|
الفصل الأول
وسيط العهد
قصدُ الفداء ليس مشروعاً بشرياً يتعلق تنفيذه بالظروف غير المتوقعة، ولذلك هو بعيد عن الإتمام إنه قصد جرى بل إنها خطة قد نفذت بتمام اليقين، لأنه قرار اتخذته مشيئة الله المتصفة بالنعمة والقدرة وهي ثابتة منذ الأزل، فهكذا لا بد أن تتحقق في الزمن. وعليه، فإن كل ما ينبغي أن يبحث فيه تعليم العقيدة إنما هو الطريقة التي بها تنفذ وتحقق مشورة الله هذه غير المتغيرة والمتعلقة بخلاص البشر الذين أوجدهم تعالى. ولما كانت تلك المشورة تتعلق أساساً بثلاث قضايا رئيسية – ألا وهي الوسيط الذي به ينبغي الحصول على الخلاص، والروح القدس الذي به يتم تنفيذ الخطة، والبشر الذين ينالون الخلاص – فإن تعليم الإيمان المسيحي بهذا الشأن لا بد أن يتناول فيما يلي هذه القضايا الثلاث.
فينبغي أن يتناول التعليم أولاً شخص المسيح الذي أنجز الخلاص بآلامه وموته. وثانياً، ينبغي أن يوضح الطريقة التي بها يجعل الروح القدس المختارين يشتركون في المسيح وفي التمتع بفضائله. وثالثاً، ينبغي الاهتمام بالبشر الذين صار لهم نصيب في الخلاص الذي أكمله المسيح، مع الأخذ في الاعتبار أن الكنيسة جسد المسيح.
ولا بد في الختام أن يبلغ التعليم ذروته في التطرق إلى إتمام الخلاص الذي ينتظره المؤمنون في ما بعد. وسيثبت البحث بجملته أن قصد الفداء، بكل أجزاءه، محكم الترتيب ومضمون التنفيذ، ففيه تُعلن نعمة الله التي لا يعبر عنها، وحكمته المتنوعة، وقدرته الخارقة.
في شخص المسيح تظهر في التو وبكل وضوح هذه السجايا السامية كلها،و إن كان صحيحا أن الإيمان بوسيط لا يقتصر على المسيحية. ذلك أن جميع البشر والأمم يعيشون ولديهم شعور لا ينحصر فقط في حقيقة كونهم لا يملكون نصيبا في الخلاص، بل يتعدى ذلك إلى امتلاكهم اقتناعاً قلبياً راسخاً بأن هذا الخلاص يجب أن يدلهم عليه ويعطيهم إياه أشخاصا مخصوصون، بطريقة ما. إذ تشيع عموما الفكرة التي مفادها أنَ الإنسان على حاله لا يستطيع أن يقترب إلى الله ولا يستطيع أن يقيم في حضرته؛ فهو يحتاج إلى وسيط يفتح له الطريق إلى الله. ولذلك يوجد في جميع الديانات وسطاء يُعرفون البشر بالإعلانات الإلهية من جهة، ويحملون لهم صلواتهم وتقدماتهم إلى الإله من جهة ثانية.
و يكون هؤلاء الوسطاء أحيانا من الآلهة الأدنى مقاماً، أو من الأرواح، لكنهم أيضا غالباً ما يكونون أناساً وهبوا معرفة فائقة وقوة خارقة وفهما ممتازا بحيث تحيط بهم هالة خاصة من القداسة. لهؤلاء الوسطاء عند الأمم مقام هام في الحياة الدينية، وهم أهل مشورة في جميع المناسبات المهمة في الحياة الخاصة والشؤون العامة، كالكوارث والحروب والأمراض والمشاريع وما شابه. وسواء كانوا عرافين أو سحرة، أم قديسين أو كهنة، فهم يدلون الناس على الطريق التي يزعمون أن عليهم سلوكها لكي ينعموا برضى الإله؛ غير أنهم- هم أنفسهم- ليسوا على تلك الصورة. فإن أديان الأمم ليست متعلقة بأشخاص وسطائها. وهذا ينطبق حتى على أديان أسسها أشخاص معينون. ففي الواقع أن بوذا وكونفوشيوس وزرادشت هم أول المعترفين بالأديان التي أسسها كل منهم، إلا أن مضمون أديانهم ليس أشخاصهم. فارتباط كل منهم بدينه هو- بمعنى ما- عرضي وخارجي. حتى إن أديانهم يمكن إن تظل على ما هي عليه ولو نسيت أسماؤهم أو بدلت بشخصياتهم شخصيات غيرهم.
بيد أن الحال في المسيحية ليست البتة على هذا المنوال. صحيح أن قوما ذهبوا إلى أن المسيح أيضا لم يقصد قط أن يكون هو الوسيط الوحيد، وأنه يقبل بسرور أن ينسى اسمه لو أن مبدأه وروحه فقط استمرا في الكنيسة، على أن آخرين ممن لا صلة لهم بالمسيحية هاجموا بنزاهة هذا الزعم ودحضوه. فإن المسيحية تنفرد بارتباطها الخاص بشخص المسيح على نحو يختلف كثيرا عن ارتباط سائر الأديان الأخرى بأشخاص مؤسسيها. ذلك أن المسيح لم يكن هو أول معترف بالدين الذي سمي باسمه. إنه لم يكن المسيحي الأول والأهم. بل إنه يشغل في المسيحية مكانة فريدة كاملة. فهو ليس "مؤسس" المسيحية بمعنى الكلمة العادي، بل إنما هو المسيح، أي الشخص الذي أرسله الآب، والذي أسس ملكوته على الأرض، وهو الآن ينشره ويحفظه إلى آخر الدهور. إن المسيح نفسه هو المسيحية. فهو يقف لا خارجها، بل في قلبها. ولولا اسمه وشخصه وعمله، لما كان هنالك شيء يدعى "المسيحية". بكلمة أخرى، ليس المسيح هو من يدلنا على طريق المسيحية، بل إنه في نفس الطريق. إنه الوسيط الحقيقي الكامل والوحيد بين الله والناس. فما تطلعت إليه مختلف الأديان وترجته في اعتقادها بوسيط، إنما هو متحقق في المسيح فعلاً وتماماً.

|