|

الفصل
الثالث
عمل
المسيح في اتضاعه
إن التجسد الإلهي هو بداية ومقدمة لعمل المسيح على الأرض.
هذا حق ولكنه لا يتضمن كامل معنى هذا العمل، وحري بنا أن
نحاول إدراك فهم صحيح لهذا الأمر وتكوين فكرة صائبة عنه،
لأن قوماً يعتقدون أن اتخاذ الطبيعة الإنسانية بحد ذاته
يكمل إلى التمام المصالحة والاتحاد بين الله والإنسان.
فانطلاقاً من الفكرة القائلة بأن الدين هو ذاك النوع من
الشركة بين الله والإنسان حيث يحتاج كل منهما إلى الأخر،
ويجادلون بأن هذه الشركة التي فصمت الخطية عراها، أو أنها
غير المتاحة للإنسان على المستوى الحسي الأدنى، قد تم
التعبير عنها وتحققت لأول مرة في التاريخ على يد المسيح.
ومن ثم فإن فرادة المسيحية قائمة في حقيقة كون الدين
المنغرسة في الطبيعة البشرية، كغريزة ونواة، قد أحرزت
تحقيقها في شخص المسيح.
حقاً إنه لشرف عظيم للبشرية أن يكون ابن الله الوحيد،
الكائن في صورة الله وفي حضن الآب، وقد اتخذ هيئة إنسان.
إذ بهذا الأمر أصبح المسيح مرتبطاً بجميع البشر في اللحم
والدم، وصارت له مشاركة معهم في النفس والجسد، والعقل
والقلب، والذهن والإرادة، والأفكار والمشاعر. والمسيح،
بهذا المعنى الطبيعي، هو أخ لنا جميعاً، لحمٌ من لحمنا
وعظم من عظامنا. غير أن هذا الشبه الطبيعي والمادي، بالرغم
من أهميته، لا ينبغي أن يتشابه الشركة الروحية الأدبية ولا
أن يتدانى بها. فعلينا أن نذكر أنه بين الناس أيضاً يمكن
أن يكون أفراد الأسرة الواحدة، والأقرباء عصباً؛ متباعدين
بعضهم عن بعض جداً من الناحية الروحية، بل مناقضين تماماً
أحدهما للآخر أيضاً. وقد قال المسيح نفسه أنه جاء إلى
الأرض ليُفرق الإنسان عن أبيه. والابنة عن أمها، والكنة عن
حماتها، وإن أعداء الإنسان أهل بيته (متى 35:10، 36).
فالنسب الطبيعي من سلالة ما لا يفيدنا شيئاً في العلاقة
الروحية. وغالباً ما تكون قرابة الدم وشركة الروح على طرفي
نقيض.
وعليه، فلو لم يعمل المسيح شيئاً سوى اتخاذ الطبيعة
الإنسانية، معبراً بذلك عن اتحاد الله بالإنسان، لكان خارج
نطاق إدراكنا تماماً كيف يمكن أن ندخل في شركة معه ونتصالح
مع الله. بالأحرى – باتخاذ طبيعة بشرية منزهة عن الخطية
وبعيشه في شركة مع الله غير منفصلة – أحدث بيننا مزيد من
التباعد بجعلنا نتردى في هوّة شعورنا باليأس والعجز،
مادمنا نحن الخلائق الضعفاء الخطاة لا نستطيع البتة أن
نقتدي بمثاله الرفيع بأيّة حال. وعليه فإن تجسد ابن الله،
دون أي شيء آخر بعده، لا يمكن أن يكون هو عمل المصالحة
والفداء. ذالك أنه بداءة هذا العمل، والإعداد له،
واستهلاله، لكنه ليس هو ذاك العمل بعينه.
فإنه لو كان التجسد بحد ذاته قد أتّم المصالحة مع الله
واتحاد الله والإنسان، لما كان من داعي لأن يعيش الربّ
يسوع وعلى الأخص لأن يموت. إذاً لكان يكفي، سواء من طريق
الحبل والولادة أو عن أي طريق آخر، أن يتخذ المسيح طبيعة
إنسانية، وأن يجول على الأرض زماناً يسير، ثم يعود إلى
السماء؛ ولما كان الحاجة إلى اتضاع المسيح الكامل والعميق.
غير أن الكلمة المقدسة تُعلّمنا شيئاً مختلفاً تماماً. فهي
تخبرنا أن ابن الله لم يصر إنساناً فقط فشابهنا في كل شيء
ما خلا الخطية، بل أنه أيضاً اتخذ صورة العبد، ووضع نفسه،
وأطاع حتى الموت، موت الصليب (فيلبي 7:2، 8). وكان يليق به
أن يتمّم كلّ برّ (مت 15:3)، وأن يكمل بالآلام (عب 10:2).
ولم يكن ذلك لائقاً ومناسباً فقط، بل كان يجب أن يكون.
فمكتوب أنه ينبغي أن يتألم المسيح ويموت وفي اليوم الثلاث
يقوم من بين الأموات (لو 46:24 ؛ 1كو 3:15 – 5). وقد أرسله
الآب ليتمم عمله على الأرض (يو 34:4)، بل أعطاه وصية بأن
يبذل حياته ثم يستعيدها (يو 18:10). ولذلك كان كل ما
اختبره المسيح تنفيذاً لكل ما سبقت يد الله ومشورته
فعيّنتا أن يكون (أع 23:2 ؛ 28:4). وعلى الصليب استطاع
المسيح أن يقول أول مرة إن كل شيء قد أُكمل وإنه أتمّ كل
ما أعطاه الآب ليعمله (يو 4:17 ؛ 40:19). ومع أن الأناجيل
تصف باختصار نسبي حياة الربّ يسوع، فإنها تروي بالتفصيل
خبر آلامه وموته. وهكذا أيضاً قلما تعود الكرازة الرسولية
إلى الحبل بيسوع وولادته، فيما تشدد كل التشديد على صلب
المسيح وموته ودمه. ونحن مُصالحون مع الله لا بولادة ابنه
بل بموته 0رو 10:5).
بفضل نظرة الكلمة المقدسة هذه يضفى على حياة المسيح
بكاملها أهمية فريدة وقيمة فائقة بالنسبة إلينا. فالعمل
الذي أعطاه الآب ليعمله هو عمل كامل وتام، يمكن النظر إليه
من عدة جهات ومقاربته من جوانب شتى؛ وعلى هذا النحو ينبغي
لنا أن ننظر إليه ونقاربه ‘ذا شئنا الإطلاع الوافي على
مضمونه ومداه. إنما لا ينبغي علينا ألبا ننسى البتة أنه
عمل واحد. فهو يشمل ويشغل حياة المسيح كلها، من الحبل به
على موته على الصليب. وكما أن شخص المسيح واحد على تباين
طبيعتيه، فكذلك عمله أيضاً هو واحد. إنه بالدرجة الأولى
عمل الله على الأرض. فبالنظر إلى الماضي، هو عمل مرتبط
بمشورة الله وعمله السابق، مع ما تضمنه من إعلان لبني
إسرائيل وهداية للشعوب. وبالنظر إلى المستقبل، ما يزال
العمل مستمر على صورة معدلة في ما يقوم به المسيح حتى الآن
في ارتفاعه. فهو عمل نقطته المركزية في الزمن على هذه
الأرض، لكنه طالع من الأزل حيث جذوره، وممتدة إلى الأبدية.
***************
منذ أقدم الأزمنة كان عمل المسيح هذا الواحد متضمناً في
عقيدة الوظائف الثلاث. وبفضل كالفن على الخصوص تيسر هذا
الأسلوب في معالجة عمل المسيح أن يشق طريقه إلى عقيدة
الخلاص. على أنه قد أُثير عليه اعتراض تلو الآخر، ولاسيما
لأن هذا الرأي قد دُفع إلى أقصى حدوده بحيث قيل أن الوظائف
الثلاث في حياة المسيح ينبغي ألا تميز إحداها من الأخرى
وإن نشاطاتها متداخلة. إلا أن هذه النظرة يمكن أن تثار ضد
إساءة فهم الوظائف الثلاث، وليس ضد هذا التصنيف بالذات.
إذ قيل أن المسيح شغل هذه الوظائف الثلاث، أي النبوة
والكهنوت والملك، كما لو كانت الواحدة منها إلى جانب
الأخرى على نحو مستقل، أو إنه شغل واحدة بعد الأخرى على
التوالي، فتصنيف كهذا يجزئ عمل المسيح إنما هو مغلوط
فعلاً. صحيح أن وظيفة من وظائف المسيح هذه تبرز إلى
المقدمة حيناً، ثم تبرز الأخرى حيناً آخر، ولكنه كان في كل
زمان ومكان منهكاً في جميع الوظائف الثلاث معاً. ولا عبرة
لما يقال مثلاً من أن خدمته العلنية تذكر بوظيفته النبوية،
كما تذكر آلامه وموته بوظيفته الكهنوتية، وارتفاعه إلى
يمين الآب بوظيفته الملكية. فإنه لما تكلم أعلن كلمة الله
بوصفه نبياً، لكنه في الوقت نفسه أظهر رحمته الكهنوتية
وقدرته الملكية، لأنه بكلمته شفى المرضى وغفر الخطايا وهدأ
العاصفة. وقد كان هو ملك الحق. فكانت عجائبه آيات على
إرساليته الإلهية وصدق كلامه، لكنها كانت في الوقت نفسه
إعلاناً لعطفه على الذين يقاسون كل أنواع العناء، ولسلطان
على المرض والموت وقوة الشيطان. وكان موته وضع الختم على
حياته، لكنه أيضاً كان قربان طاعة كاملة – وفعل إرادة ذا
سلطان – في تقديم الحياة وبعبارة موجزة، فإن لظهور المسيح
وكلمته وعمله كلها خصائص نبوية وكهنوتية وملكية في وقت
واحد.
أما وقد رأينا هذه الحقيقة في الطليعة ينبغي لنا أن نتقدم
للنظر في شخص المسيح وعمله من زاوية كل واحدة من هذه
الوظائف الثلاث. فلهذه الطريقة حسنات تفوتنا إذا انتهجنا
سواها.
ففي المقام الأول، تُشدد هذه المعالجة على الحقيقة الكامنة
في كون مجيء المسيح، بل في الواقع كامل حياته على الأرض،
ممارسةً وتنفيذاً لوظيفة عيّنها له الآب. ففي ما يتعلق
بالربّ يسوع، لا يمكننا التحدث عن اختياره لنفسه مهنةً أو
عملاً أو حتى دعوةً خلقية. إذ أنه بحسب الكلمة المقدسة
تعيّن في وظيفة خاصة. وهنا يكمن الفرق بين الوظيفة والمهنة
أو العمل : فالمرء لا يستطيع أن يختارها بل يتلقاها فقط
بالتكليف من قِبل سلطة أعلى منه.
صحيح أنه يختلف عن موسى من هذا القبيل في أنه بصفته ابناً
على بيته الخاص، لا خادماً، كان أميناً اتجاه الآب في كل
شيء (عب 5:3، 6). لكنه كان أميناً أيضاً للذي عينه رسولاً
ورئيس كهنة في الإيمان الذي نعترف به (عب 2:3). وهو لم
يأخذ بنفسه هذه الوظيفة الشريفة، أي مقام رئيس الكهنة، بل
إن الله نفسه مجده هكذا، قائلاً له : "أنت ابني الحبيب؛
أنا اليوم ولدتك" (عب 5:5). ووفقاً لهذا يشدد المسيح كلياً
في كل حين على حقيقة كون الآب قد أرسله، وعلى أن طعامه هو
أن يفعل مشيئة الآب، وأنه قبل من الآب وصية بشأن ما سوف
يفعله ويقوله، وأنه أكمل عمل الآب على الأرض، وما شابه
ذلك.
وبديهي أن هذا التعيين للوظيفة قد تم قبل الوقت الذي صار
فيه المسيح إنساناً. فالكتاب المقدس لا يُعلّم فقط أن
المسيح كان عند الله في البدء وأنه كان هو الله، بل يقول
أيضاً صراحةً في عبرانيين 5:10 – 7 إنه عند دخوله للعالم
قال : ذبيحةً وقرباناً لم ترد، ولكن هيأت لي جسداً (وذلك
لأخل إتمام مشيئة الله بتقديم هذا الجسد للموت)؛ بمحرقات
وذبائح للخطية لم تسر. ثم قلت : هأنذا أجيء... لأفعل
مشيئتك يا الله. فالدخول إلى العالم، أو التجسد، إنما كان
يخص إذاً تنفيذ العمل الذي ألقاه الله على المسيح كي
يفعله. ذلك أن التكليف سابق للتجسد، وهو لم يحدث في الزمن
بل كان قائماً منذ الأزل.
لذلك يقال في مواضع أخرى إن المسيح كان معروفاً سابقاً قبل
تأسيس العالم (1بط 20:1)، وإن الاختيار قد تم والنعمة قد
أُعطيت لنا في المسيح قبل إنشاء العالم (أف 4:2 ؛ 2تي
9:1)، وإن سفر الحياة مفتوح أمام وجه الله من قبل تأسيس
العالم هو للخروف المذبوح (رؤ 8:13 ؛ 8:17). والتفكير في
عمل المسيح باعتباره ممارسة لوظيفة هو ربط لذلك العمل
بالمشورة الأزلية. وقد أُطلق عليه اسم المسيح، أي الممسوح،
لأن الآب عينه في الأزل، ثم مسحه في الزمن بالروح القدس.
وفي المقام الثاني، تحتوي الوظائف الثلاث التي أُكلت إلى
المسيح على ما يشير إلى دعوة الإنسان وغايته الأصليتين.
فليس أمراً اعتراضياً أو اعتباطياً على الإطلاق أن يُعيّن
المسيح في الوظائف الثلاث بالتحديد، نبياً وكاهناً وملكاً،
وليس في وظائف أخرى أو إضافية. بل إن ذلك المؤسس بالأحرى
على قصد الله للجنس البشري، وعلى الطبيعة البشرية بالتالي.
فقد خلق آدم على صورة الله في المعرفة والبر والقداسة، لكي
يعلن كلام الله كنبي، ويملك على المخلوقات كملك، ويكرس
ككاهن نفسه وكل ما له لله كتقدمة مرضية. وأُعطي أدم عقلاً
كي يعرف، ويداً كي يملك، وقلباً كي يحيط بكل شيء في
المحبة. فإن الغاية والقصد من الإنسان يتحققان في كشفه عن
صورة الله، وفي تطويره المتناغم لكل مواهبه وقدراته، وفي
ممارسته للوظائف الثلاث كنبي وكاهن وملك. ولكن الإنسان
انتهك هذه الدعوة العليا. ولهذا السبب جاء المسيح إلى
الأرض : ليُظهر من جديد صورة الإنسان ويحقق القصد منه إلى
التمام. فعقيدة الوظائف الثلاث تُرسي ارتباطاً راسخاً بين
الطبيعة والنعمة، والخلق والفداء، المسيح وآدم. ذلك أن آدم
الأول مثال لآدم الأخير وسابق له ومنبئ به، أما الأخير فهو
قسيم الأول ومكمله.
وفي المقام الثلاث، ترتبط عقيدة الوظائف الثلاث مباشرةً مع
إعلان العهد القديم. فلما صارت البشرية الساقطة في آدم
فاسدة أكثر فأكثر، اختار الله شعباً معيناً خاصةً له. وفي
ما يتعلق في تلك الدعوة تلقى شعب العهد القديم أيضاً،
بوصفه شعباً، مهمته تجمع النبوة والكهنوت والملك. فكان
واجباً أن يكون ذلك الشعب مملكة كهنة وأمة مقدسة للرب (خر
6:19). ولكن هذه المهمة عهد بها، بمعنى خاص، إلى الرجال
الذين دعاهم الله من ذلك الشعب ليكونوا أنبياء وكهنة
وملوك. ومع أن ذلك الشعب بجملته كان يصحّ أن يدعى "مسيح
الرب"، فإن هذه التسمية كانت موافقة على الخصوص للأنبياء
والكهنة والملوك. غير أن جميع هؤلاء الرجال كانوا خطاة،
فلم يستطيعوا بالتالي أب يقوموا بوظائفهم حق القيام. شأنهم
شأن الشعب ككل أشاروا بعيداً عن أنفسهم إلى شخص آخر سيكون
ملكاً وكاهناً ونبياً في الوقت الواحد عينه، وسيدعى "مسيح
الرب" بمعنى فريد (إش 1:16). ففي المسيح يتحقق إعلان العهد
القديم كله، إذ أنه التقسيم المتمم للشعب كله ولجميع
أنبيائه وكهنته وملوكه. وهو بالحقيقة ذاك الذي فيهم وبهم
يشهد لنفسه ويمهد لمجيئه (1بط 11:1).
وفي المقام الأخير،لا يفهم عمل المسيح حق الفهم ما لم يتم
تناوله بالنظر إلى الوظائف الثلاث. فطالما شهدت الكنيسة
المسيحية اتجاهات أحادية رأت فيه النبي فقط، على غرار
العقلانيين؛ أو شغلتها آلامه الكهنوتية وحسب على غرار
المتصوفة؛ أو لم تجد فيه إلا ملكاً، على غرار الألفيين.
ولكننا نحتاج إلى مسيح يجمع في ذاته هذه الثلاث معاً. منحن
في حاجة إلى نبي يعلن لنا الله، وكاهن يصالحنا مع الله،
وملك يحكم ويحمينا باسم الله. وينبغي أن تُستعاد صورة الله
في الإنسان كاملة، لا المعرفة وحدها، بل القداسة والبر
أيضاً. ولا بد من خلاص الإنسان كله، من حيث النفس والجسد،
ومن حيث الرأس والقلب واليد. إننا نحتاج إلى مخلص يفتدينا
إلى التمام والكمال ويحقق فينا القصد الأصلي من وجودنا
أكمل تحقيق. وهذا كله يفعله المسيح. فلأنه هو نفسه نبي
وكاهن وملك، فهو يجعلنا بالتالي أنبياء وكهنة وملوكاً لله
أبيه (رؤ 6:1).
ومع أن المسيح قد مُسح منذ الأزل، ومع أنه كان ناشطاً على
نحو استهلالي في أيام العهد القديم بوصفه وسيط عهد النعمة،
فإنه اتخذ لنفسه –كلياً وعملياً أول مرة – وظائف النبي
والكاهن والملك لما دخل إلى العالم قائلاً : هأنذا أجيء
لأفعل مشيئتك يا الله. فعندئذ اتخذ لأول مرة تلك الطبيعة
الإنسانية التي أعدته للقيام بعمل الوسيط. إذ كان ينبغي أن
يصير إنساناً ليعلن اسم الله للبشر، وليتمكن من أن يتألم
ويموت على الصليب، وليون شاهداً للحق باعتباره ملك الحق.
لذلك كان الحبل بالمسيح من الروح القدس هو في ذات الوقت
إعداداً مبدئياً لطبيعة المسيح الإنسانية لأجل العمل الذي
يُدعى إليه في ما بعد. وقد أُثيرت في عصرنا اعتراضات شتى
على الاعتراف بأن المسيح حُبل به بالروح القدس وولد من
العذراء مريم، كما بذلت عدة جهود لتعليل ما جاء في إنجيلي
متى ولوقا في شأن ذلك باعتباره تحريفاً يهودياً ووثنياً
لنص الإنجيل الأصلي. ولكن النتيجة التي آلت إليها حقيقية
هذا الأمر التاريخي أنها ثبتت ورسخت أكثر من ذي قبل. فلا
يمكن أن يكون ذلك مستمداً من عند اليهود والوثنيين. إذ أنه
خبر تاريخي صريح مؤسس على شهادة يوسف ومريم نفسيهما كما هو
واضح أيضاً من اللغة التي ورد بها. وبالطبع، انقضت فترة
غير قصيرة وخبر هذا الحبل المعجزي معروف فقط لدى يوسف
ومريم، وربما أيضاً عند عدد قليل من الأصدقاء الأوفياء.
فلم يكن مثل هذا الخبر بطبيعة الحال، أمراً معداً للتداول
العلني.
ولكن فيما بعد، عندما اتضح من هو المسيح وما هو، من أفعاله
وأقواله، ومن قيامته أيضاً بصورة خاصة، عندئذ فقط خطت مريم
خطوة إعلان سر الحبل المعجزي بيسوع لحلقة التلاميذ
الصغيرة. غير أن هذا الحبل من الروح القدس لم يبرز – ولو
بعد ذلك – إلى مقدمة موضوعات الكرازة الرسولية. ربما كان
مفترضاً ضمنياً في مواضع، إلا أنه غير مذكور صراحةً إلا في
متى ولوقا. ومع ذلك، فإن هذا الأمر هو عنصر جوهري من
مقومات الإنجيل، وهو يتوافق كلياً مع كامل العقيدة المختصة
بشخص المسيح كما تعلّم بها كلمة الله المقدسة. فلنذكر أنه
هو الابن الوحيد الذي، من حيث هو الكلمة، كان عند الله
وكان هو الله من البدء، وهو نفسه كان فعّالاً عند الحبل
به، وبعمل الروح القدس هيأ لنفسه طبيعة بشرية في أحشاء
مريم (في 6:2، 7). وفيه تحققت نبوءة إشعياء (14:7 ؛ 6:9 ؛
قارن أيضاً متى 25:1) بأن العذراء (امرأة صبية غير متزوجة)
سوف تحبل وتلد ابناً وتدعوه عمانوئيل، وأنه سيدعى أيضاً
عجيباً، مشيراً، إلهاً قديراً، أباً أبدياً، رئيس السلام.
وبهذا الحبل من الروح القدس، كانت طبيعة المسيح هذه
الإنسانية – من أول أمرها – خالصة من كل خطية بشرية. فلما
كان ابن الله موجوداً قبل ذلك بصفته شخصاً، ولأن هذا الشخص
لم يتحد بكائن بشري موجود، بل هيأ لنفسه طبيعة بشرية في
أحشاء مريم بعمل الروح القدس، فإن عهد الأعمال لم يكن
ليشمله، ولم يكن يحمل أي إثم أصلي، ولا كان ممكناً أن
يدنسه أي تلوث بالخطية. أما التعليم القائل بأن مريم أيضاً
حُبل بها بلا دنس، وبأنها عاشت في القداسة الكلية، فلا
داعي له ولا مسوغ ولا أساس، بل إنه مناقض لما يقوله الكتاب
المقدس عن مريم. لقد حظيت مريم بشرف رفيع، أسمى مما ناله
الأنبياء والرسل. فهي المطوبة، المنعم عليها، المباركة في
النساء، أم الرب (لو 42:1، 43). غير أنها هي نفسها كانت
ككل ذي جسد، كالبشر جميعاً. والقدوس المولود منها (لو
35:1) لم يكن كذلك بفضل طهارة طبيعتها، بل بفضل عمل الروح
القدس الخلاّق والمقدس في أحشائها.
ومع أن الطبيعة الإنسانية التي اتخذها المسيح من مريم كانت
كلية القداسة، فقد كانت مع ذلك ذات طبيعة محاطة بالضعف
البشري. وذلك مُعبر عنه في الكلمة المقدسة حيث تقول إن
المسيح صار جسداً لا إنساناً فقط (يو 4:1)، وإنه أُرسل في
شبه جسد الخطية (رو 3:8)، واتخذ صورة عبد (في 7:2)، وصار
مثلنا في كل شيء ما خلا الخطية (عب 17:2 ؛ 15:4). وقد كان
واجباً أن يتخذ المسيح مثل هذه الطبيعة البشرية الضعيفة
لكي يُجرب، وكي يتعلم الطاعة مما تألم به، وليتمكن من أن
يجاهد ويقدس ذاته بالجهاد، وليتعاطف معنا في ضعفنا ويكون
رئيس كهنة رحيم وأمين – وبكلمة : كي يقدر أن يتألم ويموت.
ورغم أنه كان كآدم قبل السقوط، من حيث كونه بلا خطيئة، فقد
كان مختلفاً جداً عن آدم من عدة نواحٍ. فإن آدم خُلق
راشداً في الحال، ولكن المسيح حُبل به في أحشاء مريم وولد
طفلاً قاصراً. ولما جاء آدم كان كل شيء قد أُعد له، ولكن
لما جاء المسيح إلى الأرض لم يعتد أحد به ولا كان له حتى
مكان في المنزل. وقد جاء آدم ليملك ويخضع الأرض كلها
لسيطرته. أما المسيح فلم يأتي ليُخدم، بل ليخدم ويبذل نفسه
فدية عن كثيرين.
فلم يكن تجسد ابن الله إذاً مجرد تنازل بالنعمة، كما يحصل
وهو في حال الارتفاع، بل كان في الوقت نفسه أيضاً عمل
اتضاع عميق. وقد بدأ الاتضاع بالحبل ذاته، واستمر طوال
حياة المسيح حتى موته ودفنه. فلم يكن المسيح بطلاً بشرياً،
شعاره التفوق، يُذلل كل عقبة ثم يبلغ أخيراً ذروة شهرته.
بل إنه – على نقيض ذلك – أمعن في الاتضاع أكثر فأكثر،
مشتركاً معنا في المعانات على نحو يتزايد أُلفة ومشاركة.
والطريق النازل إلى هذه الأعماق تميزه درجات أو خطوات :
الحبل، الولادة، العيشة الوضيعة في الناصرة، المعمودية
والتجربة، المعارضة، الذم والاضطهاد، المعانات في
جثسيماني، الحكم عليه أمام قيافا وبيلاطس، الصلب، الموت،
الدفن. إنه طريق يتباعد دائماً عن بيته عند الآب، ويتقارب
دائماً إلينا في مشاركتنا بالمعانات والموت، إلى أن يطلق
أخيراً – في أعمق أعماق آلامه – تلك الصرخة الملهوفة
تعبيراً عن الشكوى من هجران الله له. وعندئذ يستطيع أيضاً
أن يُطلق هتاف النصر : قد أُكمل!
تنتمي إلى هذا الاتضاع الظروف البسيطة وفضلاً عن الحبل
والولادة، بولادة يسوع عند عنبر ببيت لحم، الاضطهاد الذي
عاناه من قِبل هيرودس، والفرار إلى مصر قسراً مع وأبويه :
وأيضاً الحياة الهادئة وغير العلنية التي قضاها في الناصرة
أثناء سني حداثته. ولا تخبرنا الأناجيل بالكثير عن هذه،
لأن الأناجيل لم يقصد بها قط أن تروي لنا "سيرة حياة يسوع"
بالمعنى العصري، بل بالأحرى أن تعرّفنا بالمسيح من حيث
كونه ابن الله ومخلص العالم والابن الوحيد عند الآب. وفي
ضوء هذا القصد يكفينا القليل الذي يُقال لنا عن طفولة يسوع
وصباه.
يفيدنا متّى أن يسوع، بعد عودته من مصر، مضى ليقيم في كنف
أبويه في ناصرة الجليل (مت 23:2). هناك سبق أن سكنت أمه
(لو 26:1)، وهناك أمضى هو سني حياته السابقة لخدمته
العلنية بين بني إسرائيل (لو 39:2، 51 ؛ مر 9:1). ولم يتجه
إلى كفر ناحوم ويقيم فيها إلا بعد وقوفه في مجمع الناصرة
ورفض مواطنيه له (لو 28:4 وما يليها؛ مت 13:4)، لكن اسم
الناصري أُطلق عليه دائماً. وقد رأى متّى في ذلك إتماماً
لنبوة العهد القديم (مت 23:2)، لا لعبارة معينة منها، بل
للنبوة إجمالاً كما هي موجودة عند جميع الأنبياء، حيث
يُشار بالتحديد إلى أن المسيح سيطلع من أصلٍ وديع ووضيع
(إش 1:11) وأن النور سيشرق على الظلام الذي يعم جليل الأمم
(إش 22:8، 1:9، 2).
نحن نعلم أن يسوع، في حياة الاعتزال التي عاشها في
الناصرة عدة سنين، كان ولداً مطيعاً لأبويه (لو 51:2). كان
الصبي يسوع ينمو جسمياً ويتقوى بالروح ويتقدم في النعمة
عند الله والناس (لو 40:2، 52). ولما كان ابن اثني عشر
سنة، صعد مع أبويه إلى أورشليم في عيد الفصح، ولسنا ندري
هل كانت تلك أول مرة أو سبقتها أخرى (لو 41:2 وما يليها)،
حيث أظهر – بأسئلته وأجوبته – حكمته في وسط المعلمين. وليس
هذا فقط، بل إنه أظهر أيضاً لأبويه وعيه لدعوته، إذ أشار
إلى أنه، بوصفه الابن، ينبغي أن يكون في ما لأبيه، أو يهتم
ببيت أبيه (لو 49:2). وكان يوم السبت، حسب عادته، يذهب إلى
المجمع (لو 16:4)، وخلال أيام الأسبوع يساعد أباه في مهنته
كما يفترض. وعلى الأقل، دُعي هو نفسه بالنجار في ما بعد
(مر 3:6). وفي الجزء الأخير من حياته ما يلقي على سني
حداثته ضوءاً هذا مقدراه : فنحن نعلم أنه كان يجيد القراءة
والكتابة، ويعرف العهد القديم معرفة كليّة، ويدرك حقيقة
الفريسيّين والصدوقييّن، ويعي حاجة الشعب الأدبية، وقد
واكب الحياة المدنية والسياسية في عصره جيداً، وأحب
الطبيعة، وكثيراً ما انسحب معتزلاً الناس للشركة مع الله.
وعلى ضآلة هذه المعلومات، فهي كلها تشير إلى حقيقة مؤداها
أن المسيح كان، في أثناء سني العزلة دون الثلاثين، يُعدّ
نفسه للمهمة التي كان منتظراً أن يقوم بها في حياته
العلنية لاحقاً. فقد اتضح له أكثر فأكثر، بصفته إنساناً،
من هو وماذا عليه أن يفعل. وكان ماثلاً في ذهنه، دائماً
وبوضوح، أمر كونه يسوع المسيح بنوّته ومسيّويّته، بكل ما
يرتبط بهما وينتج منهما. حتى إذا بلغ الثلاثين أخيراً، حان
وقت ظهوره لإسرائيل (يو 31:1).
وقد كانت مناسبة هذا الظهور العلنيّ هي الكرازة التي بدأها
يوحنا المعمدان في بريّة اليهودية جنوباً. فإن هذا الرجل
المرسل من الله قد مهد السبيل لقدوم المسيح، وذلك بسبب
الحركة الكبيرة التي أحدثها بين اليهود بدعوته لهم إلى
التوبة. وقد أرسل الله يوحنا ليُعلم بني إسرائيل بأنهم
مذنبون ومدنسون، ومحتاجون بالأحرى إلى معمودية التوبة لأجل
مغفرة الخطايا، رغم تحدّرهم من إبراهيم وختانهم وبرّهم
الذاتي. وخرج إلى يوحنا كثيرون من أورشليم واليهودية وجميع
المنطقة المحيطة بالأردن، وتعمّدوا على يده، معترفين
بخطاياهم. ومع أنه مانع أن يعمّد يسوع، لأنه أدرك أنه
المسيح الذي وحده يستطيع أن يعمّد بالروح القدس وبالنار،
وهو شخصياً لا يحتاج لأن يتعمد، فمع ذلك أصر المسيح على
الأمر وقال إنه ينبغي أن يقبل المعمودية لأنه يليق به أن
يكملّ كلّ برّ (مت 15:3 وما يليها).
وختاماً، فإن الرب يسوع لا يقول إنه ينبغي له أن يُعمّد
لأنه يحتاج إلى التوبة والغفران. فهو، على خلاف جميع
المتعمدين في الأردن، لم يعترّف بأيّة خطية. لكنه رأى أن
يوحنا كان نبياً. بل أكثر من نبيّ، لكونه سابقه وممهد
سبيله (مت 7:11 – 14)، كما رأى – له المجد – أن معمودية
يوحنا لم تكن ممارسة طقسيّة وليدة فكرة يوحنا نفسه بل هي
مسؤولية ومهمة قبلها من السماء (مر 30:11). وهكذا تأسست
معمودية يوحنا على مشيئة الله وكانت جزءاً من البرّ الذي
كان للمسيح أن يكمله. فإذ مارس المسيح تلك المعمودية، أخضع
نفسه – من جهة لمشيئة – الآب، ومن الجهة الأخرى أدخل نفسه
في أوثق علاقة ممكنة بالناس الذين قبلوا التوبة ومغفرة
الخطايا معبرين عن ذلك بقبول المعمودية. فإن معمودية يوحنا
هي بالنسبة للمسيح علامة خضوعه التام لكامل مشيئة الله،
والدخول العلني إلى لبّ الشركة مع جميع شعبه، والخطوة
الملكية الأولى إلى الميدان المسياويّ.
ومن هنا كان للمعمودية بالنسبة المسيح معنى يختلف عن معناه
بالنسبة إلى الآخرين. فهو شخصياً لم يعطي علامة التوبة
وختم المغفرة، بل عُمد بالروح القدس باعتباره وحده من
يستطيع أن يعمد الناس بهذه المعمودية، وبالنار أيضاً. وفي
وقت متأخر ذهبت بعض الطوائف إلا أنه في لحظة اعتماد المسيح
اتحدت طبيعته أو قدرته الإلهية، أول مرة، بيسوع الإنسان.
غير أن هذه الفكرة هرطقة واضحة، لأنها تسيء إلى تجسد
الكلمة بالحبل. ولكن من المؤكد أن معمودية يسوع كانت هي
إعداده التام لمهمته. لأنه لما صعد من الماء انفتحت
السماوات، ونزل عليه روح الله، وسمع من السماوات صوتاً
يقول : هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت (كل السرور)(مت
16:3، 17). ومع أن هذا الأمر لم يدركه إلا قليلون، فقد كان
يوم اعتماد المسيح هو يوم ظهوره لإسرائيل وبداءة خدمته
العلنية باعتباره المسيّا.
ولكنه قبل مباشرة تلك الخدمة، اختلى أياماً في عزلة
البرية. وهناك لم يلتق كائناً بشرياً واحداً، بل أحاطت به
الطبيعة الصامتة والوحوش، أما طبيعة تأمله فتضح لنا نوعاً
ما من سياق خبر التجربة. فإن تجربة الشيطان له، وقد حدثت
في نهاية الأربعين يوماً، يورد متّى بياناً تفصيلياً عن
وقائعها، شكلّت ذروة للجهاد الذي خاضه، إلا أنها لم تكن هي
التجربة الوحيدة بأية حال. ذلك أن لوقا يفيدنا بالحرف
الواحد أنه كان "أربعين يوماً يُجرب من إبليس" (2:4) وأن
إبليس لما أكمل كل تجربة فارقه إلى حين (13:4). ثم أن
المسيح تجرب في كل شيء مثلنا، إنما بلا خطية (عب 15:4).
على أن التجربة في البرية كانت ذات علاقة بخطة خدمة المسيح
العلنية. فبعد المعمودية، كان المسيح ممتلئاً من الروح
القدس (لو 1:4)، والروح هو من اقتاده إلى البرية ليجربه
إبليس (مت 1:4). فقد كان يسوع آنئذ عالماً – إلى التمام
وبمنتهى الوضوح – بحقيقة كونه المسيح ابن الله وبامتلاكه
قدرات إلهية. ولكن إي استخدام سيستخدم هذه القدرات؟
أيوظفها علة نحو أناني في سبيل تلبية حاجاته الشخصية، أو
يحني ركبته لسلطة أرضية فينال ملكاً أرضياً، أم يكسب تأييد
الشعب له من طريق الآيات والعجائب الدرامية؟ في هذه النقط
الثلاث جميعها جربه المجرب. إلا أنه – له المجد – ظل على
ثباته في كل حال. فهو قد تشبث بكلمة الله، وبتلك الكلمة رد
كل تجربة. وقد خضع لمشيئة الآب وطريقه، وأقام على طاعته،
وقدّس ذاته كذبيحة لله. وهكذا فهو يعرف، من اختباره الخاص،
لا تعنيه التجربة فقط، ولا كيف يرثي لنا في ضعفنا وحسب، بل
أنه قادر أيضاً أن يعين المجربين، وذلك لأنه لم يستسلم
للتجربة على غرار آدم (عب 18:2 ؛ 15:4).
***************
 |