|

الفصل
الثاني
طبيعتا
المسيح
الإلهية والبشرية
إن الشهادة التي قدمها المسيح عن نفسه، بحسب الكتاب
المقدس، طورتها وأيدتها كرازة الرسل. الاعتراف بأن إنساناً
يُدعى يسوع المسيح وحيد الآب، اعتراف كهذا إنما يتعارض
تماماً مع اختبارنا وتفكيرنا، كما يناقض على الأخص ميول
قلوبنا، بحيث إن أحداً لا يستطيع الإقرار به – عن إخلاصٍ
ومن كل النفس – إلاّ بفاعلية عمل الروح القدس. فبالطبيعة،
يقف كل إنسان معادياً هذا الاعتراف، لأنه ليس اعترافاً
يلائم طبيعة الإنسان. وليس أحد يقدر أن يقول يسوع ربٌّ إلا
بالروح القدس، وليس أحد يتكلّم بروح الله يقول يسوع
أناثيما (ملعوناً). فعلى الإنسان أن يعترف به أولاً مخلصاً
له وملكاً(1كو 3:12)
ومن هنا فلما ظهر المسيح على الأرض وصرّح بأنه ابن الله،
لم يقتصر على مجرّد التصريح، بل اهتم – وما يزال يهتم –
بأن هذا الاعتراف يجد طريقه إلى داخل العالم وأن تؤمن به
الكنيسة. ولذا دعا رسله وأعطاهم تعليماته، وجعلهم شهوداً
لأقواله وأعماله، ولموته وقيامته. وقد أعطاهم الروح القدس
الذي أرشدهم شخصياً إلى الاعتراف بأنَّه ابن الله الحيّ
(مت 16:16)، والذي جعلهم في ما بعد، منذ يوم الخميس
فصاعداً، يعكفون على الكرازة بتلك الأمور التي رأوها
بعيونهم، وشاهدوها، ولمستها أيديهم من جهة كلمة الحياة
(1يو 1:1). والواقع أن الرسل لم يكونوا هم الشهود
الأصليون. بل إن روح الحقّ، المنبثق من عند الآب هو الشهد
الأصيل والمعصوم والقدير للمسيح، وليس الرسل شهوداً إلاّ
فيه وبه (يو 26:15 ؛ أع 32:5). وهو روح الحق نفسه الذي عن
طريق شهادة الرسل يقود كنيسة كل العصور، إلى الاعتراف،
ويعينها على التمسك به : يا ربُّ، إلى من نذهب؟ وكلام
الحياة الأبديّة عندك. ونحن قد آمنّا وعرفنا أنّك أنت
المسيح ابن الله الحيّ (يو 68:6،69).
عندما يقص كتبةُ الأناجيل الأربعة على التوالي أحداث حياة
المسيح، يُشيرون إليه عادةً باستعمال الاسم "يسوع" فقط دون
إضافة أيّ لقبٍ خاصٍّ أو تحديد آخر. فيعلنون أن يسوع ولد
في بيت لحم، وأن يسوع اقتيد إلى البرّيّة، ويدوّنونه إنما
هو يسوع التاريخ الذي عاش ومات في فلسطين. وهكذا لا نجد في
رسائل الرسل إلاّ مراّت قليلةً يدعى فيه المسيح باسمه
التاريخي فقط. فبولس مثلاً يقول إنّه ليس أحد يقدر أن يقول
: يسوع ربّ إلاّ بالروح القدس (1كو3:12). ويوحنّا يشهد أن
كل من يؤمن أن يسوع هو المسبح فقد ولد من الله (1 يو1:5؛
قارن 22:2 و20:4). ونقرأ في سفر الرؤيا عن إيمان يسوع
وشهادة يسوع وشهوده.
إلا أنّ استعمال هذا الاسم مجردة من أي لقب أو صفة يبقى
نادراً في الرسائل. فعادةً يرد الاسم مقترناً بالرب، أو
المسيح، أو أبن الله، وما شابه من تسميات؛ والاسم الكامل
الذي نقرأه عادة هو : ربنا يسوع المسيح. ولكن بصرف النظر
عن كون الاسم "يسوع" مستعملاً وحده أو مقترناً بسواه من
الألقاب، نجد أنه ينطوي دائماً على التعبير عن ارتباطه
بالشخص التاريخي الذي ولد في بيت لحم ومات على الصليب.
فإن العهد الجديد بكامله، سواءٌ في ذلك الرسائل أو
الأناجيل، يستقر على أساس وقائع تاريخية. وليست شخصية
المسيح فكرةً ولا مثالاً من نسج الذهن البشري، على ما ذهب
إليه كثيرون في الماضي يجزم به قوم في زماننا، بل هو شخص
حقيقي أعلن نفسه في زمن معيّن وظهر بهيئة بشريّة في يسوع
الإنسان.
صحيح أن الأحداث التاريخية في حياة يسوع تتراجع في الرسائل
إلى المؤخّرة. فلهذه الرسائل هدف مختلف عن غرض الأناجيل،
إذ أنها لا تسد تاريخ حياة يسوع، يل تبرز الأهميّة التي
كانت لتلك الحياة بالنسبة إلى فداء البشر. ولكنّ جميع
الرسل عارفون بشخص يسوع وأقواله وأعماله، وهم يتقدّمون
ليبيّنوا لنا أن يسوع هذا هو المسيح، وقد رفّعه الله إلى
يمينه ليمنح التوبة وغفران الخطايا (أعمال 36:2؛31:5).
لذلك يذكر الرسل غالباً بعض وقائع حياة المسيح. فهم
يصوّرونه أمام أعين سامعيهم وقارئيهم (غل 1:3). ويشدّدون
على حقيقة كون يوحنا المعمدان هو سابقه الذي أعلن قدومه
(أع 25:13؛4:19)، وعلى أنه جاء من سبط يهوذا ونسل داود (رو
3:1؛رؤ5:5؛16:22)، وعلى أنه ولد من امرأة (غل 4:4)، وختن
في اليوم الثاني (رو 8:15)، وتربى في الناصرة (أع
22:2:6:3)، وكان له إخوة أيضاً (1كو 5:9 ؛غل 19:1).
ويخبرنا الرسل أنّ المسيح كان قدوساً على نحو كامل، وكان
بلا خطيّئة، وقدّم لنا نفسه كمثال (1كو 1:11 ؛ 1بط 21:2)،
ولم يعرفه عظماء هذا العالم أنه هو رب المجد (1 كو 8:2)،
وقد قتله اليهود (أع 10:4؛30:5؛ 1تس 15:2) إذ مات معلّقاً
على خشبة الصليب. لكنّه وإن كان قد تألّم كثيراً في
جثسيماني وفوق الجلجثة، فقد حصّل لنا بسفك دمه المصالحة
والبر الأبدي. لذلك أقامه الله، ورفّعه إلى يمينه، وعيّنه
رباً ومسيحاً، ورئيساً مخلّصاً جميع الأمم.
يتضح جلياً من هذه المعطيات القليلة أن الرسل لم ينكروا أو
يتجاهلوا أو يهملوا وقائع المسيحية التاريخية، بل بالأحرى
قدّروها أوفى تقدير ووصلوا إلى لبّ أهميتها الروحية. فليس
من أثر لأي فصل أو تنازع بين حادثة الفداء وكلمة الفداء،
ولو حاول قوم في ما مضى جاهدين أن يبرزوا مثل هذا التناقض
المزعوم. ذلك أنّ حادثة الفداء هي تحقيق كلمة الفداء. وما
الثانية إلا الشكل الملموس والحقيقي للتعبير عن الأولى،
كما أنها بالتالي في الوقت عينه تنوير بشأنها وتفسير لها.
و إذا بقي من شكٍّ ما حول ذلك، فإنّه يتبدّد كلياً بنتيجة
المعركة التي كان على الرسل أن يخوضوها حتى في زمنهم
المتقدم. فليس فقط في القرنين الثاني والثالث والقرون
التالية، بل أيضاً في العصر الرسولي بالذات، ظهر أناس
حسبوا وقائع المسيحية ذات أهمية ثانويّة وعرضيّة، أو
تجاهلوها بجملتها، ذاهبين إلى أنّ الفكرة هي الأمر الرئيسي
أو أنّها كافية بحدّ ذاتها. وقد احتجوا قائلين : أيّ فرق
يُحدثه كون السيد المسيح قام من قبره بجسده أو لم يقم؟ فلو
أنه يحيا فقط بالروح لظلّ خلاصنا مضموناً على نحوٍ وافٍ !
غير أنّ رأي الرسول بولس في القضية كان مختلفاً عن ذلك
تماماً، وها هو في 1كورنثوس 15 يُلقي أوضح ضوء ممكن على
حقيقة حادثة القيامة وأهميتها. فهو يكرز بالمسيح حسب الكتب
المقدسة، بذلك المسيح الذي بمقتضى مشورة الآب مات ودفن
وقام، بعد قيامته رآه جمهور من التلاميذ، وقيامته على أساس
خلاصنا وضمانه اليقينيّ. كذلك يشدد يوحنا أكثر تشديد ممكن
على واقع كونه معلناً لما رآه بعينيه وشاهده ولمسته يداه
من وجهة كلمة الحياة (1يو 1:1-3). والمبدأ الرئيسي عند ضدّ
المسيح هو إنكار لتجسد الكلمة. أما الاعتراف المسيحي، على
العكس، فقوامه الإيمان أن الكلمة قد صار جسداً، وأن ابن
الله قد جاء بالماء والدم (يو 14:1 ؛ 1يو 2:3، 3 ؛ 6:5).
فالكرازة الرسولية كلها. في الرسائل والأناجيل، وفي العهد
الجديد كله بالتالي، تُختصر وتُركّز في التصريح بأن يسوع،
المولود من مريم والمصلوب : إنما هو المسيح ابن الله –
ولنلاحظ ما في ذلك من دليل على ارتفاعه وتمجيده.
ومما تجدر ملاحظته الآن، فيما يتعلّق بمضمون الكرازة
الرسولية وغرضها في استعمال الاسم " يسوع"، مجرّداً من كل
قيد، هو نادر في الرسائل، فالرسل عادةً يتكلمون عن يسوع
المسيح، أو المسيح يسوع، أو – على نحو أكمل بُعد – الربّ
(أو ربّنا) يسوع المسيح. حتى أن البشيرين الذين يتكلمون عن
"يسوع" عموماً في السياق التاريخي لأناجيلهم، يستعملون
الاسم "يسوع المسيح"، إما في بداية الإنجيل أو في نقطة
تحول هامة فيه. وهم إنما يفعلون هذا على سبيل التنويه
بهوية الشخص الذي يكتبون الإنجيل عنه. وهم في أعمال الرسل
والرسائل يصير هذا الاستعمال هو ممارسة الثابتة. فالرسل لا
يتحدثون عن كائن بشريّ كان اسمه يسوح، بل إنهم بالإضافة
إلى تعبيري الرب والمسيح، وما إليها، يعبرّون لتقديرهم عن
هوية ذلك الشخص. فهم كارزون بالبشارة التي مفادها أنّ مسيح
الله ظهر على الأرض في يسوع الإنسان.
هكذا عرف الرسل الربّ يسوع تدريجياً في أثناء مرافقتهم له،
وخصوصاً بعد تلك الساعة الهامة في قيصريّة فيلبس، إذ هبط
عليهم نور سُلّط على شخصه فاعترفوا جميعاً مع بطرس أن يسوع
هو ابن الله الحيّ (مت 16:16) وهكذا أعلن الربّ يسوع نفسه
لهم، أولا تحت قناع الاسم "ابن الإنسان" على التقريب، ولكن
بأكثر وضوح وصراحة وتدريجياً إذ قاربت حياته على الأرض
نهايتها وفي صلاته الشفاعية يدعو نفسه باسم يسوع المسيح
الذي أرسله الآب (يو 3:17) وقد اتهمه المجلس اليهودي
بالتجديف وحكم عليه بالموت، ذلك لأنه عرّف نفسه باعتباره
المسيح ابن الله (مت 63:26). وعنوان فوق صليبه : يسوع
الناصري ملك اليهود (مت 37:27 ؛ يو 19:19).
صحيح أن التلاميذ لم يستطيعوا التوفيق بين تصريحات يسوع
هذه المسيانية وقرب آلامه وموته (مت 22:16). ولكنهم
بالقيامة، وما بعدها، أدركوا حتمية الصليب ومعناه. فالآن
عرفوا بأنّ في القيامة جعل الله يسوع الذي قتله اليهود
رباً ومسيحاً ورفّعه ليكون رئيساً ومخلّصاً (أع 36:2 ؛
31:5). لا يعني هذا أن يسوع لم يكن قبل القيامة هو المسيح
والربّ، وأنّه صار كذلك بعد قيامته فقط، إذ سبق أن أعلن
نفسه بأنّه المسيح وقد آمن به تلاميذه بهذه الصفة واعترفوا
به هكذا سابقاً (مت 16:16). غير أنّه قبل القيامة كان هو
المسيّا في صورة العبد المتألم هذا حجب عن أنظار الناس
كرامته الفائقة بوصفه ابن الله. وفي القيامة عاد واتخذ
المجد الذي كان له قبل كون العالم (يو 5:17)، وبالتالي
تعين ابن الله بالقوة، من جهة القداسة بالقيامة من الأموات
(رو 3:1).
ولذلك استطاع بولس أن يقول أنّه الآن، بعدما سُرّ الله أن
يعلن له ابنه، لا يعرف المسيح حسب الجسد بعدُ (2كو 16:5).
فقبل توبته عرف المسيح حسب الجسد فقط، وحكم عليه بموجب
هيئته الخارجية وحسب، وفقاً لصورة العبد التي فيها سار على
الأرض. يوم ذاك لم يكن يستطيع أن يصدق أن يسوع هذا الذي لم
يكن له أي مجد، حتى عُلق على الصليب أيضاً، كان هو المسيح.
ولكن الحال تغيرت كلياً بعد اهتدائه أو تجديده. فهو الآن
يعرف المسيح ويحكم عليه لا بحسب المظهر، أي صورة العبد
الخارجية، بل بحسب الروح، أي بحسبما كان في المسيح، بحسبما
كان عليه بالحقيقة في الداخل وتبرهن في الخارج من خلال
قيامته.
يمكن أن يقال القول عينه، بمعنى من المعاني، عن الرسل
كلهم. حقاً أنّهم قبل آلام المسيح وصلوا إلى اعتراف إيماني
بحقيقته النبوية. ولكن ظلّ قائماً في أذهانهم صعوبة
التوفيق بين هذه الحقيقة وآلامه وموته. إلا أن القيامة
حسمت هذا الصراع عندهم. فإذا يسوع في نظرهم هو نفسه
المسيح. الذي نزل إلى أقسام الأرض السفلى ثم صعد أيضاً فوق
جميع السماوات، لكي يتم كل شيء (أف 9:4).وإذ يتكلم الرسل
عن المسيح، يفكرون معاً وفي آن واحد بالمسيح الذي مات
والمسيح الحي المُقام، بالمسيح متألماً وبه ممجّداً. فهم
لا يربطون بشارتهم فقط بيسوع التاريخ الذي عاش منذ سنين في
فلسطين ثم مات فيها، بل أيضاً بيسوع نفسه كما هو الآن،
مُمجدّاً وجالساً عن يمين عظمة الله. إنهم يقفون – إذا صح
التعبير – عند نقطة تقاطع الخط الأفقي المربوط بالتاريخ
الماضي بالخط العمودي الذي يربطهم بالرب الحي في السماء.
فالمسيحية إذا دين تاريخي، غير أنّها في الوقت نفسه ديانة
تعيش في الزمن آتية من الأزل. وتلاميذ المسيح لم يلقبوا
يسوعيّن، نسبةً إلى اسم "يسوع" التاريخي ؛ بل إنهم
مسيحيون، نسبةً إلى اسم "المسيح" الذي يبين مقامه ووظيفته.
***************
 |