عقائد

الخاتمة: في نتائج مما تقدم

القسم: ريحانة النفوس في أصل الإعتقادات والطقوس.

إننا نختم هذه الرسالة ببعض أفكار تنتج مما سبق بيانهُ.

أولاً إن الديانة المسيحية في الثلاثة القرون الأولى كانت بسيطة وخالصة جداً. فإن طقوسها واحتفالاتها كانت قليلة وبسيطة وكانوا يتجنبون فيها الزخرفة والعظمة. حتى أنه لم يكن لهم أبنية مخصوصة للعبادة إلى القرن الثالث[375] بل كانوا يلتزمون أن يمارسوا العبادة في البيوت والكهوف والمغاير. وكانت عبادتهم من شأنها أن تؤثّر في القلب بواسطة الخشوع والبساطة الموجودة فيها لا أن تُدهش العقل بكثرة الطقوس والاحتفالات والزخارف التي تترك القلب غير مُؤثَّر فيه. فإن الوثنيين الذين كانوا معتادين على الطقوس الكثيرة في عبادتهم الوثنية حسبوا عبادة المسيحيين عارية وخالية من كل زخرفة وكانوا يعترضون عليها من هذا القبيل. وتعاليمهم أيضاً كانت غالباً مما يوجد له برهان وسند في كلام الله ولم يكن يُدَّعى أن آراءهم أو أعمالهم تضاد وصايا الإنجيل التي كانت تُتلى عليهم في اجتماعاتهم. فإنهم اتّخذوا لهم مرشداً كلام الله لا وصايا الناس واستحساناتهم ولم يبطلوا أوامر الله بتقليدات بشرية.

ثانياً مع أن الديانة المسيحية كانت في أول الأمر بسيطة جداً قد حصل في القرن الرابع تغيُّرٌ عظيم. فإنه بعد ارتقاء قسطنطين الكبير إلى تخت السلطة زيدت زيادات عظيمة على العوائد والطقوس الموجودة قبلاً. من جملتها إطالة العبادة في الكنيسة واستعمالها باحتفالات وزخارف خصوصية. وليس خافياً على قارئ هذه الرسالة أن أكثر هذه العوائد قد ابتدأ من زمان قسطنطين وبعدهُ.

وجميع مؤرخي الكنيسة يشهدون بتكثير الطقوس بغتةً وبنوع مفرط في القرن الرابع. وكثيرٌ منها قد نُقِل عن عبادة الأوثان نفسها. فإن شلاغل العالم الكاثوليكي المشهور يقول[376] لا شك أن قسطنطين ارتكب غلطاتٍ كانت في نتائجها مضرَّة للديانة المسيحية. لأنه أعطى الإكليروس الإنعامات القديمة التي لكهنة الوثنيين. وكان يفرح عندما يرى الأساقفة في درجة عالية من الزخرفة والعظمة. إذ كان يظن أنه بمقدار ما يكون للأساقفة من الاعتبار يزيد ميل الوثنيين إلى قبول الديانة المسيحية. وهكذا أدخل محبة العظمة والافتخار بين الإكليروس. وإدخال عوائد الوثنيين هذه في الكنيسة يسلم به علماءُ آخرون من الكاثوليكيين مثل بيتستا منوانوس[377] وبارونيوس[378] وغيرهما.

ثم يقول جسلر[379] فلما قهرت الكنيسة أعداءها الآن (أي في القرن الرابع) وصارت غنية وقوية ظهر مفعول ذلك في ازدياد مجد طقوسها. وكذلك كثيرون من المحدثين في الإيمان ما زالوا مائلين إلى العظمة والزخرفة في أمور الديانة. ثم يتشكى قائلاً أن كثيرين قد خضعوا لهذا الميل الوثني وذلك لكي يربحوا الوثنيين بأوفر سهولة.

وأوغسطينوس الأب المشهور الذي عاش في أواخر القرن الرابع وأوائل القرن الخامس يقول[380] أن النير الذي وُضع قديماً على اليهود كان أخف من النير الموضوع على كثيرين من المسيحيين في عصره.

ومسهيم المؤرخ الكنسي يقول[381] أن الأساقفة أظلموا نور الديانة الحقيقية وأضعفوا قوتها بواسطة تكثير عدد الطقوس والعوائد التي أظهر بها في القديم اليونانيون والرومانيون تقواهم واحترامهم نحو آلهتهم الكاذبة ظانين أن الشعب يقبلون الديانة المسيحية بأوفر سهولة إذا رأوا الطقوس التي تسلموها من آبائهم لم تزل موجودة في الديانة المسيحية من دون تغيير. انتهى. وقد نُقِلت أشياء كثيرة إلى الديانة المسيحية. حتى أن المؤرخ المذكور يقول أنه يوجد فرق قليل بين عبادة المسيحيين وعبادة الوثنيين لأن عند الاثنتين بدلات فاخرة وتيجاناً وجواهر كريمة ومناير وعكاكيز واحتفالات وتطهيرات وأشياء أُخر مثل هذه لا تُحصى.

ويمكن ذكر شهادات أخرى كثيرة من المؤرخين الصادقين في إثبات هذا الموضوع. ولكن لا حاجة إلى ذلك لأن القضية ثابتة واضحة لا يمكن إنكارها.

ثالثاً ينتج مما تقدم بيانه أن هذه العوائد والتعاليم المخترعة والمُدخَلة إلى الكنيسة بعد المسيح ورسله بسنين كثيرة هي غير ضرورية للديانة المسيحية. وإذا سلَّمنا أنها ضرورية كما زعم البعض فيلزم من ذلك أن المسيح والرسل تركوا الديانة التي لأجل تأسيسها أتوا إلى هذا العالم وماتوا غير كاملة. فيكونون لم يعملوا إلا نصف عملهم فقط. وبما أنهم لم يأتوا من أنفسهم بل إنما أُرسِلوا من الله فتكون النتيجة أن الله لم يتمم عمله هذا بل تركهُ ناقصاً جداً. فمن يتجاسر أن يقول أنه يوجد شيءٌ من أعماله تعالى غير كاملٍ. وكلامه يقول صريحاً أن أفعالهُ كاملة[382]. فتأمل بأي عمل شئت من أعمال الطبيعة فتراه كاملاً فانظر إلى نبات بسيط أو زهرة صغيرة ولاحظ أن جميع أجزائها كاملة وكل ما يتعلق بها في غاية الكمال. ومع كل هذا الكمال محكومٌ على تلك الزهرة أن تتلاشى بعد أيام قليلة. فإذا كانت أعمال الطبيعة التي لا بد من زوالها بالسرعة لا يوجد فيها شيءٌ من النقص فهل يُظَنُّ أن الرب وتلاميذه تركوا الديانة المسيحية ناقصة. هل يُصدَّق أن هذه الديانة التي بواسطتها يجب أن تخلص النفس من الهلاك الأبدي وتستعدَّ لدخول السماء قد خرجت من أيدي مؤسسيها الأطهار غير كاملة. وهل يُتصوَّر أن الناس الجهال في ذواتهم الغير الكاملين العمي بالخطيئة يمكنهم أن يحسّنوا هذه الديانة ويكمّلوها.

رابعاً إذا كانت هذه العوائد التي ذكرناها أجزاءً جوهرية للديانة المسيحية فماذا أصاب أولئك المسيحيين الأولين الذين ماتوا في الثلاثة القرون الأولى قبلما دخلت هذه الأشياء في الكنيسة. ألم يخلصوا أَوَلم يكونوا مقبولين لدى الله. فإنهم لم يكن عندهم صور القديسين. ولم يمارسوا الاعتراف للكاهن. ولم يؤمنوا بالاستحالة. ولم يخاطبوا القديسين في صلواتهم كأنهم شفعاء ولم تكن عندهم أصوامٌ معيَّنة كما هي العادة الآن. ولا كانت عندهم ذخائر القديسين لكي يكرموها ويعبدوها. ولا كان شيءٌ من كل هذه الأمور موجوداً فيما بينهم.

ولكن مع أنهم كانوا عادمين هذه الأشياء كانوا حاصلين على درجة سامية من التقوى. فتلك الأيام هي التي مات فيها جماهير غفيرة من الشهداء لأجل محبتهم للمسيح وملكوته. ولم يوجد قط زمانٌ منذ ابتداء الديانة المسيحية كانت فيهِ التقوى طاهرة وخالصة كما كانت حينئذٍ. كان زمان الإنجيل الذهبي.

وإذا كان مثل هذه الدرجة السامية من التقوى موجودة حينئذٍ بدون هذه العوائد فإنه يمكن أن يكون ذلك الآن. وكما أنها لم تكن في تلك الأزمان ضرورية للقداسة والخلاص لا تكون ضرورية الآن أيضاً. وبما أنه قد عقب دخولها انحطاطٌ محزن في طهارة التعليم وقداسة السيرة يتضح جلياً أنه فضلاً عن كونها غير ضرورية هي مضرَّة جداً. ودخولها كان سبباً قوياً لانحطاط شأن الديانة المسيحية كما يتّفق في ذلك جميع مؤرخي الكنيسة الأتقياء.

خامساً أنه يُستَنتج من هذا الموضوع نتائج أُخر كثيرة مهمة. فإننا نرى أن أناساً من آباء الكنيسة مثل غريغوريوس المنوَّر ويوستينوس الشهيد وإيريناوس وترتوليانوس وأوريجانوس وأوغسطينوس وأثاناسيوس وغريغوريوس النـزينـزي وغريغوريوس النيسي ويوحنا فم الذهب وباسيليوس الكبير وآخرين كثيرين من المعتبرين جداً عند الجميع لم يكن ممكناً لهم قط أن يعيّدوا عيداً لإكرام مريم العذراء لأنه لم يكن معروفاً مثل هذه الأعياد في أيامهم (راجع وجه 31- 47) ولا أن يدعوها شفيعة لأنها لم تكن تُعبَد بنوع خصوصي في عصرهم (راجع وجه 55 إلى 59) ولا أمكن أن يستعملوا الأيقونات أو يحاموا عن استعمالها لأنها دخلت بعد زمانهم بمدة مديدة (راجع وجه 60 إلى 68) ولا كانوا يؤمنون هم ولا كثيرون من الآباء بعدهم مثل كيرللس وثاودوريتوس وغيرهما بتعليم الاستحالة ولا بالاعتراف للكاهن. لأنه كان قد مضى عليهم مدة طويلة وهم في قبورهم قبل أن ظهرت هذه التعاليم وصارت عمومية. ولا علَّم أحد من هؤلاء بضرورة الأصوام المعينة لأن هذه قد حُكِم بها بعد موتهم بمدة طويلة (راجع وجه 74 و82) نعم ربما أنهم صاموا مراراً كثيرة بمعنى أنهم امتنعوا عن جميع أنواع الأطعمة وكرَّسوا الوقت لعبادة مخصوصة. وهذا هو الصوم الحقيقي لا مجرد تغيير في الطعام.

وكذلك الآباء المذكورون وكثيرون غيرهم ممن عاش بعدهم لم يعبدوا الخبز قط لأن هذه العبادة كانت غير معروفة مدة قرونٍ عديدة (راجع وجه 102).

وأناسٌ مثل أغناتيوس ويوستينوس الشهيد وإيريناوس وترتوليانوس وأوريجانوس وكبريانوس وغريغوريوس وثوماتورغوس وآخرين كثيرين لا يمكن أن يكونوا قد نطقوا باللعنات مع الحرم لأن عادة إلقاء اللعنات على المحرومين ظهرت بعد زمانهم.

ولا حاجة إلى زيادة النتائج على ما تقدَّم. وبما أننا نريد أن نضمَّ جدولاً إلى هذه الرسالة يدل على الزمان الذي ظهرت فيه هذه العوائد فيستطيع القارئ أن يقايس هذه الأمور ويطول بها كما يشاء.

سادساً ولقائلٍ يقول إذا كانت الأخبار المتقدّمة صادقة تكون الديانة المسيحية عارية من كل شيءٍ وتُترَك كجسدٍ عريان شنيع. نجيب أن حوادث الإنجيل وتاريخ الكنيسة هي على هذه الصورة ولا يمكن تغييرها. ومقصودنا إنما هو أن نذكر الحوادث كما حدثت في القرون الأولى للديانة المسيحية. ونحن لم نُعَرِّ الديانة من أدنى شيءٍ كان مختصاً بها في أيام المسيح ورسلهِ وفي القرون التابعة لها. لكننا إنما أخبرنا عنها كما كانت في أول ظهورها غير مزيدٍ عليها شيءٌ من اختراعات البشر. وكانت حينئذٍ أكثر تأثيراً وتقديساً في الذين تمسّكوا بها. وإذ كانت بساطتها حينئذٍ مجداً لها فترجيعها إلى حالتها الأولى يجعل لها مجداً نظيرهُ. فإن الديانة القلبية لا تنشو زاهرة في وسط طقوس واحتفالات لأن الإنسان مائلٌ جداً إلى ممارسة تلك الطقوس وأحياناً كثيرة يعدُّ ذلك التقوى الخالصة. أي أنهُ يميل إلى الاكتفاء بالخدمة الخارجية من دون اهتمام بالقداسة الداخلية. ولكن الخدمة والطقوس التي لا تصدر منها قداسة القلب فمهما كانت مقبولة عند الناس ليست مقبولة عند الله ولا لها منفعة البتة. فإنه تعالى يطلب أن الساجدين له يسجدون بالروح والحق[383] ويكره الخدمة التي تقوم بمجرد طقوس واحتفالات خارجية[384].

والذين يتشكون منا لأجل بساطة عبادتنا فهم إنما يلومون الإنجيل نفسهُ والعناية الإلهية وعوائد القرون القديمة. فإنهم يتنازعون مع صاحب الحق لا معنا. لأنه تعالى قد وضع الحق كما شاء وأما نحن فغايتنا الوحيدة إنما هي أن تُقبَل الديانة المسيحية وتُمارَس على حقها كما تركها مؤسسها المسيح ورسلهُ. فإن الواسطة العظمى لخلاص الناس ليست هي حفظ الطقوس والسنن الخارجية بل هي حقائق الإنجيل السامية إذا بُشِّر بها بوضوح وأمانة وغيرة ومواظبة حسب بساطتها الأصلية فترافقها قوة روح الله القدوس. وهذه هي صلاة المسيح لأجل تلاميذهِ قدِّسهم في حقك كلامك هو حق[385] ولم يقل قدِّسهم بالطقوس والسنن. وبطرس الرسول يقول أن المسيحيين مولودون لا من زرعٍ يفنى بل مما لا يفنى بكلمة الله الحية الباقية إلى الأبد[386] ولم يقل أنهم مولودون من كثرة طقوس واحتفالات خارجية. فإننا نريد أن نحوّل أفكار الناس عن الطقوس البشرية إلى هذه الحقائق المجيدة المقدسة المنفذة كما هي موجودة في الكتب المقدسة. فلتكن أيها القارئ العزيز هذه الحقائق هذيذك ودرسك كل يومٍ لأننا متحققون أنك بهذه الواسطة فقط تقدر أن تنال الحياة الأبدية.

جدول يتضمن ذكر العوائد والطقوس المذكورة في هذا الكتاب مع تعيين الوقت الذي دخلت فيه:

 

عيد القيامة والعنصرة في القرن الأول

جمعة الآلام في القرن الرابع

عيد الميلاد في القرن الرابع

تذكار الشهداء في القرن الرابع

عيد الرسل في القرن السادس

عيد بطرس وبولس في القرن الخامس

عيد يوحنا المعمدان في القرن السادس

عيد يوحنا الإنجيلي بعد ذلك بقليل

عيد تطهير مريم في القرن السادس

عيد بشارة مريم العذراء في القرن السادس أو السابع

عيد زيارة مريم لأليصابات في سنة 1441

عيد انتقال مريم إلى السماء في القرن الثالث عشر

عيد ميلاد مريم في الشرق في آخر القرن السابع وفي الغرب في القرن الحادي عشر

عيد الحبل بمريم بلا دنس في القرن الخامس عشر

الصوم الأربعيني في القرن السادس عشر

عبادة القديسين في القرن الرابع والخامس

عبادة الملائكة في سنة 397

عبادة الأيقونات في سنة 786

رسم إشارة الصليب في سنة 220

الاعتراف وفرض قانونه في سنة 1215

الاستحالة في القرن التاسع

رفع القربان في القرن الرابع والخامس

عبادته في القرن الثالث عشر

المطهر في القرن السادس

القداسات لأجل الموتى في القرن الثالث عشر

الصلاة لأجل الموتى في القرن الثالث والرابع

زيارة الأماكن المقدسة في القرن الرابع والخامس

توقير الذخائر وعبادتها في القرن الرابع

إيقاد البخور في القرن الرابع والخامس

استعمال المصابيح في القرن الرابع

إيقاد الشموع في القرن الرابع

الماء المقدس في القرن التاسع

الحرومات والأناثيمات في القرن الخامس

عدم زواج الأكليروس في سنة 385

الرهبنة في القرن الرابع

[375] - تاريخ كنسي لاوسابيوس كتاب 8 رأس 2 و13.

[376] - أنظر مسهيم مجلد 1 وجه 263.

[377] - أنظر كتابه في أعياد شباط وتشرين 2.

[378] - أخبار بارونيوس 58 فصل 76 وأخبار 200 فصل 5.

[379] - جسلر رأس 5 فصل 96.

[380] - أوغسطينوس رسالة 118 إلى ينواريوس.

[381] - تاريخ كنسي لمسهيم كتاب 2 رأس 4 فصل 1.

[382] - تث 32: 4.

[383] - يو 4: 24.

[384] - راجع أش 1: 11 و15.

[385] - يو 17: 17.

[386] - 1 بط 1: 23.

أضف تعليق


كود امني
تحديث

قرأت لك

راعوث الموآبية

إنها راعوث التي من أرض مؤاب حيث حزمت أمرها في الرحيل مع حماتها نعمي بعد موت زوجها. نظرت من بعيد إلى ارض يهوذا وكان هناك شوق كبير في قلبها لتتعرف على شعب زوجها الذي أحبته كثيرا ولكن القدر فرق بينهما.

تطبيقات للهواتف الذكية

  • تطبيق وعود الله
  • تطبيق الإنجيل لجهاز الآي فون
  • تطبيق الإنجيل لجهاز الآي باد
  • تطبيق الإنجيل المسموع
  • تطيبق مركز دراسات الكتاب المقدس
  • تطبيق أجوبة الله
  • تطبيق كلمة الحياة
  • تطبيق ترانيم وعظات مسموعة