الرئيسية|تفاسير|مقدمات ومعاجم|كنسيات|عقائد|الحياة المسيحية|العائلة|بدع وهرطقات|أسئلة وأجوبة| دروس | تحميل| ارتباطات

الصفحة الرئيسية  :  العقائد المسيحية    بين العقل والإيمان الجزء 3

طبيعتا المسيح -4

  غير أن الكنيسة المسيحية قامت منذ البدء على أساس أخر، إذ اعترفت باتحاد اللاهوت والناسوت في شخص المسيح على النحو الأوثق والأعمق، وبالتالي على نحو فريد تماماً. وقد عبرت رجالات الكنيسة في أوائل عهدها عن هذا الحق أحياناً بطريقة تعوزها البراعة. فقد كان عليهم أن يجاهدوا، أولاً ليكوّنوا مفهوماً وضحاً إلى حدٍّ ما بشأن هذا الحق، وليعبّروا بعد ذلك المفهوم بلغة واضحة. ولن الكنيسة بالرغم من ذلك لم تسمح لنفسها، ولأجل ذلك السبب، بأن تتزحزح عن قواعدها. بل إنها بالأحرى تجنبت التطرف إلى جانب أو آخر وتمسكت بتعليم الرسل في ما يتعلق بشخص المسيح.

ولكن حين يكون الشخص الواحد نفسه مشاركاً في الطبيعة الإلهية وإنساناً بكل معنى الكلمة أيضاً، يترتب على ذلك أن يبذل جهداً ما لتعريف الحقيقة، ولتحديد دقيق لكيفية اتصال ذالك الشخص باللاهوت والعالم في آن معاً. مع كل ما بذل مثل هذا الجهد، ظهر أيضاً سبيل ضلالٍ وبدعة إلى اليمين وإلى اليسار.

بلغة أخرى،  لما فُهمت وحدانية الله – وهي من حقائق المسيحية الأساسية – على نحوٍ اعتبرت معه كينونة الله محصورة في شخص الآب بصورة قاطعة جامعة مانعة، لم يبق متسع في فهم لاهوت المسيح. عندئذ دفع المسيح إلى خارج دائرة اللاهوت، ووضِع جنباً إلى جنب مع الإنسان، لأنه لا انتقال تدريجياً من الخالق إلى المخلوق. ومن ثم كان ممكناً أن يساير المرء بدعة آريوس في القول بأن المسيح في الزمان والمقام متفوّقاً على العالم أجمع، وأنه كان الأول بين الخلائق المخلوقة، وهو يفوقها مقاماً وكرامةً. على أن المسيح بموجب هذا الرأي لا يعدو كونه مخلوقاً. وعلى زعمه، كان وقت لم يكن المسيح فيه، ثم كان وقت أُوجده الله فيه، شأنه شأن سائر الخلائق.

على أنه من السهل، في معرض التمسك بوحدانية الله مع منح شخص المسيح ما يستحقه من إكرام، أن يقع المرء في ضلالة أخرى، هي تلك المنسوبة إلى داعيتها الأول سابليوس. ففيما حصر آريوس كينونة الله في أُقنوم الآب، إذا جاز التعبير، ضحّى سابليوس بالأقانيم الثلاث كلها في سبيل كينونة الله. فبحسب تعليمه أن الأقانيم الثلاث، الآب والابن والروح، ليست حقائق أزلية تحتوي عليها كينونة الله، بل هي صور وتجليات بها يعلن الكائن الإلهي الواحد نفسه على مر العصور المتوالية، أي في العهد القديم، ثم في فترة إقامة المسيح على الأرض، ثم بعد يوم الخمسين. وقد كان لكلتا البدعتين مؤيدوهما على مر العصور. فاللاهوت الفروننجي كما يسمى، مثلاً، جدد تعليم آريوس؛ واللاهوت العصري سار أولاً في طريق سابليوس.

وقد اقتضى الأمر كثيراً من الصلاة والجهاد من قِبل الكنيسة لتسلك سبيل الصواب وسط مثل هذه الضلالات كلها، ولاسيما لأن كلاً منها تبدلت وامتزجت بأنواع شتى من الاختلافات والتحويرات. غير أن الكنيسة ظلت أمينة لتعليم الرسل، بقيادة رجال عظام تميزوا بتقواهم ورجاجة عقولهم، فدعوا بالحق آباء الكنيسة. وفي مجمع نيقية عام 325م اعترفت الكنيسة بإيمانهم بالإله الواحد : بالآب الضابط الكل الخالق لكل شيء، ما يُرى وما يرى، وبالرب الواحد يسوع المسيح، ابن الله، الوحيد المولود من الآب قبل كل الدهور، إله من إله، نور من نور، إله حق من إله حق، مولود غير مخلوق، مساوٍ للآب في الجوهر، به كان كل شيء على السماء وعلى الأرض ؛......

ومع أن قانون الإيمان النيقوي هذا كان بالغ الأهمية، فهو لم يضع حداً للمنازعات العقائدية قط؛ بل على العكس أفسح في المجال أمام أسئلة جديدة وأجوبة مختلفة. فإنه وإن حدّدت الآن علاقة المسيح بكينونة الله وبعالم البشر، بالإشارة إلى أنه في شخصه مشارك في الاثنين و‘نه إله وإنسان بالحق في ذات شخصه، ما كان ليهدأ السؤال عن كيفية تلك العلاقة بين هاتين الطبيعتين في شخص المسيح الواحد. وجواباً على هذا السؤال أيضاً، ذهب الناس مذاهب شتى.

فقد ارتأى نسطوريوس أنه إن كان للمسيح طبيعتان، فينبغي أن يكون فيه أيضاً شخصان، أو ذاتان، ولا يمكن توحيدهما إلا برباط معنوي كذلك الذي يحصل في زواج رجل بامرأة. وذهب أوطيخس، منطلقاً من تحديد مماثل للشخص والطبيعة، إلى أنه إن كان في المسيح أقنوم أو شخص واحد، أو ذات واحدة، فإن الطبيعتين ينبغي أن تكونا ممتزجتين ومنصهرتين بحيث تنتج منهما طبيعة واحدة فقط هي طبيعة إلهية إنسانية. وهكذا أكد نسطوريوس تمايز الطبيعتين على حساب وحدة الشخص أما أوطيخس فأكد وحدة الشخص على حساب ثنائية الطبيعة.

ولكن بعد نزاع عنيف ومرير، تجاوزت الكنيسة هذه الخلافات ففي مجمع خلقيدونية عام 451م نصّت على أن شخص المسيح الواحد فيه طبيعتان، غير متغيرتين ولا ممتزجتين 0ضد أوطيخس)، وغير منفصلتين ولا منقسمتين (ضد نسطوريوس)، وأن هاتين الطبيعتين تواجدتا جنباً إلى جنب، وحصل بينهما اتحاد في الشخص الواحد. وبهذا القرار الذي ناله في ما بعد توسيع وإكمال في مجمع القسطنطينية عام 680م، بخصوص نقطة واحدة محددة، حسم النزاع الذي دام قروناً حول شخص المسيح. وخلال هذه النزاعات حافظت الكنيسة على جوهر المسيحية، وطبيعة الدين المسيحي المطلقة، كما حافظت أيضاً على استقلالها.

***************

من البديهي حقاً أن إقراريّ كل من نيقة وخلقيدونية لا يرقى إلى حد العصمة. فالمصطلحات التي تستخدمها الكنيسة لاهوتية في هذا الباب، كالشخص أو الأقنوم والطبيعة ووحدة الجوهر وما إلى ذلك،، ليست نقلاً من الكتاب المقدس، بل هي حصيلة التفكير الذي كان على المسيحية أن توليه تدريجياً لسر الخلاص هذا. وقد اضطرت الكنيسة إلى التعمق والتفكير بهذا الموضوع من جرّاء البدع التي لاحت من جهة،سواء داخل الكنيسة أو خارجها. لا يقصد بها أن تفسر السر الذي يوجهها في هذه المسألة، بل بالأحرى أن تحافظ على نقائه وقدسيته في وجوه الذين يسعون إلى إضعافه أو ‘إنكاره. فليس تجسد الكلمة معضلة ينبغي أن نحلها، أو نستطيع أن نحلها، بل هو بالأحرى حقيقة معجزية نعترف بها شاكرين كما يقدها لنا الله في كلمته.

ولكن الإقرار الذي رسخته الكنيسة في نيقية وخلقيدونية، منظور إليها من هذه الزاوية، فهو ذو قيمة عظيمة. فقد ظهر كثيرون، ومازال حتى الآن كثيرون، ممن ينظرون بازدراء إلى عقيدة الطبيعتين، وهم ينظرون إليها بتشامخ، ويحاولون أن يُحلّوا محلها كلمات وتعبير مختلفة. وقد انطلق هؤلاء من القول : أي فرق يحدثه إقرارنا بهذه العقيدة أو عدمه؟ ما يهم أن لنا شخص المسيح المرتفع ممجداً وسامياً يفوق هذا الاعتراف غير الملائم. ولكن هؤلاء أنفسهم ما يلبثون أن يبدأوا يأتون بكلمات وتعابير يصفون بها شخص المسيح الذي يقبلونه. فلا أحد يمنه أن يتجنب هذا الوضع، لأننا لا نستطيع أن ندّعي امتلاك ما لا نعرفه، فإن كنا نؤمن أن لنا المسيح، وأن لنا شركة معه، وأننا له، فلا بد إذاً من أن نعترف بهذا الإيمان بأفواهنا ونعبر عنه بكلمات وألفاظ وتعابير وأوصاف مختلفة. ثم إن التاريخ يخبرنا أن ألفاظ مهاجمي عقيدة الطبيعتين هي إلى أبعد حد أقل قيمة وقوة، وأنهم غالباً ما يتورطون فعلاً في الإساءة إلى التجسد كما يقدّه لنا الوحي الإلهي.

وفي أيامنا مثلاً كثيرون ممن يعتقدون أن عقيدة الطبيعتين هي عبارة عن منتهى اللاعقلانية، ويكوّنون في أذهانهم صورة لشخص المسيح مختلفة تماماً. فهم لا يستطيعون أن ينكروا أن في المسيح ما يميزه عن سائر البشر ويرفعه إلى مقام أسمى منهم جميعاً. غير أنهم لا يعتبرون هذا العنصر الإلهي الذي يميزونه في المسيح مشاركة في الطبيعة الإلهية ذاتها، بل قدرة إلهية أو قوة حصل عليها المسيح بدرجة متفوقة على نحوٍ ممتاز. وعليه، فهم يميلون إلى القول أن للمسيح جانبين، واحد إلهي وآخر بشري؛ أو إنه يمكن النظر إليه من وجهتي نظر اثنتين، أو إنه عاش في حالتين متعاقبتين، هما حالة الاتضاع ثم حالة الارتفاع، أو إنه – مع كونه إنساناً – فبكرازته بكلمة الله وتأسيس ملكوت الله صار الوسيلة الفائقة والكاملة لإعلان الله، ولذلك استحق عندنا مقام الله. غير أنّ أيّ قارئ غير متحيز لا بد أن يرى أن هذه التعبيرات ليست فقط تعديلات كثيرة للغة الكنيسة، بل أنها أيضاً تجعل شخص المسيح شيئاً آخر غير الذي اعترفت به الكنيسة على مر العصور بناءً على شهادة الرسل.

فوق ذلك بأن المواهب والقدرات الإلهية تًعطى، بمعنى من المعاني، لكلٍّ واحد، لأن كل عطية صالحة وموهبة كاملة هي نازلة من فوق، من عند أبي الأنوار (يع 17:1). حتى إن المواهب غير العادية، كتلك التي كانت من نصيب الأنبياء مثلاً، لا ترفع هؤلاء الأنبياء فوق مستوى الكائنات البشرية. فالأنبياء والرسل كانوا أُناساً تحت الآلام مثلنا. فأن كان المسيح لم يحصل إلا على مواهب خارقة وقدرات فائقة فقط، فهو لا يعدوا كونه كائناً بشرياً، زمن ثم لا يعقل أن يكون شيء مثل تجسد الكلمة قد حدث فيه. ولكنه عندئذ لا يمكن، على ما يذهب إليه قومٌ، أيعادل الله بفضل قيامته وصعوده، ولا أن تكون له – على ما يقولون – مقام الله أو قدره عندنا. ذلك أن الفاصل بين الله والإنسان ليس تبايناً تدريجياً بل هوّة عميقة. فههنا علاقة خالق بمخلوق، والمخلوق – بطبيعة كيانه – لا يمكن أن يصير خالقاً البتّة، كما لا يمكن أن تكون له عندنا – نحن الخلائق البشرية – مكانة الخالق أو مقامه، في حين أن اتكالنا هو اتكال كليّ مطلق.

لذلك يجدر بنا أن نلاحظ أن بعض أبناء الجيل، بعد أن قارنوا جميع هذه المزاعم الجديدة في ما يتعلق بشخص المسيح بتعليم الكنيسة الذي هو تعليم الكلمة المقدسة، وقد توصّلوا إلى هذه النتيجة الخالصة : أن عقيدة الكنيسة – في نهاية المطاف – تُنصف عقيدة الكلمة المقدسة خير إنصاف. فالتعليم بأن المسيح ذو طبيعتين فعظيم هو سر التقوى، ليس حصيلة الفلسفة الوثنية، بل مؤسّس على شهادة الرسل.

فهذا هو يقينية سر الخلاص : أن ذاك الذي كان في البدء عند الله وكان هو الله (يو 1:1)، الكائن في صورة الله لكن لم يحسب كونه معادلاً لله حالة مختلسة أو غنيمة ينبغي التمسك بها (في 6:2)، الذي هو بهاء مجد الله ورسم جوهره (عب 3:1)، في ملء الزمان صار بشرياً (يو 14:1) وولد من امرأة (غل 4:4) ووضع نفسه آخذاً صورة عبد صائراً في شبه الناس (في 7:2).

***************