عقائد

الباب السادس: في أصل الاعتراف للقسوس وفرض قانون الاعتراف

القسم: ريحانة النفوس في أصل الإعتقادات والطقوس.

إن الاعتراف لله بالخطايا والتوبة عنها هما من الأمور التي يأمر بها الكتاب المقدس وهما ممدوحان في الغاية. ولكن لا يوجد برهانٌ في كتاب الله للعوائد الجارية من هذا القبيل في بعض الكنائس. ولا يوجد في عمل المسيحيين الأولين ما يعطي وجهاً لذلك. ولم يثبَّت الاعتراف كما هو مستعملٌ الآن إلى سنة 1215. وذلك كان من البابا إينوسنتيوس الثالث[169] ثم في سنة 1550 مجمع تريدنتا ثبَّت هذه العادة وجعل الاعتراف سراً من أسرار الكنيسة.

إن الآيات المأخوذة من العهد الجديد لإثبات الاعتراف للقسوس هي في الغالب ما ورد في إنجيل متى 3: 6 ويوحنا 1: 9 حيث يُذكَر الاعتراف بالخطايا. ولكن كل من تأمل في هذه الآيات يتضح له أنه لم يُقصَد بها الاعتراف الخصوصي للقسوس بل بالحري التوبة والاعتراف لله اللذان بدونهما لا يمكن نوال الغفران. وأما ما جاء في رسالة يعقوب الرسول 5: 16 الذي يُستَند عليه كثيراً فإنه يستلزم اعترافاً متبادلاً لا سرياً للقسيس فقط لأنه قال اعترفوا بعضكم لبعض بالزلات ولم يقل اعترفوا للقسيس. فلا شك أنه يستلزم اعتراف القسوس للشعب كما يستلزم اعتراف الشعب للقسوس على حدٍّ سوى.

إن الاعتراف كما هو جارٍ الآن لم يوجد بين المسيحيين الأولين. نعم إنه وُجِد عندهم اعتراف إلا أن ذلك كان تأديباً كنسيَّاً جهارياً. إذ كانوا يعترفون بخطاياهم لله القدير لأجل الغفران منهُ لا للقسوس طلباً للحلَّة كما هي العادة الآن. فإن آباء الكنيسة كباسيليوس الكبير[170] وفم الذهب[171] وغيرهما يعلّمون صريحاً أن هذا الاعتراف إنما يجب أن يكون لله وحدهُ لا لأحدٍ من الناس مطلقاً سواء كان لجميع الكنيسة أم لخدامٍ معينين. وبما أن هذا الاعتراف كان تأديباً كانوا يستعملونه جهراً لا أمام أحد الأساقفة أو القسوس على الانفراد بل بحضرة جميع الكنيسة. ولكن مع أنه كان يختلف بالكلية عن الاعتراف للقسوس الذي تثبَّت في القرن الثالث عشر اقتاد الناس إلى هذا رويداً رويداً.

ثم إن الذي كان المسيحيون يدعونه اعترافاً وقانوناً كان على هذه الصفة. وهي أنه عندما كان يسقطُ أحدٌ منهم في خطية مشتهرة أو بقطع من شركتهم فإذا أراد الرجوع إلى حضن الكنيسة كان يلتزم أن يعمل بعض أعمال من التواضع والتقشفات تكون علاماتٍ للتوبة الخالصة. وكان جميع ذلك يُقرَن بوعد الإصلاح في المستقبل. فالذي كان يُطلبُ منهم من هذا القبيل كان على قسمين. أحدهما الاعتراف جهراً بخطاياهم. والثاني ممارسة بعض أعمال من التواضع والتقشف. ومن ذلك نتج اسم الاعتراف والقانون مع أنه بالحقيقة لم يكن سوى تأديب كنائسي. وجميع هذه الأمور كانوا يلتزمون بها لكي يُظهروا للكنيسة ندامتهم وحزنهم بواسطة التنهدات والدموع. وكانوا يلتزمون بتجديد علامات الحزن هذه مراراً كثيرة إذ هم يطلبون من المؤمنين أن يصلوا ويتوسّلوا إلى الله من أجلهم.

ثم أن أعمال التواضع التي كانت تُطلَبُ منهم كانت نظير الركوع في عبادتهم عندما يكون الآخرون وقوفاً. والامتناع عن جميع علامات الفرح والزينة وعن حضور الولائم والملاهي. وليس المسوح وتغطية الرؤوس بالرماد وهلمَّ جرَّاً. وكان الرجال يلتزمون بقطع شعورهم وحلق لحاهم. وأما النساء فكُنَّ يلتزمن أن يَقِفنَ بشعرٍ مسترسلٍ ويلبسن منديلاً مخصوصاً[172].

فكانت هذه الأعمال وما أشبهها توضع عليهم غير أن ذلك جميعهُ لم يكن لأجل نوال الغفران من الله بواسطته أو لأجل المكافأة عن الخطايا. ولم يكن المقصود به إرضاء الله بل المصالحة مع الكنيسة فقط. والآباء القدماء يقولون صريحاًَ أن الكنيسة تغفر الذنوب المرتكبة ضدها فقط. وأما مغفرة جميع الخطايا فإنها ترجوها من الله نفسهِ. كما أوضحَ جلياً كبريانوس في رسالته الخامسة والخمسين. ويتفق في رأيه علماءٌ آخرون من ذلك العصر.

ومما يجب ذكرهُ أمرٌ آخر وهو أن جميع القوانين كانت اختيارية. ولم يكن أحدٌ يُلزَمُ أو يُدعى إليها من الكنيسة. بل كانت تُطلَب كنافلةٍ لا يُؤمرُ بها مثل قصاصٍ. ويتفق في ذلك جميع مؤرّخي الكنيسة إجمالاً حتى أنه لم يكن ممكناً أن يُقبَل من يتقدم إلى القانون من دون إذنٍ من الأسقف أو القسيس.

وفي الاضطهاد الذي حصلَ أيام ديسيوس الذي جلس على تخت السلطنة سنة 249 للمسيح صار عدد الذين سقطوا في الخطية ثم طلبوا القانون كثيراً حتى أن الأسقف أقام قسوساً مخصوصين لكي يقبلوا اعترافهم استعداداً للقانون الجهريّ. ولكن هذه الوظيفة بطلت في آخر القرن الرابع من كل الشرق غير أنها بقيت في الكنائس الغربية وعلى الخصوص في رومية[173] ويجب أن نلاحظ بنوعٍ خصوصي أن الاعتراف لم يكن إلى هؤلاء القسوس بنيَّة نوال الغفران من الله وإنما كان فقط بنية الرجوع إلى إنعامات الكنيسة. نعم إن الاعتراف كان سرياً لكنه كان على قصد الإشهار فيما بعد لأجل تكميل القانون. ولم يدَّعِ أحدٌ من خدام الكنيسة في ذلك العصر أي في آخر القرن الرابع بأن له سلطاناً أن يغفر الخطايا باسم الله[174].

ولكن لا شك أن تعيين هؤلاء القسوس لأجل قبول التائبين سهَّل الطريق لترتيب المعرّفين في القرون المتأخرة. فإن التأديب القاسي الذي كان في الثلاثة القرون الأولى أخذ في الانحطاط بالتدريج. حتى أن العادة القديمة في الاعتراف الاختياري بالخطايا الخصوصية والسرية أمام الكنيسة بطل استعمالها في أواسط القرن الخامس. وعوض تلك الاعترافات الجهرية أمام جميع الكنيسة صاروا يعترفون اختيارياً للكاهن فقط وذلك سرَّاً[175] على أنهُ في بعض الأحوال كان هذا الاعتراف يُقرَأُ علانيةً. ولكن لاون الكبير الذي كان أسقفاً على رومية بين سنة 440 و461 نهى عن إشهار هذه الاعترافات[176] ومن ثمَّ تُنسبُ غالباً طريقة الاعتراف السريّ إلى الأسقف المذكور. وكان يُظَنُّ حسب هذه الطريقة أن لكل قسيس قوة وسلطاناً أن يقبل الاعتراف ويمارس وظيفة شفيعٍ إلى الله عن التائب وأن يحكم بالغفران باسم الله. ولكن هذه الطريقة نفسها كانت مختلفة كثيراً عن الاعتراف للقسوس والغفران بواسطته اللذين درجا في الكنيسة في القرن الثالث عشر. لأن الاعتراف بالخطايا كان متروكاً لضمير كل واحدٍ والقانون كان لم يزل عملاً اختيارياً لم يُضطَرَّ أحدٌ إليه. ولا كان يُظَنُّ أن للقسيس سلطاناً أن يغفر الخطايا. حتى أنه بعد عصر لاون كان للمذنب حرية أن يعترف بخطاياه إما للكاهن أو لله وحدهُ[177].

وإلى القرن الثاني عشر لم يُحسَب الاعتراف بالخطايا الخفية شرطاً ضرورياً للغفران. بل واسطة للإصلاح فقط كما يظهر صريحاً من تصانيف معلّمي ذلك العصر العظيمَين المعلّم غرتيان[178] والمعلم بطرس لمبرد[179] ولا نُسبَت قوةٌ خصوصية على الحل إلى القسوس لأنهم عوض هذه الصورة أنا أحلك إلى آخرهِ كانوا يصلّون فقط لكي ينال الخاطئ الغفران قائلين الله الضابط الكل يرحمك ويغفر جميع خطاياك إلى آخرهِ[180] وكان يجوز الاعتراف للعامة أيضاً. وحكمَ البرتوس الكبير بأن لهذا الاعتراف أيضاً قوة السرّ[181] ومع أن الاعتراف بالخطايا كان يُحسَب من الواجبات كان لكل واحدٍ حرية أن يعترف في ضميرهِ إلى الله وحدهُ. أو شفاهاً إلى القسيس أيضاً. فهكذا كانت حالة الاعتراف إلى القرن الثاني عشر. ولكن في القرنين الثاني عشر والثالث عشر اختلفت الآراء وفي أول الأمر كان الاختلاف في الآراء فقط. ثم بعد ذلك حكم البابا إينوسنتيوس الثالث كما ذكرنا في افتتاح هذا الباب أن كل واحد يعترف للقسيس أقل ما يكون مرة في السنة. ومن ذلك الوقت امتدّ الرأي أن الاعتراف هو الطريق الوحيد لنوال غفران الخطية المميتة[182] وأن الكاهن كنائب الله يقدر أن يمنح هذا الغفران[183] وأنه لا يقدر على ذلك إلا الكاهن فقط. ومن ثمَّ بطلت صورة الحلّ الابتهالية في القرن الثالث عشر وهي يرحمك الله ويغفر لك إلى آخرهِ وصار الكاهن يقول عوضها أنا أحلك إلى آخره. على أن في ذلك القرن أيضاً قاوم البعض هذا التعليم كأنه ينسب إلى الإنسان قوةً مختصة بالله وحده[184] ومن المعلوم أن عادة الاعتراف للعامة بطلت عندما انتشرت التعاليم التي مرَّ ذكرها.

فهكذا نرى أن الاعتراف على حسبما هو جارٍ الآن لم يكن معروفاً بالكلية في الكنائس الأولى. وأنه قام شيئاً فشيئاً بالتدريج ولم يُقبَل بالتمام ويتثبَّت إلا بعد المسيح بألف وثلاث مئة سنة.

إلا أن الأرمن لم يتمسّكوا حتى ولا في ذلك العصر بالاعتراف كما هو مستعملٌ الآن. لأن البابا بناديكتوس الثاني عشر الذي عاش في القرن الرابع عشر يشكو كما تقدم إلى ملك الأرمن ورئيس أساقفتهم من بعض غلطات في طائفتهم ويطلب أن تحرم بمجمع أرمني. وكان عدد تلك الغلطات حسبما ذكرهُ هذا البابا مئة وسبع عشرة غلطة. والغلطة الثانية والثمانون منها هي أنهُ متى أراد أحدٌ أن يتناول يصير من الكاهن اعتراف عمومي ثم يراجع الشعب الاعتراف الذي يكون قد عملهُ ذاك. ولكن ليس أحدٌ من الأرمن إلا نادراً يعترف بخطاياه إلى الكاهن سراً. وهم يزعمون ويعتقدون أن هذا الاعتراف العمومي كافٍ لغفران الخطايا. انتهى[185] فينتجُ واضحاً من هذه العبارات أنهُ ولو كان عندهم نوعٌ من الاعتراف كان ذلك يختلف بالكلية عن الاعتراف السري المأمور به الآن عندهم. فالعادة الجارية الآن إنما صارت عمومية عندهم بعد أواسط القرن الرابع عشر. فقبلوهُ إذاً بعد الكنائس الأُخر الشرقية.

[169] - المجمع اللاتراني قانون 21.

[170] - تأملات في مز 37: 8.

[171] - موعظة 31 في الرسالة إلى العبرانيين.

[172] - تاريخ كنائسي لاوسابيوس كتاب 5 رأس 28 وإيرونيموس رسالة 30 وترتوليانوس عن التوبة رأس 9 وكبريانوس عن الساقطين.

[173] - تاريخ كنائسي لسقراتيس كتاب 5 رأس 19 وتاريخ كنائسي لسوزومينوس رأس 7: 16.

[174] - تاريخ كنائسي لشراك مجلد 4 وجه 318 إلى 321.

[175] - مسهيم مجلد 1 وجه 417.

[176] - راجع تصانيفهُ رسالة 130 وفي بعض النسخ رسالة 80.

[177] - تاريخ كنائسي لشراك مجلد 4 وجه 318 إلى 321 وسيجل مجلد 1 وجه 194 ووجه 195.

[178] - أقوال غرتيان عن التوبة قسم 2 علة 33 سؤال 3.

[179] - بطرس لمبرد كتاب 4 فصل 17.

[180] - أوسابيوس في أصل الغفرانات وجه 17 وبطرس لمبرد كتاب 14 فصل 18.

[181] - البرتوس كتاب 1 فصل 17.

[182] - توما في خلاصة اللاهوت قسم 3 فصل 74 إلى 90 وقسم 3 فصل 6 قضية 1.

[183] - توما في خلاصة اللاهوت قسم 3 فصل 8 قضية 1 و2.

[184] - توما في صورة الحلة كتاب 22 والخلاصة لتوما قسم 3 فصل 84 قضية 3.

[185] - أخبار كنائسية لرينلز عن سنة 1431 عدد 45 إلى 49.

أضف تعليق


قرأت لك

سلام وسط الألم

إن ميلاد المسيح قلب الأمور نحو الأفضل. فبدى الغفران أوضح والسلام أعمق والمحبة أصدق والتعزية أروع هذا كله بسبب ولادته الرهيبة!

تطبيقات للهواتف الذكية

  • تطبيق وعود الله
  • تطبيق الإنجيل لجهاز الآي فون
  • تطبيق الإنجيل لجهاز الآي باد
  • تطبيق الإنجيل المسموع
  • تطيبق مركز دراسات الكتاب المقدس
  • تطبيق أجوبة الله
  • تطبيق كلمة الحياة
  • تطبيق ترانيم وعظات مسموعة