ابن الله " أي أنه صورة الله وقد سمي هكذا في الكتاب المقدس (2كو4: 4، كو1: 15، عب1: 3) بمعنى أنك إذا أردت أن ترى صورة قداسة الله وطهارته وقدرته وعلمه ومحبته وعطفه وإغاثته للملهومين من بني البشر ورأفته بهم وإراحته للمتعبين فانظر إلى المسيح الذي ظهر في الجسد تر فيه كل ذلك. وإذا أردنا أن نعرف شخصاً ممثّلاً لله ذاته فلا نجد سواه بين كل الذي عاشوا على وجه البسيطة في كل زمان ومكان. فلما أراد الله أن يعلن ذاته للبشر أرسل المسيح كلمته الأزلي آخذاً جسداً إلى هذا العالم وسمّاه ابنه أي صورته الأدبية.

بل جاء " الابن " إلى هذا العالم متخذاً جسداً هو شخص يسوع مظهراً لنا اسمه- " ابن الله" لكي نقدم له من الإكرام والتوقير ما يجب أن نقدمه لله تعالى، لأننا نعرف بل وفي اصطلاحنا أيضاً أن من أكرم الابن فيكون قد أكرم أباه. فإذا أهان أحد ذلك الشخص المسمّى فيكون قد أكرم أباه. فإذا أهان أحد ذلك الشخص المسمّى "ابن الله " فالله يعتبر أن الإهان وجهت لذاته تعالى.

وكما أن ابن الشيء هو عين الشيء كما لو قلنا ابن الإنسان إنسان كذلك ابن الله هو الله. ألا ترى أن اليهود فهموا من قول السيد المسيح عن نفسه أنه ابن الله أنه معادل؟ (يو5: 18) ولهم الحق في ذلك. بل المسيح كان يقصد أنه ليس فقط معادلاً لله بل أنه هو الله؟ (يو1: 1) (أمثلة أخرى) أعلم أننا كثيراً ما نستعمل لفظة "ابن " في كلامنا. ونرى هذا الاصطلاح في الكتاب المقدس ولا يخطر على بال أحد أنها تفيد الولادة مطلقاً.

مثلاً- ألا نستعمل في أقوالنا العبارة- ابن عشر سنين؟- فهل يخطر في بال أحد أن العشر سنين ولدت ذلك الابن؟ ألا نستعمل العبارة ابن السبيل ولا يتصور أحد أن السبيل ولده؟ وكذلك نقول "أبناء النيل " و"ابن البلد " ألا نقرأ في الكتاب " ابني الرعد"(مر3: 17) و" بنو العرس” (مر2: 19) و" ابن الوعظ" (أع4: 36) و"أبناء الغضب" (أف 2: 3) و" بني بليعال" (1مل21: 10) و"ابن إبليس" (أع 13: 10) و" ابن جهنم” (مت23: 15) و" ابن السلام" (لو10: 6) و"ابن الهلاك” (يو17: 12) و" ابن نذوري” (أم31: 2) و" بنو صهيون” (مز149: 2) و" بنو الملكوت” (مت8: 12) و" بني الإثم” (هو10: 9) و" أبناء الحماقة” (أي 30: 8) و" أبناء المعصية” (كو3: 6) و" أبناء القيامة” (لو20: 36) و" أبناء النور" (يو12: 36) و"أبناء العهد” (أع 3: 25) و"ابنة أورشليم” (صف3: 14) وغير ذلك؟

ألا نقرأ هذه وما شابهها ومع ذلك لا تخطر في بالنا سيرة الولادة الجسدية في واحدة منها جميعها؟ فلماذا تخطر في بالنا سيرة الولادة الجسدية الطبيعية حينما نقرأ القول " ابن الله "؟ فبالحق أن الصعوبة الموجودة في هذه العبارة ليست أكثر من الصعوبة الموجودة في قولهم: يد الله ووجه الله وعين الله وفم الله واصبع الله وأذن الله وما شاكل ذلك. وكما نلتزم أن لا نفهم هذه الأعضاء على جسديتها في نسبتها للعزة الإلهية، بل نفسّرها بمدلولها ونقول يد الله بمعنى قدرته تعالى وعينه بمعنى ملاحظته وعنايته ووجهه بمعنى رضاه وهلم جراً، هكذا يجب أن نفهم العبارة " ابن الله " بمدلولها الروحاني الذي سبقنا فذكرناه.

هذا ويجب أن نعرف أن الأقنوم الثاني سمّي ابن الله قبل تجسده من مريم العذراء وقد ورد مرتين في العهد القديم قبل تجسد المسيح بنحو ألف سنة قوله " قال لي أنت ابني وأنا اليوم ولدتك " مز 2: 7 و"من ثبّت جميع أطراف الأرض ما اسمه وما اسم ابنه إن عرفت " أم 30: 4 ويوم الولادة المشار إليه في الشاهد الأول عند ما قال "أنا اليوم ولدتك" هو عبارة تمثيلية تفيد إقامة المسيح من بين الأموات كما فسّر الروح القدس على لسان بولس الرسول حيث قال " إذ أقام يسوع كما هو مكتوب أيضاً في المزمور الثاني أنت ابني أنا اليوم ولدتك " أع 13: 33 وكما قال أيضاً " وتعيّن (يسوع) ابن الله من جهة روح القداسة بالقيامة من الأموات " رو1: 4 مما يدل على أن يوم الولادة المذكور في العدد السابع من المزمور الثاني هو يوم القيامة بالذات القول الوارد بعد ذلك في العدد الثامن " اسألني فأعطيك الأمم ميراثاً لك وأقاصي الأرض ملكاً لك ". ويظهر أن المسيح لما سأل إباه يوم قيامته عن ذلك قال له دفعت إليك كل سلطان في السماء وعلى الأرض ولذلك صرّح المسيح بهذا لتلاميذه (انظر مت 28: 18 وراجع فيليبي 2: 8 - 11).

ثم أنه لا يؤخذ من تقديمنا عادة اسم " الآب " عن " الابن " وجود أفضلية في الأول عن الثاني، لأننا نقرأ مراراً في الكتاب ذكر "الابن " قبل " الآب " في القول " بولس رسول لا من الناس ولا بإنسان بل بيسوع المسيح والله الآب” (غل1: 1) والقول "إن ثبت فيكم ما سمعتموه من البدء فأنتم أيضاً تثبتون في الابن وفي الآب” (1يو2: 24).

ويتّضح لك مما سبقنا فقلناه أننا لما نقول " الآب " أو " الابن " أو " الروح القدس" بالنظر إلى الجوهر نقصد بكل منهم الإله الوحيد الحي الحقيقي، وبالنظر إلى أن الرسول لما استودع المؤمنين لنعمة يسوع المسيح (الابن) استودعهم لنعمة الثالوث. لاحظ قوله في رو16: 20 و24 مرتين قال في كل منهما " نعمة ربنا يسوع المسيح معكم" أو "مع جميعكم آمين” (ومثله 1كو16: 23 وغل6: 18 وفي 4: 23 و1تس 5: 28 و2تس 3: 18 و2تي 4: 22 وفل25 ورؤ22: 21)، وإلا فيكون " السلام والمحبة بإيمان من الله الآب والرب يسوع المسيح " وليس من الروح القدس. حاشا فنرى أن نفهم هذا الأمر واجب ويفيدنا كثيراً في فهم أقوال الكتاب فهماً صحيجاً.

هذا ولا يوجد تشبيه يمثّل الله في وحدته وجمعه " فبمن تشبّهون الله وأيّ شبه تعادلون به” (أش 40: 18) فإذا شبّه بعضهم الله بالشمس التي لها جرم ونور وحرارة ويطلق على كل من هذه الثلاثة اسم شمس وهذه الثلاثة غير منفصلة بل دائمة الاتحاد، فهذا التشبيه وأن كان موافقاً بعض الموافقة من بعض الأوجه إلا أنه لا يصح أن يؤخذ تشبيهاً كاملاً يشبه به الله سبحانه وتعالى من كل الوجوه، لأن النور متولّد من قرص الشمس والحرارة نتيجة الفعل الكيماوي في المواد المركّبة منها الشمس، ولا يصح أن يقال هكذا عن الله. فكل التمثيلات التي تستعمل في هذا الموضوع لا يقصد بها التشبيه الكامل بل التقريب إلى العقل فقط. ولا محل للقول أن إلهاً كهذا غير مفهوم- نعم يتشرّف ويتمجّد إلهنا ما دام غير مفهوم لأن الله لا يدرك بالعقل بل يقبل بالإيمان " حقاً أنت إله محتجب” (أش 45: 15).

إن المسيح صادق في قوله " ليس أحد يعرف الابن إلا الآب. ولا أحد يعرف الآب إلا الابن ومن أراد الابن أن يعلن له "(مت11: 27). وبناء عليه نرى أن الغلط الذي يغلطه المؤمنون الجهلة هو أشنع من غلط غير المؤمنين، لأننا نرى بعض المؤمنين يقولون أن الناس يمكنهم أن يعرفوا الآب من الطبيعة. فقول كهذا مخالف لقول المسيح كل المخالفة، " وليس أحد يعرف الآب إّلا الابن ومن أراد الابن أن يعلن له " والابن هوسرّ الآب " وليس أحد يعرف الابن إلا الآب” (لو10: 22). وهكذا إذا قصدنا أن نبيّن أن بنوة المسيح للآب هي بمعنى جسدي فلا لوم على الاسرائيلي والمسلم لعدم إيمانهما. لاحظ قول يوحنا 1: 14 " ورأينا مجده مجداً كما لوحيد من الآب مملوءاً نعمة وحقاً. ألا يفهم كل واحد من هذا القول أن مجد المسيح الذي رآه تلاميذه كان مجداً كاملاً كما لو كان الآب أعطى مجده الكامل لابنه الوحيد ولا تفيد مطلقاً أن الابن متناسل من الآب؟ فالغاية من تسمية الأقنوم الثاني بابن الله هي أنه أعلن الله كما أنه سمّي " كلمة الله "، ومعلوم أن كلمة الإنسان هي ما تعبّر عن فكره لغيره. فهكذا الأقنوم الثاني إذ عبّر للبشر عن الله وفكره ومقاصده من نحوهم سمّي " كلمة الله ". ولذا قال يوحنا 1: 18 " الله لم يره أحد قط. الابن الوحيد الذي هو في حضن الآب هو خبّر” (أي أخبرنا عنه).

نعم قال المسيح في مت 11: 25 " أحمدك أيها الآب... لأنك أخفيت هذه عن الحكماء والفهماء وأعلنتها للأطفال " وليس للأطفال لكونهم عديمي الفهم والفطنة (لأنهم كثيراً ما يكونون أكثر فهماً من الكبار) بل للأطفال لأنهم بلا خبث ولا شر ولأنهم يقبلون ما يعلّمون به ببساطة قلب. فإذا درسنا كتاب الله بروح الأطفال نقبل ما يعلنه لنا الله في عن المسيح بلا تعقيد ولا جدال وبدون ما نطلب تفصيل الأسرار الإلهية تفصيلاً يدخل العقل البشري المجرّد. لكن الذين لا يريدون أن يوجدوا بروح الأطفال في التواضع وقبول التعليم تتعقّد القضية أمامهم كل التعقّد ليس لأن الموضوع غير معقول بل لأنه غير مدرك كنهه بالعقل. لذلك يجب أن نميّز بين الأمور غير المعقوله والأمور غير المدركة- فمثلاً غير معقول أن 5 ضرب 6 تساوي 25 (وهو كاذب) ولكنه غير مدرك مثلاً أن جناح البعوضة يصفّق 15000 صفقة في الثانية الواحدة (وهو حقيقي).

هذا ويجب أن يلاحظ أنه بهذه الكيفية يوجد ابن واحد لله أي الأقنوم الثاني من الثالوث الأقدس هو المسمّى بهذا الاسم (يو1: 14 و3: 16 و18 و1يو4: 9)، ولكننا نقرأ في الكتاب عن المؤمنين أنهم أبناء الله كقول المسيح " طوبى لصانعي السلام لأنهم أبناء الله يدعون” (مت5: 9 انظر 5: 45 و48 وغيره). نعم إن نسبة الأبوة والبنوة للبشر قد تكون بالولادة الطبيعية، ولكن المسيح كلّم تلاميذه الذين ولدوا من الله ولادة روحية أي فعل الله فيهم بقوته الإلهية وغيّر قلوبهم وجدّدها وطهّرها وأوجد فيها صفاته القدّوسة. وواضح من كلام الإنجيل أن الذين يؤمنون بالمسيح ويخلصون به من الخطية، من جرمها وفسادها، يدعون أبناء الله بمعنى أنهم يحسبون أبناء لله من أجل الابن الوحيد الذي قبلوه مخلّصاً وفادياً واتكلوا عليه. ولذلك يقول البشير " أما كل الذين قبلوه فأعطاهم سلطاناً أن يصيروا أولاد الله أي المؤمنون باسمه. الذي ولدوا ليس من دم ولا من مشيئة جسد ولا من مشيئة رجل بل من الله” (يو1: 12 و13)، ويقول الرسول " لأنكم جميعاً أبناء الله بالإيمان بالمسيح يسوع" (غل3: 26)، ومثله قوله " إن الذين هم من الإيمان أولئك هم بنو إبراهيم ” (غل3: 7). وهكذا لما قال بطرس لليهود في أع 3: 25 " أنتم أبناء الأنبياء " ربما يظن البعض أنه يقصد أولاد الأنبياء، لكن لما نرى قوله " والعهد " يظهر أنه يقصد ورثة الرجاء والمواعيد التي تكلم بها الأنبياء، التي هي مذكورة في الموعد.

قلنا أن الأقنوم الثاني سمي " الابن " في العهد القديم مرتين. وذلك يستلزم تسمية الأول " الآب". على أنه لم يرد فيه هذا الاصطلاح نصاً إلا في مثل قوله " أنت أبونا وأن لم يعرفنا ابرهيم... أنت يا رب أبوناً (أش 63: 16).

ثم بما أن قصد الله الأزلي هو تخليص الجبلة البشرية بواسطة فاد يحمل ذنبهم وقصاصهم عليه إيفاء لعدل الله القاضي عليهم بالموت وإظهاراً لرحمته في عتقهم من قصاص خطيتهم، لذلك نرى أنه قد ظهر هذا القصد بكيفيات متنوعة منذ سقوط الانسان. وقد وضعت رموز كثيرة من الله للدلالة عليه، وتنبأ عنه كل الأنبياء من موسى وصموئيل فما بعده. ولما جاء ملء الزمان أخذ أقنوم الابن ناسوتاً حتى يمكن أن يسري عليه حكم الموت المحكوم به على البشر. وإتماماً لذلك وجد جسد إنسان في مستودع مريم العذراء بقوة الله، ونما ذلك الجسد بالكيفية التي تنمو بها الأجساد البشرية وولد منها، ولذا كان بدون خطية لأنه ليس من زرع بشر. وذلك المولود سمي يسوع وأعطي له هذا الاسم من الله وهو مركّب من كلمتين" ياه- سوع "، أي يهوه مخلّص. فيسوع هذا هو الناسوت الذي اتخذه أقنوم الابن لنفسه ليخلص البشرية بموته حتى يصح أن يكون بدلاً كاملاً عن البشر وأن يكون من هيئتهم. وعليه يقول الرسول " فإذ قد تشارك الأولاد في اللحم والدم اشترك هو أيضاً كذلك فيهما لكي يبيد بالموت ذاك الذي له سلطان الموت أي إبليس ويعتق أولئك الذين خوفاً من الموت كانوا جميعاً كل حياتهم تحت العبودية” (عب2: 14 و15).

وقد سمّي يسوع هذا ابن الله لما يأتي:

أولاً: لأنه الإنسان الذي اتخذه الأقنوم المسمّى " الابن " واتخذ به ذلك الاتحاد غير المدرك.

ثانياً: لأنه ولد ليس من زرع بشر بل بقوة الروح القدس.

ثالثاً: لكي يكون له الحق في أن يطالب البشر بإكرامه وتوقيره الإكرام والتوقير اللذين يقدمونهما لله. لأن من يكرم الآب يكرم الابن، ومن يكرم الابن يكرم الآب.

رابعاً: لكي يبيّن للبشر أنهم إذا رفضوه يكونونقد رفضوا الله نفسه ويعاملون كمن رفضوا الله، لأن من يهين الابن فقد أهان الآب. وعليه نجد أن يسوع قرر ذلك في تعاليمه وطالب البشر بإكرامه وقال لليهود موبخاً إياهم أنهم لا يعرفون الله وليست لهم كلمته ثابتة فيهم ما داموا قد رفضوه هو (راجع يو 5: 23 و38 و44).

فلا تنسَ أننا لا نقدر أن نحدد كنه الأمور الإلهية، ولا توجد لغة بين البشر يمكن أن يعبر لنا الله بنها كنه الأمور الروحية، وبالتالي ليس للبشر عقل يدرك ما لا يدرك، لذلك عبّر الله في كتابه عن الإلهيات بألفاظ تقودنا إلى الإيمان بالحقيقة كما اصطلح العرب مثلاً على تسمية واجب الوجود باسم " الله ". ولكن هذا الاسم لا يبيّن حقيقة كنهه تعالى بل فقط يسمّي لنا ذاتاً نقول عنها أنها غير مدركة ويجب علينا أن نؤمن بها وننسب لها كمال السجايا. والصفات التي ننسبها لتلك الذات هي غير مدركة أيضاً كقولنا عنه تعالى أنه أزلي أبدي حاضر في كل مكان وغير ذلك فعقلنا لا يتصور هذه الصفات لكنا ننسبها للذات الإلهية وهكذا نؤمن بأنه أزلي أبدي حاضر في كل مكان ونحن لا نفهم كيف. وكذلك قل في بقية الأوصاف الإلهية.

فجوهر الأقنوم الثاني أزلي، ولكن الجسد الذي أخذه هو حادث، وجوهره غير محدود وغير مدرك بالحواس الجسدية، ولكن الناسوت الذي اتخذه هو محدود ومدرك بالحواس. وهذا ما يوهم الناس في المسيح كونهم ينظرون إلى ناسوته الحادث والمدرك ويتغافلون عن لاهوته الأزلي الأبدي غير المدرك.

فما نؤمن به إذاً في الأقنوم الثاني هو أنه صار ذا طبيعتين متميزتين مع أن أقنومه واحد. فكان ذا طبيعة أزلية وطبيعة حادثة، طبيعة غير محدودة وطبيعة محدودة، طبيعة منزّهة عن كل المنسوبات البشرية أي لا تأكل ولا تشرب ولا تتعب ولا تنام ولا تحزن ولا تموت وغير قابلة لأي من هذه الأمور، وطبيعة أخرى ناسوتية قابلة لكل هذه، والثانية خاضعة للأولى. فمن لا يؤمن بهاتين الطبيعتين في الأقنوم الثاني فهو بالتالي ينكر قدرته على فداء البشر لأن البشر يحتاجون إلى فاد يموت عنهم واللاهوت غير قابل للموت. ولو كان الأقنوم الثاني فقط ولم يصر إنساناً لما أمكن موت شخص كامل بدلاً عنا. وإذا كان الحال لا يحتاج إلى فدية عن البشر فكيف ينجون من الحكم الذي قاله الله " أجرة الخطية هي موت " و" يوم تأكل منها (من الشجرة) موتاً تموت"؟ وإذا افتكر أحد أنه لا موت على الإنسان فيكون بذلك قد صادق على قول إبليس " لن تموتا "- الذي قاله مكذباً لله جلّ جلاله، وبمصادقة الإنسان على قول إبليس في هذا الأمر يكون قد ختم أن الله كاذب، تعالى الله عن ذلك. أما الذي يقبل شهادة ابن الله التي شهد بها في قوله " هكذا أحب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد لكي لا يهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية” (يو 3: 16) فيكون قد رفض الختم الأول وختم من جديد على " أن الله صادق” (يو3: 33).

أضف تعليق


كود امني
تحديث

قرأت لك

مسئولية المؤمن إزاء المستقبل

 أولاً: انتظار مجيء الرب

وقبل كل شيء يجدر بالمؤمن أن يحيا حياة الانتظار والشوق والتطلع إلى مجيء الرب. هذا هو الرجاء المبارك. ومن الملاحظ أن مجيء الرب في الكتاب المقدس دائماً يرتبط بنصائح وفوائد عملية.

تطبيقات للهواتف الذكية

  • تطبيق وعود الله
  • تطبيق الإنجيل لجهاز الآي فون
  • تطبيق الإنجيل لجهاز الآي باد
  • تطبيق الإنجيل المسموع
  • تطيبق مركز دراسات الكتاب المقدس
  • تطبيق أجوبة الله
  • تطبيق كلمة الحياة
  • تطبيق ترانيم وعظات مسموعة