الرئيسية|تفاسير|مقدمات ومعاجم|كنسيات|عقائد|الحياة المسيحية|العائلة|بدع وهرطقات|أسئلة وأجوبة| دروس | تحميل| ارتباطات

الصفحة الرئيسية  :  العقائد المسيحية    بين العقل والإيمان الجزء 3

 وسيط العهد -6

بصرف النظر عن تفوق هذا المسيا بعظمته ومكانته وقدرته، فإن النبوة تضيف إلى ملامحه الفريدة لمحة رائعة جداً. إذ يقال لنا أنه سيولد في زمن عصيب جداً وفي ظروف وضيعة للغاية، ولعل هذه الفكرة متضمنة في نبوة إشعياء أن العذراء الشابة سوف تحبل وتلد ابناً، وأن هذا الابن  سيشترك في معاناة شعبه، إذ يأكل فقط زبداً وعسلاً، وهذان  هما المنتجان الرئيسيان في بلد حل به الخراب ولم يجر بناؤه من جديد  (إش 15،14:7). ولكن هذه الفكرة، على كل حال، معبر عنها بوضوح في أشعياء 1:11 (قارن إش 2:53). ففي هذا الموضع يقول النبي أنه سوف يخرج قضيب من جذع يسّى وينبت غصن من أصوله. وتفسير ذلك أن بيت داود الملكي سيبقى موجوداً زمن ميلاد المسيح، ولكن ذلك البيت سيكون بلا عرش، فهو يشبه جذعاً قد قطع، ولكنه مع ذلك يخرج قضيباً. ويعبر ميخا عن الفكرة عينها بكلام آخر عندما يقول إن بيت لحم أفراتة – كناية عن بيت داود الملكي إذ كانت بيت لحم مينة داود واقعة في أفراتة – وإن اعتبرت هي الصغرى بين ألوف يهوذا، فمنها يطلع الرئيس الذي سيكون عظيماً إلى أقاصي الأرض (مي 2:5). ومن خنا أيضاً يدعى المسيح "غصناً" في غرميا 5:23، 15:33، وزكريا 8:3، 12:6. فعندما تهلك اسرئيل وتحل الكارثة بيهوذا، إذ يزول بالفعل كل أمل وينقطع كل رجاء، عندئذ يقيم الرب غصناً من بيت داود الملكي فيبني هيكل الرب ويؤسس ملكوته على الأرض. وعليه، فمع أن المسيح سيظهر بقوة ومجد كثير، فهو أيضاً سيظهر متواضعاً، راكباً لا على فرس حرب بل بالأحرى على حمار. على جحش ابن إتان، علامة على المسالمة (زك 9:9) إنه سيكون ملكاً، لكن كاهناً أيضاً. ففيه ستجتمع هاتان الوظيفتان كما في ملكي صادق، وسيشغلها معاً إلى الأبد (مز 4:110؛ زك13:6).

وتستخدم فكرة تواضع المسيح كفكرة انتقالية إلى الفكرة الأخرى التي فيها يقدم إشعياء الشخص الآتي باعتباره عبد الرب المتألم. فكان ينبغي أن يكون الشعب القديم مملكة كهنة (خروج 6:19)، إذ كان ينبغي أن يخدم الله ككاهن ثم يحكم الأرض كملك، تماماً كما خلق الإنسان أصلاً على صورة الله، ولذلك أعطي السيادة على الأرض كلها، وعليه ففي صورة المستقبل تبرز إلى المقدمة حيناً هذه الناحية، وحيناً آخرا تلك. فنقرأ مراراً وتكراراً في النبوات والمزامير أن الله سيجري الحق بواسطة شعبه. وينصرهم على جميع أعدائهم ويوصف هذا النصر أحياناً بعبارات قوية: سيقوم الله فيتبدد أعداؤه، ويهرب من أمام وجهه مبغضوه؛ يذريهم كما يذري الدخان؛ وكما يذوب الشمع قدام النار يبيد الأشرار من قدام الله وسوف يسحق رؤوس أعدائه  وإلهامه الشعراء للسالكين  في الذنوب؛ ويرجع شعبه من أعماق البحر، لكي يصبغوا أرجلهم بدماء أعدائهم، وتصطبغ بها ألسن كلابهم. هذه اللعنات كلها ليست تعبيراً عن الانتقام الشخصي بل هي أوصاف بلغة العهد القديم لغضب الله على أعداء شعبه. غير أن ذلك الإله الذي سوف يعاقب الأشرار على هذا النحو، هو نفسه سيعطي جميع شعبه البر والسلام والفرح، وذلك أن الشعب يخدمه بإجماع تام، ففي أعقاب معاناة الظلم والآلام يبلغ شعب الله حالة من المجد والخلاص فيها يقيم الله عهداً جديداً، فيكتب ناموسه في داخلهم ويهبهم قلباً جديداً وروحاً جديداً، فيسلكون في فرائضه ويحفظون أحكامه ويعملون بها(حز 25:36، ومواضع أخرى).

هذان الوجهان من ملامح صورة المستقبل لشعب العهد القديم سيظهران أيضاً في المسيّا. فلسوف يكون هو ملكاً يحطم أعداءه بقضيب من حديد ويكسرهم كإناء خزف (مز 9:2 ؛ 6،5:110). وليس ثمة عرض لانتصار الله هذا على أعدائه أكثر واقعية مما نجده في إشعياء 1:63-6. فهناك نقرأ أن الرب سيأتي في ثياب مصبوغة بالدم، بهياً بملابسه، متعظماً بكثرة قوته، متكلماً بالبر العظيم للخلاص. وجواباً عن سؤال النبي: ما بال لباسك محمر، وثيابك كدانس المعصرة؟ يقول الرب : قد دست المعصرة وحدي، ومن الشعوب لم يكن معي احد، فدستهم بغضبي، ووطئتهم بغيظي، فرُشّ دمهم على ثيابي، ولطخت كل ملابسي؛ لأن يوم النقمة في قلبي وسنة مفديّيَّ قد أتت. وفي رؤيا 13:9-15 تنسب إلى المسيح بعض ملامح هذه الصورة، عندما يأتي في الأيام الأخيرة ويغلب أعدائه. وهذا الأمر هو تماماً كما ينبغي أن يكون، لأن المسيح مخلص وديان، وحمل وأسد في آنٍ واحد.

وبالحقيقة أن المسيح هو أيضاً مخلّص وفادٍ. فكما أن الرب بارٌ ورحيم، وكما أن يومه هو يوم غضب ويوم فداء، وكما أن الشعب القديم سيملك على أعدائه بسلطان ملوكي، كذلك تماماً المسيح هو في الوقت عينه ملك الله الممسوح وعبد الرب المتألم. وهو يعلن نفسه على هذه الصورة الأخيرة في إشعياء خصوصاً، بهذا الصدد يفكر النبي أولاً في شعب إسرائيل العائش في حال السبي، والذي له – بتألمه على هذا النحو – دعوة يتممها اتجاه جميع الشعوب. ولكن إذ تتطور هذه النبوة في إشعياء، تتركز ملامح هذا المتألم، أكثر فأكثر، في ثورة شخص واحد، وهذا الشخص، من حيث كونه كاهناً، يكفر بآلامه عن خطايا الشعب، ومن حيث كونه نبياً. يعلن هذا الخلاص إلى أقاصي الأرض، ومن حيث كونه ملكاً ينال نصيبه بين الأعزاء ويقسم غنيمة مع العظماء (إش 13:52- 12:53).

ففي الملك الممسوح، يعلن الرب مجده وقوته، وجلال اسمه وسموه (مي 3:5). وفي عبد الرب المتألم، يعلن نعمته وغنى رحمته (إش 11:53). وتنتهي النبوة عند بني إسرائيل إلى هاتين الصورتين وللنبوة تلك جذور ضاربة في التاريخ. فإسرائيل، من حيث هو أمة، يعتبر ابناً له (هو 1:11). ومملكة كهنة (خر 6:19)، مخلوعاً عليها بهاء الرب (حز 14:16)؛ إلا أنه في الوقت عينه يعد أيضاً عبداً لله (إش 9،8:41)، متلقياً التعبيرات التي بها عبر الرب أعداؤه (مز 52،51:89)، ومن أجل الرب إيمات اليوم كله ويُحسب مثل غنم للذبح (مز 22:44). وهناك صفة نبوية لمجد إسرائيل وآلامه معاً، سواء كأمة على العموم أم كأفراد يمثلونها، مثل داود وأيوب. فكل ذلك يشير إلى المسيح. والعهد القديم كله، بنواميسه وفرائضه، بوظائفه وخدماته، بوقائعه ومواعيده، إنما هو بالآلام التي ستأتي على المسيح والأمجاد التي بعدها (1بط11:1). وكما أن الكنيسة في أيام العهد الجديد صارت مع المسيح نبتةً واحدة بكونها ماتت عن الخطية وتعيش لله (رو 11:6)، وكما أن بوجودها تكمّل ما يتبقى لها أن تتحمله من آلام مع المسيح (24:1)، وعلى صورة المسيح أيضاً تتغير من مجد إلى مجد (2كو 18:3)، فكذلك تماماً كانت جماعة العهد القديم أيضاً – في كل معاناتها وعزّها – تمهيداً وظلالاً لإذلال المسيح وترفيعه، وهو الكاهن الملك الذي سيؤسّس في وقته ملكوت الله على الأرض.

وما من شك أن العهد الجديد ينظر إلى ذاته في هذا الضوء وبهذه الطريقة يتصور علاقته بالعهد القديم. فالمسيح يقول إن الكتب المقدسة تشهد له (يو 39:5 ؛ لوقا 27:24)؛ وهذه الفكرة عينها تكمن في أساس العهد الجديد بكامله، وغلباً ما تذكر فيه بصراحة أيضاً.فإن تلاميذ المسيح الأولين اعترفوا به بوصفه المسيّا لأنهم وجدوا أنه ذلك الشخص الذي سبق أن تنبأ عنه موسى والأنبياء (يو 45:1) ويشهد بولس أن المسيح مات، وأنه دُفن، وأنه قام حسب الكتب (1كو 3:15، 4). ويكتب بطرس أن روح المسيح في الأنبياء سبق فشهد بالآلام التي للمسيح والأمجاد التي بعدها (1بط 11:1). وتبيّن جميع أسفار العهد الجديد، تصريحاً أو تلميحاً، أن العهد القديم بكامله قد بلغ إتمامه في المسيح. وقد سبق أن أُشير إلى المسيح، بوصفه إتماماً وتحقيقاً، في الناموس بما فيه من مطالب خُلقية وطقسيّة ومدنيّة، وبهيكله ومذبحه، وكهنوته وذبائحه، وكذلك تماماً في النبوة بوعدها بالملك الممسوح من بيت داود، وبشاهدتها أيضاً لعبد الرب المتألم. كما أن ملكوت الله بجملته، على حد ما أُنبئ به في الشعب القديم وتاريخه، ورسمت خطوطه مسبقاً في الناموس على نحوٍ قوميّ، وأعلن في الأنبياء بلغة العهد القديم، قد اقترب في المسيح، وبه وبكنيسته نزل من السماء على الأرض.

 هذه العلاقة الوثيقة بين العهدين القديم والجديد هي ذات أهمية قصوى بالنسبة إلى أصالة الإيمان المسيحي وصحته. فإن الاعتراف بأن يسوع هو المسيح، أي المسيّا الموعود به، لهو لب الإيمان المسيحي ومميزه عن سائر الأديان الأخرى. لذلك يلقى هذا الاعتراف أشد المقاومة من قبل اليهود وغيرهم، وأيضاً من قِبل كثيرين من أهل زماننا ممن يُدعون مسيحيين. ويحاول هؤلاء بأن يجادلوا أن يسوع ما فكر في نفسه قط بوصفه المسيح ولا قدّم نفسه بهذه الصورة، أو أنه، على الأغلب، صاغ في هذه الصورة العرضيّة وعيه الديني الداخلي ودعوته الأخلاقية السامية. غير أنّ شهادات العهد الجديد أكثر جداً وأقوى من أن تسمح بالبقاء على هذا الموقف طويلاً. لذا نجد آخرين ممن هم أقرب عهداً إلينا يذهبون مذهباً أبعد من ذلك كثيراً، فهم لا يستطيعون أن ينكروا أن يسوع اعتبر نفسه أنه المسيح، وأنه قد نسب إلى ذاته كل أنواع الخصائص والقدرات الخارقة. لكنهم بدل الانحناء أمام هذا الواقع، وقبول المسيح باعتبار أنه فعلاً ما قاله عن نفسه، يذهبون إلى أن يسوع كان كائناً بشرياً عرضةً للأوهام والحماسة وكل أنواع الشذوذ. وبالحقيقة أن هذا الهجوم يوغل في الباطل حتى ينسب بعضهم إلى يسوع كل نوع من مرض النفس والجسد، زاعمين أنهم بذلك يفسرون التصور الرفيع الذي كان له بخصوص ذاته. وهذا النزاع حول شخصية المسيح، وقد اتخذ في السنوات الأخيرة من جديد صفةً خطيرة، إنما يثبت مجدداً أن السؤال "ماذا تظنون في المسيح؟" قد عاد الآن يشغل أذهان البشر ويقسمهم كما فعل في عهود التاريخ السالفة. فكما أن اليهود فكروا في المسيح أفكاراً شتىّ، فظنّ بعضهم أنه يوحنا المعمدان، وآخرون إيليا، وآخرون إرميا أو واحد من الأنبياء (متى 13:16، 14)، وكما ظنّ بعضهم آنذاك أنه مجنون ومسكون بالشياطين (مر 21:3، 22)، كذلك تماماً استمرت الحال على ذلك الموال طوال القرون وما تزال حتى الآن. فحتى لو نحّينا جانباً أولئك الذين يزعمون أن المسيح هو متوهم أو متعصب، لبقي آلاف لا يعترفون أن الربّ يسوع هو مسيح الله في حين يقرّون بأنه نبيّ.

غير أن المسيح جدير كلياً بهذه التسمية ولا يرضى باعتراف آخر سواها. صحيح إنه إنسان، ويوصف هكذا على صفحات العهد الجديد كلها. إلا أنه مع ذلك الكلمة الأزلي الذي ولد في الزمن (يو 18:1 ؛ في 7:2). إنه اشترك معنا في اللحم والدم، ويشبه إخوته في كل شيء (عبرانيين 14:2، 17). فهو من الآباء بحسب الجسد (رومية 5:9)، ومن نسل إبراهيم (غلاطية 16:3)، وقد طلع من يهوذا (عب 14:7 ؛ رؤيا 5:5)، وتحدّر من نسل داود (رو 3:1)، وقد ولِد من امرأة (غل 4:4). إنه كائن بشري بكل معنى الكلمة الحقيقي، لأن له جسد (متى 26:26)، ونفساً (مت 38: 26)، وروحاً (لوقا 46:23)، وذهناً بشرياً (لو 52:2)، وإرادةً بشرية (لو 42:22)، ومشاعر بشرية من راحة واستراحة وأكل وشرب (يوحنا 6:4، 7، ومواضع أخرى).ففي كل مكان وكل حين يُعلن يسوع نفسه في العهد الجديد بوصفه كائناً بشرياً ليس من شيء بشري غريب عنه. والواقع أنه تجرّب في كل شيء مثلنا، إلا أنه كان بلا خطية (عب 15:4). وفي أيام جسده قدّم، بصراخ شديد ودموع، طلباتٍ وتضرعات، وتعلّم الطاعة مما تألم به (عب 7:5، 8).

وعليه، فإن معاصريه لم يشكو لحظة في طبيعته البشرية الحقيقية. وهو يُسمى في الأناجيل عادةً باسمه العادي البسيط "يسوع". صحيح أنه هذا الاسم قد أُطلق عليه امتثالاً للرسالة التي بلّغها الملاك وأن له دلالةً على أنه – له المجد – هو مخلّص الشعب (مت 21:1). ولكن هذا الاسم بحد ذاته كان معروفاً بين العبرانيين من قديم الزمان، وقد دُعي به أشخاص كثيرون. فالاسم "يسوع" بالعربية هو تعريب للاسم العبري "يهوشع" أو "يشوع"، وأصله جذر يفيد الإنقاذ أو التخليص. وكان خليفة موسى يدعى أولاً هوشع، ولكن موسى دعاه فيما بعد يهوشع أو يشوع (عدد 16:13)، ويدعى في أعمال 45:7 وعبرانيين 8:4 "يسوع" (باليونانية). وهكذا نقرأ في العهد الجديد أيضاً اسمي شخصين آخرين دُعيا بالاسم نفسه (لوقا 29:3، في الأصل ؛ كولوسي 11:4). فالاسم بحد ذاته إذاً ما كان ممكناً أن يحمل اليهود على الاعتقاد أنّ ابن مريم هو المسيح.

 

ولذا كان مألوفاً أن يتحدثوا عنه بوصفه الإنسان الذي يقال له يسوع (يو 11:9)، وابن يوسف النجار المعروف عندهم أخواته وإخوته (متى 55:13 ؛ يو 42:6)، وابن يوسف الذي من الناصرة (يو 45:1)، ويسوع الناصري، ويسوع الذي من الجليل (متى 69:26)، والنبي الذي من ناصرة الجليل (مت 11:21). وقد كان اللقب العادي الذي خُطب به يسوع هو رابيّ أو ربّوني، ومعناه : معلّم، سيد، أو سيدي (يو 38:1 ؛ 16:20)، وهو اسم خُطب به في ذلك الزمن الكتبة والفريسيّون عادةً (مت 8:23). ولا يقتصر المسيح على استعمال هذا اللقب لنفسه، بل يُضفي عليه أيضاً معنىً فريداً بالنسبة إلى شخصه (مت 8:23 – 10). وطبعاً، لا تفيد هذه الأسماء والألقاب أنّ الناس اعترفوا به أنّه المسيح. وليست هذه بالضرورة هي الحال عندما يخاطبونه مستخدمين اللفظة العامة "يا سيد" (مر 28:7). أو العبارة "ابن داود" (مر 47:10)، ولا عندما يدعونه نبياً (مر 15:6 ؛ 28:8).

***************