عقائد

الباب السابع: الفصل الثاني: في رفع القربان وعبادته

القسم: ريحانة النفوس في أصل الإعتقادات والطقوس.

إن عادة رفع الخبز والخمر قبل المناولة لكي ينظرهما الشعب وُجِدَت في أماكن كثيرة في القرن الرابع والخامس إلا أنها لم تكن بين الجميع. ثم امتدَّت هذه العادة في كنيسة الروم من القرن السابع. وأما في كنيسة اللاتينيين فمن القرن الحادي عشر. وقبل ذلك العصر لا يوجد ذكرٌ لهذه الرفعة في الكنيسة اللاتينية. فإن المعلم بونا أحد المؤلفين الكاثوليكيين المشهورين في القرن السابع عشر يقرُّ صريحاً بأنه لا يوجد لها أثرٌ قبل ذلك العصر[236] وكذلك إقرار أشهر العلماء في الكنيسة الرومانية.

ومع أن هذه الرفعة قد وُجدت في ذلك العصر لم يكن المقصود منها عبادة العناصر بل إنما الدلالة على رفع المسيح على الصليب. كما يصرّح بذلك جرمانوس أسقف القسطنطينية الذي عاش في نحو سنة 715[237] وهكذا أيضاً يصرح بونا العالم الروماني المذكور آنفاً. والدلائل الآتية توضح لنا أنه لم يُقصَد بها شيء من العبادة. الدليل الأول أن المسيحيين الأولين لم يعتقدوا أن الخبز والخمر يعدمان طبيعتهما كما تقدم البرهان. الثاني أنه ليس أحدٌ من المؤلفين القدماء يذكر هذه العبادة. فلو كانت موجودةً لكان البعض منهم يذكرها لا محالة. الثالث أنه في جملة الاعتراضات التي اعترض بها الوثنيون على المسيحيين كعبادة الشمس وعبادة إنسان مصلوب ميت لم يعترضوا عليهم بعبادة الخبز والخمر. ولو كان لهؤلاء بابٌ لهذه الشكوى لكانوا لا محالة استعملوا ذلك كما يفعلون الآن مراراً كثيرة. الرابع أن الليتورجيات القديمة لا يوجد فيها صلوات أو تماجيد أو تسابيح للأفخارستيا كما يوجد الآن في ليتورجيات الكنائس الشرقية. الخامس أن المسيحيين الأولين كانوا يعترضون على الوثنيين بأنهم يعبدون أشياء خرساءَ عديمة الحياة يجب حملها على أكتاف الناس وإذا سقطت لا تقدر على القيام ويجب أن يحرسها الناس ويحتفظوا عليها من اللصوص وهي تحت استيلاء النار أو الريح والصدأ والسوس والفساد وغير ذلك من العوارض وفي خطرٍ من أن تأكلها الفيران وغيرها من الحيوانات. فلو كانوا حينئذٍ متمسكين بعبادة الأفخارستيا أو الصور أو الذخائر أو الصلبان لما كانوا قطُّ اعترضوا بهذه الاعتراضات خوفاً من أن يقع عليهم هذا اللوم بعينهِ[238].

أما تقديم العبادة هكذا للعناصر فمن المعلوم أنه مقترنٌ اقتراناً شديداً بتعليم الاستحالة. ونتعلم من التاريخ أن ابتداءهما كان في زمانٍ واحدٍ. ولم تجرِ العادة في عبادة العناصر المقدسة إلى القرن الثالث عشر. والكردينال ويدو أدخلها أولاً سنة 1203 وتثبتت بأمرٍ من البابا هنوريوس سنة 1217[239] ومن البابا غريغوريوس العاشر بعد ذلك بسنين قليلة[240] ولكن قبل القرن الثالث عشر لا يوجد أثر لهذه العبادة.

ولا حاجة إلى تقديم براهين نثبت بها أن هذه العادة أي عبادة العناصر مضادة بالكلية للعهد الجديد لأننا فضلاً عن أنهُ لا يوجد آية واحدة تثبتهُ نرى أن حرف العهد الجديد وروحه يرفضانه رفضاً تاماً.

ثم أنه مع كوننا قد تكلمنا على هذا المنوال عن العوائد الدارجة المتعلقة بهذا السر لا نستخفُّ البتّة بالعشاء السري نفسه ولا نقصد أن نحطَّ شأنهُ. كلا لأنه حسبما ترتب من المسيح هو من الأمور الأكثر اعتباراً. ويجب أن يُحفَظ من كل مسيحي حقيقي على أكمل نوعٍ من التقوى والوقار. ولا يوجد عملٌ من الأعمال التي يمارسها الإنسان في حياتهِ أعظم من اشتراكه في رمز جسد المسيح المكسور ودمه المسفوك. لأنه مع أن الخبز والخمر لا يتحولان إلى ذات جسد المسيح ودمه الحقيقيين لكن المسيح يحضر حضوراً روحياً مع كل من يشترك فيه بإيمان ويظهر له ذاته ويباركهُ. وهو من أثمن بركات المسيحي أن يتذكر هكذا محبة ربه الممجَّد. لأنه متى فعل ذلك عن إيمان حيّ بالتواضع والشعور القلبي بعدم استحقاقه والتأمل في عظمة محبة المسيح العجيبة فإن هذا السر فضلاً عن إصداره تعزيةً لهُ يكون له منه قوةٌ وغذاءٌ روحي. ولهذا يجب حفظهُ على كل تلميذ حقيقي للمسيح.

[236] - بونا كتاب 2 رأس 13 عدد 2.

[237] - جرمانوس مجلد 2 وجه 163.

[238] - راجع بنكهام كتاب 25 رأس 5 فصل 5 و6.

[239] - قيسارهيستربك كتاب 9 رأس 51.

[240] - أوامر غريغوريوس كتاب 3 قسم 41 رأس 10.

أضف تعليق


كود امني
تحديث

قرأت لك

الصليب، ضعف وجهالة أم حكمة وبسالة؟!

ليس خفياً ان رمز المسيحية هو الصليب، ومع ان الرسول بولس اعلن قراره الواضح قائلا:"حاشا لي ان افتخر الا بصليب المسيح"، الا انه في ذات الوقت صرّح ايضا:"ان الصليب ضعف وجهالة" في رسالته الاولى الى اهل مدينة كورنثوس....

تطبيقات للهواتف الذكية

  • تطبيق وعود الله
  • تطبيق الإنجيل لجهاز الآي فون
  • تطبيق الإنجيل لجهاز الآي باد
  • تطبيق الإنجيل المسموع
  • تطيبق مركز دراسات الكتاب المقدس
  • تطبيق أجوبة الله
  • تطبيق كلمة الحياة
  • تطبيق ترانيم وعظات مسموعة