|

وسيط
العهد
-7
ومع أن يسوع، وإن بدا إنساناً حقيقياً بكل معنى الكلمة،
فهو عالمٌ منذ البداية أنّه أكثر من مجرد إنسان، وقد اعترف
به تلاميذه وأقرّوا على نحوٍ متزايدٍ وضوحاً بأنه هو حقاً
هكذا. وليست هذه فقط هي الحال في إنجيل يوحنا وفي رسائل
الرسل، كما يتضح غالباً، بل إن ذلك يُرى أيضاً بوضوح عند
قراءة أناجيل متى ومرقس ولوقا. ومهما يكن، فلا يمكن الدفاع
البتّة عن تلك المفرقة التي يحول قومٌ في العصر الحديث أن
يُقيموها بين يسوع التاريخ ومسيح الكنيسة. فهم يزعمون أن
الربّ يسوع لم يكن – ولم يرغب أن يكون – أكثر من مجرّد
إسرائيلي تقيّ، وعبقريّ دينيّ، ومعلّم عظيم للشبان، ونبيّ
كغيره من الأنبياء الذين ظهروا سابقاً في إسرائيل. ويذهبون
إلى كل ما تعترف به الكنيسة مما يتعدى يسوع التاريخ هذا
إنما من نسج الخيال وقد أضافه تلاميذ المسيح إلى صورة
السيد. وهذه الإضافات، في رأيهم، هي الحبل المعجزي
بالمسيح، ووظيفته النبوية، وموته الكفاري، وقيامته، وصعوده
إلى السماء، وما إلى ذلك.
ولكن في مواجهة هذا التصور بمجمله اعتراضات عديدة وخطيرة
بحيث لا يمكنه الصمود في وجه أي منها. ومهما يكن، فإن كانت
الوقائع العديدة المشار إليها آنفاً من نسج الخيال ومُضافة
إلى أسطورة يسوع، فينبغي للمرء أن يأتي بتفسير ما يبيّن
كيف توصل التلاميذ إلى مثل هذه الروايات ومن أين استقوا
المواد التي بها لّفقوا هذه الخرافات المحكمة. وما كان
الانطباع الذي تُخلّفه شخصية المسيح الفائقة للطبيعة
ليتلاءم البتة مع تصورات كهذه. فالصورة الحاصلة هنا، ولو
كانت لشخص مميز رفيع المقام، لن يدخل في قوامها أي عنصر
مكوّن لشخصية المسيح الذي تعترف به الكنيسة. والعناصر
المكونة لصورة المسيح عند أولئك ينبغي أن تُلتمس بالتالي –
والواقع أنها تلتمس فعلاً – لدى الفرق اليهودية في ذلك
الزمان، أو لدى الديانات اليونانية والفارسية والهندية
والمصرية والبابلية، وهكذا تُحرم المسيحية استقلاليتها
وفرادتها وتغدوا أشتاتاً مجمعة من البدع الوثنية
واليهودية.
علاوة على أن تلك الأناجيل الثلاث قد كتبها أُناس كان لهم
في أنفسهم اقتناعاً راسخاً بأن يسوع هو المسيح. فقد كُتبت
في وقت كانت الكنيسة فيه على قيد الوجود زمناً، وكانت
الكرازة الرسولية قد سبق أن انتشرت في جميع أنحاء العالم
المعروف آنذاك، وكان بولس قد كتب عدة رسائل. ولا يُعرف في
الفترة الأولى من تاريخ الكنائس أي شيء عن نزاع قام بين
الرسل وشركائهم في العمل حول شخصية المسيح. بل إنهم جميعاً
راسخون في الإيمان بإنّ يسوع هو المسيح، وبإنّ الله جعل
يسوع الذي صلبه اليهود ربّاً ومسيحاً، وباسمه يهب الله
التوبة ومغفرة الخطايا (أعمال 22:2 – 38).
وقد كان هذا الإيمان منذ البدء هو أساس الكنيسة المسيحية.
فيؤكد بولس في الأصحاح الخامس عشر من رسالته الأولى إلى
أهل كورنثوس أنّ مسيح الكتاب المقدس، المسيح الذي مات ودفن
وأُقيم، كان هو موضوع الكرازة الرسولية وغرض الإيمان
المسيحي، وأنه لولا هذه الحقائق لكانت الكرازة والإيمان
باطلين ولكان خلاص الذين رقدوا في المسيح وهماً وبلا أساس.
فلا خيار بين هذين الأمرين : إما أن يكون الرسل شهود زورٍ
لله، وإما أن يكونوا قد شهدوا بالحق وأعلنوا ما كان منذ
البدء، مل رأوه بعيونهم وشاهدوه، ما لمسته أيديهم بخصوص
كلمة الحياة (1يو 1:1). كذلك أيضاً لابدّ أن يكون المسيح
إما نبياً زائفاً وإما الشاهد الأمين، البكر من الأموات،
ورئيس ملكوت الأرض، الذي أحبنا وقد غسلنا من خطايانا بدمه،
وجعلنا ملوكاً وكهنة لله أبيه (رؤيا 5:1، 6). فلا تضارب
بين يسوع والتاريخ ومسيح الكنيسة. وما شهادة الأنبياء إلا
ما وهب لهم بإرشاد الروح القدس من إعلان وتفسير لشهادة
المسيح عن نفسه. وبُنيان الكنيسة موطد على أساس الرسل
والأنبياء، حيث المسيح نفسه هو حجر الزاوية (أف 20:2). ولا
أحد يستطيع أن يضع أساساً آخر غير الذي وضعه هؤلاء (1كو
11:3).
***************
بالرغم من أن الموضوع يبدو مشوقاً إلا أن المجال لا يتسع
الآن لإيراد عرض وافٍ لمضمون تلك الشهادة التي قدّمها
المسيح عن نفسه والتي أدلى بها الرسل عن سيدهم وربّهم.
ويجدر بنا بعض الوقت لفت الانتباه إلى بعض النقاط
التفصيلية.
لقد جاء الربّ يسوع مبشراً باقتراب ملكوت الله، كما سبق أن
نادى بذلك يوحنا المعمدان، وأعلن يسوع أن الدخول في ذلك
الملكوت هو عن طريق الإيمان والتوبة (مرقس 15:1). أنّ
المسيح يضع نفسه في علاقة خاصة بذلك الملكوت مختلفة تماماً
عن علاقة يوحنا أو أيّ أحد آخر من الأنبياء. فهؤلاء جميعاً
قد تنبأوا عن الملكوت(متى 11:11 – 13)، ولكن المسيح هو
صاحبه ومالكه. صحيح أنّه قد قبله من عند الآب الذي جعله له
في المشورة الأزلية (لوقا 29:22)، لكنه بالتالي ملكوت الله
بالتحديد، والمسيح على رأسه يدير شؤونه، بسلطانه المطلق،
لأجل خير تلاميذه فالآب هو من أعدّ وليمة عرس لابنه (مت
2:22)، إلا أنّ الابن هو العريس (مر 19:2 ؛ يوحنا 29:3)،
وهو الذي سيحتفل بعرسه إذ يتحد بخاصته في المستقبل (مت
1:25). والآب هو صاحب الكرم، إلا أنّ الابن هو الوارث (مت
33:21، 38). وهكذا يدعو المسيح ملكوت الله ملكوته هو
أيضاً، وهو يتحدث عن كنيسته الخاصة مبنية على أساس صخرة
الاعتراف به (مت 39:12، 42). ولأجله ينبغي أن يُهجر ويُنكر
كل شيء، من أبٍ وأم، وإخوة وأخوات، وبيوت وحقول، ونفس أو
ذات. ومن أحبّ أبً أو أمًّ أكثر منه فلا يستحقه. ومن ينكره
ويعترف به قدّام الناس، فتبعاً لذلك سينكر أو يُعترف به
قدّام الآب الذي في السماء.
هذه المكانة الرفيعة التي ينسبها المسيح إلى نفسه في ملكوت
السماء تؤيدها جميع أقواله وأفعاله، وهذه كلها توافق مشيئة
الآب تماماً. والمسيح هو الوحيد الذي بلا خطية على
الإطلاق. فلم يصدر عنه قط أيّ تعدٍّ لمشيئة الله، ولا
يعترف البتة بأيّ خطية ولا بأيّ خطأ. صحيح أنه سمح لنفسه
أن يعمده يوحنا المعمدان، ولكن ذالك لم يكن قط لكي ينال
كغيره غفران الخطايا (متى 6:3). إذ إنّ يوحنا المعمدان
يبادر تواً إلى ممانعة اعتماد المسيح، علماً منه بأنً
معموديته هي للتوبة ومغفرة الخطايا. وقد أقرّ المسيح
بصوابية ممانعة يوحنا، إلا أنّه ردّها بالقول أنّه يطلب
المعمودية لا لينال شخصياً غفران الخطايا بل ليكمل كلّ برّ
(مت 14:3، 15). أضف إلى هذا أنه يستنكر مخاطبة الشاب الغني
له بقوله "أيها المعلّم الصالح" (مر 18:10)، لكنه لا يفعل
ذلك لينكر كماله الأدبي. فقد قصد الشاب الغني إلى يسوع كما
كان المرء يتوجه يوم ذاك إلى الكتبة والفريسيين مخاطباً
إياهم بكل أنواع التحيات وعلامات الاحترام (مت 7:23). وقد
أراد أن يتملق المسيح ويفوز بالحظوة لديه من طريق دعوته
إياه معلماً صالحاً. ومثل هذه المداهنة لا تنطلي على
المسيح. فهو لا يريد أن يحيا ويُكرم على طريقة الفريسيين
والكتبة. والصالح، بمعنى الكلمة المطلق، هو الله وحده لأنه
مصدر كل خير وبركة. وعليه، فالمسيح هنا لا ينكر البتة
كماله الأدبي المطلق، بل إنما يعترض بالأحرى على التملق
بغير تروٍّ من قبل الشاب الغني. وهكذا كانت الحال أيضاً في
جثسيماني. فإن طبيعته الإنسانية ترى الآلام تنتظره وهي
تلوح هائلة جداً، فتبرهن (تلك الطبيعة) حقيقتها بالصلاة
إلى الآب لأجل أن تعبر تلك الكأس، غير أن المسيح يعلن في
اللحظة عينها خضوعه الكامل وطاعته التامة إذ يضيف قائلاً :
ولكن ليس كما أريد أنا، يا أبتاه، بل كما تريد أنت (مت
39:26)!
ولكن حتى في تلك اللحظة، سواء في جثسيماني أو فوق الجلجثة،
لم تخرج من شفتيه كلمة واحدة بأية خطية. بل بالعكس، فكل ما
هو عليه، وما يقوله، وما يفعله، متوافق تماماً مع مشيئة
الآب المقدسة.
وقد علّم المسيح، لا كالكتبة، أي بتكرار أجوف للتقليد، بل
كمن له سلطان، كمن تلقى سلطاناً نبوياً كاملاً من الله
نفسه (مت 29:7). والسلطان نفسه ظاهراً في أعماله. فهو يخرج
الشياطين بروح الله (مت 28:12)، وبإصبع الله (لو 20:11)،
وله سلطان أن يغفر الخطايا (مت 6:9)، وأيضاً سلطان أن يضع
حياته وأن يأخذها من جديد (يو 18:10). هذا السلطان كله
تلقاه من الآب. وهو يرد كل أقواله وأفعاله إلى وصية الآب.
وطعامه هو أن يفعل مشيئة الآب (يو 34:4)، بحيث إنه استطاع
قبيل نهاية حياته على الأرض أن يقول إنه مجد الآب، وأعلن
اسمه، وأنهى عمله (يو 4:17، 6). فالعلاقة بالملكوت هذه
التي وضع المسيح – بشخصه وأقواله وأفعاله – نفسه فيها،
معبراً عنها على نحوٍ وافٍ في أنه المسيّا المنتظر. وهنالك
الآن، كما كان على مدىً طويل، قدرُ غير يسير من التساؤل
حول "هل اعتبر يسوع نفسه المسيّا الموعود أم لا؟ وإن كان
نعم، فكيف توصلّ إلى هذا الإدراك؟".
فيما يتعلق بالسؤال الأول، لا يمكن أن يوجد في ذهن أحد أيّ
شك في أنّ الجواب هو نعم، وذلك بعد قراءة الأناجيل بفكر
متجدّد – ولا أعني إنجيل يوحنا وحده، بل أيضاً أناجيل متى
ومرقس ولوقا. لذلك نذكر بعض الآيات. فإن المسيح أعلن في
مجمع الناصرة أن نبوة أشعياء تمت في ذلك اليوم (لو 17:4
وما يليها). وجواباً عن سؤال يوحنا المعمدان : هل كان يسوع
هو المسيح؟ يُشير يسوع إلى أعماله مؤكداً على نحوٍ قاطع
أنه المسيح (مت 4:11 وما يليها). وهو يصدق على اعتراف بطرس
: أنت المسيح ابن الله الحي، ويرى فيه إعلاناً من أبيه (مت
16:16، 17). وطلبة أم ابني زبدي تصدر عن الإيمان بأنّ يسوع
هو المسيح، وهو ينظر إليها من هذه الزاوية ويفسرها (مت
20:20). ثم إنّ تفسيره للمزمور 110 (مت 24:22)، ودخوله إلى
أورشليم (مت 2:21 وما يليها)، وظهورات في الهيكل (مت 12:21
وما يليها)، وتأسيس للعشاء المقدس (مت 26:26 وما يليها) –
هذه كلها – مؤسسة على إقراره بأنّه هو المسيح، وابن داود
وربّه، وأنه يقدر أن يحل عهداً جديداً محل القديم. والأمر
الحاسم نهائياً في هذه المسألة هو أنه قد حُكم عليه وقُتل
ولا شيء آخر سوى اعترافه بأنه المسيح ابن الله (مر 62:14).
والعنوان الذي كُتب على الصليب، يسوع الناصري ملك اليهود،
يضع ختم الصحة على ذلك.
أما كيف وبأيّة طريقة بلغ المسيح هذا الإدراك، فمسألة
أخرى. وتزعم الفكرة العامة بخصوص ذلك، والتي تحظى الآن
بقبول واسع جداً، أنّ يسوع لم يكن يعرف شيئاً في بادئ
الأمر عن مفهوم كونه مسيّا، وأنّ هذا المفهوم جاءه لاحقاً،
بعد معموديته أيضاً، بل أيضاً فيما بعد، أي بعد اعتراف
بطرس وبسببه. وهكذا يفترض أن الربّ يسوع قبل هذا المفهوم
وتحت الضغط، أو كشكل لدعوته الدينة الخُلقية أقل وفاءً
بالغرض ولكن لابدّ منه. على أنّ جميع الافتراضات من هذا
القبيل تبقى خارج نطاق الحقيقة وتناقض على خط مستقيم
الكلمة المقدسة وجوهر شخصية المسيح، لا ننكر أنّ إدراك
المسيح البشري قد شهد تطوراً طبيعياً، إذ نقرأ بصريح
العبارة أنه كان يتقدم في الحكمة والقامة والنعمة عند الله
والناس (لو 52:2). فإن إدراكه البشري لشخصه الخاص، وللعمل
الذي أعطاه إياها الآب ليعمله، ولماهيّة الملكوت الذي جاء
ليؤسسه، قد شهد تنويراً تدريجياً وتعميقاً مطرداً في كنف
الأسرة الهادئة في الناصرة، بمعونة أسفار العهد القديم
المقدسة وفي عهدة أبويه التقييّن.
إلا أن المسيح، وهو بعد فتىً، كان يعلم – كما صرّح في
الهيكل أنه ينبغي أن ينهمك في عمل أبيه (لو49:2). وقبل أن
يعتمد على يد يوحنا، كان عالماً أنه لا يحتاج إلى تلك
المعمودية لمغفرة الخطايا بل إنه طلب قبولها لكي يكون
مطيعاً لمشيئة الله في كل شيء. وعلى هذه، لم تكن تلك
المعمودية بالنسبة للمسيح حداً لماضٍ أثيم، لأن ذلك لم يكن
لديه قط؛ بل كان ذلك بالأحرى خضوعاً كاملاً وتكريساً كلياً
من جانبه للعمل الذي أعطاه إياه الآب كي يعمله، كما كان من
جانب الله تأهيلاً شاملاً وتجهيزاً للقيام بذلك العمل. وقد
عرفه يوحنا حالاً أنّه المسيّا، وفي الغد اعترف به بهذه
الصفة التلاميذ الذين اختارهم (يو 52:29:1).
***************
 |