عقائد

الباب الخامس عشر: في الحرومات والأناثيمات

نشر في ريحانة النفوس في أصل الإعتقادات والطقوس.

الحرم هو المنع من إنعامات الكنيسة واحتفالاتها. والأناثيمات هي التلفّظ باللعنات مع الحرم مقرونة بإجراء التأديبات والقصاصات.

إنه في الثلاثة والأربعة القرون الأولى لم يكتن الحرم إلا منعاً من شركة الكنيسة غير مقرون بقصاص آخر. فكانوا يشهرون أن الشخص المحروم لم يَعُد عضواً للكنيسة ويحرمونه العشاء الرباني والاشتراك في ولائم المحبة وغير ذلك من احتفالات الديانة. وهذا هو كل ما كانوا يوقعونه على المحروم لأن الحرم لم يكن قط يوجب على الشخص المحروم خسارةً أو قصاصاً زمنياً. والكنيسة لم تكن قادرة في القرون الأولى أن تُنـزل قصاصاً بأحد ولا كان لها سلطان زمني البتة لأنها كانت مضطهدة من الحكام. وكيف كان ممكناً للمسيحيين أن يقاصُّوا قصاصات زمنية إذ كانت السلطة الزمنية في أيدي أعدائهم الذين كانوا باذلين كل جهدهم في ملاشاة الديانة المسيحية بالكلية. وأما عادة إقران الأناثيمات أو اللعنات بالحرومات فكانت من اختراعات القرون المتأخرة. وفم الذهب يرفض ذلك رفضاً شديداً. وقد كتب عظة كاملة في هذا المعنى أن الناس لا يجب أن يلعنوا الأحياء ولا الموتى. فيمكنهم أن يلعنوا آراءهم أو أعمالهم لا أشخاصهم. وفي هذه العظة قد ذُكر ستة أسباب تنهى عن عادة اللعنات. الأول أن المسيح مات من أجل جميع الناس من أجل أعدائه ومن أجل الأشرار ومن أجل الذين أبغضوه وصلبوه. الثاني أن الكنيسة اقتداءً بالمسيح تصلّي من أجل جميع الناس. الثالث أن الديانة المسيحية بالحري تُلزمنا أن نبذل حياتنا لأجل الغير لا أن نعدمهم حياتهم. الرابع أن ذلك اختلاس حق المسيح لأن اللعنات هي بالحقيقة تسليم الناس إلى الهلاك وهذا السلطان يختص بالمسيح وحده. الخامس أن الرسل لم تكن لهم هذه العادة عندما كانوا يحرمون أحداً فإنهم كانوا يخرجون المحرومين بالشفقة والحزن كما يحدث عندما يقطع الإنسان عضواً من أعضاء جسده. السادس أنها عادة منكرة[293] والمشاهير الآخرون في ذلك العصر قد وافقوا فم الذهب في رأيه هذا[294].

ثم إنه في القرون الأولى كانوا يستعملون الحرم كواسطة ضرورية لأجل حفظ طهارة الكنيسة. لأن في الاضطهادات الهائلة التي وقعت على المسيحيين سقط كثيرون في خطايا فظيعة حتى في عبادة الأوثان أيضاً. فجميع الذين سقطوا هكذا قُطِعوا حالاً من الكنيسة لكي يرى الجميع أنه لا يطاق فيها شيءٌ من الخطايا الباهظة. ولكن لم يكن مقروناً بذلك شيءٌ من اللعنات ولا القصاصات المدنية. بل كان هؤلاء المحرومون إذا أرادوا الرجوع إلى شركة الكنيسة يُطلَب منهم أن يصرفوا مدة من الزمان تحت تأديب عنيف علامة لحزنهم وتوبتهم. إلا أن كل ذلك أيضاً كان اختيارياً فلم يكن فيه شيءٌ من المشابهة للأناثيما.

وقد كان موجوداً في أول الأمر نوعان من الحرم وهما الحرم الكبير والحرم الصغير. فالحرم الصغير كان يقوم بمنع الناس عن الشركة في الأفخارستيا وصلوات المؤمنين غير أنه لم يكن يوجب طردهم من الكنيسة بل كان يُؤْذَن لهم أن يبقوا لكي يسمعوا التسابيح وقراءة الكتب المقدسة ومواعظ وصلوات الموعوظين[295]. وأما الحرم الكبير فكان يوجب الطرد التام من الكنيسة ومن كل شركة معها في الأشياء المقدسة وهذا الحرم الكبير هو الذي في القرون المتأخرة تولدت منهُ الأناثيمات وصارت مفاعيله هائلة جداً بسبب اقترانه بأفظع اللعنات والدعوى بأنه يمنع من السعادة الأبدية وبسبب مساعدة الحكام في إجرائهِ[296].

ولكن هذه اللعنات لم يبتدئ استعمالها قبل القرن الخامس حتى ولا في ذلك الوقت كان يقترنُ بها شيءٌ من القصاصات أو سلب الحقوق. فإن سيناسيوس أسقف بطلمايس حرم أندرونيكوس بعباراتٍ أقسى من جميع العبارات المستعملة قبلهُ[297] ولكن قساوتها كانت تقوم بهذا أنهُ فضلاً عن قطعهِ إياه من شركة الكنيسة أمر باجتنابه كشخصٍ مأُوف. ولم يكن الحرم مقروناً بلعنات ولكن لا ريب أن عباراته كانت سبباً لدخول اللعنات التي استُعملَت في السنين التابعة[298]. إلا أن هذه العادة لم تمتد كثيراً في ذلك العصر بل دخلت بالتدريج حتى أنه بعد أن صارت الديانة المسيحية ديانة المملكة لم يكن قصاصٌ زمني يقترن بالحرم إلى عدة قرون. وأول ذكرٍ نجده في الأعمال الكنسية لحصول قصاص زمني من الأناثيما كان في القرن التاسع. فإنه حسب قوانين مجمع بافيا سنة 850 لم تكن تُقبَل شهادة المحروم ولا وصيته الأخيرة ولم يكن أهلاً لشيءٍ من الوظائف ولا للخدمة كجندي. وبعد هذا المجمع جرت العادة شيئاً فشيئاً بحصر الحرم الصغير في خسارة إنعامات الكنيسة. وأما الحرم الكبير الذي كان قد صار حينئذٍ أناثيماً فكان يحرم الإنسان الحقوق والإنعامات المدنية. وكانوا يدَّعون أن المحروم يُحرَم الخلاص الأبدي بواسطتهِ[299].

ثم أن الصور المعينة المستعملة في هذه الأناثيمات بعد القرن التاسع التي حسب رأي كثيرين من العلماء الذين كتبوا في هذا الموضوع قد أُخذت من الوثنيين[300] كانت من أفظعِ نوعٍ. فإنه حسب تلك الصور كان المحرومون ملاعين في المدينة وفي الحقل وفي مخازنهم وفي جثثهم وكانت أثمار أجسادهم وأثمار حقولهم تلعَن. وكانوا ملاعين في دخولهم وخروجهم سواءٌ كانوا في بيوتهم أم خارج بيوتهم. وبالإجمال كانت تُجمَع عليهم جميع اللعنات التي نطق بها الله على فم موسى ضد شعب إسرائيل إذ خالف شريعتهُ وكان يُحكَم عليهم بالدفن كالحمير وأن يُحسَبوا كالمزابل على الأرض وهلمَّ جرَّاً.

ولا ريب أن هذه اللعنات هي مضادة بالكلية لروح الإنجيل. فإن العهد الجديد ينطق بالسلام والمحبة لا باللعنات. ومن جملة أقوالهِ أحبوا أعداءكم باركوا لاعنيكم أحسنوا إلى مبغضيكم وصلُّوا لأجل الذين يسيئون إليكم ويطردونكم[301] وعندما طلب من المسيح مرة اثنان من تلاميذه قائلين يا رب أتريد أن نقول أن تنـزل نارٌ من السماء فتفنيهم (أي الذين لم يقبلوهُ) التفت وانتهرهما وقال لستما تعلمان من أي روح أنتما. لأن ابن الإنسان لم يأتِ ليهلك أنفس الناس بل ليخلص[302].

نعم إنه يوجد آيتان أو ثلاث آيات في العهد الجديد يستند عليها المحامون عن الأناثيمات وهي قول الرسول أن يسلَّم مثل هذا للشيطان لهلاك الجسد لكي تخلص الروح في يوم ربنا يسوع[303] ومثل ذلك قوله في 1 تي 1: 20 وقوله إن كان أحدٌ لا يحب الرب يسوع المسيح فليكن أناثيماً ماران أثا[304] ولكن قول الرسول هذا الأخير لا يثبت جواز إجراء لعنات زمنية أو أبدية على أحدٍ. والدليل على ذلك هو أن الآيات المستند عليها في ما تقدم تنفي هذه العادة بأجلى بيانٍ. وإذ كان من المحال أن جزءاً من الكتاب المقدس يضاد جزءاً آخر يجب أن نفسر هذه الآيات الأخيرة العويصة على طريقة تجعلها تتفق مع الأولى التي هي واضحة.

وأما قول الرسول أن يسلم مثل هذا للشيطان فرأيُ الأكثرين أنه يدل فقط على أن المحروم قد أُفرِز من شعب الله الذين اتحد معهم بالمعمودية وارتدَّ إلى حالته القديمة كرجل وثني خاضع لسلطان الشيطان. يعني أنه ليس باقياً في حصن الكنيسة الحقيقية حيث ملك المسيح بل قد اشتهر أنه يختص بالعالم حيث يملك الشيطان بنوع خصوصي. وذهب البعض إلى أن الرسول قد أمر بإفراز المجرم وحينئذٍ يسلمه بسلطانه الرسولي إلى الشيطان لكي يعذبهُ بمصيبة جسدية كما أُعطِيت للشيطان قوة على جسد أيوب الصدّيق ليعذبهُ[305] فغاية كل ذلك هي لكي يتوب المجرم فيخلص. وبموجب هذا الرأي يكون الرسول في حالة مخصوصة قد استعمل القوة العجائبية وذلك بنيّة إصلاح الشخص وخلاص نفسهِ. ولكن الآن ليس لأحد مثل هذه القوة لعمل العجائب. وأما اللعنات والأناثيمات المستعملة الآن فغايتها أن تنـزل على المجرم الغضب الأبدي وتنفي كل رجاءٍ لخلاصهِ.

وأما هاتان اللفظتان وهما أناثيما وماران أثا فالأولى منهما كلمة يونانية ومعناها شخص أو شيءٌ مُخرَج من نعمة الله ومفرز للهلاك. والاثنية مأخوذة من السرياني الكلداني ومعناها الرب آتٍ. ومضمون الجملة أن كل من لا يحب المسيح قد أُفرِز للهلاك أو أنهُ مستحق للهلاك وأن الرب قريب وهو عاجلاً يجري هذا الحكم. وهكذا الرسول مع أنهُ يحكم على مثل هذا الشخص أنهُ مجرمٌ جداً وغير أهلٍ ليكون عضواً في الكنيسة يتركهُ في يدي الرب الذي يحكم عليه بنفسه. وعدا ذلك يقول الرسول لأنه ماذا لي أن أدين الذين من خارج[306] أي الذين ليسوا مسيحيين والذين يختص بهم الحرم. أراد بذلك أنهُ ليس من عمله أن يدينهم بل من عمل الله كما يتضح من قوله أما الذين من خارج فالله يدينهم[307] فإذاً مع أنه مرة بأمر الرب استعمل القوة العجائبية ضد المحرومين يقول صريحاً أن هذا السلطان خاصٌّ بالله فإنه لا يمكن أن يستعملهُ إلا متى أوحى إليه بذلك.

ومما قيل في 1 كو 5: 4 يظهر أيضاً أن الحرم ليس هو عمل الإكليروس وحدهم أو عمل إنسان واحد كالأسقف مثلاً ولكن هو عمل كل الكنيسة إذ يقول إذ أنتم وروحي مجتمعون مع قوة ربنا يسوع المسيح أن يسلم مثل هذا للشيطان. أي أنه يجب أن يصدر الحكم من كل جمهور الكنيسة. هذه كانت عادة المسيحيين الأولين كما يخبرنا التاريخ[308] ولكن بالتدريج مع ازدياد قوة الإكليروس كانوا يدَّعون بأن سلطان الحرم لهم وحدهم. وإنما لم تمنع العامة من الاشتراك في ذلك إلا إلى القرن السادس. وقد خرج الأمر بهذا المنع من مجمع رومية في أيام البابا سيماخوس سنة 502[309].

وفي القرون الأولى لم يُنطَق بحرمٍ بسبب غاية نفسانية أو مرام شخصي. ولكن بموجب القانون الثلاثين من مجمع قرطاجنة سنة 412 كان يُعطى فرصة للشخص الذي يستوجب الحرم لكي يحامي عن نفسه. ولم يكن يجوز إفرازهُ إن لم يُثبَت ذنبهُ على أيدي شهود يوثق بهم. قال أوريجانوس[310] لا نقدر أن نخرج أحداً من الكنيسة ما لم يثبت أنه مجرم. ولكن بعد القرن الخامس كانوا مراراً كثيرة يستعملون سلطان الحرم بغير عدلٍ ولأجل أسبابٍ غير كافية بالكلية. وعوض عن أن يكون عملاً روحياً يُقصَد به حفظ طهارة الكنيسة فقط صار سلاحاً عالمياً يستعمل لأغراض نفسانية كما يتضح من التشكيات القوية التي صدرت ضد هذه العادة الخبيثة. ووصل أصحاب هذا السلطان إلى هذا الحد من الجسارة والوقاحة حتى التزم الملك كرلوس الأقرع في القرن التاسع أن يدفع تلك الشرور بأوامر مخصوصة ومن جملتها أنه لا يُؤذَن لأحد الأساقفة أن يحرم أحداً من الشركة الكنسية ما لم يتحقق ذنبه تحقيقاً واضحاً.

[293] - موعظة 76 في الأناثيمات مجلد 1 وجه 909.

[294] - سيجل مجلد 2 وجه 135.

[295] - بنكهام كتاب 16 رأس 2 فصل 7 و8.

[296] - سيجل مجلد 2 وجه 135.

[297] - أطلب صورة هذا الحرم في بنكهام كتاب 16 رأس 2 فصل 8.

[298] - سيجل مجلد 2 وجه 131.

[299] - سيجل مجلد 2 وجه 136.

[300] - سيجل مجلد 2 وجه 136.

[301] - مت 5: 44.

[302] - لو 9: 45 إلى 56.

[303] - 1 كو 5: 5.

[304] - 1 كو 16: 22.

[305] - 1 ي 1: 12.

[306] - 1 كو 5: 12.

[307] - 1 كو 5: 13.

[308] - سيجل مجلد 2 وجه 134.

[309] - كتاب المجمع لهردوين مجلد 2 وجه 978.

[310] - خطب أوريجانوس في يشوع.

أضف تعليق


كود امني
تحديث

قرأت لك

هذا هو إلهنا

تأملنا في المقال الماضي في كلمات موسى الأخيرة.. فبعد 120 سنة - اختبر فيها صلاح الله وأمانته - قال موسى: "ليس مثل الله" وهي حقيقة تقودنا للشكر والسجود لله، كما تحثنا على التأمل في هذا الإله الذي ليس له مثيل. في هذه المرة سنتأمل في صفات إلهنا كما نتعلمها من بعض ألقابه الواردة في كتابه المقدس.