عقائد

الباب الرابع: في أصل عبادة الأيقونات

نشر في ريحانة النفوس في أصل الإعتقادات والطقوس.

إن أول من رسم هذه العبادة مجمع نيقية الذي انعقد في أيام إيرينا الملكة سنة 786 نعم إنه وُجد قبل ذلك آثارٌ لعبادة الأيقونات ولكن هذا هو المجمع الأول الذي حكم بها.

إنه في الثلاثة القرون الأولى لا يوجد أثر لعبادة الأيقونات. وهذا واضحٌ من الاعتراضات التي اعترض بها الوثنيون المقاومون على الديانة المسيحية بأنه لا يوجد عندهم هياكل ولا صور ولا تماثيل للآلهة. وأيضاً من سكوت المضادّين من اليهود الذين كانوا لا محالة يتهمون المسيحيين بعبادة الأصنام لو وجدوا بينهم آثار هذه العبادة. ويتّضح أيضاً من المقاومة والنفور اللذين أبداهم آباء الكنيسة في تلك الأعصار ضد التماثيل المصنوعة للموضوعات الدينية. وكذلك من شدة لومهم للهراطقة ولاسيما الغنوستكيين على وضعهم صورة المسيح وصور الفلاسفة في مجتمعاتهم. وأيضاً لنا برهانٌ آخر يعضدُ ما نحنُ بصددهِ. وهو أنه فيما بين الأواني الكنسية التي لكنائس تلك الأيام المهدومة بالاضطهاد لا يوجد ذكرٌ للصور كما أوضحَ ذلك بكل بيانٍ سيجل وبنكهام[148].

لا ريب أن المسيحيين في تلك الأعصار كانوا مغرمين بوضع بعض علامات دينية على ملابسهم وأواني بيوتهم كما كانوا يضعون على خواتمهم حمامةً أو سفينةً وما أشبه ذلك. ولكن لم يُؤْذَن بدخول شيءٍ من ذلك في كنائسهم والظاهر أيضاً أن ترتوليانوس يذم هذه العادة[149] ويرفض بكل صرامة كل شيء من قبيل الصور والتماثيل. لأنه يقول أن الشيطان هو الذي علَّم الناس صناعة عمل التماثيل والصور وجميع أصناف الأشباه[150].

ثم إن أول اقترابٍ من هذه العادة كان وضع صور تاريخية لموضوعات ذُكِرت في الكتب المقدسة في الكنائس في القرن الرابع. وربما وُجِد بعض أمثلة لذلك في آخر القرن الثالث. وقد استُحسِن لأجل الجَهَلة الذين لا يقدرون أن يقرأُوا الكتب المقدسة. وكانت تلك الصور إشارات إلى بعض مناظر وأعمال موجودة في الكتاب المقدس. وذلك كصورة آدم وحواء يأكلان الثمرة المنهي عنها. ويوسف يباع لعبودية مصر من إخوته. وداود يقاتل جليات. وسليمان يكرِّس هيكله. والمسيح يموت على الصليب.

وكان غريغوريوس النيسي المتوفى سنة 394 أول من أشار إلى هذه العادة في الشرق[151] وباولينوس أسقف نولا بين سنة 409 وسنة 431 يذكرها أولاً في الغرب. وكان المقصود منها إنما هو تعليم الذين لا يعرفون القراءة ما لا يقدرون على تحصيله من الكتب. وذلك كما تعلَّم الحوادث التاريخية الآن مراراً للأولاد بواسطة الصور قبل أن يتعلموا القراءة. فهذا كان المقصود بها في الأصل. على أن البعض كانوا يمنعون أيضاً استعمال أي نوع كان من الصور في الكنائس ولم يقصد أولئك المسيحيون البتة أن يقدموا لهذه الصور شيئاً من العبادة. لأنهم كانوا يكرهون ذلك إلى الغاية كما يتّضح جلياً من كلام آباء ذلك العصر.

من ذلك أن قسطنطيا أخت قسطنطين الكبير طلبت من أوسابيوس أسقف قيصرية صورة المسيح. فهو في جوابه قدَّم لها براهين مستطيلة ضد استعمال الصور. نكتفي بذكر جزء من كلامه في هذا المعنى. فإنه بعد أن يبرهن كيف أنه لا يمكن عمل صورةٍ لهيئة المسيح يقول ولكن إذا طلبتِ صورة الجسد الترابي المائت كما كان قبل أن تغير هكذا (أي تمجد) فإنكِ تكونين قد نسيتِ في العهد القديم الناهية عن عمل تمثالٍ لشيءٍ في السماء أو على الأرض. متى رأيتِ مثل هذه الأشياء في الكنيسة أو سمعتِ عنها من الآخرين. أليست هذه الأشياء (أي صُوَر الموضوعات الدينية) منفيةً من الكنائس في جميع العالم. ثم يخبر أنه وجدَ مرَّة مع امرأة صورة رَجُلين لابسين ثياب فلاسفة وكانت تلك المرأة تحسبهما المسيح وبولس فمزَّقَ تلك الصورة لكي لا تقع تلك المرأة أو غيرها في الشكوك بسببها. ولا يظهر أن المسيحيين يحملون إلههم معهم في صورة كالوثنيين. وأيضاً يقول إذا أراد أحدٌ أن يرى صورة المخلِّص قبلَ أن يراهُ وجهاً لوجهٍ فأية صورة يمكنه أن يحصل عليها أحسن من الصورة التي رسمها له المجد عن نفسه في الكتب المقدسة[152].

وأوريجانوس في رسالته ضد سلسوس يقول أنه لا يمكن لأحدٍ أن ينال معرفة الله بواسطة عبادة الصور. وأبيفانوس إذ صادف صورةً في أحد الأوقات اغتاظَ جداً حتى أنه مزَّقَ الثوب التي كانت مرسومةً عليهِ. وهو يخبر عن هذه القضية بقوله[153] إني بعد أن وصلت إلى أنابلاثا وهي قريةٌ من فلسطين وجدتُ هناك قطعة قماش مصبوغة ومنقوشة معلَّقة على باب الكنيسة وعليها صورةٌ كأنها صورة المسيح أو شخصٍ غيرهِ من القديسين لأنني لا أذكر جيداً صورة من كانت. وعندما رأيت ذلك النظر المضادَّ لنص الكتاب المقدس مزَّقتها ثم بعثتُ لهم ستراً غيرها وطلبتُ أن يُؤْمَر بأن مثل هذه الأستار لا تُعلَّق في كنيسة المسيح وهي قد دخلت ضد ديانتنا. ثم أن أستاريوس أسقف أماسيا نحو سنة 400 يحرم استعمال صور المسيح[154] وفم الذهب يرفض هذه العادة بقوله علّم النفس أن تصوّر ثوباً نظير ثوب المسيح لأنها تقدر أن تصور ذلك إذا أرادت. ولكن كيف يمكن ذلك وبأي الألوان أو المواد. ليس بشيءٍ من الألوان والمواد ولكن بالفضيلة والوداعة والتواضع فقط[155].

وأوغسطينوس يقول هكذا يغلط غلطاً عظيماً أولئك الذين يطلبون المسيح ورسلهُ لا في الكتب المقدسة بل على الحيطان المدهونة[156] وفي مكان آخر يدعو عبادة القبور والصور خرافةً[157]. وهو أيضاً يقول عن الصور هكذا أن لها قوةً لإفساد النفس أعظم مما لتعليمها. ويحصي الذين يعبدون الصور بين ذلك العدد العظيم من المسيحيين بالاسم الذين لا يعرفون شيئاً عن حقيقة الديانة المسيحية. وأثاناسيوس ولكتنتيوس أيضاً يشجبان هذه العبادة شجباً شديداً. وكذلك إيرونيموس الذي أشهر في اللغة اللاتينية رسالة أبيفانيون في هذا البحث[158] وقد نهى عنها أيضاً مجمع الفيرا الإقليمي الملتئم سنة 305[159] بقوله أن الصور يجب أن لا تكون في الكنائس لئلا يكون ما يُعبَد ويُسجَد له منقوشاً على الحيطان. فيتضح مما ذُكِر أنه مع وجود بعض الميل في تلك الأعصار إلى هذا الأمر قد نُهِي عنهُ نهياً مطلقاً في كنيسة المسيح.

ولكن مع أن صوت الآباء كان شديداً ومرتفعاً هكذا ضد الصور ازداد الميل نحوها في القرن الخامس بالتدريج. وفي ختام القرن السادس ابتدأَ البعض يقبّلون الصور ويركعون أمامها ويقدّمون لها البخّور ويوقدون أمامها الشموع وينتظرون منها عمل العجائب وهلمَّ جرَّاً[160] وفي القرن السادس اعتذر لاونتيوس أسقف نيابوليس في قبرس عن عبادة الصور إذ أجاب تقريف اليهود للمسيحيين بكونهم قد سقطوا في عبادة الأوثان. ويجتهد في المحاماة عن هذه العادة. ومن الطرف الآخر قام فيلكسيوس أسقف هيرابوليس في سوريا لمقاومتها قائلاً يجب أن لا يظنَّ أحدٌ أنه يكرم المسيح بواسطة صورهِ. فإن المسيح يرتضي فقط بالعبادة بالروح والحق وعزل جميع الصور نظير هذه من الكنائس[161]. ثم إنهُ في القرن السابع والقرن الثامن تزايد الميل نحو عبادة الصور ظهوراً وانتشاراً حتى حصلَ عليه جدالٌ شديد. وكثيرون من أوجه الناس في الكنيسة حرموا الصور بالكلية مع أن آخرين كانوا يحامون عن جوازها بكل حرارةٍ. فبقي الخصام في القسطنطينية نحو ستين سنة.

ثم إن الملك لاون وقسطنطين ابنهُ ولاون الرابع ابن ابنهِ اجتهدوا في أيام ملكهم أن يلاشوا الأيقونات. وإذ كانوا على كرسي الملك انعقد مجمعان من الأساقفة في القسطنطينية أحدهما سنة 730 والآخر سنة 754 وكلاهما حرم استعمال الأيقونات. ومن ثَمَّ أُعدِم كثيرٌ منها وأُحرق بالنار ووقع على المحامين عنها قصاصاتٌ مختلفة. إلا أنه سنة 786 في أيام إيرينا الملكة انعقدَ مجمعٌ في نيقية كما تقدم وأثبت عبادة الأيقونات وحكم بالقصاص على الذين يحكمون بأن السجود والعبادة يجب تقديمها لله وحدهُ. ومن ذلك الوقت فصاعداً أخذت العادة في الامتداد بين الأكثرين. لأنهُ عند موت إيرينا سنة 802 تجدد النـزاع في أمر الأيقونات بين اليونانيين ودام نحو خمسين سنة. وأما بين اللاتينيين في الغرب فحصل جدالٌ مثل هذا في القرن التاسع على أن مجمع فرانكفرت المنعقد سنة 794 حرم عبادة الأيقونات. وهكذا فعلت مجامع أخرى بعد ذلك وعلى هذا النسق دخلت عبادة الأيقونات بعد نـزاعٍ طويلٍ فيما بين اليونانيين في القرن الثامن وبين الرومانيين في الغرب في القرن التاسع.

ولكن أهل جرمانيا والأرمن كانوا لم يزالوا يرفضون ذلك[162] حتى أنه في القرن الثاني عشر انقطع من بين هذين الشعبين. فإن نيساتوس كانياتس الذي كتب تاريخ الملوك الذين تملكوا في القسطنطينية من سنة 1180 إلى سنة 1206 يقول أنه عندما دخل الملك برباروسَّا إلى مدينة فيليبوبوليس وذلك سنة 1190 لم يكن باقياً فيها إلا الأرمن فقط. لأنهم كانوا متّفقين في المبادئ الأساسية من الديانة مع أهل جرمانيا وعبادة الأيقونات كانت محرّمة من هذين الشعبين[163] وهكذا حُرِمت هذه العادة صريحاً بين الأرمن حتى إلى آخر القرن الثاني عشر.

فالبابا بناديكتوس الثاني عشر الذي عاش في القرن الرابع عشر يشكو إلى ملك أرمينية ورئيس أساقفتها أنه سمع من أناس صادقين أن كثيرين في أرمينية الكبرى والصغرى قد تمسّكوا ببعض غلطات مكروهة. ويطلب أن يشجب مثل هذه الغلطات بمجمع من الأرمن. ثم يذكر هذه الغلطات ضمن مئة وسبع عشرة مقالة وفي المقالة الرابعة والسبعين منها يقول أنه بين أرمن أرمينية الكبرى لا توجد أيقونةٌ للمصلوب أي المسيح ولا يوجد أيضاً أيقونات أُخر للقديسين[164]. فيتضح بمقابلة هذين الأمرين التاريخيين أن الأيقونات كانت محرومةً عند الأرمن إلى القرن الثاني عشر. وإنها حتى القرن الرابع عشر لم تكن قد دخلت بينهم عموماً. فكانوا إذاً من آخر الطوائف المسيحية في قبول الأيقونات.

[148] - سيجل مجلد 1 وجه 212 و213 وبنكهام مجلد 3 وجه 296 فصل 6.

[149] - ترتوليانوس في العفافة رأس 10.

[150] - ترتوليانوس عن عبادة الأوثان رأس 3.

[151] - غريغوريوس النيسي عن الشهيد ثيودورس رأس 2.

[152] - رسالة أوسابيوس أسقف قيصرية إلى قسطنطيا.

[153] - رسالة أبيفانوس إلى يوحنا الأورشليمي.

[154] - مواعظ أستاريوس في الغني ولعازر.

[155] - نياندر عن فم الذهب جزء 2 وجه 61 و62 و143 إلى 148 وفم الذهب في متى موعظة 78.

[156] - أوغسطينوس في اتفاق الإنجيليين رأس 1 فصل 10.

[157] - عن عوائد الكنائس الكاثوليكية.

[158] - كما هو مذكور في تاريخ كنائسي لمانر مجلد 3 وجه 112 و113.

[159] - جلسة 36.

[160] - مسهيم مجلد 2 وجه 44.

[161] - نياندر مجلد 2 قسم 2 وجه 630 و632.

[162] - مسهيم مجلد 2 وجه 101.

[163] - أخبار اسحق أنجلو كتاب 2.

[164] - أخبار كنائسية لريلند عن سنة 1341 عدد 45 إلى 49.

أضف تعليق


كود امني
تحديث

قرأت لك

إلى ماذا أنت مشتاق؟

"كما يشتاق الإيل إلى جداول المياه هكذا تشتاق نفسي إليك يا الله" (مزمور 1:42). لكل إنسان له الحرية في حسم خياراته في هذه الحياة، ولكنه سيكون هو المسؤول عن أي خطوة يتخذها فإذا إتجه شمالا أو جنوبا هو فرديا سيتحمل عواقب خياراته، والسؤال المطروح اليوم إلى ماذا أنت مشتاق؟ والى أي خيار تريد أن تذهب؟ فالمرنم يحسم إتجاه إشتياقه لأن يكون: