عقائد

الباب السابع: الفصل الأول: في أصل الاستحالة

القسم: ريحانة النفوس في أصل الإعتقادات والطقوس.

إن التعليم بأن الخبز والخمر في العشاء الرباني يستحيلان إلى جسد المسيح ودمه الحقيقيين لم يكن موجوداً عند المسيحيين الأولين. وقد ظهر هذا التعليم أولاً على الصورة التي هو عليها الآن في القرن التاسع. ولكن لم يُقبَل عند عامة المسيحيين ولا صار تعليماً من تعاليم الكنيسة المثبتة إلى القرن الثالث عشر في أيام البابا إينوسنتيوس الثالث.

وفي القرون الأولى كان العشاء الرباني يُحفَظ ببساطةٍ كلية. فإن المسيحيين كانوا يحضرون إلى الاجتماعات الجهرية بهدايا اختيارية. ومن تلك الهدايا كان يُؤخَذُ مقدارٌ من الخبز والخمر يكفي للعشاء الرباني ويقدسه الأسقف بالصلاة وكان الشعب يجيب بقوله آمين[186] ثم كانت الشمامسة توزع العناصر. وبعد نهاية هذه الخدمة كانوا يعملون وليمةً تُسمَّى وليمة المحبة.

ولم تُستَعمل كلمة تدل على أنهم كانوا يظنون أن الخبز والخمر يتحولان إلى جسد المسيح ودمهِ. نعم إن هذه الخدمة كانوا قديماً يدعونها ذبيحة أو تقدمة كما دعاها يوستينوس الشهيد وإيريناوس وغيرهما. ولكن عند مقابلة هذه العبارات بغيرها مما استعملوه في هذا الموضوع يظهرُ جلياً أنها عبارات استعارية رمزية لا حرفية. لأنهم كانوا يحسبون هذه الخدمة رمزاً يدل على تلك الذبيحة العظيمة التي قدّمها المسيح عن الخطية على الصليب لا على أنه كان يُذبَحُ حقيقةً كل مرة في العشاء الرباني كما سنبرهن ذلك.

نعم إنهم كانوا يستعملون أيضاً ألفاظاً يظهرُ في أول الأمر أنها تدلُّ على تغيّر ما في المواد. وقد استعمل مثل هذه الألفاظ إيريناوس وكيرللس الأورشليمي وغيرهما. ولكن عند الفحص نرى أن هذا التغيّر الذي يذكرونهُ ليس تغيّراً طبيعياً يتحول به الخبز والخمر بالحقيقة إلى لحمٍ ودمٍ. بل تغيّراً ينتقلان به من استعمال دارج إلى استعمال مقدس. فكانا لا يزالان خبزاً وخمراً غير متغيّرين في طبيعتهما بل في كيفية الاستعمال فقط إذ ينتقلان من خدمةٍ عمومية إلى خدمة خصوصية مقدسة كما تقدّم.

ويتّضح أن هذا كان رأيهم أولاً من التشابيه الكثيرة التي استعملوها في إيضاح ماهية هذا التغيّر. فإن كيرللس[187] وإيريناوس[188] وغريغوريوس النيسي[189] وآخرين غيرهم يقولون أنه يشبه التغيّر الحاصل للزيت أو للمذبح أو للكنيسة بواسطة التكريس وأنه كالتغيّر الحاصل للعامي بواسطة الرسامة وللغير المولود ثانية بواسطة الميلاد الثاني. ولم يكن أحدٌ يظنُّ قط أن الزيت المقدس كان يتغير في طبيعته. أو أن المواد التي يُصنَع منها المذبح لم تبقَ كما كانت قبلاً من دون أدنى تغيّر. أو أن الحجارة والأخشاب وغيرها من المواد التي تُبنى منها الكنيسة تتغير بواسطة التقديس تغيّراً طبيعياً إلا أنها تتغير بتبديلها من استعمالٍ دارجٍ إلى استعمالٍ مقدس. وكذلك لم يحسب أحدٌ قط الأشخاص المرسومين والمتجددين بالروح القدس أنهم يتغيرون بنوعٍ من الأنواع في تركيبهم الطبيعي. لأنهم في هذا الأمر لا يزالون كما كانوا قبلاً غير أنهم أُفرِزوا من أعمالٍ عالميةٍ دارجةٍ إلى أعمال روحية فقط. ومن ثَمَّ لا يمكن أن نتعلّم منها أنه يصير تغير طبيعي في مواد عشية الرب لأن الأشياء التي تُشبَّه بها لم يُظَنَّ قط أنهُ حصل فيها تغيرٌ مثل هذا[190].

ثانياً أن الآباء القدماء يعلّمون صريحاً بأن العناصر المقدسة إنما هي رموزٌ وصُوَر وتشابيه وإشارات مجازية لجسد المسيح ودمهِ. ولم يكتفوا بذلك فقط بل لكي يتجنبوا كل خطرٍ من الغلط في فهمها يقولون صريحاً أن المتناولين لا يأكلون جسد المسيح الحقيقي ولا يشربون دمه الحقيقي. وبما أن هذا الموضوع مهمٌّ جداً والجميع يرغبون معرفة ما علَّم به آباء الكنيسة القدماء في هذا الشأن ينبغي أن نورد هنا بعض نُبًَذٍ من تصانيفهم كما هي مسطَّرة في كتبهم فنقول

أولاً إن إكليمنضوس الإسكندري في القرن الثاني يقول فبما أن المسيح يقول أن الخبز الذي أعطيكم إياه هو جسدي وبما أن الجسد يُسقَى بالدم لذلك دُعِي الخمر على طريق مجازي دماً. لأن الكلمة (أي المسيح) يُعبَّر عنه مجازاً بأسماء كثيرة مختلفة نظير لحم وجسد وغذاءٍ وخبز ودم وحليب. فالكتب المقدسة إذاً سمَّت الخمر رمزاً سرياً للدم الطاهر. والمسيح بارك الخمر بقولهِ خذوا اشربوا هذا هو دمي دم الكرمة. ومن ثم يكون العصير المقدس المفرح رمزاً مجازياً للكلمة الذي سكبَ نفسهُ عن كثيرين لمغفرة الخطايا. انتهى[191]

ثانياً إن ترتوليانوس الذي اشتهر في أواخر القرن الثاني وأوائل القرن الثالث يستعمل هذه العبارات وهي قوله أن الله في إنجيله قد أوحى هكذا بهذه القضية داعياً الخبز جسده لكي تفهموا من ذلك كيف جعل الخبز رمزاً لجسده. ويقول مراراً كثيرة أنه هو الخبز الذي يشير إلى جسد المسيح[192] وزد على ذلك أنه يعلّم بأنه يجب علينا أن نصدق شهادة حواسنا إذ يقول أنه لا يجب أن نشك في حواسنا لئلا نشك في صدق شهادتها في ما يخص المسيح نفسهُ. لأننا إذا شككنا في صدق حواسنا ربما نصل إلى أن نقول أن المسيح انخدع حينما نظر الشيطان ساقطاً من السماء. أو حينما سمع صوت الآب يشهد له. أو انخدع في لمس حماة بطرس التي شفاها. أو في طعم الخمر الذي قدسه تذكاراً لدمه. انتهى[193]. ولا يخفى أنه أراد بهذه العبارة أنه كما أننا ننظر ونذوق تلك الموضوعات ونجدها لم تزل خبزاً وخمراً يجب أن نصدق أن العناصر التي بقيت غير متغيّرة في جوهرها وشكلها.

ثالثاً إن كبريانوس الذي عاش في القرن الثالث يقول يجب أن نلاحظ أنه بواسطة الخمر يشار إلى دم المسيح[194].

رابعاً إن أوريجانوس الذي عاش في القرن الثالث أيضاً يقول أن الخبز الأرضي في نفسه لا يختلف عن غيره من الأطعمة[195].

خامساً إن أوسابيوس القيصري الذي عاش في القرن الرابع يقول عن الخبز والخمر أنهما رمزٌ لجسده ودمه[196] وفي إيضاحه كلام مخلِّصنا في الأصحاح السادس من إنجيل يوحنا حيث يتكلم المسيح على سبيل المجاز عن أكل المسيحيين جسده وشربهم دمه يقول عن الرب كأنه له المجد يقول لا تفتكروا أني أتكلم عن الجسد الذي أنا حامله كأنَّ هذا يجب أن يُؤكَل. ولا تظنوا أني أقدم لكم دمي الطبيعي الجسدي لكي تشربوه. ولكن اعلموا أن الكلمات نفسها التي كلمتكم بها هي روحٌ وحياة حتى أن ذات كلامي وتعليمي هما لحمٌ ودمٌ. والذي يخصصهما بنفسه يقتات كأنه بطعامٍ سماوي فيكون شريكاً في الحياة السماوية[197].

سادساً إن كيرللس الأورشليمي الذي كان في القرن الرابع يقول لأنه تحت رمز الخبز يعطيك جسدهُ وتحت رمز الخمر يعطيك دمهُ لكي يكون لك بهذه الواسطة شركة في جسد المسيح ودمهِ إذ تكون جسداً واحداً ودماًَ واحداً معهُ[198].

سابعاً إن غريغوريوس النـزينـزي الذي عاش أيضاً في القرن الرابع يدعو العشاء الرباني رمزاً للسر العظيم ذبيحة المسيح ورمز الذبيحة التي بواسطتها تم فداء الجنس البشري[199].

ثامناً يقول أوغسطينوس ذلك النيّر العظيم في القرن الرابع يقول أن الرب لم يتأخر عن القول هذا هو جسدي عندما أراد أن يعطي علامةً لجسده[200] وأيضاً يدعوه صورة جسده ودمه[201] وفي مكانٍ آخر يخبر عن المسيح بأنه يقول لتلاميذه افهموا على معنىً روحي ما قلتهُ لكم. فإنكم لستم مزمعين أن تأكلوا هذا الجسد ذاته الذي ترونهُ. ولا أن تشربوا هذا الدم ذاته الذي سوف يسفكه أولئك الذين يصلبونني. بل بالعكس قد رسمتُ لكم سراً مخصوصاً يحييكم إذا فُهِم فهماً روحياً. وهذا السر مع أنه يُتمَّم على نوعٍ منظور يجب أن يفهم على نوع غير منظور[202].

تاسعاً إن ثاودوريتوس الذي كان في القرن الخامس يقول ولا الرموز السرية تعدم طبيعتها الخصوصية بعد التقديس لأنها تبقى على جوهرها وشكلها وجنسها الأول[203].

عاشراً إن فاكوندس أحد أساقفة إفريقية في القرن التاسع يقول ليس أن الخبز هو بالحقيقة جسدهُ ولا الخمر هو بالحقيقة دمهُ ولكنهما يتضمنان سرَّ جسدهِ ودمهِ فيهما[204].

حتى أن البابا جلاسيوس في القرن الخامس يقول ومع ذلك جوهر أو طبيعة الخبز والخمر لا يتلاشى. وبالحقيقة إن رمز وشبه جسد المسيح ودمه يظهران في ممارسة الأسرار[205].

ويمكننا أن نورد عبارات كثيرة نظير هذه. ولكن مما تقدم يتضح جلياً أن الكنيسة القديمة كانت تحسب هذا السر رمزياً وتذكارياً لا أنه وجد فيه تحوّل إلى جسد المسيح ودمهِ الحقيقيين كما هو الاعتقاد الآن.

ثالثاً ومما يثبت أن الكنيسة في القرون الأولى لم تعتقد بالاستحالة هو أن أعداء الديانة المسيحية لم تعيّر المسيحيين على اعتقادعم بذلك. مع أنهم كانوا يهزأون بهم لأجل عبادتهم المسيح كإله ويضحكون من تعليم التثليث. ولا يخفى أن هذه التعييرات تثبت وجود هذه التعاليم. فلو كانت الاستحالة من جملة تعاليمهم المقبولة لكانوا ضحكوا عليهم بسببها أيضاً لأن هذه القضية تكون عند الوثنيين مضادةً للعقل كلاهوت المسيح وتثليث الأقانيم. فإذاً عدم ذكر الاستحالة في كتب الأعداء هو برهانٌ على أنها لم تكن من جملة اعتقادات المسيحيين الأولين.

وممن كان أشد عداوة للديانة المسيحية يوليانوس الملك. فهذا الملك كان قد ظهر مسيحياً في إقراره. وكان قد اعتمد وصار عضواً للكنيسة وصار أيضاً راهباً مدة من الزمان وقارئاً في الكنيسة في نيكوميديا. ولكن بما أنه لم يقبل الحق في قلبه ارتدَّ أخيراً إلى الديانة الوثنية. فلا بد أنه كان قد عرف جيداً كل تعاليم الكنيسة. فلو كانت الاستحالة من جملتها لكان يعرفها لا محالة. إلا أنه في جميع كتاباته لا يشير إليها.

وهذا الملك كان حكيماً عالماً وكتبَ كتباً كثيرة. ومن جملتها كتاب ضد الديانة المسيحية وهو في هذا الكتاب يهزأُ بعبادة المسيح ولاهوته والحَبَل به بالروح القدس وولادته من مريم العذراء. وبكون المسيح خالق العالم وابن الله وكلمة الله ومساوياً للآب. وبالثالوث والمعمودية وأشياء أُخر كثيرة. ويضحك أيضاً على الجليليين أي المسيحيين لأجل قولهم أن المسيح قد ذُبح مرة واحدة لأجلهم وأنهم لذلك لا يقدمون ذبائح. ومع أنه كان متشدداً بهذا المقدار في مضادته للديانة المسيحية ويجتهد بنوعٍ خصوصي في البحث عن كل ما يقدر أن يضحك به عليهم فهو لا يذكر أبداً حتى ولا يشير إشارةً يسيرة إلى أمر الاستحالة. فلو كان ذلك موجوداً هل كان ممكناً أن لا يذكرهُ. أليسَ ذلك برهاناً قاطعاً مقنعاً بأنه في القرن الرابع عندما كتب يوليانوس كان هذا التعليم غير معروفٍ بالكلية[206].

إن أول من علّمَ بحدوث تغيّر طبيعي في هذه العناصر كان أوتيخس الأراتيكي في القرن الخامس. ومنهُ دخلَ شيئاً فشيئاً في الكنيسة[207] ولكن التعليم بتحوّل الخبز والخمر حقاً إلى ذات جسد المسيح ودمهِ كما هو الاعتقاد الآن لم يوجد أحدٌ يحامي عنه ولا ترتّب في تعاليم الكنيسة حتى القرن التاسع.

وعندما أظهرَ أولاً أوتيخس الأراتيكي التعليم بهذا التغيّر قاومه حالاً ثاودوريتوس في كتاب يذكر فيه آراء الكنيسة الأرثوذكسية عن لسان شخصٍ يسميه أرثودكسوس. وأرثودكسوس هذا الذي هو نظير نائب للكنيسة يقول أن الرموز السرّية بعد التقديس لا تتحول عن طبيعتها لأنها لا تزال باقيةً على جوهرها وصورتها وشكلها الأصلي إذ يمكن نظرها ولمسها كما قبل التقديس[208] فحسب قول ثاودوريتوس هذه آراء الكنيسة في عصره في هذا الموضوع.

والبابا جيلاسيوس اتّفق مع ثاودوريتوس في مضادة تعليم أوتيخوس بقوله أن جوهر أو طبيعة الخبز والخمر لا يتلاشى كما تقدم.

ولكن مع أن أتباع أوتيخوس قاومهم البابا بسلطانه لم يزالوا متمسّكين بتعليمهم المُحدَث. حتى أنه في القرن التالي أي السادس قام أفرام الأنطاكي لمقاومتهم بقوله ليسَ عاقلٌ يقول أن الأشياء المحسوسة وغير المحسوسة شيءٌ واحدٌ. وأن المنظورة وغير المنظورة لا فرق بينهما. فهكذا جسد المسيح الذي يقبلهُ المؤمنون لا يزال جوهره المحسوس هو هو ولو كان بواسطة التقديس يُقرَن بنعمةٍ روحية[209].

فيتّضح من ذلك أن هذا التعليم كان أصله من إنسان أراتيكي. وأنه في القرن الخامس والسادس حُرِم على أنه تعليم أراتيكي.

ثم أن المجمع السابع المسكوني الملتئم سنة 754 في القسطنطينية حكم بأن ليس صورة أو رمز حقيقي للمسيح إلا واحدٌ وهو الخبز والخمر المقدسان في الأفخارستيا[210] وبذلك ظهر أنهم لم يكونوا يعتقدون بالاستحالة. ولكن المجمع الثاني النيقاوي سنة 787 قاوم هذا الحكم وحكم بأن الأفخارستيا ليست مجرد صورة جسد المسيح ودمهِ بل إنها جسد المسيح ودمهُ أي ذاتهما الحقيقية الطبيعية بحصر اللفظ[211] وهذا أول حكمٍ صدر من مجمع في إثبات الاستحالة. ومع أن هذا المجمع حكم بإثباتها لم تكن مقبولة عند الجميع ولا ترتّبت في إيمان الكنيسة ولا كانوا يحامون عنها محاماة رسمية حتى القرن التاسع.

والذي حامى عن هذا التعليم حينئذٍ بسكاسيوس ردبرت أحد الرهبان الفرنسية. وهو مسلَّمٌ من جميع مؤرخي الكنيسة أن ذلك الرجل كان أباً لهذا التعليم. والألفاظ والأفكار المتعلّقة بهذا الأمر كانت حينئذٍ مختلفة وغير ثابتة مع أن مجمعاً واحداً كان قد حكمَ به. وأما الراهب المذكور فاجتهد في إيضاح وتوطيد آراء الكنيسة في كتاب كتبه في هذا الموضوع[212] فذهب إلى أنه بعد التقديس لا يبقى إلا صورة الخبز والخمر وشكلهما. وأن جسد المسيح الحقيقي أي لحمهُ ودمهُ هو حاضرٌ حتى ذات جسد المسيح الذي وُلد من مريم العذراء وتألم على الصليب وقام من القبر. ولكن حصل مضادَّة شديدة لتعليمه هذا من أشهر وأفضل اللاهوتيين في ذلك العصر وكانوا يحسبونه تعليماً حديثاً وذلك يبرهن أنه إلى ذلك الوقت لم يكن من تعاليم الكنيسة. لأنه لو كان هذا الرأي رأي الجمهور وقتئذٍ لما وقع عليه مضادة ولا كان حُسِبَ حديثاً. والملك كرلوس الأقرع أقام رجلين مشهورين بالعلم والعقل وهما راترامْنُس ويوحنا سكوتوس لكي يوضحا إيضاحاً جلياً التعليم الذي كان يُظَنُّ أن ردبرت قد أفسدهُ. فكتب كل منهما كتاباً. وكان تعليم يوحنا سكوتوس أن الخبز والخمر علامتان وإشارتان إلى جسد المسيح ودمه الغائبَين[213] وكذلك راترامنس رفض ذلك التعليم الحديث رفضاً تاماً[214] ذاهباً إلى أن الخبز والخمر يدلان على جسد المسيح ودمه. وأن المتناولين يغتذون بالمسيح غذاءً روحياً بواسطة الإيمان. ورابانوس موروس الذي يقال أنه لم يكن له نظيرٌ في ذلك العصر نظراً إلى جودة العقل واتساع المعرفة وكثرة التصانيف التي ألَّفها ولذلك ارتقى إلى درجة رأس أساقفة هو أيضاً شجب هذا التعليم بألفاظٍ شديدةٍ[215] ذاهباً إلى أن الأفخارستيا هي إشارة رمزية. ومن ذلك قوله أننا قد قاومنا هذا الغلط بكل استطاعتنا[216] وكذلك ولفرد استرابون[217] وكريستيان دروثمار[218] وفلاروس مجستر[219] وجميع علماء ذلك العصر كتبوا ضد هذا التعليم المحدث. ودروثمار قاومهُ مقاومة شديدة حتى أن البعض ممن حامى عن تعليم الاستحالة زعموا أن كتابه قد تحرَّف ولكن لم يقدروا أن يثبتوا زعمهم. فمما تقدم نرى أن هذا التعليم مع أنه كان موجوداً في ذلك الوقت ولهُ محامون كان له أيضاً مضادّون أكثر من المحامين. والأكثرون رفضوه بكل جهدهم.

ولكن مع أنهُ في أول الأمر حصلت عليه مضادة عظيمة انتشر بالتدريج حتى أنه في القرن العاشر كان عدد الذين اعتقدوا بالاستحالة مساوياً لعدد الذين لم يعتقدوا بها مع الذين لم يكن لهم رأيٌ بالكلية في هذا الأمر لشدة جهلهم. ووجود هذا الاختلاف في هذه القضية في القرن العاشر مسلَّمٌ من جميع المؤلفين العلماء. فإن روثاربوس[220] وجربرت وغيرهما حاموا عن الاستحالة. وأما هريجر رئيس لندس أورد عباراتٍ كثيرة من الآباء ضدهُ[221] على أنه لم يحصل جدالٌ خصوصي في هذا القرن على هذا الموضوع.

وهذا الاختلاف في الرأي لم يزل مسموحاً به من دون قصاص إلى نصف القرن الحادي عشر. ولكن في سنة 1045 بارنجاريوس أحد العلماء من إكليروس فرنسا قاوم تعليم الاستحالة جهاراً وتمسك بمذهب سكوتوس وهو أن الخبز والخمر لا يتحوّلان إلى جسد المسيح ودمه بل هما رمزٌ لا غير[222] وعندما أشهرَ رأيه ابتدأ الجدال فيه. وحُرِم هذا المعلّم في مجمعين أحدهما انعقد في رومية سنة 1050 والآخر بعد ذلك في فرشللي. إلا أنه لم يكن حاضراً ولا في أحدٍ منهما. ثم في سنة 1059 و1078 وسنة 1079 انعقد ثلاثة مجامع متتابعة. فلأجل خوف من تهديدات أعدائه وضع اسمه لقانونٍ رفض فيه آراءَهُ القديمة. ولكن كان تسليمه لأعدائه ليس من الإقناع بل من الخوف. والدليل على ذلك أنه بعد التسليم استرجع إقراره الاغتصابي وتمسك بآرائه الأولى. وبسبب هذه المقاومة الجهارية لهُ خسر كثيراً حتى أن البابا غريغوريوس السابع كان يميل إلى رأي بارنجاريوس أكثر من ميلهِ إلى رأي أعدائهِ[223].

وفي القرن الثاني عشر كان لم يزل اختلافٌ في الآراء على قضية العشاء الرباني في المدارس وفي الكتب أيضاً. ومع أن الأكثرين استمالوا إلى رفض رأي بارنجاريوس لم يكونوا بعيدين كثيراً منهُ[224] وقبل المجمع الرابع اللاتراني كان للناس حرية في ما يخص اعتقادهم في طريقة وجود المسيح في هذا السر[225].

وهكذا كانت آراءُ الناس في هذا الموضوع حتى حكم البابا إينوسنتيوس الثالث في المجمع الرابع اللاتراني سنة 1215 أن الاستحالة كما تعلِّم بها الآن الكنائس في المشرق يجب أن تكون تعليم الكنيسة[226] ومع أن هذا التعليم كان قد انتشر باتساعٍ كان لم يزل كثيرون لم يتّفقوا فيه. ولم يصدر حكم جمهوري يحدد ما يجب الاعتقاد به من هذا القبيل قبل المجمع المذكور. ولكن مع وجود هذا الحكم ما زال هذا الأمر موضوعاً للجدال المتصل بين اللاهوتيين ولاسيما في البحث عن كيفية الاستحالة. والقضايا الخصوصية في هذا البحث توجد بتمامها في كتاب جسلر الفصل السابع والسبعين من الرأس الخامس فمن أراد فليراجعها هناك فلا حاجة هنا لإطالة الرشح.

فنرى مما قد ذُكر أنهُ من حين ما حامى ردبرت جهاراً عن هذا التعليم سنة 831 بقي الجدال فيه نحو أربع مئة سنة. ولم يصر من جملة التعاليم المقبولة المثبتة في الكنيسة الغربية إلا بعد هذا الجدال المستطيل. وبعد ذلك جميعهِ بقي كثيرون لم يقبلوه. فلو كان تعليماً من تعاليم الكتاب المقدس أو كان المسيحيون الأولون قد تمسكوا به لما حدث مثل هذا الجدال الطويل. فوجود الجدال فيه كل هذه المدة يدلُّ واضحاً على أنه أمرٌ مُحدَث.

وأما الأرمن فإنهم لم يقبلوا هذا التعليم إلا بعد هذا العصر بست مئة سنة. والدليل على ذلك يؤخذ من الرسالة التي كتبها البابا بناديكتوس الثاني عشر في القرن الرابع عشر المتقدم ذكرها. ويظهر من تلك الرسالة أن البابا المذكور كان قد أرسل مكاتيب وقُصَّاداً إلى كاثوليكوس الأرمن أي رئيس أساقفتهم لكي يتحقق ماذا كانت آراؤُهم في القضايا التي كان يظن أنهم غلطانون فيها. فأتاه الجواب عن ذلك ولكنه في مكتوبٍ آخر تشكّى من عدم كفاءته لإقناعه. وذلك بقوله أننا لم نقدر قبلاً ولا نقدر الآن أن نستنتج من مثل هذه الأجوبة ما هو اعتقادكم الحقيقي فيما يخص أموراً كثيرة وكذلك من جهة اعتقاد الكنيسة التي في أرمينية الصغرى. ثم بعد ذكرهِ أموراً أخرى يذكر البعض من التعاليم التي يرفضها الكاثوليكوس والأرمن ومن جملتها هذا التعليم وهو أن جسد المسيح بعد كلمات التقديس هو هو في العدد (جسد واحد) كما وُلد من العذراء وذُبح على الصليب. ومن ثَمَّ يظهر أنه بعد تكرار المكاتبة من الطرفين وإرسال قصاد مخصوصين لأجل الفحص عن آراء الأرمن وجد أنهم لن يقبلوا تعليم الاستحالة في ذلك العصر أي سنة 1350 وذلك من مضي نحو خمس مئة سنة[227]. وليس لنا وسائط للتحقيق في أي وقت بعد ذلك انتشر هذا التعليم فيما بينهم. ولكن الأمر واضح أن ذلك كان لا محالة في أواسط القرن الرابع عشر.

ثم يقترن بتعليم الاستحالة اقتراناً شديداً التعليم بأن المسيح الذي قدّم نفسه مرة واحدة ذبيحة دموية على الصليب يُقدَّم ثانية ذبيحة غير دموية لأجل خطايا الأحياء والأموات كلما تقدست العناصر من القسيس. وأما هذا التعليم بأن المسيح يقدَّم ذبيحة مراراً هو مضاد لكلام الله مضادَّة كلية لأن بولس الرسول يقول صريحاً هكذا المسيح أيضاً بعد ما قُدِّمَ مرة لكي يحمل خطايا كثيرين[228] ويقول أيضاً فبهذه المشيئة نحن مقدَّسون بتقديم جسد يسوع المسيح مرة واحدة[229] وأيضاً يقول فإذ ذاك كان يجب أن يتألم مراراً كثيرةً منذ تأسيس العالم ولكنهُ الآن قد أُظهر مرَّةً عند انقضاء الدهور ليبطّل الخطية بذبيحة نفسهِ[230] ففي هذا العدد الأخير يناقض الرسول صريحاً هذا الفكر بأنه يقدَّم مراراً. وقال الرسول في هذه الرسالة عينها الذي ليس له اضطرار كل يومٍ مثل رؤساء الكهنة أن يقدم ذبائح أولاً عن خطايا نفسه ثم عن خطايا الشعب لأنهُ فعل هذا مرة واحدة إذ قدم نفسهُ[231].

وكما أن هذا التعليم لم يعلّم به الكتاب المقدس هكذا أيضاً لم يوجد في الكنيسة في القرون الأولى. نعم إن البعض من الآباء مثل كيرللس وفم الذهب يسمون العناصر ذبيحة مقدسة رهيبة وأسراراً مخيفة ونحو ذلك. ولكن كان ذلك كما قد بيَّنَّا على سبيل المجاز ولم يقصدوا به أنها ذبيحة حقيقية بل أنها تذكار فعّال مؤثّر للذبيحة التي قدمها المسيح عن الخطية فقط. وذلك واضحٌ من كتاباتهم. قال فم الذهب[232] أفما نقدم كل يوم نعم إننا نقدم ولكن على طريقة بها نذكر موت المسيح لا غير. ودائماً نقدم تقدمة واحدة أو بالحري نصنع ذكر تلك التقدمة الوحيدة. انتهى. وهكذا يعلّم أوغسطينوس بقوله[233] أن المسيحيين بتقدمة جسد المسيح ودمه والاشتراك بهما يداومون ذكر الذبيحة التي صُنِعت مرة واحدة. وأيضاً بقوله في العشاء الرباني أنهُ ذبيحةٌ بهذا المعنى أي أنها سرّ العيد التذكاري لذبيحة المسيح[234] ومن ثمَّ يتكلم كلاماً مستطيلاً في هذا المعنى ومن جملة ما قالهُ في ذلك عباراته الحسنة التالية. وهي أن الذبيحة الحقيقية تقوم بأن النفس وهي مضطرمة بنار المحبة السماوية تكرس ذاتها تكريساً كاملاً لله. وجميع الأعمال التي تصدر من النفس وهي في هذه الحالة إنما هي بهذا المعنى ذبائح. وجميع المفتدين لله جماعة القديسين هم الذبيحة العمومية التي تُقدَّم إلى الله بواسطة عظيم الكهنة الذي قدم نفسه من أجلنا حتى إذا اقتدينا بمثاله نصير جسداً لهذا الرأس العظيم. فهذا هو ما تدل عليه ذبيحة المسيح في عشية الرب أنه في الذبيحة نفسها تقدم الجماعة ذاتها ذبيحةً لله. أعني أن نار المحبة التي تضطرم في تذكار ذبيحة المسيح الحية في الشركة المسيحية تتضمن بالضرورة هذا الأمر وهو أن الذين يتّحدون بواسطة الإيمان بالفادي في جماعة واحدة مقدسة وهم يقتدون به يكرّسون أنفسهم تكريساً كاملاً لكي يكونوا خاصةً لهُ ويعبدوهُ. انتهى[235].

فإذاً حينما يدعو الآباء العشاء الرباني ذبيحة يجب أن نفهم كلامهم على وجهٍ مجازي. وإلا فيحصل مناقضة بين كلامهم الصريح وكلامهم المجازي ويضادُّون أنفسهم.

ولكن مع أن لفظة الذبيحة كانت في البداءة مجازية صارت مع تمادي الزمان تُفهَم حرفياً. حتى أنه في القرن السادس كان كثيرون يحسبون العشاء الرباني ذبيحة حقيقية ذات قوة سرية للأحياء والأموات. وهذا الفكر اشتهر على الخصوص في تصانيف غريغوريوس الكبير. ولكن مع أنه نسب مثل هذه القوة السرية إلى ما كان يحسبه ذبيحة ذكر أيضاً أنه يجب أن الإنسان يكرس نفسه تكريساً كاملاً لله. فيقول وتصير حقاً ذبيحة لله من أجلنا حين نقدم أنفسنا ذبيحة.

ثم بعد ما كان ابتداء هذا التعليم هكذا امتدَّ شيئاً فشيئاً. إلا أنه لم يصر تعليماً مثبتاً حتى القرن السادس عشر. نعم إنه كان قد امتد باتّساعٍ ولكن أول من حكم بتثبيته كان المجمع التريدنتيني وذلك في كثيرٍ من أعماله ولاسيما في جلسته الثانية والعشرين (رأس 2).

[186] - الاحتجاج الثاني ليوستين الشهيد وجه 98 إلخ.

[187] - تعليم مسيحي في الأسرار لكيرللس قسم 3 وجه 235.

[188] - إيريناوس ضد الهرطقة كتاب 4 رأس 34 فصل 6.

[189] - غريغوريوس نيسي عن المعمودية مجلد 4 وجه 369.

[190] - صعوبات المذهب الروماني لفابر وجه 58 إلى 60.

[191] - إكليمنضوس الإسكندري كتاب 1 رأس 6 وجه 104 و105 وكتاب 3 رأس 2 وجه 156 وكتاب 2 رأس 2 وجه 158.

[192] - ترتوليانوس ضد مرسيان كتاب 1 رأس 14 وكتاب 3 فصل 12 و13 وجه 209.

[193] - ترتوليانسوس عن النفس وجه 653.

[194] - رسالة كبريانوس إلى سيلسيوس 63 وجه 153 و154.

[195] - أوريجانوس في يوحنا فصل 16 وفي متى وجه 898.

[196] - الإيضاح الإنجيلي كتاب 1 رأس 10 وجه 39.

[197] - اللاهوت الكنسي رأس 3 فصل 12.

[198] - تعليم مسيحي لكيرللس قسم 4 وجه 217.

[199] - خطاب 1 وجه 38.

[200] - ضد أديمنتوس رأس 12.

[201] - تفسير المزمور الثالث.

[202] - أوغسطينوس في المزمور الثامن والتسعين.

[203] - ثاودوريتوس مخاطبة 2 قسم 4 وجه 126.

[204] - فاكوندس في محاماته عن مجمع خلكيدونية كتاب 2 رأس 2 وجه 158.

[205] - جلاسيوس في طبيعتي المسيح ضد نسطور وأوتيخوس مجلد 4 وجه 422.

[206] - صعوبات المذهب الروماني لفابر وجه 100 إلى 102.

[207] - ثاودوريتوس مجلد 4 وجه 84.

[208] - ثاودوريتوس خطاب 2 وجه 85.

[209] - أفرام الأنطاكي ضد أوتيخوس وجه 229.

[210] - صعوبات المذهب الروماني لفابر وجه 125.

[211] - مجمع نيقية الثاني قضية 6.

[212] - بسكاسيوس ردبرت عن جسد الرب مجلد 9 وجه 367 إلى وجه 378.

[213] - مسهيم مجلد 2 وجه 105.

[214] - راترامنس عن جسد المسيح ودمهِ.

[215] - رابانوس موروس رسالة عن التوبة رأس 23.

[216] - رسالة رابانوس إلى هيريبلدوس رأس 33.

[217] - ولفرد في أمور الكنيسة رأس 16.

[218] - كريستيان دروثمار تفسير إنجيل متى 26: 26.

[219] - فلاروس مجستر في القداس رأس 4.

[220] - روثاربوس عن جسد الرب ودمهِ رسالة 6.

[221] - مكتبة كنيسة لفبريكيوس وجه 109.

[222] - رسالة بارنجاريوس إلى لنفرانك.

[223] - مجموع قصص لمرتوس مجلد 4 وجه 99 إلى 109.

[224] - مسهيم مجلد 2 وجه 301.

[225] - تنستاليوس في الأفخارستيا كتاب 1 وجه 146.

[226] - مجمع لاتراني جلسة 4 رأس 1 في تقرير المجمع.

[227] - رينلد عن سنة 1351 عدد 2 وما يليهِ.

[228] - عب 9: 28.

[229] - عب 10: 10.

[230] - عب 9: 26.

[231] - عب 7: 27.

[232] - عظة 17 في الرسالة إلى العبرانيين فصل 3.

[233] - ضد فوستوس كتاب 20 رأس 18.

[234] - ضد فوستوس كتاب 100 رأس 21.

[235] - أوغسطينوس مدينة الله كتاب 10 رأس 6.

أضف تعليق


كود امني
تحديث

قرأت لك

من الذي يغفر؟

لو كان غفران الخطايا يأتي من خلال البشر لكنا جميعا أشقى الناس، ولو كان الإنسان هو الذي يتحكّم بالمصير الروحي والأبدي لأخيه الإنسان فيا لتعاسة البشرية، ولو كان نسيان الخطايا بعد التوبة متعلق باللحم والدم لما كان غفران ولما كان خلاص ولما كان انتصار، ولكن شكرا لله لأنه هو نفسه من يغفر الخطايا وهو وحده من يعطي حياة جديدة وهو وحده يدين إذا أراد ذلك "كبعد المشرق من المغرب أبعد عنا معاصينا. كما يترأف الأب على البنين يترأف الرب على خائفيه" (مزمور 12:103).

تطبيقات للهواتف الذكية

  • تطبيق وعود الله
  • تطبيق الإنجيل لجهاز الآي فون
  • تطبيق الإنجيل لجهاز الآي باد
  • تطبيق الإنجيل المسموع
  • تطيبق مركز دراسات الكتاب المقدس
  • تطبيق أجوبة الله
  • تطبيق كلمة الحياة
  • تطبيق ترانيم وعظات مسموعة