الرئيسية|تفاسير|مقدمات ومعاجم|كنسيات|عقائد|الحياة المسيحية|العائلة|بدع وهرطقات|أسئلة وأجوبة| دروس | تحميل| ارتباطات

الصفحة الرئيسية  :  العقائد المسيحية    بين العقل والإيمان الجزء 3

 وسيط العهد-8

غير أن هذا الاعتراف، إن صح التعبير، كان اعترافاً مبدئياً. فلم يكن بحال من الأحوال ما كان ينبغي أن يكونه، وما كان سيصير إليه. ذلك أنه كان مقروناً بكل أنواع الخطأ في ما يتعلق بطبيعة كونه المسيّا. فالتلاميذ – رغماً عنهم – ظنّوا أن يسوع سيكون مسيحاً كما صوره يهود ذلك الزمان عموماً، أي ملكاً يشنّ الحرب على الأمم الوثنية ويقيم إسرائيل مجدداً على رأس تلك الأمم المقهورة. حتى أن يوحنا المعمدان وقع فريسة للشك بعد ظهور المسيح علناً وعدم قيامته بهذه التطلعات (متى 2:11 وما يليها). ثم إن التلاميذ كان يصحح المسيح أفكارهم ويعلّمهم الحق فيما يخص ذلك. فقد كان الرجاء المسيّاني اليهودي عميق الجذور في نفوس التلاميذ بحيث إنهم، بعد القيامة أيضاً، سألوا يسوع في هذا الوقت يرّد الملك إلى إسرائيل (أعمال 6:1).

فبسبب من هذه التصورات المغلوطة التي كانت ذائعة وشائعة حتى ضمن جماعة التلاميذ، رأى المسيح من اللازم أن يتبع في كرازته خطاً تفسيرياً تعلّيمياً محدداً. ومن المعلوم جيداً أن الربّ يسوع، في الفترة الأولى من خدمته، لم يقل قط بصريح العبارة إنه المسيح. فقد كان مضمون كرازته هو ملكوت السماء، وهو يشرح بإسهاب طبيعة هذا الملكوت وأصله ومسراه واكتماله، مستعملاً الأمثال بصورة خاصة. ثم إن أعمال المسيح هي أعمال الرحمة، ألا وهي شفاء كل مرض وضعف في الشعب. هذه الأعمال تشهد له، ومنها ينبغي لتلاميذه – وليوحنا المعمدان أيضاً – أن يكوّنوا فكرة صحيحة عن هويته وطبيعة رسالته. حتى إننا نستطيع التعبير عن المقصود هنا على نحوٍ أقوى، فنقول إنّ كونه المسيّا تبدو سراّ لا يجوز أن يذاع. فأكثر من مرة دفعت أعماله الذين حوله إلى التفكير في كونه المسيح، إلا أنه كان عندئذ يوصيهم بشدة بألا يطلعوا أحداً على ذلك. حتى إنه في أواخر حياته فعلاً، حينما صار معرفة التلاميذ به أفضل، وحينما اعترفوا على لسان بطرس بأنه المسيح ابن الله الحي، وقد كان ذلك في قيصرية فيلبس، فحينئذ أيضاً، ورغم كل شيء، نهاهم بتشديد عن الإفصاح عن ذلك (مت 20:16 ؛ مر 30:8). حقاً، كان يسوع هو المسيح، لكنه كان كذلك بمعنىً آخر يختلف عما تصوره يهود ذلك الزمان. فهو لم يرد، ولا سمح لنفسه، أن يكون مسيحاً بحسب توقعاتهم. ولما لاح خطر ذلك، انسحب لئلا يؤخذ بالقوة ويُنصب ملكاً (يو 14:6، 15). لقد كان هو المسيح، وهو أراد أن يكون، إنما ليس كما يتفق مع مشيئة الناس ومسرّتهم، بل إنه أراد أن يكون هو المسيح على ما يتفق مع مشيئة الآب ومشورته، ومع نبوات العهد القديم.

لذلك اختار المسيح التعبير "ابن الإنسان" كاسم خاص دعا نفسه به. وهذا الاسم يخرج من شفتيه مراراً وتكراراً في الأناجيل. لا شك أن هذا الاسم مقتبس من دانيال 13:7، حيث تصور ممالك العالم بهيئة حيوانات ولكن ملكوت الله يأتي على يد ابن إنسان. والمقطع الذي ترد فيه الآية المشار إليها جرى تأويله في بعض الأوساط اليهودية بمعنىً نبوي، ولذلك عُرف هذا اللقب (أي "ابن الإنسان") عند بعضهم على الأقل، بأنه تسمية للمسيح (يو 34:12). ومع ذلك يبدو أن هذا الاسم لم يكن شائعاً، وكذلك لم تُضف عليه أهمية خاصة. إذ لا يمكن أن يربط بهذا الاسم مثل ما ارتبط بالاسم "ابن داود، ملك إسرائيل" من آمال وتطلعات جسدية. من هنا كان الاسم "ابن الإنسان" أنسب اسم ليسوع – إذ أنه عبر من جهة عن فكرة كونه المسيح الموعود به في النبوة، ومن جهة أخرى عن فكرة كونه كذلك بغير مفهوم الفكر الشائع بين اليهود.

ويمكن أن نبرهن على ما نذهب إليه بطريقة استعمال المسيح لهذا الاسم. فهو يستعمل هذا اللقب بالإشارة إلى نفسه في مواضع يمكن أن تندرج ضمن مجموعتين : الأولى حيث يتحدث عن فقره وآلامه وتواضعه؛ والثانية حيث يتحدث عن قدرته وجلاله ومجده. فمما قاله، مثلاً، ضمن المجموعة الأولى : أن ابن الإنسان لو يأتِ ليُخدم، بل ليخدم، وليبذل نفسه فدية عن كثيرين (مت 28:20). ومن المجموعة الثانية أنه أعلن أمام المحكمة العليا أنه حقاً المسيح، وقد أضاف إلى هذا الإعلان تصريحه : من الآن تبصرون ابن الإنسان جالساً عن يمين القوة وآتياً على سحاب السماء (مت 64:26). وترد إلى خواطرنا مثل هذه الأفكار بعينها إذ نقارن آيات مثل متى 20:8 و19:11 و40:12 و12:17 و11:18 و18:20، وآيات أخرى مثلها وبآيات مثل متى 6:9 و23:10 و8:12 و41:13 و27:16 و9:17 و28:19 و27:24 و13:25، وما شابهها. فالمسيح يعرّف نفسه بهذا اللقب في شخصيته الكاملة، وفي تواضعه وتمجيده، وفي نعمته وقدرته، باعتباره المخلّص والديّان.

بهذا الاسم يلخص المسيح نبوة العهد القديم بكاملها عن المسيّا الآتي. وعلى حد ما سبق الإشارة، فإن الرجاء المسيّاني سار في شعبتين، إحداهما تختص بالملك الممسوح من بيت داود، والثانية بعبد الرب المتألم. وفي الحالتين، تتوازى هاتان الشعبتان إحداهما مع الأخرى خلال أسفار العهد القديم، لكنهما في سفر دانيال تتلاقيان. فإن ملكوت الله سيكون سلطاناً بمعنى الكلمة الحقيقي والكامل، غير أنّ ذلك السلطان سيكون سلطاناً بشرياً، أعني سلطان ابن الإنسان. وهكذا يقول المسيح الآن أيضاً إنه حقاً ويقيناً ملك، فهو ملك إسرائيل، الملك الموعود به والممسوح من قبل الله. لكنه مع ذلك ملك بمعنىً يختلف عن الذي تعارف عليه اليهود. إنه ملك يركب حماراً، جحشاً ابن أتان؛ ملك بر وسلام؛ ملك هو أيضاً كاهن؛ ملك هو أيضاً مخلّص. ففيه تتحد القوة والمحبة، والبر والنعمة، والرفعة والتواضع، والله والإنسان.

فإن المسيح هو الإتمام الكامل لشريعة العهد القديم ونبوته، ولكل الآلام والأمجاد التي حصلت تمهيداً وكمثالاً لما يأتي – عند بني إسرائيل، وهو النظير المثالي للكهنة والملوك عندهم، والنظير أيضاً لشعب إسرائيل نفسه، إذ كان ينبغي أن يكون ذلك الشعب مملكة كهنوتية وكهنوتاً ملوكياً. إنه الملك الكاهن، والكاهن الملك؛ عمانوئيل، الله معنا. من هنا أنّ الملكوت الذي جاء ليبشر به ويؤسسه هو في آن واحد معاً داخلي وخارجي، غير منظورٍ ومنظورُ، روحي ومادي، حاضرُ وآتٍ، خاصٌ وكوني، من فوق ومن تحت، نازل من السماء لكن قائمٌ على الأرض. ولسوف يعود المسيح حقاً. فقد جاء ليخلص العالم وينقذه؛ وسيعود ليدينه ويحكمه.

***************