عقائد

الباب الثامن عشر: في المسح بالزيت واستعمال الميرون في المعمودية وتكريس الأساقفة والإكليروس ومسح المرضى بالزيت

القسم: ريحانة النفوس في أصل الإعتقادات والطقوس.

أما من جهة أصل استعمال ذلك في المعمودية فقد ذهب أكثر العلماء إلى أنه ناتجٌ من لفظة مسيحي. وقد برهنوا على ذلك بأن لفظة مسيح أو مسيحي بما أنها مأخوذة من كلمة عبرانية معناها مدهون استحسن المسيحيون الأولون استعمال المسح أيضاً بعد المعمودية. والبعض يظنون أن أصل ذلك ناتج من أسرار المسيحيين السرية التي كانت دارجة بينهم في القرون القديمة. وهذا الظن مبني على ما ذكرهُ ترتوليانوس[352] أنهم في هذه الأسرار كانوا يصنعون إشارة على الجبهة بالزيت نظير الإشارة المستعملة في المعمودية.

ولكن مهما كانت أسباب دخول هذه العادة ليس لها سندٌ في العهد الجديد. وأما العبارة المذكورة في رسالة يوحنا الأولى (ص 2: 20 و27) حيث تذكر المسحة فلا ريب أنها مجازية ومعناها مواهب ونعم الروح القدس المعطاة للمسيحيين. فلا نقدر أن نستنتج منها أن جميع المسيحيين يجب أن يُمسَحوا بالزيت. ولو كان هذا المقصود منها لوجب أن يكون جميع الذين عمّدهم الرسل قد مُسِحوا أيضاً. ولكن لا يُذكَر شيءٌ من ذلك في العهد الجديد. فإن الماء يُذكَر مراراً كثيرة وقد حدثت أمور شتى تدل على استعمال الماء في المعمودية ولكن ليس شيءٌ يدل على استعمال الزيت. فلو كان الرسل استعملوا الزيت في المعمودية هل كان يمكن أن لا يذكر ذلك أقل ما يكون مرة واحدة.

لكن وإن لم يكن لهذه العادة سندٌ في الكتب المقدسة قد ابتُدِئَ باستعمالها قديماً. فإن ترتوليانوس الذي توفي سنة 220 يشير إليها[353] ولهذا يظهر أنها كانت موجودة في القرن الثاني أو أول القرن الثالث. ولكن لا يوجد برهان على أنها صارت عمومية قبل القرن الرابع. إلا أن وجودها في ذلك العصر كعادةٍ مقبولة من عامة الكنيسة يتضح من كيرللس[354] ومن الكتاب المدعو القوانين الرسولية[355] ومن إيرونيموس[356].

ولكن لم يُحسَب في أول الأمران الزيت المستعمل في المعمودية لهُ منفعة خصوصية. بل كانت عادة بسيطة ظنوا أنها تناسب من كان معنى اسمهِ ممسوحاً. فلم تنسب إليها الآباء شيئاً من القوة الإلهية حتى في أواسط القرن الثالث. وظن بعضهم أن المسيح كان رمزاً لصيرورة المعتمد ملكاً وكاهناً أي ملكاً ليملك على آلامهِ وكاهناً لكي قدّم قرابين مقبولة لله بواسطة الأعمال الصالحة. وبعضهم أيضاً شبّهوا المعتمدين بالمجاهدين في الملاعب اليونانية الذين كانوا دائماً يمسحون أجسادهم بالزيت يريدون بهذا التشبيه أنه يجب أن يصارعوا الخطية وأن يجتهدوا لكي يحصلوا على القداسة.

إلا أنهم بعد ذلك لم يكتفوا بهذه التشابيه بل أخذوا يستعملون عباراتٍ تشعر أن الروح القدس كان يُعطَى مع الزيت. حتى أننا نجد عبارات مثل هذه في كبريانوس[357] وأمبروسيوس[358] وأوغسطينوس[359] فإذ قد استُعملَت عبارات تشير إلى هذا كان أمراً سهلاً أن يُصدَّق هذا الرأي. ومما قوَّى هذا التصديق صور بعض صلوات كانت تُستَعمل في تكريس الزيت[360] ولكن في الابتداء لم يُنسَب إليه مثل هذه القوة.

وأما استعمال الزيت المكرَّس في الكنيسة اللاتينية في رسامة الإكليروس فقد اتّفق جميع المؤرّخين على أنه لم يصِر شائعاً عند الجميع إلى القرن التاسع. والذين يحامون عن هذه العادة والذين يذهبون إلى أنها غير ضرورية يسلّمون بذلك. وأما الأرمن فلم يكونوا قد مارسوا هذه العادة إلى العصر المذكور كما يتضح ذلك من رسالة البابا بناديكتوس التي أشرنا إليها مراراً. فإنه يصرّح فيها عن الأرمن أنهم لا عند رسامة القسوس ولا الأساقفة تُمسَح أيديهم أو رؤوسهم بزيت. وكان ذلك سنة 1341. فإذاً تكون العادة قد دخلت فيما بين الأرمن بعد ذلك العصر فلها عندهم نحو خمس مئة سنة.

وأما عادة الكنيسة اللاتينية في مسح المرضى بزيت مقدس في ساعة الموت فأصلها من القرن التاسع. ويدَّعون بأنها مؤسسة على عبارة في رسالة يعقوب الرسول (5: 14) حيث يقول أَمريضٌ أحدٌ بينكم فليدع شيوخ الكنيسة فيصلُّوا عليه ويدهنوهُ بزيتٍ باسم الرب وصلاة الإيمان تشفي المريض والرب يقيمهُ. ولكن هذه العبارة لا يمكن أن تكون أساساً للمسحة الأخيرة الدارجة لأن هذه المسحة تعطى للمريض إذا تحقق موتهُ خلافاً لمفهوم العبارة المشار إليها فإن المسحة تُعطَى للمريض لأجل شفائهِ. وفضلاً عن ذلك يوجد سببان آخران. أحدهما أن الزيت كان مستعملاً بكثرة في تلك الأيام نظير دواء. والثاني أن الشفاء لم يكن يُنال بالزيت بل بالصلاة بالإيمان. ولا ريب أن المذكور في هذه العبارة من المسح بالزيت كان واحداً من هذه الثلاثة الأمور. أي إما رمزاً للشفاء العجيب وإما استعمال أدوية اعتيادية باسم الرب وإما إشارة مجازية لمسحةٍ روحية بالروح القدس الذي يعطي الشفاء. ومن ثمَّ لا تؤْخذ هذه الآية دليلاً لمسح المريض بالزيت عند الموت لأجل تطهيره من خطاياهُ.

وفي الأصل كان العامة يستعملون الزيت لأنفسهم ولأصدقائهم. إلا أنه أخيراً صار بجملته تحت سلطان الإكليروس وفي مجمع بافيا المنعقد سنة 850 أمروا أن يستعملوه للذين قد قاربوا الموت وللذين كانوا أيضاً أهلاً لشركة العشاء الرباني فأُحصِيَ مع بقية الأسرار.

[352] - ترتوليانوس ضد الهراطقة رأس 40.

[353] - ترتوليانوس في المعمودية رأس 7.

[354] - تعليم مسيحي لكيرللس.

[355] - قوانين الرسل كتاب 3 رأس 17 وكتاب 7 رأس 22.

[356] - إيرونيموس في نبوة حزقيال ص 9.

[357] - كبريانوس رسالة 70 إلى يانواريوس.

[358] - أمبروسيوس في الداخلين رأس 7.

[359] - أوغسطينوس فصل 6 في تفسير رسالة يوحنا.

[360] - بنكهام كتاب 1 وجه 371.

أضف تعليق


كود امني
تحديث

قرأت لك

قال الجاهل في قلبه ليس إله

"السموات تحدّث بمجد الله. والفلك يخبر بعمل يديه. يوم إلى يوم يذيع كلاما وليل إلى ليل يبدي علما" (مزمور 1:19). كم نتواجه مع أشخاص يقفون في اعتزاز وثقة ليصرحوا أن لا وجود للخالق، وهذا الكون وجد بواسطة انفجار كبير، ويتجاهلون كل هذا التنظيم المدهش للكون وكل هذا الفكر الفطن الذي لو تغيّر أي قياس أو بعد بين كل المجرّات كان سينتهي كل شيء، ويتجاهلون كل الإختبارات الروحية الحقيقية التي حصلت مع كثيرين، فالكتاب المقدس يصفهم بأنهم جهّال فالله السرمدي خالق كل الكون هو ثابت وراسخ وكينوتنه هي من نفسه فهو:

تطبيقات للهواتف الذكية

  • تطبيق وعود الله
  • تطبيق الإنجيل لجهاز الآي فون
  • تطبيق الإنجيل لجهاز الآي باد
  • تطبيق الإنجيل المسموع
  • تطيبق مركز دراسات الكتاب المقدس
  • تطبيق أجوبة الله
  • تطبيق كلمة الحياة
  • تطبيق ترانيم وعظات مسموعة