عقائد

الباب الثالث: في أصل عبادة القديسين والملائكة

القسم: ريحانة النفوس في أصل الإعتقادات والطقوس.

إن المسيحيين في القرون الثلاثة الأولى كانوا يحترزون جداً في عبادتهم من كل ما يشبه عبادة الخليقة[132] وكانت عبادتهم تُقدَّم لله وحدهُ. ولم تمتد عبادة القديسين والملائكة كثيراً إلى القرن الرابع والقرن الخامس[133] نعم إن أسبابها البعيدة وبعض آثارها أيضاً ظهرت قبل ذلك إلا أنها لم تصر عمومية قبل الزمان المذكور.

وقد ذكر أحد المعلمين المشهورين أعظم الأسباب وأقواها لهذه العبادة[134]. فنذكرها هنا من دون زيادة شرح. وهي

أولاً شدة اعتبارهم لأمر الاستشهاد واعتقادهم بأن شفاعة الشهداء لها منفعة عظيمة. فإن البعض من الآباء كأوريجانوس وباسيليوس الكبير[135] وغريغوريوس النيسي[136] وغريغوريوس النـزينـزي[137] وفم الذهب وغيرهم ابتدأُوا يخاطبون الشهداء في مواعظهم ويطلبون شفاعتهم كما يتضح من مطالعة تصانيفهم المذكورة في الحاشية. فكان ذلك واسطة عظيمة لإدخال عبادة المخلوقات. ثم بعد أن توسّعوا فيها امتدّت وصارت عمومية مع كونها غير معروفة قبلاً.

ثانياً بناء كنائس على قبور الشهداء ووضع جثثهم حقيقةً أو وهماً داخلها ونسبة قوة فعل العجائب إليها والاعتقاد الباطل بأن الشهداء والمعترفين كانوا حاضرين بالروح في الأماكن المكرَّسة لهم كانت من الأسباب القوية لهذه العبادة.

ثالثاً أن التقوى الموجودة وقتئذٍ كانت تميلُ ميلاً مُفرِطاً إلى التقشّف وتمدح عيشة النسّاك والرهبان وتجعل تمييزاً بين الفضيلة الدارجة والفضيلة الخصوصية السامية زاعمين أن هذه لا يمكن أن تُمارَس أصلاً في العيشة الدارجة. والأشخاص الذين اشتهروا بهذا النوع من التقوى كانوا عاجلاً يٌحسبون نظير الشهداء ويُكرَّمون مثلهم.

رابعاً عبادة الوثنيين لأبطالهم المائتين واعتقادهم بوجود آلهةٍ يحرسونهم. لأنه في القرن الرابع آمن كثيرون من الوثنيين بالديانة المسيحية وفرحوا إذ وجدوا شيئاً يشبه ديانتهم القديمة في الكرامة والعبادة المقدَّمة للشهداء والقديسين. فحالاً نقلوا أفكارهم من جهة آلهتهم الدنية إلى هؤلاء. وكثيرون من آباء الكنيسة مدحوا هذا الأمر عوض عن أن يقاوموه كما أشرنا إليه آنفاً (راجع وجه 37 وجه 38) وكما كان بين الوثنيين لكل إقليم ومدينة آلهةٌ حارسة كذلك صار للمسيحيين مثل هذه الآلهة من الشهداء كما يصرّح ثيودوريتوس[138].

خامساً عبادة الأيقونات التي ابتدأت أولاً في القرن السادس وصارت أكثر امتداداً في القرن الثامن كانت من جملة أسباب هذه العادة. ومتى عُبِدَت أشباه القديسين فبالنتيجة صاروا أنفسهم يحسبون مستحقين للعبادة.

إن الروم هم أول من أدخل هذه العبادة كما يتّضح من التاريخ[139] وكانوا يعيدون عيد جميع القديسين قبل اللاتينيين بقرونٍ كثيرة. ثم امتدت هذه العادة رويداً رويداً ولكن ليس من دون مقاومة. فإن فيجيلانتيوس القس التقي في برسيلونا القبيحة يسمي عَبَدة الشهداء أو الذخائر وثنيين وعبدة الرماد[140] ويهزأُ بهم على تقديمهم مثل هذه الكرامة والعبادة لرماد وعظام حقيرة وسترهم إياها بثيابٍ ثمينة وتقبيلهم لها[141].

ثم منذ ابتداء القرن الخامس انقطعت الصلاة لأجل القديسين كأنها لا تناسب حالتهم المجيدة وصار الناس ينسبون إليهم قوةً عظيمة ومجداً سامياً. وقيل أن الشهداء الذين كانوا مجهولين ظهروا أنفسهم. وأن آخرين أعلنوا المكان الذي دُفنوا فيه[142] وقلما كان المسيحيون حينئذ يقدمون صلواتهم لله وحدهُ[143] بل كانت العادة المألوفة عندهم أن يُصلُّوا إلى أحد القديسين فقط لأجل طلب شفاعته. وبمقدار ابتعاد الوقت عن زمان الشهداء صارت الكرامة والعبادة المقدمة لهم أعظم. ومن ثمَّ بعد ظهور عبادتهم كثر جداً عدد هؤلاء الشفعاء. وكان الناس ينتخبون لأنفسهم قديسين مخصوصين لأجل المحاماة عنهم ويقيمون كنائس لعبادتهم. وتوسَّع الناس في عبادة القديسين وانتشرت بينهم هذه العبادة حتى أن الوثنيين الذين كان المسيحيون قبلاً يوبّخونهم على عبادتهم للموتى[144] صار لهم فرصة عظيمة لتوبيخ المسيحيين على هذا الأمر بعينهِ[145].

ثم إنه في القرن الرابع بأسره لم تكن مريم العذراء تُفضَّل تفضيلاً خصوصياً على بقية القديسين. غير أنه كان رأي الجمهور أنها بقيت عذراءَ دائماً[146].

وأما عبادة الملائكة فالظاهر أن أول من أوصى[147] بها أمبروسيوس الذي توفي سنة 397 وبعد زمانه توجد آثار كثيرة لعبادتهم ولكن أقل مما لعبادة القديسين.

[132] - سيجل مجلد 2 وجه 263.

[133] - جسلر مجلد 1 رأس 5 فصل 97.

[134] - سيجل مجلد 2 وجه 263 إلى وجه 265.

[135] - باسيليوس الكبير موعظة 19 في 40 شهيداً فصل 8.

[136] - غريغوريوس النيسي على الشهيد ثيودوروس.

[137] - غريغوريوس النـزينـزي خطاب 18 عن كبريانوس.

[138] - ثيودوريتوس رأس 902.

[139] - سيجل مجلد 2 وجه 266.

[140] - إيرونيموس رسالة 109 ريباريوس.

[141] - إيرونيموس ضد فيجيلانتيوس فصل 4.

[142] - أمبروسينوس رسالة 22.

[143] - أمبروسيستر إلى رومية 1: 22.

[144] - أرنوبيوس ضد الأمم 6: 6.

[145] - كيرللوس ضد يوليانوس كتاب 10 وجه 335.

[146] - متن جسلر مجلد 1 رأس 5 فصل 97 وجه 287.

[147] - أمبروسيوس عن الأرامل رأس 9.

أضف تعليق


كود امني
تحديث

قرأت لك

الرب راعي

ما أجمل صورة الراعي وهو يمشي مع القطيع يقودهم بكل لطف وحنان، يحامي عنهم في أوقات الشدّة حين يداهمهم الخطر، فهو دائما حاضر لكي يتدخّل لإنقاذهم من الذئاب الخاطفة، وهذا كله ما هو سوى جزء صغير من صورة أكبر وأعمق للراعي الحقيقي يسوع المسيح الذي بذل نفسه من أجل الخراف فهو:

تطبيقات للهواتف الذكية

  • تطبيق وعود الله
  • تطبيق الإنجيل لجهاز الآي فون
  • تطبيق الإنجيل لجهاز الآي باد
  • تطبيق الإنجيل المسموع
  • تطيبق مركز دراسات الكتاب المقدس
  • تطبيق أجوبة الله
  • تطبيق كلمة الحياة
  • تطبيق ترانيم وعظات مسموعة