عقائد

الباب الثاني: في أصل الصوم وتاريخ دخولهِ

القسم: ريحانة النفوس في أصل الإعتقادات والطقوس.

قبل أن نذكر عادة المسيحيين القدماء بخصوص الصوم لننظر إليه كما هو موجودٌ في العهد الجديد.

فإن مخلّصنا لم يأْمر بالصوم ولا نهى عنه. بل إنه له المجد أهمل حفظ الأصوام اليهودية التي أُضيفت إلى الشريعة الموسوية وكانت محفوظة بكل تدقيق عند الفريسيين[106] وقد أشار إلى أن مثل هذه السنن لا تطابق حقيقة ديانتهِ[107] ولكن مع أنه لم يأمر بالصوم ولا نهى عنه كان يتكلم عنه كأنه مناسب في بعض الأحوال ويفيد أحياناً[108] حتى أنه هو نفسه صام مرة صوماً عظيماً عجيباً[109] إلا أنه حذّر تلاميذه من استعمال سنن مثل هذه مع عُجبٍ ورياء[110] وبالجملة يجب أن نلاحظ أنه عندما يتكلم المسيح عن الصوم يعني به مطلق الامتناع عن الأكل لا مجرّد إبدال الطعام. أي الصوم بحصر اللفظ لا القطاعة.

ثم إن تعليم الرسل واستعمالهم كانا على نفس هذا المنوال. فإنهم لم يأمروا بالصوم ولا رفضوه وقد قرنوا الصوم بالصلاة في بعض أحوال مهمة[111] فيكون تعليم العهد الجديد في هذا الصدد أن الصوم متى حُفِظ بطريقة لائقة ونيَّة خالصة يكون مفيداً إلا أنه لم يؤْمر به البتة بل تُرِك بتمامه إرادة كل إنسان لكي يعين زمانه ومدته وما أشبه ذلك.

إن الامتناع عن الأكل المصحوب بالتواضع مع الصلاة لنوال المغفرة والنعمة مفيد ومطابق لكلام الله. لأنه بذلك يصير العقل به أكثر استعداداً للتأمل في الأمور السماوية والقلب منسحقاً وحزيناً على الخطيَّة ويتسهّل صرف الوقت في قراءة الكتب المقدسة والتفكر في الأشياء الروحية وفي تقديم صلوات خصوصية بالحرارة. فصومٌ كهذا مقبول عند الله ومفيد للنفس. والكتب المقدسة لا تأذن إلا بمثله. وصوم المسيحيين الأولين كان حسب ما ذكرناهُ. فإن كثيرين منهم كانوا يقرنون الامتناع عن الأكل بعبادتهم. ولكن مقدار زمان الصوم كان متروكاً بالتمام لحكم كل إنسان بالخصوص[112] ومع أن الصوم كان مستعملاً بكثرة لم يذكرهُ إلا قليل من آباء الكنيسة في الأعصار الأولى. فقد تكلّم عنه راعي هرمس في القرن الأول باستخفاف حيث يقول لا ربح ولا شيء من الفضيلة ينتج من الامتناع الجسدي. فالأجدر أن تصوموا حتى لا تظلموا ولا تدعوا الحاسّات الخبيثة تستولي على قلوبكم[113] قال فم الذهب إني حزين من أنكم تفتكرون أن هذا (أي الصوم) الذي هو أدنى الفضائل كافٍ للخلاص. مع أن أموراً أخرى أعظم وأهمُّ منه كالمحبة والتواضع والرحمة تُترَك بالكلية[114].

ثم إن حفظ الأصوام يظهر أنه دخل في الكنيسة شيئاً فشيئاً بالتدريج. فإن يوستينوس الشهيد الذي توفي سنة 164 أو سنة 167 يتكلم عن الصوم مقروناً بالعماد في أفسس. وفي أيام إيريناوس الذي استشهد سنة 202 كانت قد جرت العادة في بعض الأماكن أن يصوموا قبل الفصح. واكليمنضس الإسكندري يذكر أصواماً أسبوعية. ولكن هذه العادة لم تكن وقتئذ عمومية. وذلك يتضح من أن ترتوليانوس الذي ألَّف كتاباً في الصوم سنة 200 وسنة 220 يتشكى كثيراً من قلة الاعتبار للصوم في الكنيسة الأرثوذكسية[115] وأوريجانوس الذي توفي في القرن الثالث وهو قد ألّفَ تصانيف كثيرة يذكر هذه القضية مرة واحدة فقط وذلك في عظته العاشرة على سفر اللاويين حيث يقدم في هذا المعنى آراءً رسولية فقط. ويظهر من أبيفانوس أنه في آخر القرن الرابع كانت أصوام الأربعاء والجمعة والأربعين يوماً قبل الفصح محفوظة. وأنه لم يكن أصوامٌ غير هذه[116] ولكن حتى في هذا الزمان المتأخر أي القرن الرابع لم يكن اتّفاق عمومي في الكنيسة على هذا الصوم الأخير بل كان لكل كنيسة عادة خصوصية من جهته[117] ومع أنه لُقِّب بالصوم الأربعيني لم يستمر في ذلك العصر كل هذه المدة. بل كل شخص كان يصوم أياماً بقدر ما يشاء ويمتنع كل النهار أو جزءاً منه عن اللحوم. وذلك الامتناع كان كلياً أو جزئياً بحسب الاختيار[118].

والأمر الذي يجب أن نلاحظه هنا كل الملاحظة هو أن جميع الأصوام عند المسيحيين الأولين كانت اختيارية بالتمام. ولم يكن أحدٌ مضطراً أن يصوم. بل عادة الصوم حيثما وجدت دخلت بسكوت وكانت متروكة بالكلية إرادة كل شخص بمفرده[119] والصوم الذي كان أكثر حفظاً بين المسيحيين الأقدمين هو الصوم الأربعيني. ومع ذاك كان هذا الصوم في أيام ترتوليانوس وفم الذهب متروكاً لحكم كل شخصٍ بمفرده. وكانوا يحثّون على حفظه كأنه أمرٌ مفيدٌ إلا أنهم لم يلزموا به كأنه أمر ضروري لا بدَّ منهُ. فهكذا يتكلم عنه فم الذهب في أماكن عديدة كما في عظتيهِ العاشرة والثانية والعشرين[120] وترتوليانوس يقول أنه ما عدا الجمعة والسبت قبل الفصح لم يحفظ المسيحيون في زمانه أياماً أخرى للصوم إلا ما شاءت خواطرهم[121] ومثل ذلك يقول سقراطيس وبرودنتيوس وفيكنر الأنطاكي وبروسبر ولأوغسطينوس الذين ظهروا في القرنين الرابع والخامس وألَّفوا كتباً شتى. ومن أراد الوقوف على آرائهم فليراجع التأليف المشار إليه في الحاشية[122].

ثم إنه مع كونه في أول الأمر اختيارياً قد حُكِمَ فيما بوجوبه إلا أن ذلك لم يكن حتى سنة 561 بعد المسيح حين حكم به مجمع أرلنس الإقليمي في قانونه الثاني. ثم إن مجمع توليدو الثامن المنعقد سنة 653 حرم كل من أكل لحماً في الصوم قبل الفصح. حتى في القرن الثامن صار الصوم مطلقاً يُعتَبر كعملٍ ذي استحقاقٍ عند الله وكان من خالفه يقع تحت طائلة الحرم[123].

ويوجد أمر آخر تجب له الملاحظة وهو أن مجرد تغيير الطعام لم يُحسَب صوماً بل كان الصوم يقوم بانقطاع كامل عن كل غذاءٍ كل النهار إلى المساء[124] ويوم الأربعاء والجمعة كان هذا الامتناع يبقى على الأكثر إلى العصر كما نرى في كلام أبيفانوس[125] وبرودنتيوس اللذين ظهرا في القرن الرابع. وكان ترتوليانوس وغير يحتجُّون بوجوب حفظ النهار كله في هذه الأصوام أيضاً. والامتناع المطلق إنما كان هو الأمر الجوهري في الصوم عند القدماء. وكون الصوم الذي قبل الفصح قد كان يُحفَظ هكذا يتضح من شهودٍ كثيرين كأمبروسيوس[126] وفم الذهب[127] وباسيليوس[128] وغيرهم. وبقيت هذه العادة في الكنيسة الرومانية إلى القرن الثاني عشر كما يبرهن بلَّرمينوس العالم الروماني[129] ولكن بعد ما يمتنعون هكذا مدة النهار كله كانوا يتناولون الطعام من البقول واللحوم حسبما يشتهون[130].

هكذا كان الصوم في الابتداء ولكن بعد ذلك وربما في القرن الثالث دخلت عادة أكل الخبز والملح وشرب الماء فقط. إلا أن هذه الشدة انحلَّت شيئاً فشيئاً إلى أنه في القرن الحادي عشر أو بعد أُعطي الإذن في استعمال جميع الأطعمة ما عدا اللحم والبيض والجبن والخمر[131] ومن ذلك يتضح أن القطاعة لم تدرج في الكنيسة الغربية إلا بعد المسيح بألف ومئة أو بألف ومئتي سنة.

وإذ قد تكلمنا عن الصوم بوجه العموم لا حاجة إلى الكلام عن جميع الأصوام بالتفصيل. وأما صوم الفصح فقد سبق الكلام فيه بالاختصار في الباب السابق (راجع وجه 15) وكانت العادة أن يصوموا قبل الميلاد والفصح أيضاً. والظاهر أن الصوم الأسبوعي في يوم الأربعاء الذي فيه تآمر اليهود على المسيح ويوم الجمعة الذي تألّم فيه دخل في الكنيسة باكراً. فإن ترتوليانوس وإكليمنضوس الإسكندري في القرن الثاني وفكتورينوس الشهيد في آخر القرن الثالث يتكلمون عن هذين اليومين. ولكن مع أنهما كانا يُحفظان هكذا قديماً كانا اختياريين وكان المسيحيون يمتنعون فيهما عن جميع الأطعمة إلى وقت العصر.

ونقول من جهة الأصوام مطلقاً أن ليس شيءٌ من التي نذكرها ومن التي ذكرناها أيضاً قد أمر بوجوب حفظها حكمٌ من الأحكام الكنائسية البتة قبل القرن السادس.

[106] - مت 11: 18 و19.

[107] - مت 9: 14- 18 مر 2: 15- 22 لو 5: 33- 39.

[108] - مت 9: 15 و17: 21.

[109] - مت 4: 2.

[110] - مت 6: 16- 18.

[111] - أع 13: 2 و3 و14: 23.

[112] - مسهيم مجلد 1 وجه 106.

[113] - كتاب 3 تشبيه 5.

[114] - موعظة 47 على متى وجه 425.

[115] - ترتوليانوس عن الأصوام.

[116] - راجع تعليم الإيمان.

[117] - سيجل مجلد 2 وجه 75 ووجه 76.

[118] - تاريخ الكنيسة لنياندر مجلد 2 جزء 2 وجه 646 و647.

[119] - سيجل مجلد 2 وجه 76.

[120] - موعظة 10 على التكوين مجلد 2 وجه 91 وموعظة 22 مجلد 1 وجه 227.

[121] - ترتوليانوس عن الأصوام رأس 2 و13.

[122] - تيلرارشاد المتشككين وجه 629.

[123] - سيجل مجلد 2 وجه 75.

[124] - تاريخ كنائسي قديم لبنكهام كتاب 21 رأس 1 فصل 16.

[125] - إيضاح الإيمان.

[126] - عن أعياد وأصوام رأس 10.

[127] - موعظة 4 على التكوين مجلد 2 وجه 37 وموعظة 6 وجه 60.

[128] - موعظة 1 عن الصوم.

[129] - بلرمينوس مجلد 4 عن الأعمال الصالحة كتاب 2 رأس 2.

[130] - بنكهام كتاب 21 رأس 1 فصل 17.

[131] - سيجل مجلد 2 وجه 76.

التعليقات   

-1 #1 bushra 2011-03-08 05:31
تامل رائع عن الصوم وانا اتساءل لماذا يمتنع اخوتنا الاقياط الارزسكس عن تناول السمك فى فترة الصوم الاربعينى لم اجد تفسيرا لهذا وارجو افادتى

قرأت لك

الحسد يقتل

أقام المواطنون في اليونان القديم تمثالاً لبطل مشهور من أبطال الرياضة كان ينافسه رجل آخر، فحسده، وأقسم ان يحطم تمثاله. وأخذ يتردّد كل ليلة تحت جنح الظلام الى مكان التمثال ويحفر تحت قاعدته في محاولة لازالته من أساسه. وأخيرا نجح في اسقاط التمثال، ولكنه سقط عليه وسحقه. وذهب الرجل ضحية حسده.

تطبيقات للهواتف الذكية

  • تطبيق وعود الله
  • تطبيق الإنجيل لجهاز الآي فون
  • تطبيق الإنجيل لجهاز الآي باد
  • تطبيق الإنجيل المسموع
  • تطيبق مركز دراسات الكتاب المقدس
  • تطبيق أجوبة الله
  • تطبيق كلمة الحياة
  • تطبيق ترانيم وعظات مسموعة