عقائد

الباب الثامن: في أصل المطهر

القسم: ريحانة النفوس في أصل الإعتقادات والطقوس.

المراد بالمطهر التعليم بأن أنفس المؤمنين بعد الموت تتطهر من الخطية بواسطة احتمال آلامٍ وعلى الخصوص بواسطة نارٍ مطهرية. ومن جهة هذا التعليم يوجد دلائل واضحة على أنه ناتجٌ من الديانة الوثنية. فإن كثيرين من الوثنيين كانوا يعتقدون بمثل هذه الأوهام وهو أمرٌ لا يشوبه ريبٌ. والفيلسوف الوثني أفلاطون كان يعلم واضحاً بأن بعض الأنفس من بعد ذهابها إلى الهاوية مدةً من الزمان وتطهيرها وحلّها بعذاباتٍ شديدة تخلص حينئذٍ لا محالة[241] والكردينال بلارمينوس يبني برهاناً لإثبات هذا التطهير على اعتقاد الوثنيين بهِ[242] كأن ما اعتقد به الوثنيون لا بد أن يكون صادقاً. والحال أنه إذا سلَّمنا بهذا المبدأ يلزمنا جميعاً أن نصير وثنيين. ثم أن كثيرين من الآباء مثل أوريجانوس وأوغسطينوس وإيرونيموس أيضاً استعملوا ألفاظاً تقرب في ظاهرها من تعليم المطهر. وبما أنهم كانوا متمسكين بالفلسفة الأفلاطونية ومائلين إليها ميلاً شديداً لا ريب أنهم أخذوا هذا الرأي منها. لأنه لا يمكن أن يكونوا قد استنتجوه من الإنجيل الذي لا يشير إليه في مكانٍ. ولكن مع أنهم تكلموا عن طريقة للتطهير لم تكن هي طريقة المطهر كما تعلّم بها الآن كنيسة رومية بل تختلف عنها اختلافاً تاماً. لأنهم كانوا يظنون أنه سيبقى شيءٌ من النقص حتى في أفضل الناس يوم الدينونة. ولهذا ظنوا أنه لكي يخلصوا بالكلية من هذا النقص لا بد لهم من الاجتياز في النار في اليوم الأخير. حتى أن الأنبياء والرسل مثل دانيال وحزقيال ويوحنا الإنجيلي ومريم العذراء أنفسهم لا يُستَثنَون من هذا الحكم. وكانوا يتصورون أن هذا الامتحان بالنار يكون يوم الدينونة دفعةً واحدة لا أنه يكون امتحاناً مديداً كما في المطهر. ولكن أوغسطينوس لا يتكلم بثقةٍ عن هذا الأمر. فإنه يقول ربما لا يكون غير مصدَّق[243] وإن السؤال هل هو هكذا فيه نظر. وأنه لا يضاده لأنه ربما يكون صادقاً.

ويتضح من تأليفات آباءِ القرون الأولى أنهم لم يقبلوا هذا التعليم.

فإن بوليكربوس الذي توفي سنة 167 يتكلم عن القيامة ولا يشير أصلاً إلى المطهر[244] ولو كان يؤمن بهذا التعليم لكان قد ذكرهُ لا محالة.

وأثيناغوروس أيضاً الذي عاش في القرن الثاني ألف كتاباً في قيامة الموتى. ومع أن الموضوع كان يدعوهُ إلى الكلام عن هذا التعليم لو اعتقد بهِ لم يذكرهُ مطلقاً[245]

وكذلك أغناطيوس في القرن الثاني يقول صريحاً أنه يوجد حالان فقط في العالم الآتي حال الموت وحال الحياة وهما موضوعان أمامنا حتى أن كل من انتقل ينتقل إلى مكانه الخاص به[246] فلم يذكر قط مكاناً ثالثاً.

وإكليمنضس الإسكندري الذي توفي في أوائل القرن الثالث يقول أننا متى انتقلنا من هذه الحياة لا يوجد لنا مكان في الحياة الأخرى لكي نعترف أو نتوب[247] فلو كان ممن يصدّق بوجود المطهر لما أمكن أن يكتب مثل هذه العبارة.

وكبريانوس في القرن الثالث يقول متى انتقلنا مرة من ههنا لا يعود يوجد مكان للتوبة ولا فائدة للوفاء. بل الحياة نخسرها هنا. وفي كلامه عن المؤمن يقول أنه بعد الموت حالاً ينتقل إلى الغبطة وعدم الموت[248].

فمن الواضح إذاً أن هذا التعليم في القرون الثلاثة الأولى لم يكن معروفاً حتى أن كلام أوغسطينوس وغيره في القرن الرابع لم يعلمهُ كما هو المُعتَقَد الآن. ولكن مع أن هذه الأفكار الملتبسة لم تكن عين تعليم المطهر نرى أن الاعتقاد بأن الأنفس تتطهر بنوعٍ من النار بعد الموت امتدَّ رويداً رويداً. حتى أنه في القرن الخامس كان قد نما كثيراً[249] وفي القرن السادس تثبَّتت هذه الآراء بواسطة عناية البابا غريغوريوس الكبير وصارت أكثر شيوعاً. فإن البابا المذكور وصف بمبالغة العذابات التي تكابدها الأنفس المنتقلة. والتخفيف الذي حسب زعمهِ تحصل عليه بواسطة تقديم بعض ذبائح[250] ومن ذلك الوقت فصاعداً لم يزل هذا التعليم يزداد قبولاً وظهوراً حتى وصل إلى ما هو عليه الآن إلا أنه لم يُثبت قاعدةً من الإيمان حتى مجمع فلورنسا المنعقد سنة 1439. ثم إن المجمع التريدنتيني أيضاً في القرن السادس عشر حكم بوجوب قبوله من الكنيسة كتعليم حقيقي. ومن ذلك الوقت صار من جملة تعاليم الكنيسة الكاثوليكية وواسطة لإيرادٍ عظيم لإكليروسها.

وأما كنيسة الروم وكنيسة الأرمن فإن عملهما لا يتفق مع معتقدهما. لأنهما ترفضان هذا التعليم بالكلام ومع ذلك تقدمان صلواتٍ لأجل الموتى. والحال أن كل صلاةٍ لأجل الموتى تستلزم الاعتقاد بأنه يمكن إصلاح حالهم بواسطة شفاعة الأحياء. وذلك مثل تعليم المطهر.

وأما تعليم الكتاب المقدس في هذا المعنى فيمكن حصرهُ في كلماتٍ قليلة. وذلك أنه لا يوجد شيءٌ في الكتب المقدسة القانونية يعضد هذا التعليم. بل العكس يوجد آيات كثيرة تدحضهُ دحضاً جازماً. ونكتفي بذكر مَثَل الرجل الغني ولعازر[251] فإن الرجل الغني المعذَّب في لهيب جهنّم قال له إبراهيم بيننا وبينكم هوةٌ عظيمة قد أُثبِتت من هناك يجتازون إلينا (أي من جهنم إلى السماء). فهذا كلام يصرّح واضحاً أنه لا يُعتَق أحدٌ من ذلك المكان المملوء من العذابات إلى الأبد. بل مهما طال زمان عذابهم ومهما قدَّمت الأحياء عنهم من الصلوات الحارَّة لا يمكنهم أبداً أن يجتازوا تلك الهوة العظيمة الثابتة بينهم وبين السماء. وأيضاً في أعمال الرسل لم يوجد شيءٌ يثبت تعليم المطهر.

[241] - أوسابيوس كتاب 2 رأس 38.

[242] - بلارمينوس عن المطهر كتاب 1 رأس 2.

[243] - كتابهُ في 7 سؤالات فصل 13.

[244] - رسالتهُ إلى فيلبس فصل 2 و7.

[245] - أثيناغوروس عن قيامة الموتى وجه 143 إلى 219.

[246] - رسالة أغناطيوس إلى مغنيسيوس فصل 5.

[247] - إكليمنضس على 1 كو فصل 23 إلى فصل 27.

[248] - كبريانوس إلى ديمتريوس وجه 196.

[249] - مسهيم مجلد 1 وجه 406.

[250] - خطابات غريغوريوس الكبير كتاب 4 رأس 39 وكتاب 2 رأس 23 وكتاب 4 رأس 40 و55.

[251] - لوقا 16: 19 إلى 31.

أضف تعليق


كود امني
تحديث

قرأت لك

الله يدعو الجميع

منذ بدأ الخليقة وبعد سقوط آدم والله يبحث عن الإنسان الغارق بالخطية لكي يرجعه إليه، وعلى مر العصور نجد لمساته الدافئة في كل مكان، ففي سفر التكوين دعا الله إبراهيم لكي يخرج من أرضه

تطبيقات للهواتف الذكية

  • تطبيق وعود الله
  • تطبيق الإنجيل لجهاز الآي فون
  • تطبيق الإنجيل لجهاز الآي باد
  • تطبيق الإنجيل المسموع
  • تطيبق مركز دراسات الكتاب المقدس
  • تطبيق أجوبة الله
  • تطبيق كلمة الحياة
  • تطبيق ترانيم وعظات مسموعة