عقائد

الباب السادس عشر: في عدم زواج الإكليروس

القسم: ريحانة النفوس في أصل الإعتقادات والطقوس.

سوف نبيّن في آخر هذا الباب أن هذه العادة لا يوجد لها برهانٌ في الكتاب المقدس. ولقائلٍ يقول فكيف جرت هذه العادة نجيب أنها دخلت بالتدريج ولها جملة أسبابٍ منها ما يأتي

أن كثيرين داخلتهم أوهامٌ قوية من جهة عظم فضيلة البتولية بوجه العموم. فكان كثيرون يحسبونها أطهر وأقدس من الزواج[311] ومن ثَمَّ كثيرون من الرجال والنساء ألزموا أنفسهم بحفظها[312] والبعض من المتزوجين أيضاً بالغوا في ذلك حتى كان يتفق الزوج والزوجة على عشية العزوبة إذ كانوا يعدُّونها زواج النفوس من دون زواج الأجساد[313] وكثيرون من آباء الكنيسة كإيرونيموس وأوغسطينوس إذ كانوا يمدحون العيشة العزوبية ساعدوا كثيراً في إدخال هذه العادة. وبعد ما دخلت وامتدَّت هذه الأوهام عن عظم قداسة العيشة المنفردة فبالتبعية دخل أيضاً الظن بكون الإكليروس ملتزمين بها بنوعٍ خصوصي. ولكن مع أن كثيرين تمسكوا بهذا التعليم قد خالفهم في ذلك البعض من المشاهير. فإن إكليمنضس الإسكندري كتب في هذا الموضوع ما يطابق العقل وروح الكتب المقدسة[314] وفم الذهب يقاوم صريحاً الزعم بأن الإكليروس ملتزمون على نوع خصوصي بحفظ البتولية[315] ومجمع أنكورا المنعقد سنة 358 في القانون الرابع عشر ومجمع إيليبريس المنعقد سنة 305 في القانون الثالث والثلاثين يحكمان بأن الإكليروس لا يُمنَعون عن الزواج إذ يقولان أنه قد حُكِم حكماً قاطعاً بأن الأساقفة والقسوس والشمامسة وجميع الإكليروسيين المقامين للخدمة الكنسية لا يُؤذَن لهم في الاعتزال عن نسائهم وعن ولادة البنين. وكل من فعل كذلك (أي كل إكليريكي يعتزل عن واجبات الزواج) يُقطَع من وظيفته. ومجمع كنكرا المنعقد سنة 324 رسم قانوناً فحواهُ أن كل من أبى الحضور في الخدمة الدينية التي يباشرها كاهنٌ متزوج يُفرَز من شركة الكنيسة[316] والقوانين الرسولية يُظَنُّ أنها جُمِعت في القرن الثالث والقرن الرابع. فالقانون الخامس منها يقول أن الأسقف أو القسيس أو الشماس لا يجب أن يطلّق زوجتهُ بداعي التقوى وإذا طلَّقها يجب أن يُحرَم وإذا أصرَّ فليُلعَن.

وأيضاً العيشة الرهبانية التي يمارسها الرهبان والراهبات كانت من جملة الأسباب القوية لإدخال هذه العادة. لأنهم إذ كانوا يُعتَبرون كأنهم أكثر قداسةً بسبب عيشتهم الإنفرادية كان الإكليروس المتزوجون يُحسَبون أقل قداسة. وامتداد سلطان الإكليروس الروماني ساعد مساعدةً قوية في ترقية هذه الطريقة إلى أعلى درجاتها[317].

فمن هذه الاسباب وما شاكلها نتجت بالتدريج بتولية الإكليروس أولاً من جرى التوهّم بأنها تأُول إلى نموّ التقوى. ثانياً بسبب مبالغة آباء الكنيسة في مديحها. ثالثاً لأنهم كانوا يحسبونها من الواجبات الأدبية المأمور بها من المجامع. وأخيراً تثبَّتت بسلطان البابا هلدبراند في القرن الحادي عشر.

ومع أنهم كانوا يعتبرون البتولية جداً كانت في أول الأمر متروكةً بالكلية لإرادة كل إنسانٍ. وكان مأذوناً بالزواج للإكليروس من أعلاهم إلى أدناهم مدة أربع مئة سنة[318] وأول استدعاء بالحكم على الإكليروس بالبتولية كان في مجمع نيقية الملتئم في سنة 325 ولكن قاوم ذلك بغيرةٍ عظيمة بفنوتيوس الجليل الذي مع أنهُ عاش كل أيامه بالعزبة وصف ببلاغة عظيمة الأخطار والأضرار التي تحصل منها للكنيسة. فرفض المجمع ذلك الاستدعاء كما يشهد مؤرّخا الكنيسة سكراتيس[319] وسوزومينوس[320] اللذان كتبا بعد ذلك بمدة غير طويلة.

إن أول من وضع شريعة لوجوب العزوبة هو سيريسيوس أسقف رومية. وذلك سنة 385[321] ثم بعد مدة حكم بذلك جملة مجامع انعقدت في الغرب. إلا أنها لم تصر عامة حينئذٍ. وكانوا يخالفون هذا الحكم كثيراً والرؤساء يعاملونهم بكل لطافة. فاحتاج الأمر إلى إعادة شريعة البتولية مراراً كثيرة[322] وكل ذلك يدل على شدة صعوبة إدخال عادة مثل هذه مغايرة للطبيعة ومضادة لنص الكتب الإلهية.

وأما الكنيسة الشرقية فرفضت شريعة البتولية هذه. ومع أنه كان فيها بعض أساقفة غير متزوجين كان مأذوناً لهم بالزواج[323] وقد وُجد في القرن الرابع والقرن الخامس أساقفة كثيرون متزوجون[324] فإن سيناسيوس أسقف بطليموس كان متزوجاً[325] وأبو غريغوريوس النـزينـزي كان كاهناً. ومجمع غنكرا في أناطوليا المدعو الآن كيانكاري يقول في قانونه الرابع أنه إذا كان أحدٌ لا يريد أن يقبل الأسرار من كاهن متزوج فليُحرَم[326] وهذا المجمع الإقليمي انعقد بين سنة 362 وسنة 370.

وفي سنة 692 انعقد مجمعٌ في القسطنطينية وحضر فيه بطاركة الشرق وأكثر من مئتي أسقف من الكنائس الشرقية. وفي قانونهم الثالث عشر يأذنون للكهنة بالزواج بخلاف العادة الجارية في ذلك الوقت في كنائس كثيرة غربية. إلا أنهم في القانون الثاني عشر منعوا الأساقفة عن البقاء في حالة الزواج. وهذه هي أول شريعة كنسية نَهَت الأساقفة دون بقية الإكليريكيين عن الزواج. وبما أن هذا المجمع كان مقبولاً في الشرق تكون عادة امتناع الأساقفة عن الزواج مع إباحتهِ للكهنة يبتدئُ تاريخها من ذلك الوقت أي بعد المسيح بسبع مئة سنة. وهم في القانون الثالث ينهون الإكليروس عن إعادة الزواج وعن الزواج بأرملة. والظاهر أن هذا هو المجمع الأول الذي منع الكهنة من الزواج ثانيةً. وسنة 811 أجاز أحد المجامع في أحد قوانينه زواج الكهنة[327].

ولكن مع وجود قوانين كثيرة في ما يخص منع الإكليروس عن الزواج كانت تُخالَف هذه القوانين مراراً كثيرة كما سبق. وكثيرون حاموا عن زواج الإكليروس جهاراً ولاسيما في ميلان حيث كان ذلك دارجاً[328] ولم تثبت العادة إلى سنة 1074 وذلك بأمرٍ من البابا غريغوريوس السابع الذي حكم أنه من ذلك الوقت فصاعداً لا يتزوج أحدٌ من الكهنة وأن الذين لهم زوجات فليتركوهنَّ أو يتركوا وظيفتهم[329] ولكن إلى ذلك الزمان لم يخضع الناس لهذا الحكم إلا بعد الجهد الكلي من قِبَل البابا. فإنه أولاً أظهر الغيظ على الإكليروس المتزوجين الذين لم يطيعوا الأوامر السالفة بالنهي عن الزواج. إلا أن عنايتهُ هذه هيَّجت حركاتٍ قوية في كل مكان فنهض كثيرون لمقاومتهِ. وانعقد مجمعان في أرفوث ومنتز لأجل إجراء الحكم بمنع زواج الإكليروس غير أنهما انتهيا بالشَغب[330] كما حصل أيضاً في مجمع انعقد في باريس. وكذلك في إنكلترا وإيطاليا وهولاندا حصل أيضاً مثل هذه الحركات. ولكن إذ كان البابا عازماً على إتمام مقصدهِ أرسلَ قصاداً متقلدين بسلطانٍ تام لكي يقاصُّوا الذين يخالفون هذه الاشريعة في أي مكان وجدوا ويهيجوا الشعب على الإكليروس المتزوجين[331] وبهذه الوسائل الصارمة نجح في اقتيادهم في ظاهر الأمر إلى إطاعة حكمهِ. وهذا الاضطهاد لإدخال أمرٍ يضاد الكتب المقدسة يدل واضحاً على عدم جواز ذلك الأمر.

ولا شك أنه في أول الأمر كان المقصود بعدم زواج الإكليروس نمو التقوى لأنهم كانوا يظنون أن البتولية تساعد كثيراً على الطهارة والقداسة. إلا أنهم وجدوا عاجلاً أنها متى كانت اضطرارية تكون مصدراً ينبع منه شرورٌ كثيرة. حتى أنه سنة 325 حكم المجمع العظيم المنعقد في نيقية أنه لا يجوز لأحدٍ من جميع الأساقفة أو القسوس أو الشمامسة أن يحفظ في بيته امرأةٌ تحت اسم أمّ أو أخت. وهذا الحكم يشير إلى العادة الموجودة عند كثيرين من الإكليروس في تلك الأزمنة أن يقبلوا في بيوتهم بعضاً من النساء اللواتي كنَّ قد نذرن العفة الدائمة مع أنهم كانوا يقرّون أنهم لم يكونوا يضاجعون هؤلاء النساء البتة[332] وكثيرون من الآباء مثل كبريانوس وأبيفانيوس ويوستينوس الشهيد كانوا يضادون هذه العادة مضادة شديدة.

ومجمع إكس لشابل المنعقد سنة 836 يتشكى من القسوس والشمامسة بأنهم كانوا يحفظون نساءً في بيوتهم وبذلك يوجبون عاراً عظيماً على جماعة الإكليروس. وكان ذلك مع اجتهاد المجامع والملوك في إبطال تلك العادة السقيمة[333] ويقول أيضاً عن أديرة الراهبات أنها في بعض الأماكن كانت بيوتاً للفواحش والفساد لا أديرة[334] ومجمع ماينس المنعقد سنة 888 حكم بأنه لا يجب أن أحداً من القسوس يأذن لامرأةٍ أن تسكن معهُ في بيته وذلك لكي ينقطع سبب الفضائح الرديئة والأعمال القبيحة[335] ويمكننا أن نورد أمثلة كثيرة من هذا القبيل إلا أننا نتجنب التطويل في موضوعٍ مثل هذا.

وأما تعليم العهد الجديد في هذا الباب فواضحٌ جداً. فإن جميع الشرائع التي توجب عدم الزواج على الإكليروس تضادهُ مضادة كلية. قال بولس الرسول فيجب أن يكون الأسقف بلا لوم بعل امرأةٍ واحدة[336] وقال في مكانٍ آخر إن كان بلا لوم بعل امرأةٍ واحدة[337] ويظهر من الرسالة الأولى إلى أهل كورنثوس[338] أن بطرس ورسلاً آخرين كانوا متزوجين. وبولس ادَّعى أن لهُ ولبرنابا أيضاً حقاً أن يتزوّجا ويأخذ امرأتهُ معهُ في جميع أسفاره مع أنهُ لم يعمل ذلك. فيا ليت شعري كيف أمكن مع وجود هذه النصوص الصريحة الواضحة أن يُحكَم على الإكليروس بعدم الزواج ويُلزَموا بذلك.

[311] - كبريانوس في البتولية وأوسابيوس في تثبيت الإنجيل كتاب 1 رأس 8.

[312] - كبريانوس كما تقدم.

[313] - مسهيم عن الأمور المسيحية وجه 599.

[314] - إكليمنضس الإسكندري خطاب 7 وجه 874 م.

[315] - فم الذهب موعظة 19 في 1 كو 7: 1.

[316] - نياندر مجلد 4 وجه 229.

[317] - سيجل مجلد 2 وجه 15.

[318] - ثينر في إدخال منع الزواج غصباً مجلد 1 وجه 69 (وهذا مؤَلف كاثوليكي) وتاريخ كنسي لمسهيم مجلد 1 وجه 203.

[319] - تاريخ كنسي لسكراتيس كتاب 1 رأس 11.

[320] - تاريخ كنسي لسوزومينوس كتاب 1 رأس 23.

[321] - رسالة إلى هيماريوس رأس 7 و9 و13.

[322] - مجمع طورين كتاب 1 قانون 2.

[323] - متن جسلر رأس 4 فصل 95.

[324] - كلاكستوس في زواج الإكليروس وجه 258.

[325] - أفاغريوس مجلد 1 وجه 15.

[326] - تاريخ كنسي لسقراط مجلد 2 وجه 43 وسوزومينوس مجلد 4 وجه 24.

[327] - نياندر مجلد 4 وجه 229.

[328] - جسلر قسم 2 رأس 1 فصل 30 وجه 113 و114.

[329] - جسلر قسم 3 رأس 1 فصل 47 وجه 160.

[330] - لمبرتوس في أمور جرمانيا عن سنة 1074 وجه 378.

[331] - تاريخ مسهيم كتاب 3 جز 2 رأس 2 وجه 193 و194 و195.

[332] - تاريخ قديم لموراتوريوس.

[333] - تاريخ المجامع لهردين مجلد 4 وجه 1397 عدد 7 و8.

[334] - ما تقدم وجه 1398 عدد 12.

[335] - ما تقدم مجلد 6 وجه 406 عدد 10.

[336] - 1 تي 4: 3.

[337] - تي 1: 6.

[338] - ص 9: 5.

أضف تعليق


كود امني
تحديث

قرأت لك

سقوط الجبابرة

"إذا انقلبت الأعمدة فالصديق ماذا يفعل" (مزمور 3:11). عبر التاريخ القديم والحديث سمعنا عن أشخاص كانوا عظماء من حيث القوّة والجبروت، وعندما ماتوا لم يعد أحد يذكرهم رغم كل ما كانوا يملكون من سلطة ومال وذكاء، واليوم هناك الكثير من الذين يرمون أحمالهم ومشاكلهم على أشخاص مهمّين في نظرهم بأنهم سيجدون الحل، ولكن مع مرور الأيام يكتشفون أنهم يتّكلون على سراب لا ينتهي وبدون نتيجة. 

تطبيقات للهواتف الذكية

  • تطبيق وعود الله
  • تطبيق الإنجيل لجهاز الآي فون
  • تطبيق الإنجيل لجهاز الآي باد
  • تطبيق الإنجيل المسموع
  • تطيبق مركز دراسات الكتاب المقدس
  • تطبيق أجوبة الله
  • تطبيق كلمة الحياة
  • تطبيق ترانيم وعظات مسموعة