عقائد

الباب الثاني عشر: في توقير الذخائر وعبادتها

القسم: ريحانة النفوس في أصل الإعتقادات والطقوس.

لا يمكن وجود دليل لهذا التوقير والعبادة مدة الثلاثة القرون الأولى. نعم لا شك أن شدة اعتبار الناس للشهداء قد أعدّت الطريق لهذه العادة. ولكن مهما كانت الأسباب فإنها لم تأخذ مفعولها تماماً إلى القرن الرابع بعد ما أعطى الملك قسطنطين حرية للديانة المسيحية وذلك بعد سنة 324.

وأما أصل هذه العادة فيجب أن نفتّش عنه خارجاً عن دائرة الديانة المسيحية. لأن الكتاب المقدس يرفضها بالكلية. ولكن بين القدماء من المصريين واليونانيين والرومانيين كان مثل هذا التوقير والعبادة للذخائر المقدسة شائعاً. ويظن كثيرون أن المسيحيين أخذوا هذه العادة عنهم. وعلى ذلك يكون أصلها من الوثنيين. وهذا الأمر قد صرَّح به فيجيلنتيوس أحد قسوس برسيلانا نحو سنة 404 الذي كان يضاد عبادة الذخائر ويدعو العابدين لها جامعي رمادٍ ووثنيين يعبدون عظام الموتى. ويعيرهم بكونهم قد استعاروا هذه العادة من الوثنيين[267] وأوسابيوس أيضاً يقول أن المسيحيين يتمسكون بتوقير الشهداء وذخائرهم متَّفقين في ذلك مع الوثنيين وأنه يرجو أن هذا الاتفاق يجعل الوثنيين أكثر ميلاً إلى الديانة المسيحية[268].

ولكن مع أنها على ما يُظَنُّ ناتجة عن أصلٍ دنيءٍ هكذا قد امتدَّت جداً حتى في آخر القرن الرابع. فكانوا يجلبون من فلسطين ومن أماكن أخرى مكرمة بسبب قداستها شيئاً من الغبار أو التراب ناسبين إليه حماية قوية للناس من هجمات الأرواح الخبيثة. وكانت تلك الأشياء تباع في كل مكان بأثمان غالية[269] وكان الشعب مائلاً إلى قبول هذه الخرافات حتى أنه أحياناً كثيرة انخدع بها انخداعاً فظيعاً. وكانوا يتوهّمون حُفَر قبورٍ للقديسين حيث لم توجد بالحقيقة[270] وازداد بذلك دفتر أسماء القديسين وصار كبيراً بوضع أسماءٍ مزوَّرة حتى أن أناساً من اللصوص قد حُسبوا شهداء. وسلبيتيوس سويروس يذكر مثالاً لذلك أن أحد الأساقفة بنى مذبحاً وكرَّسه على قبر لصٍّ فكان الشعب يتعبدون هناك وأن مرتينوس أسقف تور أمر بنقض المذبح ورفع الجثة وتهدد بالحرم كل من يعبدها. والبعض كانوا يدفنون عظاماً مضرَّجة بالدم في أماكن معتزلة ويشيّعون أنهم أُخبِروا في الحلم أن جثة أحد أحباء الله مدفونة هناك[271] وأوغسطينوس أيضاً يذكر[272] أن مرائين كثيرين تحت الزيّ الرهباني كانوا متفرّقين في كل مكان حاملين تجارة قبيحة من الذخائر المزوَّرة. وثاودوريوس الملك اضطرَّ لأجل تبطيل هذه الخرافات الشنيعة إلى وضع شريعة بأنه لا يجوز نقل جسمٍ مدفون من مكان إلى مكان ولا يُقطَع عضوٌ من جسم شهيدٍ ويُتاجر به[273].

ثم أن عبادة الذخائر هذه صارت أكثر امتداداً ووقاحةً في القرن الخامس حتى أن عظام الشهداء كان يظن أنها أقوى العلاجات لدفع هجمات الشياطين والمصائب الأخرى وأن لها قوة على شفاء الأمراض وإقامة الموتى وهزم الأعداء وإعلان الأمور المستقبلة وهلمَّ جراً[274] والشهداء الذين كانوا غير معروفين قبلاً كان يقال أنهم أخبروا بأنفسهم في الأحلام. وكان يُظَنُّ أن بعضهم كانوا يعلنون أماكن قبورهم فصار العامة يحسبون كل قبر مجهول قبر شهيد[275].

وهذا الشر العظيم صار أعظم وأفظع في القرن السادس وصارت التزويرات والخداعات المتعلّقة بالذخائر أكثر جسارة ومجاهرة. فإن غريغوريوس الكبير يذكر مثلاً لذلك أن بعض الرهبان من الروم أتوا إلى رومية ونبشوا ليلاً بعض أجسام كانت مدفونة بالقرب من كنيسة القديس بولس وأخفوا العظام. وإذ قُبِض عليهم وسُئلوا عن مقصدهم بذلك أقروا أنهم كانوا يريدون أن يحملوا هذه العظام إلى بلادهم كأنها عظام قديسين[276] ثم أن أحد المزوّرين في بلاد فرنسا صار له شهرة عظيمة بواسطة عِدل مملوء من الذخائر التي عند الفحص وُجد بينها أصول مختلفة من الأعشاب وأسنان الخلد وعظام الفيران ومخالب الأدباب. وكانت الذخائر تُعبَد مراراً في هذا القرن بأعظم حرارة حين لم يكن يُعرَف شيءٌٌ عن هؤلاء القديسين إلا أسماؤهم[277] وربما ليس أحدٌ ساعد في زيادة هذه العبادة أكثر من غريغوريوس الكبير الذي يخبر أخباراً لا يقبلها العقل عن القوة العجيبة التي لهذه الذخائر.

وفي القرنين السابع والثامن زاد أيضاً عدد المكايد والتزويرات المسبَّبة عن هذه الذخائر ولكن لا تسعنا الفرصة أن نـزيد الشرح على ما ذكرناه.

ولكن البعض من الأفاضل ومن جملتهم فيجيلنتيوس رفعوا أصواتهم ضد هذه الخرافات. غير أنه لم يكن لكلامهم منفعة كثيرة. ولا نعلم أي الأمرين أعجب أَتصديق الشعب لهذه الخرافات التي انخدعوا بها أم وقاحة الذين ظهرت منهم هذه الخداعات السمجة.

ولا يخفى على كل ذي بصيرةٍ أنه لا يوجد شيءٌ بالكلية في الكتاب المقدس مما يثبت هذه العادة.

[267] - رسالة إيرونيموس إلى ريباريوس سنة 404 ضد فيجيلنتيوس.

[268] - أوسابيوس في الاستعداد الإنجيلي رأس 13 فصل 11.

[269] - أوغسطينوس عن مدينة الله كتاب 22 رأس 8 فصل 6.

[270] - مجمع قرطاجنة جلسة 5 قانون 14.

[271] - أعمال أوغسطينوس خطاب 318 فصل 11 مجلد 5 وجه 886.

[272] - أعمال أوغسطينوس مجلد 6 وجه 364.

[273] - شرائع ثاودوروس رأس 9 فصل 17.

[274] - برودنتيوس ترنيمة 11 عن الإكليل وجه 150 و151 وسلبيتيوس سويروس رسالة 1 وجه 364 وفم الذهب موعظة 66 لشعب أنطاكية.

[275] - سلبيتيوس سويروس في حياة مرتينوس رأس 11.

[276] - غريغوريوس الكبير كتاب 4 رسالة 30 إلى قسطنطين أوغسطوس.

[277] - غريغوريوس الكبير كتاب 8 رسالة 29.

أضف تعليق


كود امني
تحديث

قرأت لك

أغلى من المال

توفي مليونير امريكي عام ١٩٥٢ م. ولكن من وصيته التي تركها ندرك انه ربح ربحا تتضاءل امامه كل ملايينه. وكان هذا امام قلبه ونظره. فُتحت وصيته للتعرّف على توزيع التركة بعد موته، فاذا بها تبدأ "اني استودع نفسي في يدي مخلّصي واثقاً كل الثقة انه افتداني وقد غسلني بدمه الكريم وسوف يحضرني بلا لوم ولا عيب امام عرش ابي السماوي. واني أوصي اولادي ان يتمسكوا بكمال وكفاية الكفارة بدم المسيح وليس سواه. ويدافعوا عن هذا الحق المبارك".

تطبيقات للهواتف الذكية

  • تطبيق وعود الله
  • تطبيق الإنجيل لجهاز الآي فون
  • تطبيق الإنجيل لجهاز الآي باد
  • تطبيق الإنجيل المسموع
  • تطيبق مركز دراسات الكتاب المقدس
  • تطبيق أجوبة الله
  • تطبيق كلمة الحياة
  • تطبيق ترانيم وعظات مسموعة