الرئيسية|تفاسير|مقدمات ومعاجم|كنسيات|عقائد|الحياة المسيحية|العائلة|بدع وهرطقات|أسئلة وأجوبة| دروس | تحميل| ارتباطات

الصفحة الرئيسية  :  العقائد المسيحية    بين العقل والإيمان الجزء 3

 وسيط العهد -9

لمحةٌ أخرى يجب أن تضاف إلى صورة يسوع هذه التي تبرزها لنا الأناجيل، ألا وهي أنّه مدركٌ كونه ابن الله بمعنىً خاص جداً.

استعمل هذا الاسم :ابن الله" في العهد القديم، للدلالة على الملائكة أيضاً (أيوب 7:38)، وعلى شعب إسرائيل، وعلى القضاة في ذلك الشعب (مز 6:82)، وعلى الملوك. وفي العهد الجديد يسمى آدم ابن الله (لو 38:3)، ويسمى بهذا الاسم أولاد الله (2كو 18:6)، إلا أنّه هنا يُطلق على المسيح بصورة فريدة. فهو يدعى بهذا الاسم من عدة جهات ومن قبل أشخاص مختلفين : يوحنا المعمدان ونثنائيل (يو 34:1، 49)، الشيطان والمسكون، رئيس الكهنة وجمهور اليهود وقائد المئة (مت 63:26 ؛ 40: 27، 54)، التلاميذ (مت 33:14 ؛ 16:16)، كتبة الأناجيل (مر 1:1 ؛ 31:20). صحيح أن المسيح لم يدعُ نفسه بهذا الاسم عادةً، إلا أنه مع ذلك قبل بلا اعتراض هذا الاعتراف ببنوته الإلهية، وأشار في بعض الأحيان صراحةً إلى كونه ابن الله.

لا شك طبعاً في أنً مختلف الأشخاص الذين دعوا المسيح بهذا الاسم لم يستعملوه جميعاً بالمعنى العميق عينه. فلم يكن لهذا الاسم المعنى والمغزى الواحد بعينه على لسان كل من قائد المئة (مت 54:27) ورئيس الكهنة (مت 63:26) وبطرس (مت 16:16). فقائد المئة كان وثنياً ولم يدعُ المسيح ابن الله بل ابناً لله. ورئيس الكهنة كان يفكر خصوصاً بكونه المسيح، فيما كان يستجوب يسوع هل هو المسيح ابن الله. ولكن عندما اعترف بطرس، بعد زمنٍ طويل من إتباعه المسيح، أنه يقيناً المسيح ابن الله الحي من عنده كلام الحياة الأبديّة، فعندئذ هناك – بلا شك – في تصريحه معنىً أعمق مما قصد الآخرون، معنىً أصبح التلاميذ يفهمونه تدريجياً على نحوٍ أكثر عمقاً وغنىً بعد قيامة المسيح.

 صحيح أنه بمعنى الحكم الديني منسوب إلى العهد القديم، يمكن أيضاً أن يدعى الرب يسوع بهذا الاسم. فبوصفه الملك الذي مسحه الله، يمكن ويجوز أن يدعى ابن الله. فهو ابن العليّ الذي يعطيه الرب الإله كرسي داود أبيه (لو 32:1). وهو القدوس المولود من مريم (لو 35:1)، وقدوس الله كما دعاه المسكون (مر 24:1). وهو ابن الله المبارك، بحسب التعبير الذي استخدمه رئيس الكهنة على سبيل تعريف المسيّا بأكثر تحديد (مر 61:14). غير أن هذه النبوة حكومة الله لها في المسيح معنىً أعمق مما أدركه الآخرون، إذ إنها فيه تصدر عن علاقة مختلفة بالآب. فهو حُسب ابن الله لا لمجرد كونه قد حُبل به في مريم على نحوٍ خارق (لو 35:1) ولا لكونه عند المعمودية وهب الروح القدس بغير حساب (مت 16:3). ولا هو كذلك أيضاً فقط لأنه بفضل قيامته جعله الله ربّاً ومسيحاً (أع 36:2). صحيح أن الآب، في هذه المناسبات، اعترف به وحيّاه باعتباره الابن، غير أنّ أهليته المسيانية لم تبدأ أولاً عند ذاك، بل إنها ترجع إلى ماضِ أكثر قدماً. ويعلمنا الكتاب المقدس أن يسوع بالحقيقة لا يدعى ابن الله لأنه المسيّا، ملك إسرائيل الممسوح؛ بل بالعكس تماماً، فإياه قد جعل الله ملكاً لأنه كان ابن الله بمعنىً فريد تماماً.

وليس من شكٍ على الإطلاق في أن الكلمة المقدسة تعرض هذه القضية بهذه الطرقة تماماً. فحتى في زمنٍ مبكر كالذي كُتبت فيه الآية الثانية من ميخا 5، نقرأ أن مخارج الرئيس الذي سيملك على إسرائيل هي منذ القديم، منذ أيام الأزل. وفي عبرانيين 5:1، 5:5 نجد أن الآية السابعة من المزمور الثاني : "أنت ابني، أنا اليوم ولدتك" تُفسر بالإشارة إلى الأزل الذي فيه كان المسيح الابن وهو بهاء مجد الله ورسم جوهره، موجوداً في حضن الآب. وفي رومية 4:1 يصرح الرسول أن المسيح قد تبرهن بالقوة أنه ابن الله بالقيامة من الأموات. فهو، بمعنىً خاص، ابن الله منذ الأزل، ولكن ذلك ظهر بأكثر جلاء وكمال في الحبل الخارق به، وفي معموديته، وفي قيامته.

هذا التعليم عينه نجده في الأناجيل بحسب متى ومرقس ولوقا. فالمسيح مدرك أن له بالآب علاقة تختلف جوهرياً عن علاقة الآخرين كلهم به. وقد كان عالماً، وهو فتىً بعد، أنه ينبغي أن يُعنى بعمل أبيه (لو 49:2). وعند معموديته، ثم أيضاً فيما بعد عند التجلّي على الجبل، أعلن الله صراحةً، بصوت جاء من السماء، أن هذا هو ابنه الحبيب الوحيد الذي به سرّ كل السرور (مت 17:3 ؛ 5:17).

ويتحدث المسيح عن نفسه باعتباره الابن المرتفع فوق الملائكة كثيراً جداً (مت 36:24 ؛ مر 32:13). فالآخرون المرسلون من عند الله هم عبيد، أما هو فالابن الوحيد، حبيب الآب ووارثه (مر 6:12، 7). وهو من يرسل إلى تلاميذه موعد أبيه (لو 49:24). ولسوف يأتي ذات يوم في مجد أبيه (مر 38:8). وهو لا يتكلم عن الله البتة بمخاطبته "أبانا"، بل يتكلم عنه دائماً بالقول "أبي"، وتبعاً لذلك يضع الصلاة الربانية "أبانا"، على ألسنة تلاميذه (مت 9:6). وبكلمة واحدة : هو الابن مع أداة التعريف (مر 32:13)، في حين جميع تلاميذه هم أبناء الآب (مت 45:5). وكل شيء قد دُفع إليه من الآب، فليس أحدٌ يعرف الابن إلا الآب، ولا أحد يعرف الآب إلا الابن، ومن أراد الابن أن يعلن له الآب (مت 27:11). وهو بعد القيامة أعطى تلاميذه تفويضاً أن يتلمذوا جميع الأمم ويعمدوهم باسم الآب والابن والروح القدس، ويعلموهم جميع ما أوصى به (مت 19:28).

   أما إنجيل يوحنا، وفيه لا يتكلم البشير فقط بل الرسول أيضاً، فلا يضيف جديداً على ذلك بصورة جوهرية، بل يعرضه على نحو أعمق وأوسع. حقاً أن الاسم "ابن الله" له في هذا الإنجيل أيضاً معنىً ثيوقراطي أحياناً، غير أن له على العموم معنىً ومغزىً أعمق.، فليس الآخرون فقط يدعون المسيح مراراً ابن الله (34:1، 50 ؛ 69:6)، بل هو أيضاً يدعو نفسه بهذا الاسم. وفي حالات أخرى أكثر عدداً، يتكلم عن ذاته بوصفه الابن، دون إضافة أي مضاف إليه. وبهذا الوصف ينسب إلى نفسه القدرة على إجراء العجائب (35:9 ؛ 4:11)، وإقامة الموتى – في الروح والجسد – وإحيائهم (20:5 وما يليها)، ويساوي نفسه بالله – كما فهم اليهود من ذلك أيضاً (18:5 ؛ 33:10 وما يليها). وفاقاً لذلك يتحدث عن الآب وعن ذاته بصفته الابن، بطريقة فريدة بحيث تكون أقواله عديمة الصلة والملاءمة لو لم يكن الله أباه بمعنىً خاص جداً، ولو لم يكن بينه وبين الآب وحدة تامة (18:5). فكل ما ينسبه إلى الآب، ينسبه أيضاً إلى نفسه. فالآب أعطاه سلطاناً على كل جسد، حتى إن مصير جميع البشر منوط بالعلاقة التي يضعون أنفسهم فيها من جهته (يو 17:3 ؛ 40:6). ومثله مثل الآب، يقيم ويُحيي من يشاء (21:5)، ويُجري الدينونة على الجميع (27:5)، ويعمل كل ما يعمله الآب (19:5)، وقد تلقى من الآب سلطاناً أن تكون له حياةٌ في ذاته (26:5). إنه والآب واحد (30:10). وهو في الآب، والآب فيه (38:10)، ومن رآه فقد رأى الآب (9:14). صحيح أن الآب أعظم منه (28:14)، لأن الآب قد أرسله، كما يعلن غير مرة (24:5، 30، 37). ولكن هذا لا ينتقص شيئاً من حقيقة كونه في مجد الآب قبل التجسد وسيعود إلى ذلك المجد حالاً (5:17). فبنوته ليست قائمة على إرساليته، بل إرساليته قائمة على بنوته. ولذلك فهو الابن (مع أداة التعريف)، الابن الوحيد، الوحيد من الآب (14:1)، والكلمة الذي في البدء كان عند الله وكان هو الله (1:1)، ومخلّص العالم (42:4) الذي يعترف به توما ويخاطبه قائلاً "ربيّ وإلهي")28:20).