الرئيسية|تفاسير|مقدمات ومعاجم|كنسيات|عقائد|الحياة المسيحية|العائلة|بدع وهرطقات|أسئلة وأجوبة| دروس | تحميل| ارتباطات

الصفحة الرئيسية  :  العقائد المسيحية    بين العقل والإيمان الجزء 3

 وسيط العهد -4

تدرج الانتظارات المستقبلية لملكوت الله ضمن مجموعتين. وتنتمي إلى المجموعة الأولى تلك الآمال التي لها عموماً علاقة بمستقبل ملكوت الله. لهذه التطلعات أيضاً أهمية كبيرة، ولها أوثق علاقة ممكنة بعهد النعمة، إذ يتضمن ذلك الوعد يقيناً أن الله سوف يكون إلهاً لشعبه ولنسلهم ولذا فهو ذو علاقة بالمستقبل أيضاً، لا بالماضي وحده. صحيح أن ذلك الشعب يذنب المرة تلو المرة بالعصيان والارتداد ونقض العهد أمام وجه الرب. ولكن لأن العهد هو بالتحديد عهد النعمة، فإن التمرد وعدم الأمانة من قبل الشعب لا يمكن أن يفعلا شيئاً يبطل أمانة الله. ذلك أن عهد النعمة هو بطبيعة حاله عهد ابدي يتجدد من جيل إلى جيل. فعندما لا يسير الشعب في طريق العهد، عندئذ يمكن أن يتخلى الله عنهم إلى حين ويعرضهم للتأديب والعقاب أو السبي، ولكنه لا يمكن أن ينقض عهده، لأن عهد نهم غير مبني على تصرف البشر، بل هو مؤسس فقط على مراحم الله. فلا يمكن أن يبطل الله عهده، لأن ذلك يهين اسمه ومجده وكرامته وعليه، فبعد إظهار الله لغضبه يعود نور محبته ساطعاً بكل ثبات، وبعد القصاص تأتي الرحمة، وبعد الآلام يظهر المجد.

في ذلك كله، وعلى مر الأجيال، تلقى الشعب التعليم والتوجيه بواسطة النبوة. وقد كانت لهم عبر النبوة بصيرة نافذة من جهة جوهر التاريخ وغايته. على نحو لا نجد له مثيلاً لدى أي شعب آخر. ويوضح لنا كتاب العهد القديم أن إتمام مشيئة الله وتحقيقها بإقامة ملكوت الله هما مضمون التاريخ ومجراه وغايته، على نحو لا نجد له مثيلاً لدى أي شعب آخر. تلك هي مشورة الله، مشورة النعمة والفداء، الموجودة منذ الأزل والتي ستقهر كل مقاومة، فبعد الآلام مجد، وبعد الصليب تاج. ويوماً ما سينتصر الله على جميع أعدائه ويجعل شعبه يشترطون في إتمام كل مواعيده. فلسوف يأتي ملكوت البر والسلام والخير الروحي والمادي. ولن تشترك في مجد تلك المملكة إسرائيل وحدها، بل جميع الأمم أيضاً. لأن وحدانية الله تحمل معها وحدة البشرية ووحدة التاريخ. حينئذ تمتليء الأرض من معرفة الرب ويبلغ موعد العهد كمال التحقيق : أنا أكون لكم إلهاً، وأنتم تكونون لي بنين وبنات. يقول الرب.

وتزخر النبوات والمزامير بهذه التطلعات. وليس ذلك فقط، بل تستمر فتخبر عن الطريقة التي بها سوف يؤسس الله بها ملكوته في المستقبل ويوطده. ومن ثم تصير تلك التطلعات هي الآمال النبوية بالمعنى الحصري. وهي تبين لنا كيف أن مُلك الله على ال{ض في المستقبل سينحصر في شخص معين يتحقق على يده، ألا وهو المسيح. صحيح أن قوماً في أيامنا حاولوا عزل هذه التطلعات النبوية كلها عن الديانة اليهودية الأصلية ونسبوها إلى زمن السبي. غير أن هذا الموقف لقي رفضاً شديداً من قبل آخرين وتم دحضه على نحو وافٍ. فإن الرجاء المستقبلي، بكل عناصره، يتمحور حول فكرتين، وهما: يوم الرب الذي سيكون يوم محاكمة للشعوب ولإسرائيل ؛ والمسيح الذي سيحقق الفداء بالتالي. وكل من هاتين الفكرتين ليستا من الأفكار التي شاعت أولاً لدى أنبياء القرن الثامن ق.م، بل كان لهما وجود قبل ذلك بزمن طويل، وكانتا بالأحرى من الأفكار التي عالجها على نحو أكثر تحديداً الأنبياء الذين حفظت أسفارهم لنا.

ويخبرنا الكتاب المقدس نفسه بالكثير. إذ يرجع أثار تطلعات المستقبل إلى أقدم الأزمنة. وقد كان لها بالطبع صفى عامة آنذاك، إلا أن حقيقة وجودها إنما هي بالتحديد برهان على قدم عهدها. كما أن التطور التدريجي الذي يمكن أن يُلاحظ منذ وقت هذه التطلعات هو بمثابة دليل داعم قوي. ففي الوعد الرئيسي الوارد في تكوين 15:3، توضع عداوة بين نسل المرأة ونسل الحية، ويُقطع الوعد بأن الأول سيسحق رأس الأخير.

و أول ما ينبغي أن نفكر فيه من جهة "نسل المرأة"، على رأي كالفن، هو كل الجنس البشري الذي لا بد لهو وقد استعيد إلى جانب الله بفضل عهد النعمة، من أن يخوض الحرب ضد جميع القوى المعادية لله. والذي له المسيح رأسه وربه. إنما يبت التاريخ أن هذا الجنس البشري الذي يخوض الحرب ضد نسل الحية، لا يشمل بحال من الأحوال البشر جميعاً، بل إنه يتناقض عدداً وينحصر أكثر فأكثر في جماعة قليلة، ذلك أن الوعد يحفظ فقط في نسل شيث.  

وبعد إبادة البشرية الأولى بالطوفان، سرعان ما يدخل العائلة فاصل بين حام ويافت وسام من جهة أخرى. وإذا الوعد الآن يخصص على نحو يصير فيه يهوه إله سام، ويتوسع يافث كثيراً ثم يصل أخيراً إلى السكن في خيام سام، وصير كنعان عبداً لهم (تكوين 27،26:9). وغذ تصبح في ما بعد معرفة الله وعبادته الصحيحتان مهددتين بالضياع. يختار الله من نسل سام إبراهيم الذي سيصير بركة لكثيرين بعد أن يباركه الرب. ففي الواقع أن جميع شعوب الأرض سوف ترغب بشدة وتطلب باجتهاد البركة التي يهبها الله لإبراهيم ونسله، وهكذا يتباركون في المسيح الذي هو نسل إبراهيم (تكوين 3،2:12). ومن بني يعقوب وأسباط إسرائيل يحدد يهوذا في ما بعد باعتباره من سيحظى بمقام أرفع من مقام إخوته جميعاً. ووفقاً لاسمه، صار هو المحمود والمقتدر بين إخوتك (تك 35:29؛ 1أي 2:5). فإخوته يمدحونه ويحمدونه وأعداؤه يخضعون له، وسيدوم ملك يهوذا حتى يأتي ذاك الذي ستخضع له الشعوب (تك 8:49 – 10)، أما الاسم "شيلون" في الآية العاشرة من تكوين 49، واضحة كل الوضوح رغم ذلك، فليهوذا المقام الأول بين أسباط إسرائيل كلها، والسيادة على إخوته، ومنه سيطلع حاكم الشعوب في المستقبل.

وقد تحقق هذا الوعد جزئياً في داود، وبه انتقل إلى مرحلة جديدة من التطور، فحينما استراح داود من جميع أعدائه، تبادر إلى ذهنه مشروع بناء بيت للرب، وبدلاً من أن يبني داود بنفسه بيتاً للرب، أعلمه الرب بفم ناثان النبي بان الله سيؤسس له بيتاً بجعل السلالة الملكية إرثاً لنسله. فالرب سيجعل اسم داود عظيماً كأسماء العظماء الذين في الأرض. وبعد وفاة داود، سيقيم الرب سليمان ابنه على العرش ويكون له أباً، وأخيراً سيثبت بيته ومملكته إلى الأبد، إذ يجعل كرسي داود ثابتاً إلى الأبد (2 صم 9:7-16؛ مزمور 19:89-38). من ذلك الوقت فصاعداً تركزت آمال قديسي الله على بيت داود، وأحياناً تكتفي النبوة بالتوقف عند هذا الحد.