الرئيسية|تفاسير|مقدمات ومعاجم|كنسيات|عقائد|الحياة المسيحية|العائلة|بدع وهرطقات|أسئلة وأجوبة| دروس | تحميل| ارتباطات

الصفحة الرئيسية  :  العقائد المسيحية    بين العقل والإيمان الجزء 3

طبيعتا المسيح -3

ولما كان المسيح، بحسب شهادة الرسل، يحتل مثل هذه المكانة السامية، فلا عجب أن تُعزى إليه كل أنواع السجايا والأعمال الإلهيّة، وأن تُميّز فيه حتى الطبيعة الإلهية.

إن شخصية المسيح التي تطالعنا بها صفحات الكلمة المقدسة هي شخصية فريدة. فهو، من جهة، إنسانٌ حقٌّ. إذ صار جسداً وجاء بالجسد (يو 14:1 ؛ 1يو 2:4، 3). وكان في شبه جسد الخطية (رو 3:8). وقد جاء، بحسب الجسد، من الآباء (رو 5:9)، ومن نسل إبراهيم (غل 16:3)، ومن سبط يهوذا (عب 14:7)، ومن ذريّة داود (رو 3:1). وقد ولد من امرأة (غل 4:4)، واشترك معنا في اللحم والدم (عب 14:2)، وكان له روح (مت 50:27) ونفس (مت 38:26) وجسد (1بط 24:2) فكان كائناناً بشرياً بكل معنى الكلمة تماماً. فلّما كان صبياّ، نما وتقوى بالروح، وتقدم في الحكمة والقامة والنعمة عند الله والناس (لو 40:2، 52). وقد جاع وعطش، وحزن وفرح، وتأثّر شعورياً وغضب. ووضع نفسه تحت الناموس وكان مطيعاً حتى الموت. وقد تألم ومات على الصليب ودُفن في بستان. وما كان له صورة ولا جمال ننظر إليه، ولا منظر فنشتهيه. وكان محتقراً ومخذولا من الناس، رجل أوجاع ومختبِر الحزن (إش 2:53،3).

ومن جهة أخرى أن هذا الإنسان نفسه كان متميزاً عن جميع البشر ومتفوقاً عليهم جميعاً. فلا يقتصر الأمر على كونه – من حيث طبيعته البشرية – قد حُبل به بالروح القدس، ولا كونه عاش كل حياته بلا خطيئة رغم أنه تجرّب في كل شيء، ولا على كونه قد قام من الموت وصعد إلى السماء، بل إن هذا الشخص نفسه وبالذات – هو الذي وضع نفسه إلى أعمق حد حتى اتّخذ صورة عبد وأطاع حتى موت الصليب – قد كان له وجود في كيان آخر قبل تجسده واتضاعه أزلاً. فقد كان موجود آنذاك في البدء، ولم يحسب كونه معادلاً لله حالة مختلسة ينبغي التمسك بها كغنيمة (في 6:2) وعند قيامته وصعوده إلى المجد الذي كان له عند الآب قبل كون العالم (يو 5:17). إنه بشري إذ أنه كائن منذ الأزل (يو 1:1 ؛ 1يو 1:1). وهو الألف والياء، الأول والآخر، البداية والنهاية (رؤ 13:22). وهو حاضر في كل مكان بحيث أنه، وهو يمشي على وجه الأرض، كان على نحو متزامن في حضن الآب في السماء (يو 18:1 ؛ 13:3)؛ وبعد تمجيده يظلّ في كنيسته ويملا الكلّ في الكلّ ؛ وهو غير متغير، إذ هو هو أمساً واليوم وإلى الأبد (عب 8:3). وهو عليم بكل شيء، بحيث يسمع الصلوات؛ وهو العارف في قلوب الجميع (أع 24:1 – ويمكن أن يكون مقصود هنا هو الآب أيضاً). وهو قدير على كل شيء، حتى إنّ كلّ شيء مُخضع له، وكل سلطان في السماء والأرض مدفوع إليه، وهو ملك الملوك أجمعين.

وفي حين يمتلك المسيح جميع هذه السجايا الإلهيّة، يشارك أيضاً في الأعمال الإلهية. فهو مع الآب والروح خالق كل شيء (يو 3:1 ؛ كو 16 :1). وهو البكر والبداية ورأس الخلائق كلها (كو 15:1 ؛ رؤ 14:3). وهو يحمل كل الأشياء بكلمة قدرته، بحيث أن كل شيء ليس منه فقط بل فيه دائماً وبه أيضاً (عب 3:1 ؛ كو 17:1). ثم إنه فوق ذلك هو حافظ جميع الأشياء ويصالح ويسترد، ويجمعها في كيان واحد خاضع له بوصفه الرأس. ولكونه هكذا فهو يدعى بالذات مخلص العالم. وكما أُطلق اسم المخلص أو الفادي على الله في العهد القديم، هكذا يطلق في العهد الجديد على الابن كما على الآب. ففي بعض المواضع يطلق هذا الاسم على الله، وفي مواضع أخرى على المسيح. وفي بعض الأحيان لا يتّضح هل يعود الاسم إلى الله أو إلى المسيح (تي 13:2 ؛ 2بط 1:1). إنما في المسيح وبه تمّ عمل الله الخلاصي تماماً.

يدلنا هذا كله على وحدة بين الآب والابن، بين الله والمسيح، على نحو لا يوجد مثله على الإطلاق بين الخالق والمخلوق. فمع أ، المسيح اتخذ طبيعة بشرية لها حدودها وكان لها بدءٌ في الزمان، فهو- من حيث كونه شخصاً أو ذاتاً –  لا يوضع بحسب الكتاب المقدس في جانب المخلوقات بل في جانب الله. إنّه يشارك الله في فضائله وأعماله؛ وله الطبيعة الإلهية الواحدة بعينها. ويتم التعبير عن هذه النقطة الأخيرة على نحو مخصوص في الأسماء الثلاث التي يطلقها الوحي على المسيح، وهي : بهاء المجد ورسم الجوهر وحامل كل الأشياء بكلمة قدرته.

فالمسيح صورة الله غير المنظور بهاء مجده ورسم جوهره. ومن رآه فقد رأى الآب (يو 9:14). فكل من يريد أن يعرف من هو الله، وما هو الله، عليه أن يرى المسيح. فكما هو المسيح، كذلك هو الآب. ثم إن المسيح هو كلمة الله (يو 1:1 ؛رؤ 13:19). ففيه عبر الآب التعبير الأكمل عن ذاته : عن حكمته ومشيئته وفضائله، وعن كامل كيانه. وهو قد أعطى المسيح أن تكون له حياة في ذاته (يو 26:5). وكل من يريد أن يدرك معرفة فكر الله ومشورته، ومشيئته من جهة البشرية والعالم، فليصغي إلى المسيح ويسمعه (مت 5:17). والمسيح، أخيراً، هو ابن الله، أو الابن كما يصفه يوحنا غالباً دون قيد أخر سوى أداة التعريف (1يو 22:2 وما يليه ؛ عب 1:1، 8)، الابن الواحد الوحيد، الابن الخاص الحبيب، الذي به سر الآب كل السرور. وكل من يريد أن يكون من أولاد الله،فليقبل المسيح، لأن كل الذين يقبلونه يعطون سلطاناً وحقاً أن يدعو أولاد الله (يو 12:1).

وأخيراً تضع كلمة الله المقدسة تاجها على شهادة الوحي هذه بأن تطلق على المسيح اسم الله أيضاً. وقد سبق توما واعترف بالمسيح قبل صعوده قائلاً : ربّي وإلهي (يو 28:20). ويشهد يوحنا عنه بأنه، من حيث هو الكلمة، كان عند الله في البدء، وكان هو الله. ويصرخ بولس أن المسيح هو من الآباء بحسب الجسد ولكنه من حيث الجوهر هو الله الكائن على الكل مباركاً إلى الأبد (رو 5:9). وتفيدنا الرسالة إلى العبرانيين أن المسيح ممجد فوق الملائكة وأن الله نفسه خاطبه قائلاً : يا الله (عب 8:1، 9) ويتكلم بطرس عنه بوصفه إلهنا ومخلصنا يسوع المسيح (2بط 1:1). وفي تفويض المسيح لتلاميذه أمر المعمودية، كما هو مذكور في متى 19:28، وأيضاً في البركات الرسولية، يوضع المسيح على قدم المساواة مع الآب والروح، فإن اسم اللاهوت وجوهره، وسجاياه وأعماله، تتبين في الابن (والروح) كما في الآب تماماً.

يسوع المسيح ابن الله الحي : على هذه الصخرة بنيت الكنيسة. ومنذ البداية كانت مكانة المسيح الفريدة واضحة لجميع المؤمنين. فقد اعترفوا به جميعاً بوصفه الرب الذي بتعليمه وحياته وموته وقيامته حقق الخلاص وغفران الخطايا والخلود، ومن ثم أقام الله وأجلسه إلى يمينه وسيعود عن قريب ديّاناً ليدين الأحياء والأموات. والأسماء التي تطلق عليه في رسائل الرسل، هي عينها تطلق عليه أيضاً في الكتب المسيحية الباكرة. وبهذه الأسماء يُخاطب في صلوات المؤمنين الأوائل وترنيماتهم. فقد كان الجميع مقتنعين بأنه يوجد إله واحد، وهم أولاد له ؛ وربُّ واحد أكد لهم محبة الله ووهبهم إياها؛ وروح واحد جعلهم جميعاً يسلكون في جدّة الحياة. ومأمورية المعمودية في متى 19:28، وقد غدا استعمالها عامّاً عند نهاية العصر الرسولي، بيّنةٌ على الإجماع في هذا الاقتناع.

ولكن لما بدأ المسيحيون يفكرون في مضمون هذا الاعتراف، ظهرت أنواع شتى من الاختلاف في الرأي حوله، ولم يكن أفراد الكنيسة في وضع يمكنهم حلاً من استيعاب التعليم الرسولي بعقولهم التي سبق أن تشربت تعاليم اليهودية أو الوثنية، ولاسيما لأن معظمهم كانوا من العامة الأميين. وقد عاشوا في مجتمع نشطت فيه وشاعت فيه كل أنواع الأفكار والتيارات الفكرية، فكانوا بالتالي معرضين دائماً لكثير من التجارب ومبادئ الضلال. حتى إننا نلاحظ أنه في أثناء حياة الرسل شقّ معلمو بدع شتى طريقهم إلى داخل الكنيسة وحاولوا زعزعتها عن ثبات عقيدتها. ففي كولوسي مثلاً قام من أساؤوا تفسير شخص المسيح وعمله وحولوا الإنجيل إلى ناموس جديد (كو 3:2 وما يليها و16 وما يليها) كما قام في كورنثوس بعض دعاة التحرر الذين أساؤوا استخدام الحرية المسيحية ودعوا إلى التحرر من كل قيد (1كو 12:6 ؛ 1:8). ويسوق الرسول يوحنا في رسالته الأولى محاجّةً موجّهة لإلى قومٍ مزعومين أنبياء أنكروا أن المسيح جاء في الجسد، وبذلك طعنوا في حقيقة طبيعته البشرية (1يو 18:2 وما يليه ؛1:4 وما يليه ؛ 5:5 وما يليه).

وظلت الحال على هذا الموال في عصر ما بعد الرسل. وبالحقيقة أن الضلالات والبدع تزايدت. منذ القرن الثاني فما بعد، تنوعاً وقوتاً وانتشاراً. فكان هنالك من أمنوا بطبيعة المسيح البشرية الحقيقة، وبولادته المعجزية، وبقيامته وصعوده. إلا أنهم اعتبروا أن ما هو إلهي فيه لا يعدوا كونه مقداراً فائقاً من مواهب الروح وقدراته. وقد اعتقدوا أن هذه القدرات وهبت له عند معموديته لتأهيله كي يؤدي مهمته الدينية الخلقية. وتأثر إتباع هذه الحركة بفكرة التأليه الطبيعي اليهودية حول علاقة الله بالعالم. فهم لم يستطيعوا التفكير بعلاقة بين الله والعالم غير تلك القائمة على المشاركة في المواهب والقدرات. وعلى ذلك، كان المسيح عندهم شخصاً غزير المواهب حقاً وعبقرياً دينياً، إلا أنهم قالوا بأنه كان إنساناً وظل إنساناً.

غير أن آخرين ممن نشأوا على الوثنية وجدوا أنفسهم أميل بالأحرى إلى فكرة تعدد الآلهة. فقد افتكروا أنهم يستطيعون جيداً أن يدركوا أن المسيح، بحسب طبيعته الجوهرية، ينبغي أن يكون واحداً من جمهرة الكائنات الإلهية أو ربما رأس تلك الكائنات. لكنهم لم يستطيعوا أن يصدقوا أنّ كائناً إلهياً صرفاً كهذا يمكن أن يكون قد اتخذ طبيعة جسدية مادية. وهكذا استبعدوا ناسوت المسيح الحقيقي وزعموا أنه جاء إلى الأرض، بصورة مؤقتة وفي المظهر فقط، إلى حدٍّ بعيد كما فعلت الملائكة غالباً بحسبما ورد في العهد القديم. هذان التياران الفكريان كلاهما، استمرّا كحركتين إلى يومنا الحاضر. فتارةً يضحى بلاهوت المسيح في سبيل ناسوته؛ وطوراً يضحى بناسوته في سبيل لاهوته. وثمة دائماً متطرفون يضحون بالجوهر في سبيل المظهر، أو بالمظهر في سبيل الجوهر. فهم لا يدركون أن بين الأمرين وحدةً وانسجاماً تاميّن.

***************