الرئيسية|تفاسير|مقدمات ومعاجم|كنسيات|عقائد|الحياة المسيحية|العائلة|بدع وهرطقات|أسئلة وأجوبة| دروس | تحميل| ارتباطات

الصفحة الرئيسية  :  العقائد المسيحية    بين العقل والإيمان الجزء 3

 وسيط العهد-5

لكن التاريخ أثبت أنه لم يحقق هذا الرجاء أي ملك من بيت داود.وارتباطاً بهذا التاريخ، أشارت النبوة بوضوح أكثر إلى المستقبل الذي فيه يظهر ابن داود الحقيقي ويجلس على عرش أبيه إلى الأبد. وشيئاً فشيئاً بات ابن داود هذا الآتي في المستقبل بعرف باسم " المسيا ". هذا الاسم مسيا ظل زمناً طويلاً، يطلق على أي شخص غي الأمة يختار ويمسح أي وظيفة ما. وكان المسح بالزيت عند شعوب الشرق قديماً ممارسة عامة، ومن شانه تليين البشرة التي لوّحتها الشمس، وإعادة الراحة والطراوة إلى الجسم (مزمور 15:104؛ متى 17:6). كما كان علامة فرح (أمثال 9:27) يمتنع عنها عند التذلل (2 صم 2:14؛ دا 3:10)؛ وكان أيضاً إشارة إلى الإكرام والمودة؛ وقد استعمل لمعالجة المرض ؛ وكان يستعمل مع الحنوط تكريماً للموتى. كذلك دخلت العبادة إجراءات مسح بالزيت، فكان له أهمية دينية. وفقد أقام يعقوب الحجر الذي أسند إليه رأسه في بئر سبع ليكون عموداً تذكارياُ وصب عليه زيتاً، علامة على تكريسه للرب الذي ظهر له (تك 20:28 – 22). وبحسب الشريعة التي أعطيت لموسى فيما بعد، مسحت بالزيت خيمة الاجتماع وأثاثها ومذبحها لتقديسها وتكريسها للرب. وجرى المسح نفسه للأشخاص المدعوين إلى خدمة خاصة.

فإننا نقرأ عن مسح الأنبياء بضع مرات فقد مسح إيليا أليشع (1 ملوك 16:19) وفي المزمور 5:105 تستعمل كلمة مسحاء (أي ممسوحين) مرادفة "للأنبياء". ثم إن الكهنة، بمن فيهم رئيس الكهنة خصوصاً. كانوا يمسحون (لا 30،13:8 ؛ مز 2:133). وهكذا كان يمكن أن يدعي رئيس الكهنة "الكاهن الممسوح" (لا 5،3:4؛22:6). كذلك نقرأ خصوصاً عن مسح الملوك، كشاول (1صم 1:10)، وداود  (1 صم 13:16، 2صم 4:2)، وسليمان (1 مل 34:1). وسواهم، من هنا دعي الملوك مسحاء الرب (1 صم 11:26؛ مز 2:2). وفي استعمال المسح هذا ما يلقي الضوء على أغراض أخرى. فإن التعبير "مسيح" (أو ممسوح) يستخدم في الكتاب المقدس عدة مرات للدلالة على أولئك الأشخاص الذين يختارهم الله ويُعدهم لخدمته، حتى وإن لم يحدث مسح فعليٌّ بالزيت. ففي المزمور 15:105 يسمى الآباء "مسحاء" و"أنبياء" وفي مواضع أخرى. يدعى شعب إسرائيل، وإلا فريقاً ملكه، مسيحاً. وفي إشعياء 1:45 يطلق الاسم عينه على كورش، ومهما يكن، فليس المسح بالزيت إلا علامة تشير من جهة إلى التكريس لخدمة الله؛ ومن جهة أخرى إلى الاختيار للخدمة والدعوة إليها والإعداد لأجلها من قبل الله بالذات. ولما مسح داود على يد صموئيل حل عليه روح الرب منذ اليوم فصاعداً (1 صم 13:16).

بهذا المعنى صار "المسيا" (أو المسيح) يعني على نحو مميز ملك المستقبل الآتي من بيت داود. فهو على كل حال الممسوح بصورة فريدة. لأن الله نفسه عينه ومسحه لا بالزيت الرمزي فقط بل بالروح القدس نفسه وبلا حساب (كز 6،2:2؛ إش 1:61) ولا يمكن أن نحدد على نحو قاطع متى ابتدئ يستخدم الاسم "مسيا" (مسيح أو ممسوح) كاسم علم دون أداة التعريف. ولكن يبدو أن الاسم في دانيال 25:9 قد بات يظهر بهذا الشكل، وكان هذا الاسم، مستعملاً بهذا المعنى، قد شاع زمن وجود الرب يسوع بجسده على الأرض، ففي يوحنا 25:4 تقول السامرية للمسيح: أنا أعلم أن مسيّا يأتي – وهنا لا تظهر أداة التعريف وعليه، فمع أن اللفظة "مسيح" كانت بادئ ذي بدء ذات معنى عام ويمكن أن تستخدم للدلالة على أشخاص شتى، فإنها  أصبحت بالتدريج اسم علم يستعمل فقط للإشارة إلى ملك المستقبل الآتي من بيت داود، فهو وحده المسيّا، أي المسيح، ولا أحد سواه.

************

صورة ذلك المسيّا تطورت الآن وظهرت في نبوة العهد القديم بطرق متنوعة، وفي مقدمتها دائماً فكرة كونه ملكاً، فهو يدعى المسيح لأنه قد مسح ملكاً (مز 6،2:2). ويتوقع داود نفسه، على أساس الوعد المعطى له، أنه من نسله سيطلع رئيس للشعب يملك ويحكم بالبر. وقد وضع الله لبيت داود عهداً أبدياً، متقناً في كل شيء ومحفوظاً (2 صم 3:23-5). هذا هو رجاء جميع الأنبياء وناظمي المزامير. فإن خلاص الشعب في المستقبل مرتبط ببقاء بيت داود الملكي، وملك المستقبل الآتي من ذلك البيت هو في الوقت عينه الملك على مملكة الله. وليس ملكوت الله صورة شعرية مجازية أو مفهوماً فلسفياً، بل هو حقيقة واقعة وجزء لا يتجزأ من التريخ. إنه يأتي من فوق، وهو وحي روحي ومثالي، لكنه مع ذلك سيبرز إلى الوجود في الزمان تحت ملك من بيت داود. فهو ملك إلهي، إلا أنه مع ذلك مملكة بشرية وأرضية وتاريخية، بكل معاني الكلمات. من هنا ترسم أمامنا، في النبوة، مملكة الله الآتية بظلال وألوان مستمدة من الظروف الراهنة آنذاك، على نحو ينبغي ألا يؤخذ بحرفيته، لكنه مع ذلك يخلّف انطباعاً عميقاً عن حقيقة تلك المملكة. فليس أمامنا صورة حلم. بل واقع سوف يتحقق هنا على الأرض، وفي التاريخ، في ظل ملك من بيت داود.

ولكن مع أن مملكة المسيح هذه على الأرض لا يعلى عليها كواقع ملموس، فهي تختلف كثيراً عن سائر الممالك الأرضية. فعلى الرغم من حقيقة كونها تبرز إلى الوجود بمحاربة جميع الأعداء وهزيمتهم فإنها مملكة بر وسلام كاملين، قوام برها في الأساس إغاثة للبائس وتخليص الفقراء (مز 12:72-14). وفي ما عدا ذلك، فإنها تنتشر إلى أقاصي الأرض فوق جميع الأعداء، وتظل قائمة إلى الأبد.

وعلى رأس تلك المملكة رئيس هو إنسان حقاً إلا أنه سما على جميع البشر قدراً وكرامة. إنه إنسان، يولد من نسل داود، وهو ابن داود، ويدعى ابن الإنسان، ومع ذلك فهو أكثر من مجرد إنسان؟ إذ أنه يجلس في مقام الكرامة عن يمين الله (مز 1:110)، وهو رب داود (مز 1:110)، وابن الله بمعنى خاص جداً (مز 7:2). إنه عمانوئيل، أي الله معنا (إش 14:7)، والرب برنا (إر 6:22؛16:33)، من فيه يأتي الرب نفسه في النعمة إلى شعبه ويسكن بينهم. وفي النبوة سيان أن يملك الرب أو المسيح على شعبه. فأحياناً يقال إن الرب - ثم يقال أيضاً أنه مسيحه – سوف يظهر ليدين الشعوب ويفدي الشعب. وهكذا نقرأ مثلاً في أشعيا 10:40،11 : "هوذا السيد الرب بقوة يأتي وذراعه تحكم له.....ز كراع يرعى قطيعه." كما نقرأ في حزقيال 23:34 أن الرب سيقيم راعياً واحداً، ألا وهو عبده داود، فيرعى شعبه ويكون لهم راعياً. ويقول النبي حزقيال عن أورشليم الجديدة إن اسمها سيكون "يوه شمَّه " أي الرب هناك (حز 35:48). ويعرض إشعياء الحقيقة عينها بقوله إن الله معنا في المسيح (إش14:7). ويجمع حزقيال الفكرتين إذ يقول : " وأنا الرب أكون لهم إلهاً، وعبدي داود رئيساً في وسطهم"(حز 24:34)، كما أن ميخا أيضاً يقول إن المسيح سوف يرعى الشعب بقدرة الرب، بعظمة اسم الرب إلهه (مي 4:5). لهذا السبب، وفي ضوء العهد الجديد، نستطيع تأويل هذه الفصول بوصفها ذات مدلول نبوي. ففي المسيح ياـي الله نفسه إلى شعبه: وهو أكثر من مجرد إنسان. إنه إعلان الله الكامل والصورة المنظورة التي بها يحل بين الناس، ولذلك أيضاً يسمى بأسماء الله. إذ يدعى عجيباً، مشيراً، إلهاً قديراً، أباً أبدياً، رئيس السلام (إش 5:9).