|

وسيط
العهد
-2
لكي نقدر بالتمام مكانة المسيح الفريدة هذه حق قدرها،
ينبغي لنا أن ننطلق من الفكرة التي يبينها الكتاب المقدس
والتي تفيدنا أن المسيح، على خلافنا، لم يبدأ وجوده عند
الحبل به وولادته، وأنه موجود قبل ذلك منذ أجيال لا حصر
لها – بل انه بالحقيقة كائن أزلاً بوصفه ابن الآب الوحيد
والحبيب. وقد سبق العهد القديم فسمى المسيح الآتي " أبا
الأبدية" الذي هو آب ابدي لشعبه (اشعياء9: 6)، وقال أن
مخارجه (أصله ومصدره) هي منذ القديم، منذ أيام الأزل
(ميخا5: 2). ثم يوالي العهد الجديد الفكرة عينها، لكنه
أيضا يقدم تعابير أوضح عن أزلية المسيح. فذلك متضمن في
جميع تلك الفصول الكتابية التي تعرض كامل عمل المسيح على
الأرض باعتباره إتماما لعمل أوكله الله إليه من قبل. صحيح
أنه قيل عن يوحنا المعمدان أيضا أنه لا بد أن يأتي – وقد
أتى فعلاً – كإيليا ثان (مرقس11:9-13 ويوحنا 7:1) غير أن
في التشديد على حقيقة كون المسيح قد جاء إلى العالم لإتمام
عمله الإلهي، وفي كثرة المرات التي يشار إلى هذه الحقيقة،
دليل على أن هذا التعبير مستعمل حقا بمعنى خاص.
فنحن لا نقرأ فقط بمعنى عام أنه خرج من لدن الآب لكي يكرز
(مر38:1)، وأنه أتى لكي يدعو الخطاة إلى التوبة ويقدم نفسه
فدية عن كثيرين (مر17:2؛45:10). بل يضاف شيء آخر أيضا إذ
يقال صراحة إنه مرسل لينادي بالبشارة (لوقا 43:4)، وإن
الآب هو الذي أرسله (متى 40:10 ؛يوحنا 24:5 وما يليها)،
وإنه قد خرج من قبل الآب وجاء باسمه (يوحنا 43:5 ؛42:8،
ومواضع أخرى)، وغنه نزل من السماء وجاء إلى العالم. وهكذا
يعرف الرب يسوع نفسه أنه الابن الوحيد الحبيب عند الآب
والذي أرسل إلى الكرم بعد سائر العبيد (مرقس 12:6). ومن
كان ابن داود سبق أن كان رب داود (مر 37:12)، وهو الكائن
قبل إبراهيم (يوحنا 58:8)، وقد كان له عند الرب مجد قبل
تكوين العالم (يو 7:15 24).
ثم أن شهادة الرسل تكشف النقاب على نحو أكثر تحديدا عن هذا
الوعي الذاتي لدى المسيح بخصوص وجوده الأزلي. فالمسيح هو
الكلمة الأزلي الذي كان عند الآب في البدء، والذي كان هو
الله، وقد صار جسداً (يوحنا1: 1، 14). إنه بهاء مجد الله،
ورسم جوهره، وله مقام أسمى جدا من الملائكة. ليس ذلك وحسب،
بل له أيضا أن يطالب الملائكة بالسجود له، وهو الإله
الأزلي والملك السرمدي الذي هو دائما وسنوه لن تفنى
(عبرانين3:1 -13). إنه الغني (2 كورنثوس9:8) الكائن بذاته
في صورة الله بحيث كان مساوياً للآب لا في الجوهر وحده بل
أيضا في المقام والمجد. وهو لم يعتبر هذه المساواة لله
غنيمة ينبغي التمسك بها واستخدامها لنفسه (فيلبي 6:2)، بل
أخلى نفسه آخذا هيئة البشر وصورة العبد (في7:2،8)، ولذلك
رفع إلى مقامه الأعلى بوصفه الرب من السماء، وهكذا كان
نقيضا لآدم الإنسان الترابي من الأرض (1 كورنثوس47:15).
وبعبارة واحدة، فإن المسيح – مثله مثل الآب تماماً- هو
الألف والياء، الأول والآخر البداية والنهاية (رؤيا
11:1،17؛ 13:22).
من هنا أن عمل ابن الله المتجسد لم يبدأ فقط عند ظهوره على
الأرض، بل يرقى أيضا رجوعا إلى الخلق. فبالكلمة صنع كل شيء
غير استثناء (يوحنا3:1؛ عبرانيين2:1، 10). إنه البكر
والرأس ومبدأ كل خليقة (كولوسي15:1؛ رؤ14:3). هو كائن قبل
كل شيء (كو17:1). وليس فقط أن الخلائق كلها خلقت بيده، بل
فيه تقوم كلها أيضا (كو16:1، 17) وهي من لحظة إلى لحظة
محمولة بكلمة قدرته (عبرانيين3:1). كما أنها أيضا له قد
خلقت (كولوسي16:1)، لأن الله جعله، وهو الابن، وارثا لكل
شيء (عبرانيين 1: 2، رومية8: 17). ولذا فإن للابن منذ
البداية علاقة وثيقة بالعالم، وعلاقة أوثق بالبشر. إذ فيه
كانت الحياة، الحياة الكاملة الغنيّة غير المعرضة للفناء
والتي هي مصدر كل حياة في العالم. هذه الحياة كانت نوراً
للناس الذين خُلقوا على صورة الله ولهم طبيعة أدبية عاقلة.
مصدراً للحق الإلهي الذي ينبغي للناس أن يعرفوه ويعتبروه
(يوحنا 4:1). حقاً أنّ الإنسان صار ظلمةً في ما بعد من
جرَّاء الخطيّة، إلا أنّ نور العالم رغم ذلك قد أضاء في
تلك الظلمة (يو 5:1)، وقد أنار كل إنسان جاء إلى العالم (يو
9:1)، لأن الكلمة كان في العالم ومكث فيه، وظلَّ يعمل في
العالم، وإن كان العالم لم يعرفه (يو 10:1).
إذاً المسيح الذي ظهر في العالم في ملء الزمان – بحسب ما
تخبرنا عنه الكلمة المقدّسة – ليس هو مجرد إنسان كغيره من
الناس، ولا مؤسس ديانة، ولا مبشراً بناموس خُلقي جديد.
إنّهُ صاحب مقام فريد. إذ أنه كائن أزلاً بصفته ابن الآب
الوحيد وهو خالق كل الأشياء ومدبرها وضابطها. وفيه كانت
حياة الناس ونورهم. ولما ظهر في العالم، لم يدخله كغريب،
بل جاء بوصفه ربّه الذي له علاقة به. فالفداء، أو الخلق من
جديد، مرتبط بالخلق؛ والنعمة مرتبطة بالخليقة؛ وعمل الابن
بعمل الآب. ذلك أن الفداء مبنيّ على أساسات أرسيت في
الخلق.
 |